في دلالات هجرة الفلسفة نحو “أثينا”

لم يكن انتقال الفلسفة من منطقة أيونيا والجنوب الإيطالي إلى مدينة أثينا التي تقع في الشمال الغربي من بحر إيجه مجرَّد صدفة جغرافية، بيد أنه انتقال جاء نتاجا لتداعي مجموعة من الأسباب منها ما هو سياسي وما هو اقتصادي واجتماعي، فانسحاب الفلسفة من المنطقة الأيونية كان نتيجة للغزو الفارسي الذي عطَّل مسار التقدم الفكري وألزم السكان الأصليين بضرورة الدفاع عن امتدادهم الجغرافي ومقاومة الاحتلال. أمَّا أثينا فقد كان دخول الفلسفة إليها نتاجا لأزمة شديدة التعقيد ساهمت فيها عدة عوامل من بينها الهزيمة التي تعرَّضت لها المدينة في حربها ضد إسبارطة.

لم تكن هذه الهزيمة مجرد حدث عسكري وحسب، بل كانت انتصارا لنمط من العيش والتفكير على نمط آخر، فالرجل الأثيني يختلف في تركيبته الثقافية والفكرية عن الرجل الإسبارطي، يبرز ذلك مثلا في الاختلاف القيمي بينهما، فالأول يحمل قيم الحكمة والعدل والمساواة، بينما يرتكز الثاني على قيم الشجاعة والقوة والبسالة؛ يبرز ذلك أيضا في أسلوب العيش، فالمدينة الأثينية كانت مدينة ترف وبذخ ورفاه وإقبال على الفنون التي تمجِّد الحياة وتحتفل باللذة، بينما تميزت المدينة الاسبارطية بشظف العيش واختبار التجلُّد وتدرُّب الجسم على تحمل المشاقِّ والصعاب، فضلا عن تمجيد قيم البطولة والشرف. ما يعني في نهاية المطاف أن أسلوب الحياة الإسبرطية وثقافتها قد انتصرا على أسلوب الحياة الأثينية.

على أن الأمر هنا لا يتعلّق بحدث تاريخي فحسب بقدر ما هو نتاج لتفاعل بنية من التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي طالت المجتمع اليوناني، وعلى الخصوص مدينة أثينا، ولعل مقاربة نشأة الفلسفة وانصرافها عن طرح القضايا الطبيعية نحو التفكير في المسائل الإنسانية يقتضي ضرورة التوقف عند المسارات المتوازية التي تمتد بين المؤشرات التاريخية في بعدها السياسي والاجتماعي والمحددة لتطور الحضارة اليونانية، وانعكاسها على بنية الجهاز المفاهيمي الذي شغّله العقل اليوناني إبداعا أو تطويرا.

ينطلق المفكر الفرنسي جون بيير فرنانJ. P. Vernant  في مقاربته لأصول الفكر اليوناني من الإقرار بأن التحولات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ على مجتمع معين، تنعكس بالضرورة على أطُره الفكرية والثّقافية التي تتحدد من خلالها هويته ويرتسم عبرها تاريخه، والحضارة اليونانية بكل نتاجها لا تشذ عن هذه القاعدة، فانتقال اليونان من النظام الملكي الميسيني القائم على تجميع السلطة والقوة بيد الملك (L’anax)، والاحتفاء بقدسيته وتمجيد مؤسسته، إلى نظام “الدولة-المدينة” بما يتيحه ذلك من حرية للفرد واستقلالية في التصرف مع مشاركته الفاعلة في اتخاذ القرار داخل النظام الديمقراطي الذي ينص على مبدإ المساواة بين الأفراد ومبدأ حريتهم في التعبير والمشاركة السياسية في تدبير الشأن العام، هذا الانتقال كان له أثرا بيِّنا على الحياة اليونانية العامة، إذ لم تعد ممارسة السلطة مقتصرة على ذوي القربى من العائلة الملكية (رابطة الدم)، ولن تستمد مشروعيتها من القوة الحربية والغزوات أو من المصادر الدينية والأسطورية، كما أن “صورة الملك السيد المطلق استُبدلت بفكرة الوظائف الاجتماعية المتخصصة والمختلفة الواحدة عن الأخرى”(ٍJ. P. Vernant : les origines de la pensée Grecque ; Edit PUF).

غير أن التدبير الجماعي للشؤون العامة ظل يطرح إشكالية تعارض المصالح وتنوع أشكال السلوك الفردي، أي صعوبة الانتقال من المتعدد إلى الواحد، ففي النظام السابق كانت السلطة تمارَس وفق تراتب عمودي من الرأس الحاكم في اتجاه أحادي نحو عموم الأفراد المحكومين، لكن النظام الديمقراطي الحديث في نشأته انبنى على المساواة بين جميع اليونانيين في مختلف الواجبات والحقوق، كما أن تنوع الوظائف الاجتماعية أفضى إلى اختلال التوازن بينها، وبالتالي اختلال البنيات المكونة للمجتمع نفسه، ثم إن الحياة السياسية والاجتماعية لدى اليونانيين ظلت تنطوي على مفارقة إشكالية، فالمجتمع لديهم لا ينفصل عن الدولة، لأن القضايا الاجتماعية هي نفسها قضايا الدولة، ولا يمكن فصل الجانب المواطِن في الفرد عن جانبه الاجتماعي.

إن المجتمع والدولة يتماهَيان ببعضهما، غير أن الدولة ذات بنية واحدة كلية ومنسجمة، بينما يتميز المجتمع بأنه مكوَّن من مجموعة بشرية ذات أجزاء متعدِّدة ومتنافرة، ويرجع ذلك إلى تمتٌّع كل فرد بقدر من الاستقلالية والحرية، ما يجعل المصالح والطموحات مختلفة  ومتباينة.

تقود هذه التقابلات إلى طرح الإشكال التالي: كيف يمكن توحيد الآراء والأفكار والممارسات السياسية المختلفة والمتنوعة داخل نظام واحد يردُّ الاختلاف بين الأفراد إلى وحدة كلية؟

يشَخِّص ج. ب. فرنان Vernant الوضعية الحالية بالقول: “عندما اختفى نظام الملك (L’anax) الذي كان يوَحِّد وينظِّم مختلف عناصر المملكة بفضل قدرة أكبر من القدرة البشرية، برَزت قضايا جديدة هي: كيف يمكن أن يولد النظام من النزاع بين مجموعات متخاصمة، من المجابهة بين الامتيازات والوظائف المتناقضة؛ كيف يمكن لحياة مشتركة أن تستند إلى عناصر متنافرة، أو كيف يمكن أن يخرج على الصعيد الاجتماعي، الواحد من المتعدد، والمتعدد من الواحد”( J. P. Vernant : les origines de la pensée Grecque ; Edit PUF).

وإلى جانب هذا الإشكال المركزي تنبثق أسئلة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية: لماذا تختلف السُّلوكات الإنسانية إذا كان الجميع يتمتع بوحدة مبادئ العقل؟ ما هي معايير التمييز بين السلوك الصحيح والسلوك المعتل، هل هي المصالح والحسابات الذاتية أم العلم والمعرفة؟ هل هناك قيم يمكن أن توجه السلوك؟ هل هي قيم مطلقة أم نسبية، طبيعية أم مكتسبة؟

ما ينبغي تسجيله كنقطة أولية في مقاربة هذه الإشكالات هو أنَّ حدث خروج الشأن السياسي من ردهات القصر وقاعاته المغلقة إلى الساحة العامة لم يكن ليمرَّ دون أن ينعكس على مجريات تدبير أمور الدولة ومرتكزات الأسس التي تنبني عليها، فما كان يقتصر سابقا على دائرة النفوذ داخل أسوار القصر أصبح الآن يمتد إلى عمق المدينة اليونانية، وهو أمر له أهميته على مستوى مسارات ممارسة السلطة والدور المنوط بالأفراد، ذلك أن الفرد لم يعد مجرد كائن يطبِّق القانونَ ويطبَّق عليه، بل أصبح هو نفسه مساهما في عملية التشريع، مثلما أنه أصبح فاعلا أساسيا في اتخاذ القرار وليس مجرَّد متلقٍّ سلبي له. وبهذا الشكل سوف يكتسب الفرد اليوناني صفة “المواطن Citoyen” الذي أصبح أكثر  وعيا بحريته داخل المجال السياسي وبضرورة انخراطه في تدبير الشؤون العامة.

من جهة أخرى، إذا كانت “القوة” بما هي إخضاع بواسطة العنف هي الوسيلة الأكثر فعالية في ممارسة السلطة، فإن المرحلة الحالية تعلن عن تشكُّل آلية جديدة في ممارستها، وخصوصيةُ هذه الآلية أنها متاحة لجميع المواطنين، ولا تتوقف فعاليتها إلا على مدى تملُّكها ومهارة إتقانها، يتعلق الأمر بسلطة “اللغة Langage”، فاتخاذ القرار في مسألة من مسائل الحياة اليونانية لن يتمَّ إلا عبر طرحه للنقاش في الساحة العمومية (l’Agora)، وجعله موضوعا لمبارزة الحجة بالحجة والكلمة بالكلمة، فمَن كان ذا حجة دامغة وخطاب متماسكٍ سوف يتمكن من التأثير في باقي الأفراد ومن ثمة استمالتهم وإقناعهم، وبالتالي سوف يحظى بصوتهم، أي الأخذ بطرحه من طرف الأغلبية كونُه الأكثر “صواباً”.

هكذا تتحول السياسة إلى مبارزة داخل ساحة الأغورا، وتتحول اللغة إلى وسيلة فعّالة لمباشرة السلطة وقيادة الآخرين والسيطرة عليهم، بحيث لا تتحدد دائرة استعمالها فقط في التعبير عن الأفكار بواسطة تسلسل الألفاظ والقضايا المترابطة ببعضها، أي اقتصار الخطاب على الوظيفة الإفهامية في العملية التواصلية بين المتكلم والمخاطَب، بل إن مداها سوف يتَّسِع لتشمل ممارستها دائرة يمتد قطرها إلى درجة عرض الأفكار على نحو يستهدف تحقيق “الإقناع”، وهنا يتحول الاستعمال البليغ للغة ضمن الوظيفة الإقناعية إلى خطابة Rhétorique، أي تضمن بنية القول المنجَز لمجموعة من الخصائص الخطابية، منها أن كل قضية يطرحها المتكلم تقتضي تعزيزها بالأدلة والبراهين التي من شأنها أن تحقِّق الإقناع، لكن هذه الأدلة والبراهين ينبغي أن تقدَّم وفق ترتيب مفكَّر فيه يجعلها خاضعة لنظام متسلسل، كما أن اللغة الخطابية تقتضي أن تصاغ ضمن جمل بيانية، أي اعتماد القول الواضح والبيِّن وتنويع مصادره بحيث يتوجه منجزه نحو مخاطبة العقل وإستثارة المشاعر معا، وبالتالي تصبح درجة تحقيق الخطاب لغايته رهينة بمدى القدرة الخطابية التي يتَّمتع بها كلُّ فرد، لكن كيف يتأتَّى للفرد أن يصبح “خطيبا”، أي قادرا على الإقناع بواسطة اللغة؟

إن استعمال اللغة داخل المجال السياسي في ساحة الأغورا لا يقتصر على المطلب التواصلي بما هو مطلب يكتفي بتحقيق درجة من الحوارية والتفاهم بين الأفراد، إنه استعمال يوجِّه مسار الحقيقة ذاتها، فالخطاب الأكثر تمثُّلا وتجسيدا لأدوات الخطابة وتوظيفا لها هو نفسه الخطاب الحقيقي، ما يعني أن الحقيقة ضمن هذا السياق لا توجد إلا داخل الخطاب السياسي المتقوِّم بمستلزمات الخطابة تنضيدا وبيانا، فكيف يمكن للمتكلم السياسي (الخطيب) أن يصبح قادرا على قول الحقيقة؟

لم يكن ظهور الحركة السوفسطائية في القرن الخامس ق.م إلا استجابة لهذه الضرورة التاريخية، فالتغيرات العديدة التي طرأت على بنية الدولة وتفكك الأنظمة التقليدية وتشعُّب مطالب الحياة واتساعها، فضلا عن انفتاح الشأن السياسي على الحياة العامة للمواطنين ومساهمتهم في تدبيره، وتحوُّل اللغة إلى سلطة قادرة على توجيه الرأي العام وصناعته، كلها عوامل اقتضت ضرورة ظهور نمط جديد من القادة السياسيين الذين لا تنتقل إليهم مسؤولية تدبير شؤون الدولة عبر الوراثة أو قرابة الدم، وإنَّما تفوَّض إليهم نظرا لقدرتهم على التأثير في النفوس بواسطة الخطابة،

إلا أن التمكُّن من استعمال اللغة على هذا النحو الجديد لم يكن مسألة غريزة أو موهبة طبيعية، إنما هو نتاج لمران وتمرين طويل المدى، فكانت مهمة الحركة السوفسطائية تدريب القادة الجدد على ممارسة السلطة، أي على مهارة استخدام اللغة استخداما بلاغيا وتملُّك أساليب الخطابة تملُّكا مبدعا، ولذلك سوف تضطلع بمهمة وضع أسس البلاغة والنحو والمنطق، كما أنها سوف تركز على تحليل أشكال الحوار والكشف عن الخطأ المنطقي  وأساليب المناظرة والاستدلال.

نسجل هنا الانقلاب الكوبرنيكي الذي أحدثه انتقال الفلسفة من المنطقة الأيونية إلى مدينة أثينا. إنه بمثابة تحول جذري في بنية الإشكال الفلسفي، إذ لم يعد اللوغوس موجَّها نحو فهم الظواهر الطبيعة والبحث عن أصل للكون فحسب، بل أصبح يطرح مشكلة الحقيقة والإنسان: ما الحقيقة؟ ومن يملك الحق في الحديث باسمها؟ هل هناك قيم أخلاقية قائمة الذات مستقلة عن الخطابين الوثني والسياسي؟ أي طريق يمكن اتباعُه نحو الفضيلة والمعرفة الحقة؟ أي نظام للمدينة يمكن أن يحقق سعادة الإنسان؟

إن مخاض ميلاد الفلسفة رافق هجرتها نحو المدينة، هناك حيث ابتدأ كل شيء ولم ينته بعد… هناك حيث أشْكَلَ الإنسان على الإنسان…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. اسماعيل

    موضوع افادني كثيرا في فهم نشأة الفلسفة.

أضف تعليق

Share This