ليس ثمّة مكان آخر: ثلاثيّة يسوع ل ج.م. كويتزي

ماري لويز نوت

 

22 حزيران 2020

لطالما اعتُبر ج.م. كويتزي الكاتب الفائز بنوبل أبرز كتّاب جنوب أفريقيا الأحياء، كلا أسلوبه ومصداقيته نالا المديح. بشجاعة غير عادية، حدّق في الظلمات التي تعيش فيها بلاده وفي ظلماتنا “واقعنا” في الآن عينه. ومع ذلك بدا، خلال السنوات القليلة الماضية، أن ارتباكا ما يشوب أسلوبه. في عام 2013 ظهرت طفولة يسوع، في 2016 يسوع في المدرسة والآن وبالتزامن مع الذكرى الثمانين لميلاده في شباط 2020 الجزء الأخير: “موت يسوع ” نسخة الولايات المتحدة من الرواية ظهرت في أيار. لكن ما خطب كويتزي ولماذا رواية عن يسوع؟ هل تحول كويتزي إلى الإيمان في شيخوخته؟

الروايات الثلاث جميعاً تدور في أرض خيالية. لا أحد من السكان ينتمي إلى المكان بالأصل، جميعهم وصلوا بواسطة السفينة. لا أحد منهم يعرف لغته الأم، فعلياُ، ما من واحد فيهم يتذكرها. جميعهم غرباء، لاجئون، يتواصلون من خلال اسبانية مُكتسبة، يُعيد كويتزي استنساخها. رغم أن لا شخصية باسم يسوع، فإن حقيقة أن كويتزي وضع ذاك الإسم في عنوان الكتاب تجعل من الواضح منذ البداية أن هذا نوع من أمثولة وأن هذه القصة عن اللاجئين  ستؤول إلى نهاية سيئة، على الأقل طالما أن حياتهم على الأرض ذات معنى. مع ذلك، يبقى السؤال المدوي: هل ثمة أي حياة أخرى؟

“هل تعرف ما الذي أنوي فعله يا سيمون؟ تماماً قبل أن أموت سأكتب كل شيء يتعلق بحياتي على قطعة من الورق وأطويها وأضغط عليها بقوة في يدي. ثم، عندما أستيقظ في الحياة التالية، يمكنني أن أقرأها وأن أعرف من أنا”.

“أنا” المتكلم هنا هو ديفيد، اسم مستمد من العبرية يعني المحبوب. كما عرف القراء في طفولة يسوع فقد ديفيد والديه في أثناء العبور. سيمون، يُقدم في الكتاب الأول عراباً، يتبنى ديفيد ابناً ويجد له أماً في آغنيس. في الكتب الثلاثة، يًدافع الراشدان عن الصبي الذي يبدو أنه الشخص الوحيد في البلاد الذي يعاني من واقع أن لا سلالة له ولا يعرف شيئاً عن أصله. ليحول دون مصير “الإقتلاع”، “انعدام التقاليد” من الحدوث مجدداً في الحياة التالية –إن كان ثمة حياة أخرى- توصل ديفيد إلى فكرته عن الملحوظة.

في مطلع “موت يسوع” يلعب ديفيد ذي السنوات العشر الكرة مع أطفال أخرين في الطريق. مدير دار أيتام، والذي يًشار إليه بوصفه “أخصائي تربوي”، ينتبه إلى موهبة الصبي ويدعوه للعب لفريق المدرسة. يترك الصبي منزله و”والديه” –سيمون وأغنيس- فهما في النهاية ليسا والديه فعلياً، يقول لنفسه. رغم ذلك، يعانيان كما يعاني الأبوان “الحقيقيان”.

لا يعرف القارئ أبداً ما الذي يثير ديفيد بخصوص دار الأيتام، كما تبقى معظم الدوافع والعلاقات –البين شخصية- في الرواية لغزاً. في المشهد الذي يصف ملحوظة ديفيد، كان الصبي قد مكث في مشفى لتوه لمدة طويلة بسبب معاناته، كما تبين، من حالة اعتلال عصبي تتسارع باطراد. في الوقت الذي كان الأطباء وطاقم التمريض يتظاهرون باهتمامهم بالصبي، كانت أفعالهم الحقيقية تدحض ذلك. علاج كثر الحديث عنه كما أُعلن مراراً للأصدقاء والمقربين، ليس أمراً وشيكاً، وهو دم مفروض أنه مطلوب لنقل الدم لا يصل أبداً. حالة الصبي واصلت التدهور.

ثلاثية يسوع لكويتزي  تدور في إحدى دكتاتوريات الرعاية الإجتماعية. خلال رحلتهم إلى البلد، تمنى المهاجرون جميعهم التخلص من حيواتهم السابقة، كما لو أنهم عبروا نهر ستيكس[1]. يتلقى الواصلون أسماء جديدة وأرقام هوية. السلطة غير المرئية للولاية تتظاهر بالاهتمام بكل شيء. المواطنون مجرد “مواضيع”. خلف الواجهة العقلانية المشرقة لهذا البلد الديستوبي “الكابوسي” يكمن عنف مُطبعن “صُّير طبيعياً” يتوخى (في الجزء الأول من الثلاثية) إرسال ديفيد الشاب إلى الإصلاحية بسبب العصيان –وهو فعل يتسبب بدوره في جعل “العائلة المقدسة” تفر.

تستقبل الدولة الناس لكنها تعريهم من ممتلكاتهم، من فرديتهم –وفوق كل شيء من ذكرياتهم، تواريخهم، وشغفهم. الألفة والتجانس هما القاعدة. لا تمايز. والامتثال مطلوب من الجميع. ديفيد يثور. لماذا يتوجب أن يكون حاصل جمع اثنين واثنين هو أربعة، يجادل ديفيد، إن كان الله بعد كل شيء قد جعل كل كائن فريداً؟ بعناد يدافع عن إمكانية أن يكون ثمة وقائع اخرى غير هذه الوقائع “المجّملة” التي تقترحها السلطات. كتابه المفضل هو دون كيشوت سرفانتس برومانسية فرسانه الخياليين.

يساعدنا الخيال والأسطورة على تحمل الواقع، أي تحمل حقيقة (أو واقعة) موتنا جميعاً. تزودنا الأخيلة بعالم موازٍ لامادي، يتشربه وعينا الجمعي على نحو غير محسوس. دون كيشوت مثال مبدئي عن هذه القوة المفعمة بالحياة للعوالم الفانتازية. الرجل ذو الخوذة من لامانشا يعيش في أحلام الفروسية للحقب السالفة: حين يرى الأخرون طواحين هواء فقط يرى هو عمالقة، مخلوقات من عالم آخر.

بقدر ضآلتها في الواقع، بالقدر الذي يحاول ديفيد أن يحتفظ بهذه العوالم حية في نفسه وفي المجتمع، وهذا ما دفعه ليحفظ عن ظهر قلب طبعة من دون كيشوت للأطفال وجدها في مكتبة واستدمجها في ذاته إن جاز التعبير. يروي مآثرها مرة تلو مرة، بينما يخترع مراراً وتكراراً مغامرات جديدة للفارس ذي الوجه الحزين. من خلال صوته، يبدأ الكتاب بالتحدث. أكثر من ذلك: كان سرفانتس قد ادعى أن دون كيشوت، الملحمة الإسبانية الوطنية، كانت فعلياً مترجمة عن العربية. كويتزي تبنى هذا الادعاء وحاجج أن مؤلف الكتاب ليس سرفانتس حتى بل مترجمها المشهور حامد بن جيلي. في واقع الأمر، كما هو معروف جيداً، تنحدر الملاحم الوطنية غالباً من مصادر أقدم.

ديفيد هو المواطن الوحيد المتصل مع عالم آخر. بدلاً من الانصياع لقوانين الحكومة، يبحث عن اختراع قوانين جديدة. لولا الاسم الخلاصي الذي منحه إياه كويتزي لربما جرى اعتباره لا شيء أكثر من صبي صغير صلب، موهوب جداً، مبكر النضج. صبي يتغيب عن المدرسة. لماذا، يتساءل أحياناً القارئ الضجر، هل والداه متسامحان جداً؟ أم أنهما بلا حول ولا قوة؟ تبقى الشكوك. إن كان ديفيد رمزاً يسوعياً حقاً –الأمر الذي يعني أنه شخص جرى اختياره- فمن المنطقي حينها أن يدافع عن مقاومته للمساواة القسرية.

إن مشاهدة أسئلة ديفيد الطفولية تُصدّع رؤية سيمون للعالم أمر مثير للإعجاب حقاً.. لكن هذا المبتكِر ليس قوياً بما يكفي ليقاوم اللامبالاة العامة واملاءات الإحسان. يقول الكتاب المقدس “أصبح مثل ولد صغير” وفي موت يسوع، أيضاً، يسود الاعتقاد أن الأطفال وحدهم كائنات بشرية (لأن المجتمع لم يشوههم بعد). عندما يكون ديفيد في المشفى، وحدهم الأولاد في المقام الأول من يتشبث بكل كلمة منه –أصدقاء من الشارع، من دار الأيتام، من مدرسة الرقص. وعندما يموت وحدهم الأطفال من يقرر أن قدوتهم يجب أن يعيش في الذاكرة: يستمرون في ممارسة ما اعتقدوا أنهم سمعوه وفهموه. إليوشا، وهو أستاذ من أكاديمية الرقص يخبرنا:

انتقلت فرق منهم من محل إلى محل، أبطلوا العروض، ووعظوا أصحاب المتاجر بشأن الإفراط في الأسعار. السعر العادل![2] تلك كانت صيحتهم. في أحد متاجر الحيوانات الأليفة فتحوا الأقفاص وأطلقوا سراح الحيوانات، كلاب، قطط، أرانب، أفاع، سلاحف. أطلقوا الطيور أيضاً. لم يتركوا سوى السمكة الذهبية. كل ذلك من أجل السعر العادل، كل ذلك باسم ديفيد.

حتى أن بعض الأولاد حافظوا، كما يقول، على الرؤى الغامضة التي انتابتهم. الأساطير التي أحاطت بكلمات ديفيد وأعماله كانت قد بدأت.

انظر إليه من خلال عيونهم يا سيمون. من خلال عيون الأطفال الذين عاشوا حيواتهم كلها في مؤسسة، متبعين نظاماً مؤسسياً يكاد لا يملك صلة بالعالم الأوسع. وفجأة يظهر بينهم صبي ذو أفكار غريبة وقصص خيالية، صبي لم يلتحق بمدرسة قط، ولم ينضم إلى فريق قطً، لم يخش أحداً، بالتأكيد ليس معلميه، صبي جميل كفتاة لكن لديه موهبة كروية –ظهر بينهم كشبح ومن ثم وقبل أن يعتادوا عليه وقع فريسة مرض غامض ورحل بعيداً، ولن يضع قدمه في دار الأيتام مجدداً. ليس غريباً أنهم صنعوا منه شهيداً وأسطورة.

كانت الأسئلة الوجودية في صلب عمل كويتزي منذ بداياته الأولى. ما صلة حياة فردية صغيرة بمجتمع ما ككل؟ فيما يتعلق بانشغالات الأدب ذاته، ما الذي يمكن للقصص أن تفعله في عالم مضطرب؟ هل القصص، كقصة دون كيشوت، هي فعلياً رسائل سرية من عوالم أخرى – رسائل تشبه إلى حد كبير ملحوظات ديفيد (التي استحوذت عليه بشدة) من أجل رحلته إلى الحياة الأخرى؟ هل يمكن الأدب أن يقّربنا قليلاً من الحقيقة المتوارية؟

وسَمَ مزج كويتزي للضربين الواقعي والمجازي عمله منذ كتابه الأول، أرض الغسق، التي نُشرت في 1974. أصبحت تلك الرواية أثراً أدبياً وانسانياً في جنوب افريقيا. وقطعت مع أعراف السرد القصصي التقليدية بربطها حرب فيتنام باستيطان جنوب افريقيا في القرن الثامن عشر. مذاك، وطّد نثر كويتزي نفسه فوق دعامتين: استجواب جذري للحاضر وثتوير مستمر لشكل الرواية. وهو ينظم  رواياته على هيئة الخشبة المسرحية، ذلك أن صراعات الحياة، كما في أنتيغونا،  يجب ان تُلعب دائماً ويجري التفاوض عليها دائماَ من جديد. أطراف النزاع عنده لا ترهبهم المحرمات، وأبطاله بمسرحتهم لاضطرابهم على هذا النحو يفسحون المجال لاضطراب القراء جاعلاً منهم مشاركين فاعلين في استقصاءاته عن العالم.

بعد “خزي”، عمله الأكثر كلاسيكية ربما، كشفت روايته “اليزابيث كوستيللو” (2003) –التي قدمت سلسلة من المحاضرات الفلسفية في النثر-طابع مشروعه الأدبي برمُته المستند على البحث. في “يوميات سنة سيئة” (2007) يرمي كويتزي مزيداً من الأعراف الأدبية جانباً بتحويله الرواية إلى نتاج لثلاث أصوات تتشارك كل منها الصفحة ذاتها: الصوت الأعلى هو صوت كاتب مقالات، الصوت الأوسط مونولوج جواني لكاتب مقالة يتناول علاقته مع سكرتيرته، والصوت الأدنى هو صوت السكرتيرة، التي تراقب الكاتب المُسن. علاوة على ذلك، قلما تتزامن هذه الأصوات. تبدو ثلاثية يسوع مباشرة جداً، بالمقارنة مع مثل هذا النوع من التجريب السردي.

الثلاثية هي قصة ميتافيزيقية مشغولة ببراعة لكنها تمتلئ أيضاً بأصوات من سرديات أخرى، بما في ذلك إحالات على دوستويفسكي، كافكا، تولستوي، وبيكيت، لكن في المقام الأول –كما يخبرنا العنوان- الإحالة على الكتاب المقدس، أحد أكثر الكتب المقروءة  في العالم.  يبدو كما لو أن كويتزي، من أجل أن يتيح للقراء الولوج إلى الدراما الدائرة في القصة بسهولة أكبر، قد قدم العديد من المسارات المألوفة من أجل تتبعها.

لكن عن أي صراع تتحدث الثلاثية حقاً؟ لقد وصل النقاد إلى طريق مسدود منذ صدور الكتاب الأول من الثلاثية منذ سبعة أعوام. أكد أحدهم أن كويتزي كتب الثلاثية ليهزأ من عدد كبير من المؤولين لعمله الأول. جادل آخرون حول الأسلوب ما بعد السردي الذي ابتكره كويتزي أو فسروا الكتاب بوصفه رواية “أطروحة” ملغزة أو حتى نوع من نقد متشائم للاهوت. في النهاية، ليس ثمة رسالة في عمل كويتزي وليس ثمة إحياء لذكرى ما ولا مطهر.

أسلوب الكتاب يستوحي بساطة الكتاب المقدس بدرجة أكبر من الأعمال المبكرة للكاتب. مركزاً، مرة أخرى، على الحوار المثير للالتباس والبوليفوني في آن معاً. هياج سيمون، في تفجعه فقد ابنه، يُظهر عدم قدرته على إدراك حقيقة الموت:

يُكره نفسه على النظر إلى الجثة: إلى الذراعين الناحلين اللذين بدأت نهاياتهما تصبح زرقاء للتو، إلى اليدين الرخوتين الفارغتين، إلى القضيب الذابل الذي لم يُستخدم أبداً، إلى الوجه المتحجر في حالة تركيز.  يتحسس الخد البارد بشكل غير طبيعي، يضغط بشفتيه على جبهته. ثم يجد نفسه بعد ذلك، دون أن يعرف كيف أو لماذا، جاثياً على ركبتيه ويديه فوق الأرضية.

فلينتهي هذا كله، يفكر. ليتني أستيقظ ولتكن ثمة نهاية ما. أو ليتني لا أستيقظ، أبداً.

هنا، تلاشى البعد السردية بأكمله. على مدار الليالي التالية يستيقظ سيمون مرة تلو أخرى ليستمع إلى صوت ديفيد:

“سيمون، لا يمكنني النوم، تعال وارو لي حكاية!”

أو: “سيمون، أنا ضائع، تعال وانقذني!”

الأسى يرشح ويغطي كل شيء. سيمون لم يعد يستطيع المشي في المتنزه كما كان يفعل، إذ أنه حالما يرى الأولاد يلعبون يبدأ بالتساؤل بمرارة لماذا ابنه دون غيره من اختُطف بينما يستمر الصبية الأخرون في اللعب.

كان الموت أيضاً قريناً حاضراً دوماً في أعمال كويتزي الأدبية. في عمله “عصر الحديد” (1990) يرافق القارئ امرأة في أيامها الأخيرة تحتضر بفعل سرطان شديد وحيدة في مزرعة نائية. في “حياة وأزمنة مايكل ك” (1983) يحاول جنائني، في ذروة نظام التمييز العنصري، أن يُعيد أمه العجوز الهشة لتموت حيث ولدت، لكنها تقضي نحبها خلال الطريق. في “خزي” (1999) ثمة خط في القصة يتعلق بالقتل الرحيم لكلاب ضالة وفي “رجل بطيء” (2005) يُجاهد رجل مُسن بُترت ساقه نتيجة حادث دراجة ليضع حداً لحياته.  مؤخراً فقط، كانت الحياة القصيرة لدجاجة صغيرة في مذبح البؤرة المركزية في قصة لكويتزي عنوانها “المسلخ الزجاجي”.

في موت يسوع، يموت ابن. يندبه أبواه. مثل ديفيد في الكتاب، رفض نيكولاس ابن كويتزي (كما يمكننا أن نقرأ في السيرة الذاتية الممتازة التي كتبها ج.س. كانيمير(2013) أن يذهب إلى المدرسة. لكن، بينما راقص نيكولاس الحروف في طفولته في مدرسة والدورف، يراقص ديفيد اليافع، في الجزء الثاني من الثلاثية، الأرقام ليتسنى له التواصل مع محيطه. ديفيد يموت عندما يكون في العاشرة بينما مات نيكولاس، في 1989، عن عمر 23 عاماً.

ثلاثية يسوع، كما هو واضح أيضاً، كتاب حِداد، صرخة يأس لأباء لا يمكنهم مرافقة أبنائهم في العالم ولا يمكنهم حمايتهم رغم محبتهم وحدبهم. يسعى ديفيد، مثل يسوع في الكتاب المقدس، إلى إمكانية بداية جديدة، يسعى إلى ربط نفسه بالعوالم الأخرى، لكنه يموت من الانهاك فيما يحاول مواجهة الضغط الأوتوقراطي “الحاكم الفرد” لإرغامه على الامتثال. لا عجب أن تدور ثلاثية يسوع في بلد أصبح فيه الماضي مطفأً تماماً. يكاد ديفيد يكون وحيداً في صراعه للدفاع عن حريته وفرديته، الأمر الذي يثير أسف سيمون أيضاً. ليس ثمة مثال أعلى، لم يعد الماضي يضيء الحاضر. ديفيد “مجاز عن المسيح”، خلاق، كما هو حال جميع الأطفال.

“أنا ماض إلى دار الأيتام” يعاود الصبي القول.

“لن تفعل أمراً كهذا”

حاولت أن تأخذ الحقيبة من يديه، لكنه تراجع بعيداً. “اتركيني وشأني، لا تلمسيني”. صاح. “أنت لست أمي”.

……

“دعنا نصعد إلى الأعلى ونتحدث عن ذلك بهدوء” قال “سيمون”.

تناول الصبي ذي الوجه الحجري الحقيبة. صعد ثلاثتهم الدرج إلى شقة أغنيس، حيث انسحب إلى غرفته وأوصد الباب.

أفرغت أغنيس الحقيبة على الأرضية. الملابس، الحذاء، دون كيشوت، علبتان من البسكويت. علبة من الخوخ وفتاحة علب.

“ما الذي يسعنا فعله؟” قال “لا يمكننا أن نبقيه حبيس الغرفة”.

“في أي صف أنت؟” قالت أغنيس.

“أنا في صفك، نحن معاً في هذا الأمر”.

“إذاً جد حلاً”.

في لحظات كهذه ليس ثمة حلول كما يعرف كل واحد لديه خبرة مع صبي متمرد. ثمة مجرد أسئلة  ومحاولات .وفكاهة طبعاً. رغم ذلك، الموقف أكثر جدية هنا. كلما تفاقم مرض الصبي كلما تعمقت أسئلته الوجودية ” لماذا أنا هنا “. يسأل سيمون مرة تلو مرة –ليس فقط، لماذا أنا هنا في هذه المشفى؟ ولكن، لماذا أنا هنا على هذه الأرض؟”. اهتمامات الصبي انفتحت لتشمل أسئلة نقدية: ما الذي يبقى منا في عالم لا يكترث للروح؟ ما الأثر الذي يتركه الأفراد ورائهم؟ هل يذكر أحد هؤلاء الذين لم يخططوا ليكونوا البطل في قصة ما؟ كما يجيب سيمون عندما يسأل الصبي ” لماذا أنا هنا؟”:

“لا أعرف ما أقول. نحن هنا للسبب ذاته الذي يوجد الأخرون من أجله. أُتيحت الفرصة لنا لنحيا. أمر عظيم أن تحيا. يا لها من فرصة أن تحيا وقد قبلنا تلك الفرصة. الحياة أمر عظيم”.

“لكن هل علينا أن نعيش هنا؟”

“هنا في مقابل أين؟” ليس ثمة مكان آخر.

ما من أجوبة، لكن على المرء أن يُبقي على قوة أسئلة كهذه في العالم.

يتوق ديفيد إلى أمكنة أخرى، يدافع عنها. سيكون مبتهجاً جداً فقط إذا ما كان لديه ضمانة أنه موجود هنا لغاية ما –أن الناس سيذكرونه، بعد موته، تماماً كما يواصلون التحدث عن دون كيشوت (أو يسوع) . في المشفى، يسأل سيمون:

“من الذي سيكتب كتاباً عما قمتُ به. هل تفعل؟”

“نعم. سأقوم بذلك إن أردتني أن أفعل. لستُ كاتباً لكنني سأبذل جهدي”؟

“إذاً يتوجب عليك أن تعدني ألا تفهمني. عندما تحاول أن تفهمني سيفسد كل شيء. هل تعدني؟”

يعده سيمون.

القصص، سواء لدى سرفانتس أو في الكتاب المقدس، مؤلفة من التناقضات مثل الحياة ذاتها. ثلاثية يسوع لكويتزي تتضمن إرثاً مضاعفاً: سيمون يروي قصة ديفيد دون رغبة في فهمه –أي، دون رغبة في الانتهاء من التفكير به. الإنسان أكثر من مجموع أفعاله (ها) ومع ذلك وفي نفس الوقت،  تحكي الرواية قصة سيمون، قصة الأب الذي فقد ابنه، الأب الذي يشعر أنه لا يستطيع التعامل مع قوة التساؤل لدى الصبي. لغة الرواية موسومة بدقة خنجر، الأمر الذي ميز نثر كويتزي منذ البدايات: حدة الرؤية والتجرد العاطفي. هذه المرة، اللغة أكثر اقتصاداً وتفسح المجال للحوار في محاولة ربما لملامسة المناطق العصية في الحزن.

مع أن كويتزي ترعرع لدى عائلة تتكلم الإنكليزية قرب كيب تاون إلا أنه علّق ذات مرة بأن الإنكليزية كانت “لغة أجنبية متجذرة عميقاً”. كان يقضي أصيافاً طويلة، في معظم الأوقات، في مزرعة في الصحراء الحجرية ل كارو –فردوس حجري منعزل، مكان آلف فيه كل حجر وكل دغل شوك حيث كانت الطيور تؤوب في الأمسيات إلى الأشجار بالألاف. هناك امتزجت لغته الإنكليزية مع اللغة الأفريقانية[3] لأقاربه ومع اللغات الأصلية للأطفال عمال المزارع بالإضافة إلى أصوات الحيوانات والريح.

بعد رحيله إلى بريطانيا للدراسة، سافر كويتزي إلى الولايات المتحدة لكن في ذروة حرب فيتنام لم يجر تجديد تصريح إقامته وعاد إلى كيب تاون. آنذاك، لا بد أن الولايات المتحدة بدت غريبة تماماً بالنسبة إليه. لم يتمكن من “قراءة” ثقافتها ولا تمكن من فهم الصراعات بداخله وافتقد جرس لغته ودقائقها المألوفة لديه.

جنوب أفريقيا بلد مُعاق لغوياً، قال الكاتب. من ناحيته، بقي مخلصاً للإنكليزية وللإعاقة معاً. لقد بحث في لغة شعب ناما[4]، ترجم عن اللغة الأفريقانية، حتى أنه أجرى تقابلات مع لغة الإيسيزولو [5]ودراسة متخصصة عن لغات خويسان[6] “ليتمكن من التحدث مع الأموات” وينقذهم بذلك من الصمت الأزلي.  يتابع كويتزي، في ثلاثية يسوع، استقصاءاته اللغوية مُحاولاُ تجيير الخبرات اللغوية المتراكمة وجعلها راهنة، وكذلك المحافظة على إيقاعاتها، جرسها، استعاراتها، وصورها.

في “خزي” التي قد تكون أشهر رواياته، يُعلق البروفيسور بطل كويتزي أنه يأمل أن يسمع قصة PETRUS، أسود من جنوبي أفريقيا، ولكن دون اختزالها إلى الإنكليزية بما أنها “أي الإنكليزية” وسيط غير مناسب للتعبير عن حقيقة بلده. ضغط قصة PETRUS في قوالب وصياغات الإنكليزية يجعلها مُتصلبة ومتقادمة. هذه اللغة، التي جلبها المستعمرون معهم، فرضت نفسها بعنف على الواقع في جنوب أفريقيا. من يصوغ المفاهيم يمتلك الكلام، كما يمكننا ان نقرأ في موت يسوع. أو كما قال كويتزي مؤخراً:

لدي تحفظات على اللغة الإنكليزية لاسيما فيما يتعلق بالفلسفة أو السياسة. أن تكون حبيس لغة واحدة يعني أن تستسلم لرؤية العالم وفقاً لهذه اللغة. بتحفظي عليها “أي الإنكليزية” أمضي أبعد فأبعد عن رؤية العالم التي تفرضها علي، ليس لدي شيء ضدها بوصفها لغة تواصل مشترك لكنها حقيقة أن كل لغة تمثل رؤية معينة للعالم، رؤيا يعتبرها المتحدثون باللغة الأم أمراً مسلماً به. العالم هو تماماً كما يبدو لهم من منظور لغتهم الأم. لأسباب فلسفية لا لأسباب سياسية فقط أؤيد تعدد اللغات وتعدد الرؤى.

صرح الكاتب علاوة على ذلك أنه على الأرجح سيرافق آخر إنسان من الشعوب الأصلية يتحدث لغة Dyirbal، إلى الفلك “سفينة نوح” قبل أي من مسرحيات شكسبير.

 

الآن، لغة كويتزي الخاصة تشبه التربة الباهتة لكارو –بسيطة لكنها صلبة، وصياغاتها راهنة ووعرة.  كل هذه الأعمال تتضمن أصداء من لغات اخرى –الأفريقانية غالباً وأحياناً الألمانية أو الفرنسية وذلك من أجل تفكيك اللغة الإنكليزية ورؤيتها للعالم، لإنهاء استبداد الإنكليزية إذا جاز القول. في دورة يسوع يوشي كويتزي سرده بالكثير من الإسبانية. “لماذا علي التحدث بالإسبانية طوال الوقت؟” يسأل ديفيد في مكان ما (بالإنكليزية) وسيمون يجيبه:

“يجب أن نتحدث لغة واحدة، إلا إذا أردنا أن ننبح ونعوي مثل الحيوانات. وإن كنا بصدد التحدث بلغة ما فمن الأفضل أن نتحدث جميعاً اللغة ذاتها. أليس هذا منطقياً؟”

“لكن لماذا الإسبانية؟ أنا أكره الإسبانية.. أريد أن أتحدث لغتي الخاصة”.

“ليس ثمة شيء اسمه لغتك الخاصة”.

“نعم هناك! لا لا فا فا يام ينغ تو تو”.

لالا-فافا –يام ينغ –توتو. صيغة سحرية. تعويذة. يستحضر ديفيد العوالم الأخرى مثل شامان، عوالم  لكل فرد فيها قوله الخاص. لأننا نحتاج هذه العوالم الأخرى- يجب أن نصر عليها بقوة، كما يفعل ديفيد. كما فعل كويتزي ذاته عبر مسيرة طويلة، شجاعة وعريقة.

ترجم هذه المقالة عن الألمانية ألكسندر بوث.

ماري لويز نوت مؤلفة، مترجمة، وناقدة أدبية تقيم في برلين.

عن موقع لوس أنجلس ريفيو أوف بوكس.

******

[1] ستيكس هو نهر في الميثيولوجيا الإغريقية والذي يجري سبع مرات حول عالم الأموات، وفي الإلياذة هو النهر الوحيد في العالم السفلي. تكتسب مياهه اهمية في القسم باليمين والتي لا يُشك بها وأن نهاية الحنث به مميتة، وبسبب هذا فإن الشرب من المياه كان يُشكل على الأغلب جزءاً من القسم.

[2] السعر العادل هو نظرية الأخلاق في الاقتصاد التي تحاول وضع معايير للعدالة في المعاملات. نظراً لوجود جذور فكرية في الفلسفة اليونانية القديمة. تم تطويرها من قبل توما الإكويني استناداً إلى حجة ضد الربا.

[3] الأفريقانية هي لغة جرمانية غريبة، تًستخدم في جنوب أفريقيا وناميبيا.

[4] هي أكثر اللغات المنتشرة في أفريقيا الجنوبية وتحتوي أصوات” نقر” وتُصنف بشكل عام أنها من لغات خويسان.

[5] الزولو أو الايسيزولو هي لغة لديها 12 مليون متحدث يعيش معظمهم في جنوب أفريقيا وهي اللغة الأم الأكثر انتشاراً في جنوب أفريقيا.

[6] لغات خويسان هي مجموعة لغات طقطقة لا تنتمي لأية أسرة لغوية أخرى وتنتشر في جنوب أفريقيا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This