إستعادة أبي العلاء

هل يمكن الحديث عن استعادة أبي العلاء، أو تحرير أبي العلاء مثلا؟ وممن؟ وهل هو مخطوف حتى نقول بتحريره؟

تبادر إلى ذهني هذا السؤال، وأنا أقرأ منشورا للأستاذ الناقد المرحوم راتب الحلاق في زاوية رؤى بتاريخ 20 حزيران 2020 (توفي الكاتب بعد هذا التاريخ)، إذ يزعم فيه أن أبا العلاء كان مؤمنا بالله وبرسول الله، وحين علقت على المنشور بأن أبا العلاء لم يكن يؤمن بالنبوة والأنبياء، رد علي باعتباري ممن يكفّرون الرجل، بينما بادر هو في الدفاع عن أبي العلاء من موقع الدفاع عن صحة إيمان وعقيدة الرجل، ولم يدر في خلده أن أكون ممن ينظرون إلى المعري باعتباره أحد أهم إلإرهاصات المبكرة في حركة التنوير العربي، الذي أجهض ولم تستطع براعمه أن تزهر وتثمر بسبب هيمنة الفقهاء والفكر السلفي عموما على الفضاء الفكري والثقافي العربي منذ ذاك التاريخ وحتى عصرنا الحاضر.

وفي الواقع لا ألوم المرحوم الأستاذ حلاق على رده، ذلك أن جميع الباحثين والمهتمين بشعر وفكر المعري منذ زمنه وحتى الآن قد انتموا إلى أحد تيارين لا ثالث لهما، الأول تيار فقهي سلفي نظر إليه باعتباره زنديقا ملحدا يجب تكفيره وحرق كتبه وتحريم قراءتها، كونها تعمل على تخريب عقيدة الأمة وتتنكر للنبوة والأنبياء بما فيهم نبوة محمد بن عبد الله، وكان آخر ما لحق أبي العلاء من هذا التيار هو تحطيم تمثاله عندما قام ممثلوا هذا التيار بالسيطرة على معرة النعمان مؤخرا، أما التيار الثاني والذي ينتمي إليه الناقد حلاق، فيحاول التأكيد على صحة عقيدة شيخ المعرة، وتصنيفه بالتالي في خانة المسلمين المؤمنين برسالة الإسلام وتعاليمه،

وهذا التيار لايقل خطورة في تقديري عن التيار الأول، وإن ظهر على عكس ذلك، لأنه وبنسب متفاوتة بين هذا الباحث وذاك يعمل على تشويه فكر المعري وفلسفته، وخاصة الجانب العقلي منها، وقد بدأ هذا الاتجاه في النظر إلى ميراث المعري الفكري مع أبي حامد الغزالي (1058-1111) م الذي جاء ميلاده بعد عام على وفاة المعري، لم يكتف الغزالي بوضع المعري في حظيرة الإيمان، بل تعدى ذلك إلى اعتباره من أولياء الله الصالحين، أصحاب الكرامات، في روايته عن الدعاء الذي أنقذ المعري المثبتة في كتابه المعنون بـ(سر العالمين وكشف مافي الدارين)، حيث يروي حادثة تفيد بأن المعري قام بالصلاة

والدعاء طوال الليل ما أدى إلى انهيار بيت فوق سكانه الذين كانوا جماعة مكلفة باعتقاله من قبل الوزير، ومن الواضح أن الحادثة مدسوسة على المعري، فهي لاتمت بأدنى صلة إلى عالم المعري وأجوائه وفلسفته العقلية المستنيرة، إذ كيف لشخص يقول بـ(لا إمام سوى العقل) أن يقوم بهذه الأعمال التي تتنافى مع كل مذهبه.

ولعل الحادثة المذكورة أعلاه أن لاتكون معيارا لهذا الاتجاه الذي نحن بصدد مناقشته، وذلك لما فيها من الفجاجة والركاكة، والتشويه المتعمد لشخصية أبي العلاء، سواء جاء هذا التشويه من قبل الغزالي إذا ثبت نسبتها له، أو من قبل من قام بدسها في كتاب الغزالي لاحقا، فبعض أعلام هذا الاتجاه إنما أرادوا بحسن نية قراءة تراث المعري بطريقة تسمح بالاعتقاد بحسن إيمانه بالله ورسوله، مع العلم أن ماتركه الرجل من ميراث شعري وفلسفي لايسمح بالوصول إلى هذه النتيجة، على الأقل فيما يتصل بمسألة النبوة والنبوات، فله كلام صريح في هذا الموضوع ولا يحتمل التأويل، وهذا ما لحظه وأقر به كارها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين إذ يقول:

“أبو العلاء كان منكرا للنبوات، جاحدا لصحتها، وقد نص على ذلك في اللزوميات صراحة غير مرة، فطورا يثبت أنها زور، وطورا يجعلها مصدر الشرور، وافتن في ذلك افتتانا عجيبا، فلم يكتف بإنكار النبوات، حتى أنكر الديانات عامة، وزعم أنها للعقل مخالفة”، (تجديد ذكرى أبي العلاء ص 289).

ثم يورد الباحث عددا من الشواهد الشعرية من اللزوميات تؤكد ما ذهب إليه في حكمه، نذكر منها:

إن الشرائــــــــــع ألقت بيننا إحنـا         وأورثتنا أفانين العداوات

وهل أبيحت نساء الروم عن عرض       للعرب إلا بأحكام النبوات

 

وقوله أيضا: هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت          ويهود حارت والمجوس مضللة

أثنان أهل الأرض ذو عقل بـــــــلا           دين وآخــــــــــــر ديّن لاعقل له

 

وقوله أيضا:       دين وكفر وأنبـــاء تقصّ               وقرآن ينصّ وتوراة وأنجيل

في كل جيل أباطيل ملفقة                 فهل تفرد يوما بالهدى جيل

وغيرها الكثير من الأبيات التي تثبت رأيه الناكر للنبوة والأنبياء بما فيهم نبوة محمد بن عبد الله، صحيح أن طه حسين يعتبر المعري مؤمنا بالله، ولكنه الإيمان الذي يثبته العقل فقط فكل مالا يثبته العقل باطل، ويندرج ذلك في إطار فلسفته الشاملة والمتأثرة بفلسفة أرسطو حسب رأي طه حسين، فهو مثلا يقول بقدم العالم وقدم الزمان والمكان، وهذا ما يتعارض مع النظرة الإيمانية عموما والإسلامية على وجه الخصوص القائلة بأن العالم مخلوق وحادث، وأن القديم هو الله وحده.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار رأي المفكر عبد الرحمن بدوي في موضوع الإلحاد العربي وذلك في كتابه المعنون بـ(من تاريخ الإلحاد في الإسلام)، تبين لنا أن إنكار النبوة والأنبياء ماهو في جوهره إلا إنكار للألوهية ذاتها، إذ يرى هذا الأخير أن الإلحاد عند العرب قد أخذ شكل إنكار النبوة والأنبياء: ” وإذا كان الإلحاد الغربي بنزعته الديناميكية هو ذلك الذي عبر عنه نيتشه حين قال (لقد مات الله)، وإذا كان الإلحاد اليوناني هو الذي يقول: إن الآلهة المقيمة في المكان المقدس قد ماتت، فإن الإلحاد العربي هو الذي يقول لقد ماتت فكرة النبوة والأنبياء”.

ثم يضيف بدوي ” وإذن فالدين والتدين عامة إنما يقوم على فكرة النبوة والأنبياء، ولذا فإن الإلحاد لابد أن يتجه إلى القضاء على هذه الفكرة التي تكّون عصب الدين وجوهره لدى تلك الروح (يقصد العربية)” ” لذا يجب أن نبصر المعنى الخفي المستتر وراء إنكار النبوة، إذ لابد أن نفسر هذا الإنكار على أنه يتعداها إلى الألوهية نفسها، لأنه مادامت النبوة هي السبيل الوحيد الذي تعرفه هذه الروح للوصول إلى الألوهية، فإنها بقطعها إياها قد قطعت كل سبيل إلى الألوهية كذلك” (من تاريخ الإلحاد في الإسلام ص6).

وفي تعداده للعوامل التي ساعدت على انتشار الإلحاد في القرنين الثالث والرابع الهجريين يشير بدوي إلى نزعة التنوير التي نشأت في العالم العربي كنتيجة لانتشار الثقافة اليونانية، والتي تقوم حسب تعبيره على أساس تمجيد العقل وعبادته بحسبانه الحاكم الأول والأخير والفيصل الذي لا راد لحكمه (لا إمام سوى العقل) حسب تعبير المعري. مما يتمثل في النزعة العقلية المتطرفة التي نراها في كل أدوار نزعة التنوير في جميع الحضارات، وإن كنت أختلف مع بدوي في مسألة اعتبار الإلحاد العربي كنتيجة لانتشار الثقافة اليونانية فقط، وإنما يمكن اعتبار التأثر بهذه الثقافة كأحد العوامل التي ساعدت على ذلك، أما العامل الأهم في تقديري فيتمثل بالتطورات الإجتماعية والاقتصادية التي تراكمت في أحشاء المجتمع العربي الإسلامي، والتي أدت إلى بروز الحاجة إلى إعمال العقل في كل شيء، بعد وصول الأيديولوجية الإسلامية إلى حالة من الإنكشاف والعجز عن تقديم إجابات شافية للأسئلة الملحة التي يطرحها الواقع الاجتماعي.

أما العامل الثاني الذي يضيفه بدوي فهو النزعة الإنسانية التي ترمي إلى الارتفاع بالقيم الإنسانية الخالصة مقابل القيم الالهية والنبوية ، ولعلنا نضع يدنا هنا على أمر لم يعره أي من الباحثين اهتماما، ألا وهو سرّ أو مكمن إعجاب المعري بالمتنبي، وهذا يحتاج إلى بحث خاص، ولكننا نشير في هذه العجالة إلى أن الإعجاب والتقدير الذي كان يكنه أبو العلاء لأبي الطيب إنما يكمن أساسا في أمرين: أولاهما هذه النزعة الإنسانية لدى المتنبي، والتي تمثلت في اعتداده بنفسه ، وبالتالي اعتداده بالإنسان عموما، بل يمكن اعتبار المتنبي وشعره بمثابته انتفاضة الروح العربية الفردية الحرة في مواجهة الأنا الجمعية القامعة للفرد وشخصيته، المتمثلة بالأنا الإسلامية هنا، بعد أن استنفذت هذه الأخيرة كل أغراضها الإيجابية في القرن الرابع الهجري، وأصبحت عائقا أمام تفتح الروح الفردية وازدهارها.

أما العامل الثاني في إعجاب المعري بالمتنبي فيتمثل في تقديرنا بهذا التجرؤ على المقدس وانتهاكه وإسقاط صفة القدسية عنه، وفي شعر المتنبي الكثير من الشواهد التي تدعم ما ذهبنا إليه، والتي لا مجال لذكرها هنا وسنفرد لها مبحثا خاصا، ويكفي أن نشير هنا إلى عنونة كتاب شرح ديوان المتنبي من قبل المعري (معجز أحمد) التي تؤكد هذا الرأي، فالعنوان لايخلو من دلالة واضحة مفادها أن ليس كلام القرآن وحده الذي يملك خصائص إعجازية، وإنما شعر المتنبي أيضا له هذه الخصائص.

هكذا يصبح القول بإيمان المعري بالله عند الدكتور طه حسين عديم القيمة، مع العلم أن طه حسين لايوافق المعري على هذا الاعتقاد، بل هو يتأسف لوصول المعري لهذه النتيجة التي يعتبرها زلة كبيرة، لكنه يحاول تفسيرها بالقول أنّ محنة المعري التي أوصلته إلى هذا القول هي كبرياؤه الناجم عن إيمانه المطلق بالعقل، وهنا يتفق طه حسين مع عبد الرحمن بدوي في اعتبار النزعة العقلية أحد اسباب الإلحاد.

” الكبرياء إذن هي مصدر المحنة العلائية، وهذه الكبرياء جاءته من تصوّره للعقل وغلوّه في الإكبار من أمره، ولو قد تواضع أبو العلاء في حياته العقلية والفلسفية كما تواضع في سيرته العملية، ولو قد عرف أبو العلاء لعقله حدّه، ووقف به عند طاقته كما عرف لجسمه حده، وكما وقف بجسمه عند طاقته، لجُنّب من هذه المحنة شرا كثيرا، ولاستراح من عذاب أليم، لانتصوره لأننا لانعاني ما عاناه أبو العلاء من جهد، ولا نسموا إلى ما سمى إليه من غاية” (مع أبي العلاء في سجنه ص 32).

وإنه لمن الغريب أن نسمع هذا الحكم على أبي العلاء من رائد من رواّد النهضة العربية الحديثة، الذي من المفترض به الإعلاء من مكانة العقل وتحريره من قرون من الثبات والجمود، خاصة وقد وجد مادة يتكئ عليها في تراث الأمة الغابر، وهكذا بدل أن يعتبر الإيمان المطلق بالعقل عند أبي العلاء ميزة كبرى ومبدأ يعتمده لتوسيع دائرة التنوير التي يسعى هو وأعلام النهضة الآخرين إليها، نراه يعتبر هذه الميزة محنة عند أبي العلاء، ولعل هذا يعطينا فكرة عن الحدود والآفاق التي وقفت عندها حركة النهضة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، الناجم في تقديري عن ضعف الحامل الاجتماعي لهذه النهضة، وهذا ما حدا بروادها إلى اتخاذ موقف وسطي متردد كلما تعلق الأمر بمسألة المقدس.

ثم يضيف عميد الأدب العربي ” ولربما أتيح لأبي العلاء بين حين وحين شيء من التواضع فاستراح إلى ما يستريح إليه غيره من الناس، وعرف قدر نفسه أو قل قدر عقله، وأمل في روح الله ورحمته” (نفس المصدر ص 35).

يرى طه حسين إذن أن الجنة والنعيم هي في الإيمان والتسليم (كغيره من الناس)، أما الشك وإعمال التفكير في كل شيء فهو الجحيم بعينه

وفي نزعة تلفيقية فاضحة، يستشهد طه حسين ببيت المعري الذي يقول:

والذي حارت البرية فيه                  حيوان مستحدث من جماد

كشاهد على أن أبا العلاء يمدح الجماد ويحسده لأنه لا يحس بشيء، وذلك بعد أن يقطع البيت من سياقه، ذلك أن البيت المذكور مسبوق ببيت يقول:

اختلف الناس في الإله               فداع إلى ضلال وهاد

وبذا يكون المعري في البيت المذكور يتحدث عن الإله الذي هو حيوان مستحدث من جماد، والذي هو ليس سوى العقل في نهاية المطاف، وقد أهمل طه حسين هذا البيت لكي يغير المعنى المراد به.

لاشك بأن الباحث في تراث أبي العلاء لايعدم أن يجد اقوالا له سواء كانت شعرا أم نثرا، تعارض الأبيات التي ذكرناها أعلاه، وتشي بإيمان الرجل بالله بل وربما إيمانه بالأنبياء، مايثير حالة من البلبلة وعدم اليقين فيما يتعلق بعقيدة الرجل، وهذا مادعا الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو لأن  يعنون بحثه في هذا الميراث ب (متاهات القول)، وإن كنا نأخذ على الباحث عدم تفكيك هذه المتاهات لاستيضاح موقف الرجل من خلال ربط القول بظروف قوله؛ إذ لايمكن أن يكون موقف المعري الأصيل يحتمل كلا الوجهين، وإلا حصل تناقض منطقي، وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك في تقديرنا، يصبح الباحث مقصرا حين يقدم بحثا في ميراث المعري دون أن يستجلي موقفه من هذه القضية أو أن يدلي بدلوه فيها على الأقل، التي ظلت موضوع خلاف بين الباحثين منذ عصر المعري حتى وقتنا الحالي.

وبالعودة إلى المتاهة التي أشار إليها الناقد كيليطو، فهو يؤكد أن المعري لم يقل رأيه بشكل واضح وصريح، وإنما قال كلاما ملغزا، أو أنه قال شيئا وأخفى أشياء ” يؤكد ابو العلاء أكثر من مرة أنه يخفي جزءا مما يعلم، وأن لديه سرا لايود أو لا يستطيع إفشاءه:

ولدي سر ليس يمكن ذكره             يخفى على البصراء وهو نهار

وأيضا:                 بني زمني هل تعلمون سرائرا          علمت ولكني بها غير بائح

 

أما لماذا لايذيع الأسرار التي يزعم أنه بها عليم؟ فلأن ذلك خطير وقد يؤدي إلى الحتف:

واصمت فإن كلام المرء يهلكه              وإن نطقت فإفصاح وإيجاز ”

(متاهات القول، ص 47).

وقد أشار الدكتور طه حسين إلى هذه الحقيقة بشكل جلي وواضح إذ يقول:

“لم يرد أبو العلاء أن يظهر في اللزوميات، مقدرته اللغوية وبراعته في قرض الشعر، كما ظن طائفة من الناس، وإنما سلك هذا المسلك فيما يعتقد ليكون أدعى إلى إيثار الغريب والاستكثار منه، حتى يخفي أغراض الكتاب على كثير من الناس، لم يكن يحب أن يظهروا عليها. وهذا فيما نرى علة حب الرمز والإيماء، وإيثار الألفاظ الجافية، للمعاني الغريبة. فما لا شك فيه أن الرجل كان يوّد لو عمي أمر كتابه على ناس من المتشددين في الدين حتى لايتخذوه وسيلة إلى إهدار دمه، وإزهاق روحه” (تجديد ذكرى أبي العلاء، ص 218).

ورغم الاحتياطات التي أخذها والأسلوب الذي اعتمده، إلا أن ذلك لم يمنع طائفة من المتشددين من الهجوم على المعري وعلى كتاب اللزوميات تحديدا، ومن التشكيك في صحة اعتقاده وسلامة مقصده، وهذا ما دعاه إلى الرد على هؤلاء بتأليف كتاب (زجر النابح)، محاججة لهؤلاء ودفاعا عن نفسه، ثم أتبعه بـ(نجر الزجر) ما يشير إلى أن دفاعاته في الكتاب الأول لم تجد نفعا، أو لم تنه خصومه عن هجومهم عليه. يتبين لنا من كل هذا شراسة المعركة الكلامية بين أبي العلاء وخصومه، كما يؤكد لنا أن ابا العلاء إنما كان يسير في حقل ألغام خطير في كل خطوة يخطوها، لذلك لجأ إلى كل أنواع التورية والإبهام والمداورة لكي يقول مايود قوله، وبالتالي لايمكن فهم أفكاره وفلسفته إلا في ضوء هذه الحقيقة، وأخذا لتلك الظروف بعين الاعتبار.

وعلى الرغم من أن الناقد كيليطو يعرض طرائق المعري في التورية، وفي إخفاء بعضا مما يعتقده، إلا أنه لايصل إلى رأي حاسم في هذا الموضوع إذ يقول: ” وهنا يحق لنا أن نأسف لضياع القسم الأكبر من زجر النابح، إذ لو وصلنا لانجلى مافي اللزوميات من إبهام، ولانتفى ما أثار صاحبه من ارتياب” (متاهات القول، ص 51)، لقد خرج الباحث من متاهات أبي العلاء دون أن يصل إلى نتيجة، وظلت كما هي متاهات القول بالنسبة له، ولربما ترك للقارئ استنتاج القناعة التي يراها مناسبة بعد أن عرض كل الظروف والملابسات التي عرضت للمعري وتراثه الفكري، متجنبا إقحام رأيه بشكل مباشر في الموضوع.

وفي اعتقادنا أنه لفهم حقيقة الموقف الذي وجد أبو العلاء نفسه في مواجهته، لابد من العودة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة التي وصمت الفترة التي عاش فيها شيخ المعرة من جهة، والأوضاع والظروف الخاصة التي عاشها من جهة ثانية، وأول مايستوقفنا في الظروف العامة هو ضعف الدولة الحمدانية في حلب، ما أدى إلى انتشار الفوضى وانعدام الأمن في المناطق التي كانت تشملها في حكمها من جهة، وانتشار فوضى الاجتهاد والفتاوى بين رجال الدين من جهة ثانية، نظرا لغياب المرجعية الفقهية المرتبطة بسلطة قوية، وهذه الحالة أشد خطورة على الفكر والمفكرين من وجود دولة قوية حتى ولو كانت متشددة دينيا، فإذا ما أضفنا الظروف الخاصة لشيخ المعرة المتمثلة بفقدانه بصره، وما يستتبعه ذلك من عجز عن التخفي والهرب من الخصوم والتكفيريين، تبين لنا أن السلاح الوحيد الذي بقي بحوزة الرجل في صراعه مع خصومه، إنما هو سلاح اللغة والبيان، وهو السلاح الذي كان المعري يتقن استعماله أيما إتقان بما امتلكه من قاموس لغوي ثر وذخيرة شعرية وبلاغية تميز بها عمن سواه، وما كتابه المعنون بـ(الفصول والغايات في تمجيد الله) الذي يحاكي في بلاغته وبيانه بلاغة القرآن، إلا فصلا من فصول صراعه مع هؤلاء الخصوم.

لا تكمن محنة أبي العلاء في مغالاته في تقدير قيمة العقل، والإعلاء من شأنه، وإنما محنته الحقيقية أنه كان سابقا لعصره، وأنه غالى من قيمة العقل في قوم لايعقلون، فكان عليه أن يتقدم مرة ويتراجع أخرى، وأن يغلف خطابه بالكثير من اللبث والإبهام، حتى لايضطلع عليه الجهلاء والمتعصبون الذين امتلأ بهم عصره، لقد أدرك أن أفكاره لاتناسب العصر الذي يعيش فيه، وأنه يكتب للأجيال القادمة، ولكن لم يدر في خلده كما أظن ان يطول به العهد حتى يتم فهمه بشكل صحيح، وسيكون في غاية الأسى والحزن لو علم أنه بعد ألف سنة من العصر الذي ولد وعاش وكتب فيه، لازالت أوضاع أمته كما هي، ولا زال فكره وشعره ينوس بين من يعتبره زنديقا كافرا يجب حرق كتبه من جهة، ومن يعتبره صحيح العقيدة، ومؤمنا بالله ورسالاته وأنبيائه.

هكذا تصبح استعادة أبي العلاء، إنما تتمثل في إعادة موضعة الرجل وفكره خارج الثنائية المشار إليها سابقا، وذلك باعتباره رائدا من رواد العقلانية والتنوير العربيين، وهو المكان اللائق به وبفكره، وبالتالي في أن ينظر إلى المغالاة من شأن العقل وتقديسه كميزة كبرى، بدل اعتبارها محنة كما فعل طه حسين وغيره.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This