في حضرة الفرح

 إلى كلِّ من يطلُّ في طريقنا من جديد

إلى كلِّ شيءٍ يستمرُّ ولا يتوقَّف

إلى الواقع الأفضل؛ والَّذي لا مناص من التَّطلُّع إليه.

يستيقظ صباحاً في يومٍ خريفيٍّ مُنعِشٍ مُشبَعاً بالنَّوم مُتحسِّساً جسده المُمتلِئ بهواءِ أيلول الَّذي يُثقِل جسده ويُشعِره بالحاجة للمزيد من النَّوم، يفركُ عينيه اللَّتين شبعتا من ضجيج العالم الخارجيِّ، يستقبل نهاره بابتسامةٍ تُخبِّئ في ثناياها فرحاً مُبطَّناً يصعُب التَّعبير عنه جرَّاء ثقل التَّقاليد والأعراف.. يُعاوِد التَّقلُّب في فرشته المريحة مُتأمِّلاً بعينيه اللَّامعتين مُحتويات الغرفة من حوله ومُوزِّعاً ابتساماته في أرجائها.. يستيقظ ليرى جارته أُمَّ مازن المُكمَّمة ككلِّ نساء الحيِّ والَّتي تتكلَّم بطريقةٍ يتخلَّلها المرح والقيود في آنٍ معاً. تُلقِي بسهام نكاتها الَّتي تُداعِب القلب وتدخُله دون استئذان ثمَّ تعاود الرُّكون جيِّداً لتُعدِّل من جلستها وانتمائها فتعود لتدخل في جوف المجتمع وعاداته ولتُحنِّط حسَّ دعابتها وتخفيه خوفاً من كلِّ شيء، لتتكلَّم فيما بعد عن التَّقاليد والأعراف، فيقبلها حمدي بكلِّ صدرٍ رحب دون أن يكيلها بالأحكام، فهو باستطاعته تقدير ثقل الواقع وقوَّة أعرافه ومدى تأثيره على عقول العامَّة، فمن يخرج عنه يُنبَذ ويُوصَم ويُستحقَر ويُنفَى عن المجموع.. آمان لهذا المجموع المُضحِك الذي يكبِّل نفسه بالقيود من كلِّ حدبٍ وصوب.

يبتسم حمدي لكلِّ ما يُحيط به ويُساوِم جارته على عبارتها الَّتي يقبلها والَّتي لا يقبلها على حدِّ سواء، ويُسايِرها؛ فالمسايرة هي أحياناً ضربٌ من ضروب الانسحاب من الأعراف عند حمدي أو وسيلةٌ لإغلاق جميع الموضوعات الَّتي لا يرغب بمناقشتها إطلاقاً، خصوصاً حين يشعر بالسَّعادة، حيث إنَّه لا يسمح لأيِّ شيءٍ أن يُعكِّر صفو سعادته. يستحم بصابونة الغار الخضراء ذات اللَّون اللَّامع والمُميَّز وذات الرَّائحة الفذَّة، ويدعُّ جسده عرضةً للمياه الَّتي تملأ أعضاءه وتُبلِّلها، وهو ما يزال مُبتسِماً دون أيَّة مُحاوَلات للتَّفكير أو التَّفسير أو التَّحليل؛ فحمدي هو ذلك الشَّابُّ الَّذي لا يني ينكب على المعرفة منذ أوَّل صباحه إلى نهاية اليوم مُحاوِلاً مسابقة الزَّمن، فيُردِّد يوميَّاً: “لا بارك الله في يومٍ أشرقت فيه الشَّمس ولم أزدد به علماً”، وهو أيضاً ممَّن تجذبهم تلك الكتب الممنوعة الَّتي لا تتحدَّث إلَّا عن الدِّين والجنس وعن التَّناقضات الاجتماعيَّة الفادحة الَّتي تجعل من الحياة مزيجاً من الشِّيزوفرينينا المُعاشة والمقبولة لدى الجميع.

يسير حمدي يوميَّاً عند المساء ويسترق السَّمع للمارَّة وقصصهم وحكاياتهم اليوميَّة في المحلَّات التِّجاريَّة والأسواق وباصات النَّقل العامَّة، ليبدأ بالتَّحليل والتَّفسير مُستغرِباً من شدَّة تشابه النَّاس من حوله؛ فهم أشبه بنسخٍ لا مجال للتَّمييز بينها، فيتذكَّر وهو يستحم تحت الدُّشّ قول جورج أورويل: “إلى المستقبل أو الماضي، إلى الزَّمن الَّذي يكون الفكر فيه حرَّاً طليقاً، إلى زمن يختلف فيه الأشخاص عن بعضهم البعض ولا يعيش كلُّ منهم في عزلة عن الآخر، إلى زمن تظلًّ الحقيقة فيه قائمة ولا يُمكن لأحد أن يمحو ما ينتجه الآخرون”* حتَّى تُثار حفيظته، ويتوقَّف عن التَّفكير؛ فهو لم يشعر بالسَّعادة منذ زمنٍ طويل، كون أسئلة الواقع والتَّحليل المُستمِرِّ له لا تتوقَّف عن نقر رأسه في كلِّ أوقاته، فيُحاوِل تجنُّبها في محاولةٍ لأخذ استراحةٍ ما. فيعود للتَّبسُّم من جديد ويُبعِد جورج أوريل جانباً، يضعه على الرَّفِّ مع مُستحضَرات الاستحمام ويترك جسده يستمتع بعذوبة الماء وهواء أيلول الخريفيِّ.

يجلس في يومٍ من أيَّام عطلة العمل مُسترخياً ومُستمتِعاً بأغنيات فيروز الصَّباحيَّة الَّتي لا مجال لاستمرار نهاره دونها، فتبدأ فيروز بالتَّغريد من شاشة الحاسوب ومن عالمٍ رقميٍّ لا مجال فيه لانتظارِ شيء ما، فكلُّ ما يخطر ببالك يُمكنِك الحصول عليه بأسرع وقت، فيترك أذنه تسترخي مع فيروز الَّتي تشيع مناخاً ممتلئاً بالألفة في غرفة الجلوس لتردِّد: “يسعد صباحك يا حلو.. بيتي بورد بجمِّلو.. لما النَّسيم بزورنا عنك يا ولفي منسألو.” فتتَّسع الابتسامة أكثر ويتنهَّد قلبه من جديد وتمتلئ رئتيه بهواءٍ باردٍ لا مجال لتحاشيه، فيترنَّح جسده من شدَّة الموقف.

تُرى هل يُمكِن لحمدي المُتشائِم باستمرار أن يبتسم ويتأمَّل لهذه الدَّرجة؟ يتبادر هذا السًّؤال لذهنه، لكنَّه يتحاشى الإجابة عنه خوفاً من العودة إلى تساؤلات الواقع ومُحاوَلة تفسير تناقضاته ولاعقلانيَّته الَّتي تفضي بحمدي دائماً إلى الحزن والاغتراب والعجز والسُّبَاب دون جدوى أو دون أيَّة مُحاوَلة من مُحاوَلات التَّغيير المُمكِنة ودون وجود أيِّ ضوء يُلوِّح في الأفق.

يمشي حمدي في شوارع المدينة الَّتي اعتادته واعتادها، والَّتي ائِتَلف أُناسها البسطاء وكرهوه وأكالوه بالنَّظرات الحاقدة لافتراضهم أنَّه ينتمي لطبقة أخرى غير طبقتهم المسحوقة؛ عِلماً أنَّ حاله لم تكن أحسن من حالهم إلَّا بقليل جدَّاً. ينظر حوله ويتذكَّر هارولد جارفينكل وأثنوميتودولوجيَّته الَّتي لا تني ترافقه في مسيرته اليوميَّة… يستمع لأصوات النَّاس من حوله من جديد، ويرى النُّسخ اليوميَّة الَّتي تتحدَّث بالمنطق عينه وبالمصطلحات ذاتها إلَّا أنَّه وللمرَّة الأولى لا يكترث لأيِّ شيء ويبتسم لهم وينظر للسَّماء، فيراها تشاركه ابتساماته بعذوبتها وصفائها غير المعهود بعد الحرِّ الصَّيفيِّ الَّذي أنهكه وفتَّت وجوده برمَّته.. يُعاود السَّير وحيداً فيُسلِّي نفسه بالتَّسوًّق تاركاً جسده عرضةً للاحتمالات والأيَّام والمفاهيم الَّتي لا يُمكِن الهرب منها.

هل حقاً هو الخريف كريمٌ إلى هذا الحدِّ؟! يتعجَّب من تساؤلاته الَّتي تنمًّ عن السَّعادة فينكبُّ في غرفته يقرأ كتاباً ويسمع موسيقا تعجُّ بالفرح؛ فطاقةُ الفرح الخاصَّة به كفيلةٌ بتُحويل أشدَّ أصناف الموسيقى الحزينة لسيمفونيات تعجُّ بالسَّعادة…

يُمسك قلمه ويُحاوِل أن يكتب في حضرة الفرح وحضرة المعنى فيراوده تساؤلٌ لا مفرَّ منه: ألا يَكمُن كُنهُ هذه الحياة الخالية من المعنى في محاولاتنا المُستمِرَّة لإضفاء المعاني عليها من أجل الاستمرار؟ فيصمُت قليلاً ويترك كلَّ شيءٍ وراءه ويتنصَّل من دهاليز الأسئلة الوجوديَّة ويُردِّد في سرِّه: “سأغنِّي سأغنِّي سأغنِّي للفرح… لأنَّ العاصفة وعدتني بنبيذ وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح.”**

******

*أورويل، جورج، 1984، الطَّبعة الثَّالثة، ترجمة أنور الشَّاميِّ، المركز الثَّقافيِّ العربيِّ، الدَّار البيضاء، المغرب، 2013، ص 35.

**الأغنية للفنَّان اللُّبنانيِّ مارسيل خليفة.

***اللَّوحة للفنَّان الفرنسيِّ هنري ماتيسي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This