السّلطة السّياسيّة والطّاعة عند جين شارب

"كتاب العصيان المدني"

عند نتكلم عن السُّلطة في المفهوم السِّياسي فإنَّنا بالضَّرورة نتكلَّم عنها ونمارسها ضمن نطاق الدَّولة ومفهومها، حيث الدَّولة تتألَّف من مجموعة من المؤسَّسات الَّتي تحكمها قوانين متَّفق عليها في الدُّستور بدايةً والَّتي ينفّذها موظَّفو المؤسَّسة والقائمين عليها والمستفيدين منها، أي أن عصب الدَّولة الأساسي هو المؤسَّسة من حيث مفهوم تكوين وممارسة السُّلطة السِّياسيَّة فيها، كالمؤسَّسة العسكريَّة أو الصُّحية أو القضاء والمؤسَّسات الاقتصاديَّة والصحيّة والثَّقافية والتَّعليميَّة وغيرها من المؤسَّسات ، هناك ارتباط وثيق بين السُّلطة السِّياسيَّة ومؤسَّسات الدَّولة. حيث عندما تقرّر دولة السَّيطرة على دولة أخرى فإنَّها تحاول السَّيطرة على مؤسساتها الاقتصاديّة والعسكريّة والاجتماعية والتَّعليمية وغيرها فبالسَّيطرة على المؤسَّسات تكون قد سيطرت على المفاصل  الأساسيَّة وبالتاَّلي على الأرض والشَّعب معاً، وهذا ما تفعله الأنظمة الدِّكتاتورية بالتَّحديد أو ما نستطيع أن نطلق عليها مصطلح _الاحتلال الداخلي _ وهي السَّيطرة على مؤسسات الدَّولة، كما يحدث في الانقلابات العسكرية أيضاً، في البداية يتم محاولة السَّيطرة على المؤسَّسة العسكريَّة ومن ثمَّ على الإعلام وغيرها لتُستخدم  الثَّروات الاقتصاديَّة المنهوبة فيما بعد لضمان إبقاء السَّيطرة على  هذه المؤسَّسات. من هنا نرى أنَّ السُّلطة السِّياسية كمفهوم مكوِّنها ومصدرها الأساسي هو مؤسَّسات الدَّولة نفسها فالمؤسَّسات هي عصب الحكم في أي دولة.

حيث تتكون المؤسَّسات من ثلاث عناصر أساسيَّة، بدايةً من مبنى المؤسَّسة نفسها، و ثانياً من القوانين المتَّفق عليها الَّتي تحكمها وثالثاً من الموظَّفين والمواطنين المستفيدين من هذه المؤسَّسة، بمفاضلة العناصر المكوّنة للمؤسّسة يظهر لنا أنَّ المواطنين هم أساس وجوهر المؤسَّسة فمن دونهم لا يكون للمبنى معنى ولا للقوانين فرصة التَّطبيق فالموظَّفين والمراجعين أي المستفيدين هم قوّة المؤسَّسة نفسها وبدون القاعدة الشَّعبية هذه لا يكون لها أو لقوانينها أيّ فاعليِّة وبالتَّالي منطقيَّا تكون قوّة المؤسّسة في أسفل الهرم  وبالتَّالي السُّلطة السِّياسية أيضاً، هي بيد القاعدة وليست بيد الحاكم أو المؤسَّسة نفسها فقط.

دعونا ندخل الى كتاب العصيان المدني لجين شارب ونبحث في فكرته حول السلطة السياسية والعقاب والطاعة.

مفهوم السّلطة السّياسيّة عند جين شارب:

يبحث جين شارب عن السّلطة في أسفل هرم المجتمع وليس في أعلاه كما هو معتاد، ينظر في الحياة اليوميَّة والمؤسسات وفي المشافي والمدرسة والسّجن وفي الجيش، ويرى أَّن هذه السُّلطات موازية لسلطة الحاكم والبرلمان والاحزاب وغيرها من السَّلطات في أعلى الهرم.

إنَّ أساس السُّلطة السّياسية التَّقليدية المتمثِّلة بمؤسَّسات المراقبة والعقاب هي من ضمن المجتمع نفسه، وإنَّ الحاكم صدى هذه السَّلطة داخل المجتمع، فإن قوّة أي حاكم تكمن في قوّة قبول المحكومين لسلطته والقانون نفسه لا يعتبر قانونا الَّا إذا نفّذ وتمَّ القبول به من قبل المجتمع.

حيثُ  الحكومات تابعة فعليَّاً للمجتمع الَّتي تحكمه، تابعة لمستوى المعرفة لديه واستقلاليّته والى الأيدلوجيا التي تسيّره، فشكل الحكومات تقوم حسب بيئتها أي أنّ شكل الأنظمة الدكتاتوريَّة أو الرأسماليَّة و غيرها من الأنظمة الحاكمة هي صورة لقناعة ووعي أفراد المجتمع المحكوم، وإنَّ قوّة هذه السُّلطة أو ضعفها تعتمد على ما للأفراد من استقلالية فكرية ووعي لمصادر قوة السلطة، أي حسب شكل المجتمع وقابليّته للطّاعة، فكما هو معروف أنَّ وعي الجماعة أضعف من وعي الفرد على كلّ المستويات، فحسب قدرة هذا الوعي الجمعي للطاعة تكون قوة السُّلطة والعكس صحيح. وبهذا فإنَّ جذور أي سلطة سياسية غير مرتبطة بشكل الحكم في الدولة فقط “كديكتاتوريات او ديمقراطيات “وغيرها… بل هي في الأصل مرتبطة في المجتمع المحكوم نفسه.

حسب الكاتب يجب علينا التفريق بين الحاكم والسُّلطة ففي أي نظام حكم، الحاكم يتأثَّر بنسبة مؤيّديه في صفوف الشَّعب، ومستوى تنظيمهم وسرعتهم وقابليَّتهم لتنفيذ الأوامر، ويتأثَّر بعوامل نفسية وايدلوجية تحكم المجتمع كالعادات والتقاليد المتعلِّقة بمفهوم “الطَّاعة والخضوع” فاذا كانت الحياة الاجتماعية لمجتمع ما قائمة على الإقصاء والحلول العنفيَّة هذا سينعكس بالضَّرورة على شكل الحكم السِّياسي لهذا المجتمع.

أي قّوة السّلطة السّياسية لا تعود لحجم العقوبات أو العنف المُمارس من قبل السُّلطة على المجتمع فقط، بل إنَّ العقوبات حسب الكاتب هي آخر مصدر للسّلطة السّياسية حيث إن “العقوبات ” تهدف الى معاقبة النَّاس على عصيانهم ومخالفتهم للأوامر، لا تعاقبهم من أجل تنفيذ هذه الأوامر نفسها، حيث إن الحكومات تعتمد في حكمها على إرادة النَّاس وقبولهم الطوعي.

لأن السُّلطة السِّياسيَّة متعدّدة المصادر وليس أساسها الحاكم فقط إنها تتعلَّق بتأييد المجموعات والمؤسَّسات المرتبطة معها الَّتي هي تابعة فعليا للمجتمع، من هنا وفي هذه الحالة يمكن إضعاف أو تدمير أي نظام من خلال فصله عن جذوره ومنابع السّلطة فيه، ويمكن التّحكم بالسّلطة السّياسية ومراقبتها عبر التحكُّم بجذورها المتأصّلة في المجتمع المحكوم.

لماذا يطيع البشر؟

 الطَّاعة هي إرادة بالدَّرجة الأولى حيث تنتج عن مزج الخوف من العقاب مع القبول الإرادي بالتَّالي فإنَّ مقدار الحريَّة في القرار أو الطُّغيان في ظل أي حكومة هو انعكاس لقدرة وتصميم المواطنين على بقائهم أحرار ومفهومهم للحريّة والطَّاعة، وهو أيضا انعكاس لإرادتهم وقدرتهم على مقاومة استعبادهم من قبل حكوماتهم.

 طاعة النَّاس الإراديَّة حسب الكاتب هي جوهر السُّلطة السّياسيَّة، لأنَّ الأوامر لا تطاع تلقائيَّا، فالسُّلطة لا تقوم وتنشأ من تلقاء نفسها، بل هي تقوم فقط حين يطيع النَّاس الأوامر، أي العلاقة هنا تعتمد على الحاكم والمحكوم والظرف الراهن، فإنَّ أي تغيُّر في أحد الأطراف يحدث تبدُّلاً في ردود فعل الطَّرفين الآخرَين.

أسباب الطَّاعة متنوّعة ومتعدّدة عند جين شارب:

الأيدلوجيا، العادة، الخوف من العقوبات، الالتزام الأخلاقي، المصلحة الشَّخصية، التَّماهي مع الحاكم، اللَّامبالاة، انعدام الثِّقة بالنَّفس بين المواطنين، احتواء موظَّفي الحاكم وعملائه.

هل الطَّاعة حتميَّة؟:

إنَّ مفتاح الطَّاعة اليوميّة حسب جين شارب هو بلوغ العقل، أي اقناع المحكومين طوعاً وليس قسراً، حيث إنَّ الحكّام يحتاجون الى اعتراف النَّاس بسلطانهم مهما كانت هذه الحكومات تمتلك وسائل عنيفة وترهيبيّة وقمعيّة ، فيجب أن تكون الطَّاعة شرعيّة بمعنى ما ،وليست قسريّة، فإن اضعاف سلطة الحاكم تتعلّق بزوال استعداد المواطنين للطّاعة ومستوى مساهمة المواطنين في استقرار النّظام الحاكم، فكلا النّظامين السّياسي والاقتصادي لكي يعملان يحتاجان الى مساهمات العديد من الأشخاص والمنظّمات والجمعيّات، والحاكم يكون خاضع باستمرار لتأثير وتقيد مساعديه المباشرين وجماهير الشّعب كافّة ، فعند رفض المواطنين أن ينفّذوا رغباته وبشكل فعّال يلجأ الى العقوبات، أي إنَّ طاعة المواطنين توازي بالأهمية سلطة الحاكم السِّياسيّة ومصادرها، وقوّة الحاكم وسيطرته ليست كمّا ثابتا بل متغيّرا حسب نوع ونوعيّة قوى المجتمع الَّذي يسيطر عليه

العقوبات والطَّاعة:

حيث هناك علاقة اعتمادية سوف لن تختزل ولن تزول بين العقاب والطاعة، هناك علاقة تأثير متبادل بينهما، فكلّما كانت الطّاعة الإرادية أكثر شيوعاً وانتشار كلَّما كبرت احتمالات العقاب أيضاً، حيث إنَّ الامتثال(القبول) والإكراه يعزَّزان بعضهما.

وقدرة الحاكم على فرض العقوبات تعتمد بشكل أساسي على مدى استعداد المواطنين في أن يتحوّلوا الى منفّذين للعقوبات أو شرطة أو عسكر لصالحه، وان العنف والأسلحة هي نتاج المجتمع نفسه.

******

جين شارب: العصيان المدني، ترجمة وتحقيق: وليد صليبي، حركة حقوق الانسان، 1996.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This