كمال الزغباني : سماوات خضراء

في الشّهر الذي كان ينبغي أن يكون ذكرى لميلاده[1]، اختار ملك “زغبانيا”[2] المتوّج بخضرتها أن يتسلّل من بين أغصان الأشجار كطير برّي ويحلّق بعيدا عن الجميع وفي غفلة منهم. هكذا، دون مراسم ولا إعلان مسبّق عن موعد الرّحلة.

متى كان الزغباني حافلا بالمراسم والظّهور ؟ متى كان يعنيه ما يعنينا ؟ ذلك المتمرّد الأبديّ على السّائد والمعتاد ؟

وفي غمرة الصّدمة التي تأتي عادة في مزيج غريب من البلاهة، رفعنا رؤوسنا لنراه يمدّ يدا من السّماء، مازالت حلازين زغبانيا تزحف فوقها، مُشيرا إلى الأرنب الباكي أن نطعمه جزرا لأن المدّ سيكون عاليا وأن نُحضر خَسّا للغيلم الحزين…لا تنسوا نصيب “الكرمة” من الماء فإنّي لا أرى سحبا ممطرة هاهنا !

لا يُكتب في الزغباني نعي كما يُكتب في الآخرين الذين سبقوه بالرّحيل. مشتّتة وذاهلة هي الكلمات. حرّة في سقوطها الحرّ على الورق. فالمرثيّ عاش رافضا لكلّ الأنساق والتصنيفات والهويّات المُسالمة منها والقاتلة، مُتعفّفا عن خوض الحروب المصطنعة على رُقع الشّطرنج الوهميّة، مُستبدلا سيف دون كيشوت بمسحاة فلّاح بسيط. المجد للتّراب قبل العُروش !

أن تكون مثله من نَسل هذه القبائل الضّاربة بأوتاد خِيامها في صحاري أوْرادِها “عَلىَ قَدْرِ أَلْوَاحِهَا تَتَهَجَّى الخَلَاء”[3]، فإنّك ستختار أن تكون من أعداء كُهّانها وصُعلوكا يهجو حكمة شيوخها الموْتورين، باقرا بُطونَها، طاعنا أفْخاذَها، مُتمرّدا على سلطة الأجداد المُحنّطين في الأسْفار القديمة.

لا جمهورية ولا مملكة تتّسقُ مع رؤاه. لذلك أسّس عالمه الأرضيّ “الزغباني” الخاص ليعيش فيه على ما يفكّر ويفكّر على ما يعيش كما أسّس في بداية الألفية مع بعض الرّفاق “رابطة الكتاب الأحرار”[4] أو حاضَرَ بحماس المُصلِحين في “الجامعة الشّعبية”[5]. فماهي “زغبانيا” ؟

“أَرْضٌ يَبَاب…اِسْتَصْلَحْتُهَا…وَلَا زِلْتُ أَشْتَغِلُ عَلَى جَعْلِهَا أَرْضًا حَيَّةً مُنْتِجَةً وَمِنْ ثَمَّةَ فَضَاءً بيُو-ايكُولُوجِيًّا ثُمَّ فَنِّيًّا وَثَقَافِيًّا مِنْ أَجْلِ تَأْسِيسِ عَلَاقَاتٍ دِينَامِيَّةٍ بَيْنَ الإِنْسَانِيِّ وَالحَيَوَانِيِّ وَالنَّبَاتِيِّ وَفَضَاءَ تَحْرِيرٍ لِكُلِّ الذَّوَاتِ التِي تَبْتَغِي التَّحَرُّرَ مِنْ شَتَّى اِكْرَاهَاتِهِ…

هِيَ إِذَنْ يُوتُوبِيَا…قَبَسٌ ضَئِيلٌ وَسَطَ لَامُتَنَاهِيَاتِ العَتَمَةِ التِي صَنَعَتْهَا الرَّأْسَمَالِيِّةُ المُعَوْلَمَةُ تَدْمِيرًا لِلْكَوْنِ بِرُمَّتِهِ. قَبَسٌ ضَئِيلٌ جِدًّا وَمُرْتَعِشٌ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ إِلَى أَعْيُنِ فِكْرٍ وَارِادَاتٍ أُخْرَى تَنْفُخُ عَلَيْهِ وَئِيدًا وَئِيدًا عَلَّهُ يُزْهِرُ أَكْثَرَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ مِنْ أَجْلِ كَيْنُونَةٍ مُغَايِرَةٍ…”[6]

كمال الزغباني، ذلك الفيلسوف أو “المتفلّسف المأخوذ بالشعرية”[7] الذي امتزجت فلسفته بكينونته، أو ذلك الرّوائي/الفلّاح، الذي اختار أن يحرث الأرض ويبذر الكلمات على الورق أو ذلك المعلّم المشّاء السّاخر أبدا من علامات الطريق ومحاذير السّير في المنعرجات الخطرة…إنه كل ذلك…وهؤلاء جميعا.

“في انتظار الحياة”[8]  لا “غودو”[9]، يقضي كمال الزغباني وقته محاولا إصلاح “ماكينة السّعادة”[10] المعطّبة لعلّ “الآخر”[11] يأتي في النهاية وينجو من “البهيمقراطية “[12] فتتجلّى الثّورة الثّقافيّة الحقيقيّة في أفق الشّعب المُتعطّش إلى الحريّة والكرامة والعدالة والمساواة، الشّعب الذي رآه الزغباني مُغرقا رغما عنه في الصّراعات السّياسيّة والحروب الإيديولوجيّة الرّخيصة التي تدور رحاها كلّ يوم في المنابر الملوّثة بالمال الفاسد والضّحالة المُتفشيّة تفشّي العدوى الفيروسيّة.

لذلك كان لابدّ من “زغبانيا” ملجأ وملاذا وإعادة بناء مُؤسّس للذّات الإنسانيّة.

لكنّه الموت، حين يختار سبتمبر في أحد أيّامه المتقلّبة..كالخريف تماما إذن بأمطاره الغزيرة المفاجئة، على صهوة الرّعد والبرق، يجيء الموت ذلك الذي “يَكُونُ فَلَا نَكُونُ”، كما قال درويش، ليجد القلب المفرط في إنسانيّته قد انتهى للتوّ من تحبير آخر الصّفحات في النصّ الأخير عن الحياة التي ستظلّ ممكنة ولو على مسافة من الجميع وفي صميم كل شيء وكل وجود.

حفيد زوربا اليونانيّ، الرّاقص على جليد الأكاديميا، لم يرفض دعوة الموت ليخوض تجربته كما غامر في صراعه الملحميّ مع الحياة ليخوض تجربتها المتأرجحة بين الأمل والخذلان.

“زغبانوف” كما يعرفه المقرّبون منه وقرّاؤه الأوفياء وندماؤه الخُلّص، بإنسانيته النيتشوية المفرطة، اختار في النّهاية أن يَفلَح تلك السّماء الزرقاء ليحوّل زرقتها إلى خُضرة أخرى بعد أن بعث “زغبانيا” من البوار لتصبح جنّته البعيدة عن ضوضاء المدنيّة الزائفة.

بكلّ أشجارها وأعشابها وحيواناتها، بترابها وحصاها، بوردة “لينا”[13] النّضرة على الدّوام، تودّع زغبانيا باعثها إلى الوجود بينما تحتفل سماء الخريف بقدومه شاكرة للأرض هديّتها ورسولها إليها، إلى ذلك السّديم الكونيّ، بعيدا عن “براميل القمامة”[14] قريبا من “سنان”[15] أين ستزهر نجوم أخرى بألوان ربيع أبديّ وتمتدّ مروج خضراء…ألمْ يَقُل أنّ “زُغْبَانِيَا لَيْسَتْ أَرْضًا…هِيَ فِكْرَةٌ أَوَّلًا وَبِالأَسَاسِ…يُمْكِنُ تَأْسِيسُهَا فِي أَيّ مَكَانٍ”[16] ؟

وداعا “زغبانوف”.

*******************

 

[1]  ولد كمال الزغباني في شهر سبتمبر من سنة 1965 بمدينة نفطة التونسية ورحل في الشهر ذاته من هذه السنة 2020.

[2]  زغبانيا : أرض بور استصلحها كمال الزغباني في الحديقة الخلفية لمنزله وسهر على جعلها مشروعا فلاحيا ثقافيا…

[3]  محمد الصغير أولاد أحمد : الوصية.

[4]  رابطة الكتاب الأحرار هي هيئة أدبية تونسية تأسست في 13 جويلية 2001.

[5]  مشروع الجامعة الشعبية محمد علي الحامي بسيدي حسين السيجومي (تونس) : تأسس بمبادرة من جمعية 1864

وإتحاد اصحاب الشهادات المعطلين عن العمل وحركة “زواولة” في 13 فيفري 2016.

[6]  كمال الزغباني : من صفحته الشخصية على فايسبوك.

[7]  كمال الزغباني : محمد الصغير أولاد أحمد…النيتشوي (مقال).

[8]  في انتظار الحياة : رواية لكمال الزغباني فازت بجائزة الكومار الذهبي سنة 2002

[9]  في انتظار غودو : مسرحية الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت

[10]  مكينة السّعادة  Machina Bona Hora: رواية لكمال الزغباني نالت جائزة معرض الكتاب بتونس سنة 2017.

[11]  الآخر : مجموعة قصصية لكمال الزغباني.

[12]  أخلاط في البهيموقراطيّة والثّورة : نصوص مجمعة في كتاب لكمال الزغباني.

[13]  وردة لينا : نبتة ورد غرسها كمال الزغباني في حديقته الفريدة “زغبانيا” باسم الناشطة الراحلة لينا بن مهني.

[14]  آخر ما دوّن كمال الزغباني على صفحته الشخصية في فايسبوك : “لأن الفايسبوك صار برميل قمامة يتقيأ فيه كل من   التهم الخراء التلفزي فإني أغادره”.

[15]  سنان العزابي : أستاذ الفلسفة والمناضل اليساري التونسي الراحل وصديق كمال الزغباني.

[16]  كمال الزغباني : من صفحته الشخصية على فايسبوك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This