المُحاكَمة

الصّورة:

صورتنا العميقة الّتي نحاولُ أن نَكونها وأن نَظهرَ بها أمامَ أنفسِنا وأمامَ الآخر أَي الصُّورةُ المادِّيَّة والمعنويَّة المتشكِّلةُ عنّي وعن أفعالي هذهِ الصُّورة تكونُ شرطي في أَن أُحِسَّ وأقبلَ بنفسي وبوجودِ الآخر، نبنيها ونغذِّيها بتجربتنا وتفكُّرنا بها، فنحنُ نختارُ ونقلِّدُ ما نراهُ أمامنا من صورٍ وأدوارٍ أتيحت لنا، نقدِّمها مصحوبةً بما أضفناهُ من تجربتنا وخصوصيَّتنا، نتألَّم ونحسُّ بالوحدة والمعاناة إذا لم نَستطع أن نظهرَ على الصُّورة الَّتي نريد، فيكونُ إحساسنا بالضَّعف أو فقدانِ الأمل وغيرها من المشاعر الخاصَّة كانعكاس لعدم قدرتنا في أن نكونَ كما نريد ونحب، إحساسنا بالسَّعادة أو البؤسِ و الحبّ والخيانة أو التَّعاطف…. مَنشأها الأساسي صُورتنا هذه. فمن استطاعَ أن يرى أو يلمحَ بي صورتي أو جزءاً منها حتَّى فإنَّني سأحبُّه ومن استطعتُ أن أراهُ وألمحَ فيهِ صورَته الَّتي يريدها سيحبّني بالضَّرورة، فتبدو لي غايتنا هنا في البقاءِ أكبرَ قدرٍ ممكنٍ على الصُّورةِ الّتي نرسمها ونقرِّرها لِأنفسنا في هذه الحياة، ونحتاج لِنصلَ إلى غايتنا هذهِ إلى الآخر، أي نحتاج التَّفاعلَ معه.

ولا يتم ذلك التفاعل إلّا بممارسةِ السُّلطة على المستوى الفردي برأيي، فهي طريقٌنا الحتميٌّ للتَّفاعلِ مع الآخر حيثُ من غيرِ المُمكن إقامةُ علاقة ما مع فردٍ أو مجموعة دونَ تَقاذفِ السُّلطاتِ واستخدامها فيما بينهم على مستوى المجموع أو حتَّى على المستوى الفردي كعلاقةِ حبٍّ أو صداقةٍ أو عائلة أو عداوة.

السُّلطة (العلاقة صراع):

عندما أُغمضُ عينيَّ أرى سُلطتي على نفسي وعلى الآخرِ، أفتحُ عينيَّ فأرى سلطةَ الآخر علي، أمارسَ السّلطة بدايةً في اسمي فأقول لنفسيَ صورتي وصفاتي وآمرها بِحفظها وتنفيذِ كلِّ ما يمكنُ من هذه الصِّفاتِ أمامَها وأمامَ الآخرِ ومن بعدها تقومُ المحاكمةُ على نَفسنا وعلى الآخر.

فالسُّلطة على المستوى الفردي والنَّفسي مفهومٌ حيّ تحتاجُ إلى كائنٍ حيٍّ لإنتاجِها على نفسهِ أولاً وعلى الآخرِ وهي غيرُ محدودةٍ فإنتاجُ السُّلطة يكونُ بِممارستها على شكلِ أدوارٍ وصور نلعبها حسبَ الظَّرفِ المعاش. أي بدونِ سلطةِ دور الحبيبة أو دور الحبيب أو الزوجين… أو سلطةِ الأعراف الَّتي تحكمُ العلاقاتِ في مجتمعٍ معين لا يمكن أن تنشأ علاقة أصلاً، نحن نمارسُ السُّلطةَ كَبشر بشكلٍ تلقائيٍّ لكي نتفاعلَ مع الآخر في محاولةِ الوصولِ بهذا الصِّراع اليوميِّ إلى نتيجةٍ مشتركة ترضي غايةَ وصورة الطَّرفين.

كمثلٍ عام حيثُ عندما أدخلُ إلى متجرٍ لبيعِ الملابس تنشأ بيني وبين البائعِ علاقةٌ اقتصاديَّة تحكُمها سلطة ما! يَتقاذَفُها الطَّرفين كَكرةِ التّنس بينَهما، فالبائعُ مثلاً يملكُ سلطةً على المشتري عن طريقِ سلطة المكان(متجره) أو سعر المنتج أو …، كما أنَّ المشتري يملكُ سلطةً على البائع بما يملكهُ من مال وإرادةِ قبولِ إنفاقه الخ….

نحنُ نبسِّطُ المفهوم هنا لأجلِ فهمه ولا نقارنُ بين الحالةِ المادِّية في محلِّ الملابس والحالة النَّفسية، فإذا كنت معلِّمة أو طالبة أو مدير أو موظَّف أو أحد الوالدَين أو الأولاد…. فأنتم تملكونَ سلطة، سلطةَ عدمِ الطَّاعة أو القبول بالضَّرورة.

فعلى مستوى العائِلة مثلاً حيثُ لِكلْ من الأبناء والأهل مساحةٌ ما من السُّلطة بحكمِ أدوارهم، حيث الأولادُ يمارسونَ سلطةً مثلهم مثل سلطةِ أهلهم على المستوى النَّفسي وحتَّى المادِّي وهذا يعودُ إلى شكلِ العلاقة المتشكِّلة بينهم. ولكن تبقى علاقة الأبناء مع أهلهم علاقة لها خصوصيَّتها من حيث موضوع الصورة والسُّلطة لسببٍ أساسيٍّ، وهو أن أوَّل سلطة يواجها الأبناء في الحياة ويتفاعلون معها هي سلطة أهلهم عليهم وعلى صورتهم التي يريدونها حتَّى قبل معرفتهم بسلطانهم على نفسهم.

الخصوصيَّة هنا تعود إلى أنَّه تمارسُ عليهم السُّلطة لأوَّل مرَّة من أشخاصٍ يحبُّونَهم، أو بمعنى آخر العلاقة هنا يَحكمها العام فَصورة العائلة لدى الأولاد هي الأمان الأول. فكيف سيفهم الطّفل أنَّ العائلة الَّتي هي مصدر الأمان الأوَّلي والوحيد له تمارسُ سلطةً عليه (يشجِّعني أو يوبّخني) فالعلاقة هنا معقَّدةً قليلاً حيثُ يحتاجُ الأولاد وقتاً كافٍ للتَّعاملِ مع تبعيَّاتِ وشكلِ هذه العلاقة ومفهومِ السُّلطةِ فيها، حيثُ أعتقدُ أنَّهُ سيظلُّ يلاحقنا شعورَنا الأوَّل في مجابهةِ سلطةِ الأهل إلى زمنٍ طويل وسيظهرُ فينا لاحقاً وبأشكالٍ مختلفة سيظهرُ على شكل ردَّةِ فعلٍ أوَّليَّة لأيَّ سلطة نواجها فيما بعد حتَّى على المستوى الجَمعي.
كَمثل عام أعتقد أن معظمنا نُحسُّ بالخوفِ أو التَّردُّد عندما نُسأل سؤال مباشر، أو ندخلُ في أيِّ شيءٍ جديدٍ أو مواجهه، حتَّى ولو كنَّا كبرنا وكبرت خبراتنا فهناكَ شعورٌ يبقى مخفيّ داخلنا يظهرُ كواجهةٍ وبدايةٍ لكلِّ مواجهةٍ جديدة نعيشها، إمَّا أن يبقى أو يختفي ولكنَّهُ لابدَّ من أن نَبدأ بِه المواجهة ولو على مستوى الشُّعور لا الظُّهور المادِّي.

وكأنَّ العالمَ يغيبُ في لحظةٍ لنعودَ أطفالاً شفَّافين عراةً للنَّاظر، هنا تُعبِّرُ مواجهتنا الأولى لسلطة العائلة عن نفسها فيظهرُ احساسَنا الأوَّل عندما كنَّا صغاراً أمامَ أهالينا ضعيفينَ هشِّين، فإمِّا أن يبقى هذا الشُّعور أو يختفي ليحلَّ محلَّه ما نحنُ عليه الآن وما نحملهُ من خبراتٍ فوقَ خبرتنا في المواجهةِ الأولى ونعودُ للتَّوازنِ من جديد وكأنَّ شيئاً لم يكن.

المحاكمة:

مما سبق كلُّنا نمارسُ السُّلطة بأشكالٍ مختلفةٍ، ولكن هناك فرق بينَ السُّلطة والتَّسلط برأيي وبين الحكمِ أو محاكمة الفعل (الصورة).

فلا أستطيعُ القاءَ صفة المخطئ مثلاً على أيِّ آخر ولكنَّني أستطيع القولَ أنَّ فعله خاطئ فأحاكمَ فِعله ولا أحكم عليه هو نفسه باعتبارهِ مذنب، وكذلك ينطبق هذا على أنفسنا فلا يجب أن نَحكمَ على ذواتنا ونعاقبَ أنفسنا بل يجبُ محاكمة ما فعلناه(صورتنا) وإصدار الحكمِ على فِعلتنا وليسَ على أنفسنا.

لأنَّ الإنسان ابن مَعرفته وظَرفه وهو قابلٌ للتَّغيُّر بِتغيّر هذا الظَّرفِ وتَبدُّلِه ولِكل إنسان نقاط تحوّلٍ خاصَّةً في حياته فحكمنا النِّهائي على أنفسنا أو الآخرين سَيمنَعنا عن فهمِ حقيقة ما حصل وسَينتهي هذا الحكم بالفشلِ بالضَّرورة بمرورِ الزَّمن، حيث علينا أن نستخدم سلطتنا لنحاكمَ المشكلةَ الحاصلة لا الحكم على ذاتِنا أو الآخر.

لأنَّ الحكم بذلك يصبح تسلُّط ولا يعطينا سوى العقاب كنتيجة هذه نهايةُ الطَّريقِ لهذهِ العمليَّة، أمَّا محاكمة الفعل الحاصل وإصدارُ الحِكمِ عليه والتَّرفُّعِ عن محاكمةِ الفاعلِ (انا أو الآخر) يُفضينا باعتقادي إلى الحِكمِ الحقيقيِّ على الواقعِ المعاشِ وفهمهِ وليسَ البقاءِ في دوامة إحساسنا بالذَّنب ومعاقبةِ الذَّات أو الآخر. فعندما نرى طفل صغير قام بفعل ما، هل نستطيعُ أن نحكمَ على هذا الإنسان حكماً يلاصقهُ كلَّ حياته؟

أي أن نحكمَ عليهِ بأنَّه إنسان شرَّير أو خيِّر مثلاً حسبَ ما قام بهِ أمامَنا، أعتقدُ أنَّهُ من غيرِ الممكن الحكم إلَّا على فِعلةِ الطِّفل أو الآخر أو الذَّات، في هذا الموقفِ وفي هذا الزَّمن بالتَّحديد وليسَ على ما هو عليهِ أو ما سيكونَه، حيث يجبُ أن نمارسَ السُّلطةَ لا التَّسلُّط. فإن الحكم على الإنسانَ لا فِعلَهِ باعتقادي هو تسلُّط بغرضِ السَّيطرةِ عليهِ للوصولِ إلى نتيجةٍ يريدها المتسلِّطُ فقط على جميع المستويات الفرديَّة كانت أم الجماعيَّة، شعوريَّة أو ماديَّة وغيرها، أمَّا ممارسة السُّلطة تكونُ بتقاذفِ السُّلطاتِ بغيةَ الوصولِ الى حكم وحلّ عادل يناسبُ الطَّرفين على المستوى النَّفسي أو المادي.

ممّا سبق نحنُ صورةٌ لأفعالنا نبنيها بِظروفنا ومشاعرنا وغَيرتنا وبإرادتنا فأيُّ خللٍ لهذه الصُّورة يوقفنا ويكبِّلنا وأيُّ تسلُّطٍ يجعلنا ضعفاءَ مهزوزين ويفضينا الى شعورنا بالذَّنب ومحاسبةِ ذواتنا على فقدانها صورتها التي تريد والتَّسلُّط عليها وبالتَّالي ممارستها على الآخر أيضا حتَّى ولو كان حبيبُنا أو صَديقنا أو أبناؤنا والعكس صحيح، أعتقدُ عندما نتفهَّمَ ونقبلَ أنفسنا والآخر نستطيع ابتكارَ الحلولِ لتخطِّي ما ستواجه صورتنا من حواجزٍ ومحطّاتٍ في هذه الحياة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This