من التّاريخ وإليه نعود

ملخص الورقة البحثية: 

بحث تطور ونشوء التوحيد الإبراهيمي، وعلاقته بتشكيل ذهنيات المؤمنين به في منطقة الشرق الأوسط بتجدد حالات التلقي عبر التاريخ، فالتصور الإبراهيمي للإله رؤية وعقل ونظام تفكير للكون وللعلاقات داخله.

تم ذلك عن طريق:

١- توضيح التداخلات بين الميثولوچي من حضارات ما بين النهرين، وبين ما يعتقد المؤمنون أنه وحياً.

٢- دور التواصل عن طريق الوحي بين الإله الإبراهيمي الواحد وبين الإنسان، في خفوت العلاقة الجدلية بين ظاهرة الحضارة وظاهرة الكون. وفي القطيعة -بمرور الوقت- مع حضارات العالم القديمة، بصفتها «وثنية».

٣- التفاعل والجدل مع أمثلة / حالات من الميثولوچي، ومن العهد القديم، ومن القرآن، ومع بعض مفسري وتفسيرات العهد القديم والقرآن، وكذلك مع أطروحات فلسفية معاصرة / أطروحة أبو يعرب المرزوقي الخاصة بحل مشكلة النظر الفلسفي / الصراع بين المتكلمين والفلاسفة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي على يد ابن تيمية.

1

أنطلق من الأرض. من نقطة سعي مرتبطة بعدم جدوى تطبيقات الترقيعات اللاهوتية ذات الشعبية الإيمانية، في حل مشكلات المؤمنين المتجددة والمتبدلة عبر التاريخ الإنساني.

حتى نكون أكثر تحديداً، سوف نحصر دائرة اللاهوتات ذوات الشعبية الإيمانية داخل المحيط الإبراهيمي في الشرق الأوسط.

رغم تغلغل اللاهوت وتنزلاته في أدق تفاصيل حياة عدد كبير من أفراد هذه المنطقة، إلا أن العقل الغيبي لجمهور كبير منهم متيقن من أن هناك حلاً واحدياً لأوضاعه مُريعة التردي، التي هي أوضاعنا جميعاً، ألا وهو مزيد من «تطبيق أو تطبيقات الشرعوية اللاهوتية». فلن ينتهي الغلاء إذا لم تتحجب النساء. «ڤيروس كرونا[1] إنما هو نازلة إلهية لا مبدئ ولا كاشف ولا حابس لها إلا الله. إنها لعنة السماء لما أحدثه الإنسان بغروره وظلمه لنفسه، من عبث وطغيان وفساد في الأرض. إنها رسالة ربانية بأن يرجع الإنسان لخالقه تائباً نائباً متضرعاً».[2] عدد من الأقباط الأرثوذوكس نشر -بطريقة القص واللزق- هذا المنشور Post على منصة فيسبوك، كرد مفحم مزلزل على من يظن أن طقس التناول سوف يتسبب في تفشي ڤيروس كورونا «سؤال لقداسه[3] البابا شنوده[4] الثالث: هل يمكن استخدام الملاعق البلاستيكية خوفا من انتقال الأمراض؟ فكان الرد … ان[5] التشكيك في انتقال الأمراض عن طريق سر التناول خطيئة كبرى، التناول يشفي من الأمراض ولا ينقلها. العظيم في البطاركة».

إذن هذه اللاهوتات تُساهم في تشكيل هكذا ذهنيات، لاهوتات مؤسسة على تصور معين للإله / للتوحيد الإبراهيمي، أو للدقة لنشوء وتطور الإله الإبراهيمي، أو لمزيد من الدقة للإيمان الشعبوي بأنه لا نشوء ولا تطور للإله / التوحيد الإبراهيمي، وللظاهرة الدينية الإبراهيمية.

في عام ١٨٤٩ ميلادي اكتشف الأثري والدبلوماسي البريطاني أوستن هنري لايارد ال«إنوما إليش Enuma Elish»، قصة الخلق البابلية، في مكتبة «أشوربانيبال» الواقعة في قصر «سنحاريب» بنينوى العراق. ٧ ألواح فخارية مكونة من ١٠٠٠سطر / بيت شعر، يتراوح عدد الأسطر في كل لوح من ١١٥ إلى ١٧٠، كل الألواح كانت مكتملة عدا الخامس الذي اكتمل بما أُكتشف منه بعد ذلك في تركيا.

دُونت ال«إنوما إليش Enuma Elish» على هذه الألواح في القرن ال١٨ قبل الميلاد حوالي ١٧٥٠ عاماً قبل الميلاد، مما جاء فيها أن إله مدينة بابل مردوخ Marduk -أحد أحفاد تيامات «إلهة المياه المالحة»، وزوجها «إبسو» إله المياه العذبة- قضى على تيامات نفسها -جدته- بسبب قيامها بفوضى كبيرة لرغبتها في الانتقام من قتل زوجها «إبسو». شق مردوخ تيامات -التي رسمت على هيئة تنين على الجداريات- نصفين فجعل نصفها السفلي الأرض والعلوي السماء[6]. ومن هنا أنشأ مرودخ الإله البابلي -الملقب بالمولى الأعظم، ومولى السماء والأرض- الكون [الضوء / النور، السماء، الأرض، الشمس، البشر]، والهدف من خلق البشر خدمة الآلهة.

{1 في البدء خلق الله السماوات والأرض. 2 وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله: «ليكن نور»، فكان نور. 4 ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. 5 ودعا الله النور نهارا، والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحداً.

6 وقال الله: «ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه». 7 فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. 8 ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا}[7].

{أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون}[8].

«يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله بأبصار قلوبهم فيروا بها، ويعلموا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً، يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رتق فلان الفتق، إذا شده، فهو يرتقه رتقا ورتوقا، ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء، ووحد الرتق، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله (كانتا) لأنه مصدر، مثل قول الزور والصوم والفطر .

وقوله ( ففتقناهما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق وكيف كان الرتق، وبأي معنى فتق؟ فقال بعضهم : عنى بذلك أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين ، ففصل الله بينهما بالهواء».[9]

يتلخص ما فعلناه فقط بمحاولة بسيطة لتقصي بعض ملامح تداخل التاريخي والأنثربولوجي مع اللاهوتي والغيبي، بين ميثولوچيا الخلق البابلية -المدلل عليها أثرياً وتاريخياً- وقصة الخلق في العهد القديم والقرآن -المدلل عليهما غيبياً ولاهوتياً- فهكذا تداخل وهكذا تدليل عليه، يقودنا لمعرفة أن للتوحيد الإبراهيمي نشوء وتطور.

{7 وظهر الرب لإبرام[10] وقال لنسلك أعطي هذه الأرض فبنى مذبحاً للرب الذي ظهر له. 8 ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل من المغرب وعاي من الشرق فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب}[11]

جاء في شرح القمص أنطونيوس فكري ما يلي: بيت إيل = هذا هو أول ذكر لبيت إيل في الكتاب المقدس، أما أولاً فكان اسمها لوز، حيث رأي يعقوب حلم السُلم المنصوبة على الأرض ورأسها يمس السما، فدعا المكان بيت إيل أي بيت الله. [12]

من هو إيل؟ أركيولوجياً توجد إجابة.

من عام ١٩٢٩ حتى عام ١٩٨٨ عثر على ٣٥٥٧ رقيم فخاري يحمل كتابات في رأس شمرة التابعة لمحافظة اللاذقية في سوريا، وسط أطلال مملكة أوغاريت القديمة، تعرفنا هذه الكتابات الديانة الكنعانية / عمر التدوين حوالي ١٢٠٠ سنة قبل الميلاد، تعرفنا على El Elyon الإله إيل أو العليون أبو الألهة، وزوجته أشيرة Ashera وابنهما الإله بعل. ومن المتداول أن الديانة الكنعانية «مورست» من حوالي ٣٣٠٠ عام قبل الميلاد، أي قبل ميلاد إبرام وفقاً للتدوين اللاهوتي.

جاء أيضاً في شرح القمص أنطونيوس فكري على نفس الإصحاح: وكانت عائلة إبراهيم مؤمنة بلا شك ولكن تسلل إليها بعض العادات الوثنية من الجيران الوثنيين، فنحن نجد لابان بعد ذلك له آلهته (تماثيله الوثنية التي يعتقد في بركتها)، فهو يعبد الله لكن لا مانع من وجود هذه التماثيل.[13]

ننتقل مرة أخرى لألواح أوغاريت، التي جاء فيها ذكر ل«يهوه» كإبن للإله «إيل».

وفي نفس الألواح وُصف «إيل» بالقدرة العظيمة، الله العلي، لديه القدرة على التحكم بمفاصل الحياة الأرضية كجريان المياه وإحياء الموتى، كان متحكماً بالآلهة الأخرى، يخشاه البشر بشدة، ومقره «عرشه المحتجب في السماء السابعة».

كتب فراس السواح[14] «وهو ألوهة خالقة وحافظة لخلقها مهيبة وجليلة ومفارقة للعالم، ولكنها في الوقت نفسه رحيمة حنونة على مخلوقاتها».

فلنلقي نظرة إذن على التصور الإسلامي الشائع عن الإله: «فالواجب على المسلم أن يعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وأنه بائن من خلقه جلا وعلا وليس حاّلاً فيهم، فهو العلي الأعلى فوق جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى تقدس، وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة».[15]

لو بحثنا عن الإله «هَبَل» نجد أن «هَبَل» أو «هابال» يقصد بها ها هو «بعل»، بعل أبن «إيل»، و«أشيرة»، وبعل الكنعاني هو نفسه أو توحد مع «مردوخ» البابلي[16]. أو أن «مردوخ» البابلي عبد باسم «بعل» عند الكنعانيين[17]. وكان العرب يعتبرون «إيل» الإله الواحد «الأحد»، الذي تخضع له جميع الآلهة، ويليه «هبل / بعل».

{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون}[18]

«وقال أبو مجلز ومجاهد الإل هو الله عز وجل، وكان عبيد بن عمير يقرأ «جبر إل»[19] بالتشديد يعني عبد الله. وفي الخبر أن ناساً قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرأوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل أي من الله، والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة (لا يرقبون في مؤمن إيلاً) بالياء، يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل».[20]

هناك إذن تطوراً ونشوءً تاريخياً للتوحيد الإبراهيمي وللظاهرة الدينية المرتبط بها، أي أنها لم تأت من فراغ أو هبطت على فراغ، أو كسحت أوضاعاً وركبت غيرها، بل تفاعلت وتدرجت بحكم الصيرورة التاريخية وما تحمله في داخلها من عوامل طبقية وسياسية واجتماعية واقتصادية وتراكمات معرفية -يمكن دراسة ظاهرة التوحيد الإبراهيمي بشكل موسع بداية من المجتمعات الأمومية لكننا سنكتفي بهذه الشواهد البسيطة للتدليل في هذا المقام- هذه الصيرورة التاريخية رُكبت قسراً داخل أطر لاهوتية غيبية، حرمت التفكير فيها ونقدها وتفكيكها ودراستها عبر علوم الإنسان والمجتمع.

فلنعود مرة أخرى للأية رقم ٨ من سورة التوبة، وما جاء بخصوصها في تفسير البغوي.

نطق لفظة «إلاًّ» غريبة على أسماعنا، بمعنى أن رسم الكلمات -لأن ثقافتنا المعاصرة ليست شفاهية أو على الأقل ليست بنفس قدر شفاهة ثقافة أجزاء من شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي- قد يجعلنا -أي رسم الكلمات- نذهب بشكل ألي مُتسرع لنطقها الأكثر شيوعاً في ثقافتنا الحاضرة، أي نحو المعنى المستقر / الأكثر تداولاً، هنا ينقر الوعي أدمغتنا وينبهنا أن المعنى المستقر ضيع نظم وتركيب وبالتالي دلالة الأية كلها، وهذا يعني شيوع استخدام «إل» أو «إيل» في ثقافة شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي كما نستخدم نحن اليوم كلمة «الله»، أو كما تطور استخدام «الله» محل «إيل»، والمستوى النحوي يؤكد ما أدعيه، يؤكد مدى تجذر كلمة إيل في ثقافتهم، فالكلمة مُشكلة إعرابياً في متن الأية، أي ليست ممنوعة من الصرف كاسم أعجمي، تماماً كما هو الحال مع اسم «الله».

نلاحظ استخدم أبو بكر في الرواية المذكورة في تفسير البغوي كلمة «إيل»، وهو منفعل -احتمال- من ما قرأه عليه وفد من قوم مسيلمة مكذباً لهم، مدافعاً كما يبدو عن القرآن ونبوة النبي محمد. وفي لحظات الانفعال وتحت الضغوطات، خاصة في مواضيع على هذه الدرجة من الحساسية، وفي وضع سياسي تمردي، هدد اقتصاديات ومركزية دولة ناشئة، قد نتجه كبشر للكلمات المتجذرة المستقرة في ثقافتنا كأداة للتعبير دون كثير من التفكير، كما أن اللغة الانفعالية أداة توجيه سياسي فعالة، مع العلم أن مسيلمة وقومه من قبيلة بني حنيف التي تقع في منطقة اليمامة، والمسافة بين اليمامة ويثرب ٩٩,٧٢ كيلو متر، أي أن أبو بكر أول خليفة للنبي، وفي بدايات مدته، وبعد انقطاع الوحي بأسابيع، استخدم المشترك الثقافي الأكثر تجذراً في وعيه وفي العقل الجمعي أي الأوسع انتشاراً في شبه الجزيرة.

نعود للتفاعل مع الأية القرآنية، الجدلية بين المستوى النحوي والأداء الصوتي / النغم، تجعلنا نسمع التشديد على حرف اللام في كلمة «إلّاً» تشديداً على المؤمن المُخاطَب، والتنوين تثبيتاً له أمام خداع المشركين -فالأية تعرف جيداً أنها تخاطب أبناء ثقافة شفاهية كما ذكرنا، والخطاب نفسه كان شفاهياً إلى أن دون فيما بعد- وهذا يدل على مركزية اللفظة في نظم وتركيب متن الأية وأدائها لوظيفتها على أكمل وجه، إذ يحذر بها المخاطِب أتباعه أو يرفع مستوى التحذير من الآخر المتحدث عنه إلى أعلى مستوى ممكن، ثم يؤكد تحذيره ويحدد معناه أكثر بالعطف على لفظة «ذمة» -لاحظ أن إلاًّ وذمة بدون أداة تعريف أي لهما طابع عمومي ومطلق، مما ينعكس على طبيعة التحذير واستمرارية أثره في كل حالة تلقي جديدة- وهي تفهم في بعض السياقات القرآنية -أي ذمة- على أنها دخول الطرف الأضعف في المجتمع في ذمة / عهد أي تحت حماية الطرف الأقوى، الذي مكنه الله عسكرياً وسياسياً واقتصادياً كنتيجة حتمية لإخلاصه الإيماني الأرقى -أعلى السلم الهيراركي الإبراهيمي- من باقي مكونات المجتمع الدينية الإبراهيمية وغير الإبراهيمية، خاصة أن الآخر في الأية موصوم بالنفاق فما على لسانه مغاير لما يضمره قلبه، وصراحةً موصوف بفسوق أكثريته. وهذا معناه أنه في حال وقوع المسلم تحت ذمة هذا الآخر غير المسلم، يكون السبب إخلال المسلم بشروط الإخلاص والتكريس الإيماني، أي أنه يحتاج لمعرفة ما فرط في تطبيقاته الشرعوية اللاهوتية، سواء بعدم تطبيقها من الأساس أو في خلل أثناء التطبيق، وهل هذا الخلل أو هذه الاختلالات مرتبطة بالمصدر أي بتسيب أو زيغ في أصل المعتقد؟ ولذلك فالمسلم مطالب بتنقية سبيكته الإيمانية من الشوائب والابتداعات، أي السفر عكس الزمن لأكثر من ١٤٠٠ عام للتعرف على حقيقة الإيمان القويم، وتجميد هذه الحقيقة / الدين الخالص، والسفر بها أكثر من ١٤٠٠ عام مرة أخرى لكن للأمام، فوق حركة التاريخ ليحرك بها الحاضر في اتجاه مصلحته في المستقبل.

وجدت أيضاً في هذه الأية الفاعلين الرئيسيين في مجمل الخطاب القرآني، وجدت الفاعل، الموضوع، المرسل، المرسل إليه، الأنصار، المعارضين، وشكل وطبيعة العلاقة بينهم في وقت النزول أي في «أي مرحلة كانت من مراحل تطورها التاريخي»، فمثلاً أنا لا أعرف هل سورة التوبة مكية أم مدنية؟ ولن أبحث لكن أؤكد لكل من يبحث أنه سيجدها سورة مدنية بل ومن آواخر ما نزل من القرآن، أي بعد تأسيس الدولة بل نوعاً ما بعد استقرارها، لا يوجد في الأية وصف اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو طبقي للآخر[21] -لم يعد هناك حاجة لهذا الخطاب بعد التمكين- نلاحظ أن الأوصاف متعلقة بباطن الجماعة الإنسانية الموصومة، لا يمكن للعقل التحقق من صدقيتها أو عدم صدقيتها، وإن كان ذلك حق لله وحده فلماذا يستخدم هذا الحق إلى الآن من قبل عدد من المسلمين؟ إلى درجة تحديد من يجب ومن لا يجب الترحم عليه(ا) بعد الموت، فضلاً عن تقسيم العالم لدار كفر ودار إسلام، بل وتقسيم البعض المجتمعات الإسلامية وتصنيفها كمجتمعات تعيش في جاهلية معاصرة، تستوجب إعادة الغزو / الفتح، أي أن تلقي عدد من المسلمين للخطاب الإلهي شكل ويشكل ذهنية للمُخاطَب / المؤمن -يعاد انتاجها بتفاوتات مع تجدد لحظات التلقي- بناءً / تأسيساً على ما استنبطته وفهمته وورثته وتلقته وتلقنته عن رؤية وعقل ونظام تفكير المُخاطِب للكون وللعلاقات داخله، عبر وسائط الناطقين باسمه من نبوات وقداسات وسلطات ومعارضات ومصالح وصراعات وأيدولوچيات ومؤسسات. ومعظم محاولات مفارقة هذه الذهنية وتفكيكها من قبل بعض المسلمين، حال التنبه إليها، قوبلت بالرفض والتجريم والتحريم والتكفير والحرق والصلب والقتل والتفريق بين الأزواج، مثلما حدث بين الكنيسة ومن اعتبرتهم مهرطقين.

إذن يمكننا قول الآتي:

١- هناك نشوء وتطور للتوحيد الإبراهيمي وللظاهرة الدينية المرتبط بها.

٢- يمكن صياغة سردية تاريخية متماسكة، دقيقة وسليمة المنطلقات التاريخية، بدلائل أنثربولوجية، لهذا النشوء والتطور.

٣- هذه اللاهوتيات «ذوات الشعبية الإيمانية داخل المحيط الإبراهيمي في الشرق الأوسط».

تُساهم في تشكيل ذهنيات غيبية إقصائية بدرجات متفاوتة تمثل جمهوراً -نتيجة تغييب الفعل النقدي القلق وعوامل أخرى مستفحلة- يرى أن لا خلاص له خارج هذه اللاهوتات أي مزيد من «تطبيق أو تطبيقات أو ترقيعات تطبيقات توافقية للشرعوية اللاهوتية»، رغم كل التجارب العملية التاريخية والقائمة التي أثبتت عكس ذلك، ولم تدرس علمياً وموضوعياً بشكل كاف حتى الآن.

٤- التصور الإبراهيمي للإله هو عقل ونظام تفكير ورؤية للكون وللعلاقات داخله، يجمع بين هذه اللاهوتيات على مستويات عدة، من أهمها وأخطرها الحفاظ بأي ثمن على الإيمان الشعبوي للجموع، بأنه لا نشوء ولا تطور للتوحيد الإبراهيمي وللظاهرة الدينية التي يمثلها كظاهرة تاريخية عمرها حتى الآن ٢٦٠٠ سنة. ولا يلغي هذا التناقضات فيما بين أو داخل كل لاهوت، والتي وصلت في لحظات صداماتها لمراحل دموية تقشعر لها الأبدان.

2

هذه المرة أنطلق من الكون، هل الكون يفكر؟ علمياً الرد بالإيجاب، يفكر ويتصرف، أي أن له سلوكاً مرتبط بأسلوب تفكير أي له عقل، أي أنه كائن حي.

في حقب زمنية قديمة، أنتج العجز الإنساني عن تفسير سلوك وظواهر الكون -من ضمن ما أنتج- ميثولوچيات، كما أنتج مقاربات مهمة وفذة -كان للميثولوچيا أيضاً دور فيها- بما سعى لامتلاكه من معارف وأدوات عن حقائق الكون وتفسيرات لظواهره، شطحت أحياناً، وأنجزت خطوات جريئة ومؤسسة للإمام في أحيان أخرى.

استُغلت الميثولوچيات وهُبِطَ بها لمستويات دنيا من المتاجرة والتقديس والتكريس لأوضاع متخلفة تخدم مصالح سلطوية فئوية وطبقية، وعلى جانب آخر تطورت -أي الميثولوچيات- أو حاولت -أي حاول الإنسان- أن تتطور بدوافع متعددة لخلق نسق أو أنساق دينية تبشر بنظم اجتماعية وقانونية وأخلاقية جديدة، ارتدت مع الوقت -محاولات التطور- نحو نظم متمركزة ومنغلقة على ذاتها «واقع القطيعة بالمعنى والتأثير السلبي» تقسر أكثر مما تبشر على اعتقادات ولاهوتيات بعينها، تمثل حالات الإيمان القويم الحامل للإجابات النهائية الجاهزة «سياسة القطيع» اجتماعياً وقانونياً وأخلاقياً وشعائرياً، ومع الوقت سياسياً واقتصادياً وتاريخياً وأنثروبولوچياً وفلكياً وطبياً وهندسياً ورياضياً وفلسفياً إلى آخره أي كونياً.

أي خفتت العلاقة الجدلية بين ظاهرة الحضارة وظاهرة الكون لأن تواصلاً أرقى تم بين الإنسان / الإنسانية والله الواحد، عزز ورسخ ما دونته ميثولوچيات أقدم، كالميثولوچيا البابلية، أن الإنسان خُلق على صورة الله، أو كما قال الإله «إنكي» لأمه «نمو»: «إن الكائنات التي أرتأيت خلقها ستوجد، وسوف نصنعها على شبه الآلهة، اغرفي حفنة من طين فوق المياه، واعطها للحرفيين الإلهيين ليعجنوه ويكثفوه، وبعد ذلك قومي أنتِ بتشكيل الأعضاء بمعونة ننماخ الأم الأرض، عندها ستقف جانبك كل ربات الولادة، وتقدرين للمولود الجديد يا أماه مصيره»[22].

أي أن اتصال الإنسان بالله الواحد عبر الوحي في الإطار الإبراهيمي، أنتج من ضمن ما أنتج مع الوقت:

١- رؤى وتفسيرات ميتافيزيقية خاصة للكون: نشأته وظواهره وسلوكه وغايته ومصيره، بصفته مخلوقاً يدل على وجود الخالق. وحدد العلاقة العملية والاعتقادية بين الإنسان المخلوق والكون المخلوق في إطار محدد، إطار هذه التفسيرات الميتافيزيقية.

٢- وبالتالي قطيعة معرفية «منطقية» مع حضارات العالم القديم، الحضارة المصرية القديمة وبلاد ما بين النهرين وبالطبع مع «الفلسفة اليونانية».

أنقل لكم كلاماً هاماً للدكتور محمد الحبيب المرزوقي، المعروف ب«أبو يعرب المرزوقي»، وهو إسلامي حركي، وحاصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة العربية واليونانية من جامعة السوربون:

«في الثقافة العربية وقع صراعان، عملي بين الفقهاء والمتصوفة، ونظري بين المتكلمين والفلاسفة، بين المتكلمين والفلاسفة هناك صراع بين الإيمان والعلم، وبين المتصوفة والفقهاء صراع بين القانون والأخلاق، أحدهما يقدم القانون على الأخلاق والثاني يقدم الأخلاق على القانون، والأخرى يقدم الإيمان على العلم والثاني يقدم العلم على الإيمان، الغزالي حاول أن يقدم حلاً لذلك ولم ينجح، لأنه تصور أن المنطق محايد ليس له أسس ميتافيزيقية، تجعله غير ممكن من دون الميتافيزيقا اليونانية، ولذلك لم يفكر في أن المنطق يمكن أن يكون متعدد، وأن الرياضيات أيضاً متعددة، الشئ الذي خلص الفكر العربي من هذه الأزمة هو ما حصل في القرن الثامن يعني الرابع عشر الميلادي، حصلت ظاهرة غريبة، وهو أن المآزق في العمل وفي النظر، لم يكن لها حل إلا إذا غيرنا الميتافيزيقا اليونانية النظرية والعملية، وتغيير الميتافيزيقا النظرية كان على يد ابن تيمية، والعملية كان على يد ابن خلدون، ومعنى ذلك أن القرن الرابع عشر، الثامن من الهجرة كان بداية القطيعة مع الفلسفة اليونانية واستبدالها بفلسفة جديدة تجعل النظر الفلسفي هو بدوره تاريخي»[23].

أسس إذن -كما يرى المرزوقي- ابن تيمية لفعل ثوري ونقدي، أسس ل«تاريخية» النظر الفلسفي، وترتب على ذلك القطيعة مع الفلسفة اليونانية، هنا لابد من تعليق: تاريخياً من بعد القرن الثالث عشر الميلادي، بدأ الفكر العربي والإسلامي في التراجع والانحطاط لأسباب تاريخية وسوسيولوچية و«ثقافية»، إلى أن وصلنا لما نحن عليه الآن، فالقطيعة مع الفلسفة اليونانية، والتي هي -أي القطيعة- في أحد جوانبها مؤشر على التراجع والانحطاط؛ أدت من ضمن ما أدت إلى تراجع واضمحلال نزعتي العقلنة والأنسنة[24] في الفكر العربي والإسلامي، أي للتمركز والانغلاق على الذات، أي أن هذه الفلسفة الجديدة قطعتنا عن حركة التاريخ والفعل، أي عن ممارسة العقلنة واستكمال تأسيس الأنسنة، لأن مبدأ «تاريخية» النظر الفلسفي مورس في إطار ميتافيزيقي يرفض الاعتراف ب«تاريخية» نشوئه وتطوره عن تعدد، أي يرفض تقبل مبدأ «تاريخية» الظاهرة الدينية، أي يرفض الموقف النقدي إذا اصطدم من جهة فهم ممارسه بالمقدس، أي أن العقل الممارس للتفلسف والنقد ليس فلسفياً بل أيديولوچياً. ولذلك وهذا موجود في باقي حديث الدكتور المرزوقي خلال نفس الحلقة، أن ما أثبت إمكانية تعدد المنطق والرياضيات والهندسات، أي صحة إدعاء ابن تيمية ب«تاريخية» النظر الفلسفي بحسب ما أورده المرزوقي، هي الفلسفة الحديثة التي نشأت في مجتمعات «مسيحية» أي ضمن الظاهرة الدينية الإبراهيمية، لكنها مجتمعات قبلت -بعد بحور من الدم- بنقد وفحص ودراسة هذه الظاهرة الدينية تاريخياً ونقدياً، قبلت من الأساس بمبدأ التعدد / بمبدأ الإمكانية، وبالتالي كان منطقياً:

١- أن تنتج تعدد المنطق والرياضيات والهندسات، دون أن تلغي المنطق الأرسطي مثلاً بل صار جزءً من تعدد، وكذلك الرياضيات والهندسة الإقليدية تدرس وتستخدم بجانب هندستي برنارد ريمان، ونيكولاي لوباتشيفسكي. أي أن وصل هذه المجتمعات والسياقات المنتجة للمعرفة مع الفلسقة اليونانية، عبر الإسهام العربي، هو ما مكنها من تحويل طرح مصبوغ حتى العظم بامتلاك الحقيقة في مرحلتها النهائية، إلى مشترك إنساني منجز وفعال ومؤثرة تطبيقاته في الاجتماع البشري وفي الكون ككل، وقابل للنقد والتصحيح والقطيعة الإيجابية.

٢- أن يكون مكان تواجد أفكار ابن تيمية وتطبيقاتها، وتعميق اكتشاف هذا الجانب منها في «السوربون» أي في الجامعة، وليس في الشوارع عبر المفخخات واللحم الحي المتطاير والأجساد الممزقة، المستندة على قرءاة تراثه بمعزل عن تاريخيته.

أن التجربة التاريخية العملية، تعضدها المعارف العلمية «علوم الإنسان والمجتمع والأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات والمنطق والفلسفة»، تفهمنا أن الحكمة والتواضع والذكاء يقتضي، محاولة معرفة أو الاقتراب من معرفة عقل، وسلوك، وصفات وأسلوب تفكير الكون من داخله وليس من خارجه، أي كما هو عليه، وليس كما نريده نحن أن يكون عليه، أي نتخلى عن محاولات السيطرة / الكنترول، لمحاولات التناغم، أي ندرك ونتعامل أننا جزء من التطور، جزء من «تعدد»، لنا دور وليس كل الدور، التناغم يأبى «الإيجو» ويأبى «العبودية»، التناغم ذهنية الاختلاف، المشاركة، الصرامة العلمية التي لا تطمئن للتصميمات الذكية، ذهنية المعرفة، الحتمية المنطقية، الطفرة والاختيار الطبيعي، الفوضى المحكومة بالمعادلات الغير خطية، التناغم ذهنية لا تعترف بحتمية الحتمية العلمية، ذهنية عدم التحديد، وعدم التأكيد، والتقبل، واللاجبرية، والاحتمالية المنفصلة والمتصلة، والحتمية الاحتمالية، التناغم ذهنية النقد، نقد كل ما كتبته بخصوصها، وإدراك أنه سيصبح متجاوزاً يوماً ما، ونقد كل ما كتبته في هذه الورقة البحثية. ذهنية قد تساعدنا على أن نكون فاعليين في حركة التاريخ، وليس منه وإليه كما ذهبنا نعود.

******

[1] هكذا وردت في النص الأصلي.

[2] مقال د. طلال صالح بنان – جريدة عكاظ بتاريخ ١٢ مايو ٢٠٢٠، والدكتور طلال ليس بعالم ديني أو داعية شرعي أو إنفلونسر ديني، بل هو أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة الملك عبد العزيز في جدة.

[3] هكذا وردت في المنشور.

[4] هكذا وردت أيضاً في المنشور.

[5] هكذا وردت.

[6] طه باقر – مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة وللإطلاع أكثر يمكن الرجوع لكتاب مقدمة في أدب العراق القديم لنفس المؤلف

[7] العهد القديم – سفر التكوين – الإصحاح الأول.

[8] القرآن الكريم – سورة الأنبياء – الأية ٣٠.

[9] تفسير الطبري – ص ٤٣١.

[10] النبي إبراهيم.

[11] سفر التكوين الإصحاح ١٢.

[12] المصدر: موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية.

[13] نفس المصدر السابق.

[14] باحث سوري مرموق في الميثولوجيا وتاريخ الأديان. للمزيد من المعرفة حول الموضوع راجع مغامرة العقل الأولى «دراسة في الأسطورة، سوريا، بلاد الرافدين» – فراس السواح – دمشق، دار علاء الدين – ١٩٧٨.

[15] موقع إسلام ويب – رقم الفتوى ٦٧٠٧ – تاريخ النشر ٢٣ شوال ١٤٢١ هجرية / ١٨ يناير ٢٠٠١ ميلادية. راجع الفتوى بأدلتها من القرآن ومرويات السنة وتفصيلات أقوال الصحابة والتابعين والعلماء.

[16] د. حفناوي بعلي – «تغريبة الأدب الكنعاني ألف عام وعام على ضفاف المتوسط الإفريقي» – ص٨٦.

[17] د. محمد عبد المعبد خان – الأساطير العربية قبل الإسلام.

[18] سورة التوبة – الأية ٨.

[19] الملاك جبريل.

[20] تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل – المجلد الرابع الذي فسر فيه سورتي التوبة والحجر – ص ١٥ – طبعة دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض.

[21] جاء في تفسير البغوي عنهم، ما نقله عن السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو ضمرة وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة. كما أنه -بحسب علمنا- لا يوجد ذكر لأسباب نزول هذه الأية، ففي كتاب أسباب النزول للواحدي، الأيات التي ورد فيها أسباباًً للنزول من سورة التوبة هي الأيات رقم ١٢، ١٧، ١٩، ٢٣، ٣٤، ٣٨، ٤١، ٤٩، ٥٨، ٦١، ٦٥، ٧٤، ٧٥، ٧٩، ٩٢، ٩٧، ١٠١، ١٠٢، ١٠٦، ١١١، ١١٣، ١٢. إذن فيمكننا محاولة فهم سبب نزول هذه الأية في السياق الأكبر لنزول السورة كلها، أي لمقاصد نزولها فسورة براءة يمكن اعتبارها في أحد أوجهها بمثابة مانفيستو الدولة بعد التمكين. فلو ذهبنا للأية ٢٩ مثلاً سنجد {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمرن ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}. أريد بالمرة أن أذكر بعض أراء السلف في أليات استلام الجزية ضمن تفسير نفس الأية كما ذكره البغوي: قال عكرمة يعطون الجزية عن قيام والقابض جالس. وعن ابن عباس قال تؤخذ منه ويوطأ عنقه. وقال الكلبي إذا أعطى صفع على قفاه.

[22] THE BABYLONIAN GENESIS – Alexander Heidel.

[23] حوار تلفزيوني – تلفزيون العربي – منشور على منصة يوتيوب بتاريخ ٢٠ مايو ٢٠١٦.

[24] راجع نزعة الأنسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي – د. محمد أركون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This