المعركة المقبلة في واشنطن / وائل السواح

في وقت كان فيه الجميع يستعدون لمعركة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، حدث ما كان الليبراليون والديمقراطيون واليساريون يخافونه ويتوقعونه. رحلت عن هذا العالم عضو المحكمة العليا في الولايات المتحدة، القاضية روث بادر جينسبيرغ، المدافعة الأصيلة عن حقوق الملوّنين والنساء والأقليات الدينية والمهمّشين في الولايات المتحدة، فاتحة المجال لمعركة ستسبق الانتخابات، وربما كانت أكثر ضراوة وأقلّ أخلاقا.

كانت القاضية جينسبيرغ (أو آر بي جي” كما يسميها أنصارها) شخصية استثنائية في تاريخ المحكمة العليا، فهي ثاني امرأة تحتل مكانها تحت القوس، بينما تتمتّع بدماثة ورهافة وخّفة دم كبيرة. وفي الوقت عينه، تتمتّع بشخصية قيادية عالية، وبحزم كبير حين يتعلّق الأمر بالقانون والدستور وحقوق الإنسان والمساواة التامة بين الأميركيين، رجالا ونساء، سودا وبيضا وملوّنين، مسيحيين ومسلمين ويهودا وملحدين. عيّنها في عام 1993 الرئيس بيل كلينتون، وتحوّلت في السنوات الأخيرة لتلعب أعلى دور في الجناح الليبرالي للمحكمة، حيثّ تميّزت دوما بمواقفها التقدّمية في ما يتعلّق بالقضايا الاجتماعية الأكثر إثارة للانقسام في أميركا اليوم، بما في ذلك حقوق الإجهاض وحقوق التصويت والهجرة والرعاية الصحية والعمل الإيجابي.
القاضية جينسبيرغ شخصية استثنائية في تاريخ المحكمة العليا، وهي ثاني امرأة تحتل مكانها تحت القوس، بينما تتمتّع بدماثة ورهافة وخّفة دم كبيرة

وفاتُها، قبل أقل من سبعة أسابيع من يوم الانتخابات الرئاسية، تفتح معركة سياسية حول مستقبل المحكمة التي تلعب في المشهد السياسي والدستوري الأميركي دورا كبيرا جدا، وخصوصا في ظل الإنقسام الكبير الذي سبّبه وجود رئيس عنصري ومسفّ ولاأخلاقي على رأس السلطة التنفيذية. ففي حالات كثيرة من الخلافات بين ترامب والكونغرس أو المجتمع المدني والنقابات والمدافعين عن الحقوق المدنية وجماعات البيئة، يلجأ هؤلاء إلى القضاء، وغالبا ما تحكم المحاكم الدنيا لمصلحة المجتمع المدني، فيرفع ترامب استئنافه إلى محكمة الدرجة الثانية، ومن ثمّ المحكمة العليا. وبغض الطرف عن كلّ الصفات السيئة فيه، إلا أن الرئيس ترامب شخص محظوظ، حظي بما لم يحظَ به رئيس قبله من كبار الرؤساء في التاريخ الأميركي. في فبراير/ شباط 2016، توفي عضو المحكمة العليا، أنطونين سكاليا، ورفض مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون التصويت على مرشّح الرئيس أوباما وقتها لشغل الكرسي الشاغر، على الرغم من أن الفراغ حدث قبل أحد عشر شهرا من تسلّم الرئيس الجديد منصبه. واحتج زعيم الأغلبية المحافظ، ميتش مكونيل، بأن الرئيس القادم هو من يجب أن يرشّح العضو الجديد، في سابقةٍ غير مشهودة في التاريخ. مكونيل نفسه هو من يقود اليوم حملة التصويت على مرشح ترامب، على الرغم من أن الانتخابات ستجري بعد أسابيع فقط وليس أشهر.

ثم في 2018، قرّر القاضي أنتوني كينيدي التقاعد من المحكمة العليا. كان كينيدي محافظا، ولكنه كان كثيرا ما ينحاز إلى صفّ الليبراليين في مواضيع حساسّة، مثل الحق في الإجهاض والمسائل الصحية. وأفسح تقاعده في المجال أمام ترامب ليعيّن عضوا محافظا آخر، هو بريت كافاناه الذي دارت حول تاريخه الشخصي معارك طويلة، انتهت بتثبيته بـ51 صوتا ضدّ 49، وهو أقل عدد من الأصوات يحصل عليه قاض عالٍ في تاريخ الولايات المتحدة. وقبل أقلّ من سبعة أسابيع من انتخابات 2020، وبينما تتوقع معظم الإستطلاعات خسارة الرئيس ترامب فيها، ماتت آر بي جي، مفسحة المجال لترامب ليعين عضوا جديدا محافظا في أعلى هيئة قضائية.

قبل وفاتها بأيام، أخبرت جينسبيرغ حفيدتها أنها ترغب أن يأتي تعيين بديل لها من الرئيس المقبل

قبل وفاتها بأيام، أخبرت جينسبيرغ حفيدتها أنها ترغب أن يأتي تعيين بديل لها من الرئيس المقبل، “أمنيتي الأكثر حماسة هي ألا يتم استبدالي حتى يتم تنصيب رئيس جديد”، هكذا أملت على حفيدتها كلارا سبيرا وهي على فراش الموت. ولكن لا أحد يتوقّع من رئيسٍ مثل ترامب يتباهى بالتحرّش بالنساء ويشارك أشرطة فيديو عنصرية على صفحة تويتر الخاصّة به أن يحترم رغبة جينسبيرغ الأخيرة. وكذلك لا يتوقّع من زعيم الأغلبية مكونيل الشيء نفسه. ومن بين 53 عضوا في مجلس الشيوخ، وقفت سيدتان فقط وبخجل ضدّ التصويت، ليزا موركوفسكي من ألاسكا وسوزان كولينز من مينيسوتا. في المقابل، قال السيناتور بيل غراهام إن مجلس الشيوخ سيصوّت على أي مرشّح للرئيس قبل الانتخابات.

دستوريا، يحقّ للجمهوريين فعل ذلك. أخلاقيا هذه الخطوة معيبة، خصوصا وأنهم أنفسهم رفضوا التصويت لمرشح أوباما في 2016، على الرغم من فرق المدّة الكبير. ولكن السياسة غالبا ما تأتي بدون أخلاق، وخصوصا في هذه الفترة، حيث انتهت الأيام التي كان يأبه فيها السياسي أو القاضي لإرثه وما سيخلّفه وراءه من ذكرى طيبة. وترامب يعرف ذلك جيدا، بل هو يسهم في تنمية هذا الحال وتعزيزه. ولذلك، جاء خياره ليكون إهانة لشخص آر بي جي وإرثها. أكثر المرشّحات اللواتي ترد أسماؤهن حظا هما القاضيتان إيمي كوني باريت وباربرا لاغوا (في تناقض صارخ مع طبيعته وعد بأن يرشّح امرأة للمنصب).

تخرجت باريت البالغة 48 عامًا، وهي أم لسبعة أطفال من ولاية إنديانا، مسقط رأس نائب الرئيس مايك بنس، من كلية الحقوق في نوتردام وعملت كاتبة قانونية لدى القاضي أنطونين سكاليا. ثمّ عينها ترامب في محكمة الاستئناف الأميركية السابعة في عام 2017. وهي كاثوليكية متزمّتة ومحبوبة من الأميركيين المحافظين اجتماعيا بسبب مواقفها من الإجهاض ورؤيتها التمييزية للمرأة. ولا تولي باريت كبير احترام للسوابق التي أسّستها المحكمة العليا (وهي تحمل عادة مكانة تكاد تكون دستورية في القضاء)، وكتبت في مقال نشرته في Texas Law Review تشكّك في أهمية سابقة المحكمة العليا: “أميل إلى الاتفاق مع الذين يقولون إن واجب العدالة هو الدستور، وأنه بالتالي من الأكثر شرعية بالنسبة لها أن تفرض فهمها الأفضل للدستور بدلاً من سابقةٍ تعتقد أنها تتعارض بوضوح معه.. هذا بحد ذاته يخدم قيمة مهمة لسيادة القانون”.

ستنحرف المحكمة العليا يمينا وسيؤثر ذلك على الحياة الأميركية عقداً على الأقل

إذا ما تمّ تعيينها في المحكمة العليا، من المحتمل أن يكون لها دور أساسي في تقويض الكثير مما حقّقته المرأة الأميركية على مدى عقود كثيرة: حقوق الإجهاض، والوصول إلى وسائل منع الحمل، وحظر أشكال عديدة من التمييز بين الجنسين.

لا يملك الديمقراطيون أسلحةً كثيرة لوقف هذه الحملة. وهم سيحاولون أن يدقّقوا في شخص المرشّح أو المرشّحة للمنصب. وسيحاولون مدّ أمد النقاش في مجلس الشيوخ إلى أطول ما يمكن، كما سيحاولون مدّ الجسور مع الجمهوريين المعتدلين، من أمثال ميت رومني وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي، ولكن الأمل في الوقوف في وجه العاصفة ضئيل. يبقى فقط أن يأتي الرد في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، من أغلبية الأميركيين الذين سيرفضون مناورات ترامب وعصبته، وسيأتون برئيس جديد وأغلبية ديمقراطية في الكونغرس، ولكن ذلك كله لن يغيّر من خسارة المحكمة العليا التي ستنحرف يمينا بشكل واضح، وسيؤثر ذلك على الحياة الأميركية عقدا من الزمان على الأقل.

العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This