أوفير سور واز.. متحف بالهواء الطلق بفضل فان غوخ / بوعلام رمضاني

لا يمكن للإنسان بوجه عام وللمرهف فنيا بوجه خاص أن يعود إلى بيته بعد زيارته لقرية أوفير سور واز Auvers sur Oise من دون تأثر متعدد التجليات والمعاني والأبعاد المشرعة على كل ألوان العبر والألوان والجمال والعيش الهادئ في كنف التأمل والسكينة على بعد ثلاثين كيلومترا فقط من باريس الصاخبة.
ويكفي القول إن هذه القرية قد تحولت إلى محج فني عالمي بفضل الرسام فنسان فان غوخ الهولندي لتصبح كلمات الإثارة والانبهار والإعجاب ضعيفة جدا صحافيا وأدبيا للتعبير عن موقع جغرافي وتاريخي وفني وحضاري وسياحي ليس ككل المواقع بكل المعايير والمقاييس والمواصفات.
“ضفة ثالثة” الباحثة عن الخصوصيات الثقافية، كانت حاضرة يوم أحد صيفي في عز مطلع الخريف عبر كاتب هذه السطور الذي وقف عند روح فان غوخ التي تنطق بها أشجار وأحجار وطرقات، ومقاه ومطاعم وحقول وأنهار وبيوت وبشر قرية أوفير سور واز. بعد زيارته لقرية فان غوخ، يؤكد صاحب هذه السطور أن الفنون ثروة أبدية وأزلية تقهر وتخترق الزمان والمكان بديمومتها وماهيتها القادرتين على تهذيب الروح وكذلك على تغذية الاقتصاد.

جانب من غرفة فان غوخ

قرية الرسامين
تعرف قرية أوفير سور واز التابعة لمقاطعة فال دواز الواقعة شمال شرق باريس، فرنسيا وأوروبيا وعالميا، بالرسامين الانطباعيين الذين أسرتهم المناظر الطبيعية الخلابة، وبأشهرهم فان غوخ الذي يصنف نقديا في خانة الرسامين الذين أرخوا لمرحلة الانطباعية وما بعدها، ورغم الأثر الذي تركه شارل فرنسوا دوبينيه الذي استقبلنا بنصبه التذكاري الذي تطل عليه كنيسة أوفير سور واز ، يبقى فان غوخ الاسم الأول والأخير المرادف لقرية خلابة ووديعة أصبحت عالمية بفضل ريشته المرادفة بدورها للجنون الذي دفع به إلى الانتحار متأثرا بأزمة نفسية عاصفة نتجت عن سلسلة من خيبات الأمل والطعنات والصدمات الشخصية والعائلية والعاطفية. القرية التي يدخلها الآلاف سنويا يأتون من كل فج عميق، تخطف أنظار الزائر، وهو يقترب وراء مقود سيارته من الشارع الرئيس للقرية برموز فنية وحضارية وسياحية تقطر بعبق تاريخ قرية اقتحمت بوابة المجد والخلود دون استئذان. ويقف قصر أوفير سور واز عند مدخل القرية بشموخه وجلاله وضخامته وهندسته وجمال محيطه الأخضر، ليفرض على السياح المنهجيين والعارفين بتاريخه اللصيق بقرية الرسامين الكبار، الوقوف الحتمي للتمتع بلوحات شارل فرنسوا دوبينيه وبول سيزان وكامييه كورو وكامييه بيسارو وآخرين. وكما كان منتظرا وكما فعل كل السياح، فقد وقفنا بدورنا أمام شاشات اللوحات البديعة للرسامين الذين أقاموا في القرية العالمية، وقضينا أطول وقت أمام لوحات المعشوق الأول والأخير فنسان فان غوخ الهولندي الذي أعطى حياة جديدة للقرية الخرافية انطلاقا من عام 1853، وحتى غاية تاريخ انتحاره عام 1890 بمسدس عثر عليه في أحد الحقول غير البعيدة عن المقبرة التي يرقد فيها إلى جانب شقيقه تيو، كما سيأتي معنا. ويؤرخ المتخصصون في فن فان غوخ التشكيلي وعلاقته بمساره الإبداعي والشخصي، بربطهم بين لوحة “الهضبة القريبة من أوفير” التي عبر فيها عن تشاؤمه وعن ذروة تأزمه النفسي، وبين انتحاره استنادا لقراءة فنية تعكس تشكيلا فنيا دفع بصاحب “عباد الشمس” أشهر لوحاته إلى التعبير عن قرب نهاية حياته. وعبر فان غوخ في لوحة “الهضبة القريبة من أوفير” عن انسداد أفق مقاومته لجنون عكسته الأشجار المتبعثرة تحت سماء ملبدة تعكس الأسى الذي استولى عليه كشخص أصبح معزولا أكثر من أي وقت مضى. وكتب في رسالة تركها لأخيه تيو الذي أوصى بدفنه قرب شقيقه فنسان جاء فيها: “إنها اللوحة التي تعبر عن حزني الشديد وعن أقصى درجات عزلتي. إن الأفق يزداد سوداوية ويبدو المستقبل قاتما”.

أوفير سور واز.. متحف بالهواء الطلق بفضل فان غوخ
فان غوخ الذي لم يكن معروفا بالقدر الكافي حتى قبل وفاته إلا في أوساط فنية فرنسية وهولندية وبلجيكية ودانماركية قليلة، سطع نجمه وصنع الحدث العالمي في
الثلاثينيات من القرن الماضي حينما زار معرضه في متحف الفن
الحديث بنيويورك أكثر من 120 ألف زائر

مات في غرفة ستة أمتار
وقفنا تحت شمس دافئة في مطلع خريف صيفي عند خطى الرجل الذي يعد أحد أشهر رسامي العالم، ويصنع فخر قادة هولندا حكاما ومحكومين، ويستغله قادة فرنسا سياحيا واقتصاديا، وعشنا لحظات متعة أكدت صحة سحر الطبيعة التي أبهرت وألهمت رسامين دخلوا تاريخ الفن التشكيلي، وعلى رأسهم فان غوخ الذي كان يستيقظ باكرا ليتجول وحيدا بين دروب وأزقة وحقول خلدها بشكل غير مسبوق، ومن بينها حقول عباد الشمس التي تأسر النفس في فصل الربيع بلونها الأصفر في تعايش مع اخضرار عام كاسح الأمر الذي يطيل العمر حتما. بعد زيارتنا قصر أوفير سور واز، كان لا بد من الاختيار بين نزل رافو الذي مات فيه فان غوخ في عزلة قاتلة قبل 130 عاما، وبين متحفه المقابل للبناية التي أصبح يحج إليها الملايين، ولدخول غرفته الضيقة التي لا تسع الا لما هو ضروري وحتمي للنوم وللجلوس. يمكن للزوار أيضا الجلوس في المكان الذي كان يتردد عليه فان غوخ، والتمتع بلوحاته أثناء تناول الغداء، والتقاط الصور التي لا تشبه كل الصور. قبل الوقوف عند بناية رافو ودخولها، يجب الوقوف عند سلسلة اللوحات الكبيرة التي لا يمكن أن لا ينتبه إليها الناس حتى وهم في سياراتهم يعبرون الشارع التاريخي للقرية الخرافية الجامعة بين طياتها زخما فنيا يندر أن ينصهر في بوتقة إبداعية عادية. على المعجب بالفن بوجه عام وبفان غوخ أن يأخذ كل الوقت الكافي لقراءة مسار ومسيرة حياة المبدع على الصعيدين الشخصي والفني، وللتعرف على الجولات والصولات التي أدت به إلى حط رحاله في لاهاي بهولندا وفي أنفير وبروكسل ببلجيكا وفي لندن ببريطانيا قبل أن يستقر في قرية أوفير سور واز. شقيقه تيو الذي لم يتحمل رحيله، التحق به بفترة قليلة، ووري الثرى جنبا إلى جنب شقيقه في قبر بسيط تغطيه نبتة اللولب وليس الرخام والجرانيت كما فعلت عائلات مخملية تكريما للوالدين ولفلذات الأكباد بشكل يعكس ماهية دينية واجتماعية لا تشبه مثيلتها عندنا. قبل دخول المقبرة التي تقع في مرتفع – لا يناسب الزائر المصاب بتوعك كما كانت حالي يومها بسبب التهاب مفاصل الركبة اليسرى – يتمتع الزائر “بحمام أخضر” يغسل المخ من كل ما علق به من هم وغم وجوديين تفرضهما حياة عصرية مجنونة، ويركن إلى السكينة، ويخضع إلى علاج سيكولوجي لا يقدر بثمن على إيقاع زقازيق العصافير وبحضور زوار يتحدثون بأصوات خافتة قبل وصولهم إلى المقبرة التاريخية. نفس الزوار يضربون بعدها عن الكلام نهائيا متأثرين أمام قبرين لصيقين ببعضهما البعض تعبيرا عن علاقة غير عادية ربطت أخوين على الصعيدين الشخصي والمهني بشكل دفع بتيو لأن يوصي زوجته بدفنه قرب أخيه فنسان. وحسب المتخصصين في حياة فنسان فان غوخ الفنية والخاصة، فإن المشكلات النفسية التي أدت إلى إصابته بالجنون لا يمكن أن تفهم إلا بالعودة إلى أكثر من 800 رسالة تبادلها مع عائلته وأصدقائه ومع أخيه تيو الذي أرسل له وحده 652 رسالة.

حسب المتخصصين في حياة فنسان فان غوخ الفنية والخاصة، فإن المشكلات النفسية التي أدت إلى إصابته بالجنون لا يمكن أن تفهم إلا بالعودة إلى أكثر من 800 رسالة تبادلها مع عائلته وأصدقائه ومع أخيه تيو الذي أرسل له وحده 652 رسالة

كورونا تحرمنا من دخول داره


لأن فان غوخ هولندي، كان من الطبيعي أن يرى الزائر، وهو يمشى مقتفيا خطاه، سياحا هولنديين اختاروا الدراجات على السيارات، وربما كان من بينهم بعض الفرنسيين الذين يقطنون القرية التاريخية، وأصبحوا هولنديي الروح تحت وطأة تأثرهم بضيفهم الذي عاش ومات بينهم، ومكن قريتهم من سمعة عالمية لم يكن أحدهم يتخيلها أو يحلم بها في الليل أو في النهار. بعد وقوف مطول أمام ألواح معدنية تكشف عن معلومات مستفيضة عن تاريخ فان غوخ مع الترحال من بلد أوروبي لآخر قبل استقراره في قرية أوفير سور واز، وعن تواريخ لوحاته الشهيرة والأقل شهرة، أصبت بإحباط كبير، وأنا أقرأ إعلان غلق بيت فان غوخ القريب من متحفه بسبب كورونا، ولم أكن أنا الوحيد الذي عاد إلى بيته يجر ذيول الخيبة بعد أن وضع نصب عينيه دخول البيت المتواضع لأحد أعظم الفنانين التشكيليين الذين خلدوا تاريخ التعاطي مع الألوان بتجليات عكست التوجه التشكيلي الهولندي بوجه عام، وبصمته الخارقة بوجه خاص، والتي انعكست في مزيج من المذهب الطبيعي المستوحى من تياري الانطباعية والتنقيطية الأمر الذي مهد لتياري التوحش والتعبيرية في مرحلة لاحقة. ويجدر الذكر أن فان غوخ الذي انتحر في سن السابعة والثلاثين، وولد في مدينة قروت زندرت في هولندا، قد ترعرع في عائلة برجوازية قديمة، واتجه نحو الرسم كعصامي في مرحلة أولى قبل أن يتعلمه أكاديميا انطلاقا من عام 1880. رسب في مسابقة علم اللاهوت، ولم يتمكن من أن يصبح قسا تكريسا لتقليد عائلي إثر فشله في مسابقة حول علم اللاهوت، وأيضا تاجرًا في اللوحات الفنية نتيجة رفضه اعتبار الفن تجارة تخضع لقوانين السوق التي لا تمت بصلة للفن.

أكثر من 2000 لوحة
فان غوخ الذي رسم أكثر من 2000 لوحة وأبدع فعلا في سن السابعة والعشرين أي عشرة أعوام قبل رحيله، لم يتميز فنيا إلا بعد أن تشبع بصدى الوسط الفني الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر، وبتأثره بالفنانين الأصدقاء من أمثال أنطون فان رابار وإميل برنار وبول غوغان وفرنسوا مييه ورمبرانت وفرانتز هالز ويوجين دولاكروا وهيرو شيج وكلود مونيه وأدولف مونتشلي وبول سيزان وإدغار دوقا وبول سينياك. فان غوخ الذي لم يكن معروفا بالقدر الكافي حتى قبل وفاته إلا في أوساط فنية فرنسية وهولندية وبلجيكية ودانماركية قليلة، سطع نجمه وصنع الحدث العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي حينما زار معرضه في متحف الفن الحديث بنيويورك أكثر من 120 ألف زائر.

قرية “أوفير سور واز” تحولت إلى محج فني عالمي بفضل الرسام فنسان فان غوخ الهولندي لتصبح كلمات الإثارة والانبهار والإعجاب ضعيفة جدا صحافيا وأدبيا
للتعبير عن موقع جغرافي وتاريخي وفني وحضاري وسياحي ليس
ككل المواقع بكل المعايير والمقاييس والمواصفات
من أشهر لوحاته نذكر بوجه خاص “أكلة البطاطس”، وغرفة فان غوخ في آرل المدينة الفرنسية التي تقع جنوبي فرنسا وأقام فيها سنة واحدة (1888 و1889)، و”عباد الشمس”، و”الليلة المضيئة”، و”بورتريه الدكتور غوشيه” (الطبيب النفساني الذي يعد رساما هو الآخر وعالج فان غوخ دون جدوى)، و”البيت الأبيض ليلا”، و”شرفة المقهى في المساء”. مسيرة فإن غوخ المبهرة ملخصة بشكل مثير في معرض اللوحات المعدنية المثبتة قبالة متحفه، وفيها نقرأ أنه عاش كرحالة متنقلا بين هولندا (تيبور ولاهاي وأمستردام)، وبلجيكا (بروكسل وأنفير)، وبريطانيا (لندن)، وفرنسا (باريس وآرل وسان ريميه دو فرانس وأخيرا أوفير سور واز التي تسهر على مجده وتخلده كصاحب ريشة عابرة للأزمنة والأمكنة وللقارات).

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This