اختبار الحرية وسط ركام بيروت / علاء رشيدي

لم يكن تنظيم العرض المسرحي الأول في شوارع مارمخايل، المتضررة من التفجير، تجربة سهلة على الجمهور. فبالإضافة إلى موضوعة العرض القاسية، واللغة التي كتب فيها النص المسرحي، المثقلة بالعنف والبذاءة والإنحرافات الجنسية… أتى الفضاء المسرحي، أي الأبنية المهدمة جراء كارثة مرفأ بيروت لتشكل سينوغرافيا العرض، ولتكون أقسى العناصر على عين وإحساس أي مُشاهد. كما أن المنطقة حيث عرضت المسرحية، خاضعة حالياً لسلطة الجيش اللبناني ضمن نظام الطوارئ، ما جعل الحضور الأمني والعسكري المكثف محيطاً بالجمهور، المتعطش للعروض المسرحية منذ توقفها مع تداعيات وباء كوفيد-19 ومن بعدها الضرر الكبير الذي طاول الأماكن الثقافية ومنها المسارح بسبب الإنفجار.

تراب ومرحاض ودماء
العرض المسرحي الأول الذي يقدم في الشوارع المنكوبة، كان بعنوان “جود”، وهو اسم شخصيته الرئيسية، من كتابة كوفي كواهوالي، وترجمة وإخراج آلان سعادة، مع الأداء الإستثنائي للممثلة ضنا مخايل. عرض من نوع المونودراما، تؤديه ممثلة واحدة على المسرح الذي اختار المخرج أن يكون واحداً من أرصفة شوارع مارمخايل تحت بناء مهدم. على الرصيف، نجد كومة من التراب والقرميد المكسور، مرحاض أبيض ملطخ بالدماء مملوء بالبحص، يعلوهما طبل معلق في الأعلى، مع ميكروفون ونص العرض المسرحي.

تعجن الممثلة التراب على الأرض، وتضرب أجزاء القرميد ببعضها لتتكسر، فتخلق أجواء من اللعنة التي تحل على العرض وعلى الجمهور، وتضرب بقوة على الطبل لتسود أجواء رهبة وغضب. إنه الجو الإنفعالي الذي يرغب المخرج والممثلة في خلقه على المسرح، ثم تجلس الممثلة وتبدأ قراءة قصة جود: “أنا هون مشي لأحكي عن حالي، أنا هون لأحكي عن جود”، لازمة تكررها المؤدية بين الفقرة والأخرى من النص، والفترة والأخرى من العرض المسرحي.

الجسد المهدّم
تماثل عوالم “جود” المسرحية، عوالم الأبنية المهشمة المحيطة بنا كمشاهدين للعرض. فطفولة “جود” وحياتها تمضي في الأحياء المهمشة، في الأبنية الفقيرة، وفي المراحيض العمومية. تعيش في المشاريع السكنية التي تطلقها الحكومة من دون أن تنجح في إتمامها، ويشير النص إلى الفساد المستشري في السلطة السياسية الذي يؤدي كل مرة إلى توقف مشاريع الإعمار. وتختصر حكاية “جود”، حكاية التسلط الذكوري على المرأة، السادية الجنسية والإغتصاب. إنها تلك الطفلة التي تعيش حياة قاسية تعرضت فيها للتحرش الجنسي، وهي كذلك الفتاة المراهقة التي تشعر بمحاولات زوج الجارة بالتعدي عليها، وكذلك هي الزوجة التي يعاملها زوجها في أطر السيطرة والإخضاع والإغتصاب.

إذاً “جود” ليست امرأة واحدة، إنها حكاية جموع النساء اللواتي يتعرضن للتحرش والإغتصاب، حكاية المرأة التي تجبرها ظروف العيش، الفقر، النظام الإجتماعي، العادات والتقاليد أن تكون موضوعاً لرغبة الذكورة بالتسلط والتجبر، والتي تتجلى في العرض بموضوعة الإغتصاب الجنسي. لا شك أنها موضوعة قاسية لتُعرض ضمن فضاء من الدمار والخراب، كأنه الدمار والخراب الأخلاقي الذي يتخلل حياة المجتمعات غير القادرة على حماية أفرادها، وخصوصاً المرأة. فيتحول خراب المكان إلى ذاك الإنحلال الأخلاقي الذي يسود النص.

“سما”، صديقة جود الوحيدة، ونقيضتها من حيث الشخصية. فهي راقصة تقدم جسدها طوعاً لرغبات ولهو الرجال. كأن المرأة العربية محكومة بمعادلة جبرية، فإما أن تقدم جسدها طوعاً لتسلط الرجال ورغباتهم في الإنحراف، وإما تلك التي لا تُقدِم على هذا الخيار، فتتعرض للمصير نفسه، لكن بالإجبار والقوة. هكذا يعري النص المسرحي احتمالات مصير الأنثى في عالم خاضع تماماً لسيطرة الذكورة الموهومة بالسلطة عبر إخضاع الجسد الأنثوي. كذلك، تخلع المؤدية لباسها الداخلي لتجلس على المرحاض وهي تكرر: “خراء خراء يغطي العالم”، في إشارة إلى ضياع القيم الأخلاقية، وانتشار الفساد إلى حد يجعلها تصيح بصوت عالٍ أكثر من مرة برغبة التبول والتغوط على العالم الحالي.

تحضر في النص الألفاظ البذيئة، الأفعال الفاحشة، والمفردات الجنسية، وذلك بغاية رسم العوالم السفلية التي تعيشها “جود” وتجري فيها الحكاية، ورسم معالم الواقعية المفرطة في النص المسرحي، وكذلك تحضر الشتائم في توصيف العالم. كما أن هناك تدقيقاً في وصف لحظات الإعتداء الجنسي والإغتصاب، حيث تختلط الرغبات المنحرفة بمشاعر الخوف والقلق، ويصبح الهيجان مرتبطاً بمقدار الخوف الذي يسببه المعتدي على الضحية.

الحبيبتان
حكاية عاطفية وحيدة يرويها نص المسرحية، هي بين الصديقتين الحبيبتين (جود وسما)، حكاية علاقة مثلية تقارب فيها جسدا الفتاتين بغرام، بتعاضد، بعشق، بصداقة، ما يضيف إلى المسرحية بُعداً اجتماعياً جديداً متعلقاً بحقوق المثليين في لبنان. فتصور المسرحية علاقة مثلية عشقية، تفتح على التفاصيل العاطفية بين صديقتين أعجبت كل منهما بالأخرى، وكفاحهما أمام القيود والفروض التي يطبقها عليهما المجتمع الذكوري. إنه الحب الذي ينشأ عن التشابه، عن التقارب، عن وحدة المصير، لكن، والأهم، الذي ينشأ عن إعجاب كل منهما بطريقة الأخرى في مجابهة صعوبات الحياة.

بعد أن تُجبَر “جود” على تسليم جسدها بالترهيب، بالعنف، وبالتهديد بسكين المطبخ، وبينما يردد لها زوجها: “متل ما في نسوان لازمون ضرب، في نسوان لازمون اغتصاب”، تنتفض، وتنتقم بإطلاق النار من مسدس أخفته في لباسها الداخلي، لتُردي المُعتدي قتيلاً، وهنا تقول الراوية: “أنا هي جود، أنا هي جود”، أي أنها تعترف بأن كل ما روته بإعتباره عن شخصية أخرى، هو حكايتها الذاتية، تجربتها الداخلية، ومشاعرها التفصيلية. لكنها لم تعد تلك المرأة الضعيفة القابلة للإعتداءات المستمرة، بل هي “جود” المرأة المنتفضة التي صفّت حسابها مع من اعتدى عليها.

وعرض “جود” قُدِّم بين الأبنية المتضررة بانفجار المرفأ، وفي المنطقة الواقعة حالياً تحت وصاية الجيش وفق قانون الطوارئ. لذلك، فقد حضر حول مكان العرض، وبين الجمهور، العديد من عناصر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الذين ساعدوا في إغلاق الشارع وإقفال إتجاهات السيارات لصالح العرض. ومنهم من انخرط في حكاية العرض وتابعها، ومنهم من صوّر بموبايله. وربما إندماج القوى الأمنية في عرض مسرحي، أمراً مألوفاً في عروض الشارع، إلا أن الموضوعات التي يطرحها العرض، جعلت أنظار الجمهور تهتم بردود أفعال “أقرانهم” من عناصر الأمن والعسكر.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This