مقتطف من قضيّة النّساء لجيزيل حليمي

حين تعمل المرأة في الخارج، حتى ولو كان عملا استلابيا، تفلت من الوحدة، من العزلة، من غيتو جدرانها الأربعة. وحتّى لو كان العمل مصنيا، فإنّه يفتحها على العالم الواقعيّ. عالم استيلاب بكل تأكيد، لكنّه كذلك عالم الفعل والتقرير.

وأوّل ما يترتب على ذلك تغير علاقات المرأة بالعالم الواقعيّ تغيّرا جذريا أنظروا إلى المرأة حبيسة بيتها، إنسانة مصابة بفصام حقيقيّ، منفصلة عن الواقع، منكفئة على ذاتها في الخيال. وردا منها على حبسها، تبتني لنفسها كونا مضادا. ومقاومة منها للحجر عليها ولاستبعادها تصطنع لنفسها عالما خاصا بها. عالم منسوج من الأحلام والخيالات، من الأوهام والقيم الزائفة. عالم له لغته ومنطقه، متواز إلى ما لا نهاية مع العالم الحقيقيّ ومآسيه.

من هذا نفهم على نحو أفضل، على ما أعتقد، لماذا ألح على ضرورة عمل المرأة. ذلك أنّ الانفصال هو في خاتمة المطاف أمتن أداة للسيطرة على النّساء. وعالمهنّ مضاد، بدل من أن ينقض عالم الرّجال، يساهم في بقاء هذا الأخير وسلطانه. ومن ثمّ، لا مندوحة عن تحطيم ذلك السّياج الملعون. عن الخروج عن التبعية الاقتصاديّة، مصدر كلّ تبعيّة أخرى.

إنّ الحياة اليوميّة هي، بدورها ميدان رئيسي من ميادين الكفاح. وما هي – صدقوني – بالمعركة الهيّنة. يخيّل إليّ أنّه من الأهميّة بمكان على سبيل المثال، أن تحتفظ المرأة المتزوجة باسمها. فهي حين تتبنى كنية زوجها تخطو، بوجه العموم، أوّل خطاها نحو البلعمة، نحو زوالها.

لقد كتبت إليّ صديقات من المدرسة الثانويّة معلقات على المعارك الّتي خضناها. وما أمكنني أن أتعرّف غير أؤلئك اللّواتي آثرن، بعد زواجهنّ، أن يتبعنّ كنية الزّوج، الّتي صارت كنيتهنّ، بكنيتهنّ الأصليّة قبل الزّواج. وهذه نقطة هامّة، وليست مخض عرف درج مؤخرا. فالمرأة الّتي تأخذ بكنية زوجها تولد لها هويّة جديدة، يكرأ عليها تحوّل ماهويّ، تنخرط في جلد جديد، تفقد شخصيّتها الأصليّة. ومن ينخرط في جلد غيره، ولو كان جلد الزوج، يعش حياة غيره، لا حياته.

على النّساء أن يتقدمن إلى المسابقات جميعا، وأن يرفضن في الوقت نفسه الاشتراك في المسابقات الّتي تخصّص بالرّجال وحدهم أو بالنّساء وحدهنّ. بل عليهنّ في هذه الحال أن يقاضين الدولة والإدارة والمنشأة الّتي تنظم أشباه هذه المسابقات التمييزيّة، لما تمثله من انتهاك للقانون والدستور الّذي يجاهر بالمساواة بين الجنسينِ، صحيح أنها مسألة مبدئية، لكنّها تفضي مباشرة إلى تمييز على صعيد الوقائع. فالفائزة في مسابقة للنّساء لن تتمتّع بنفس المزايا الّتي يتمتّع بها فائز في مسابقة للرّجال أو مسابقة مختلطة.

عليهنّ أم يطالبنّ بأن تغذو المساواة في الأجور بين الرّجال والنّساء حقيقة واقعة، لا أن تبقى مبدأ أخلاقيا مجرّدا.

******

المصدر:  قضيّة النّساء، مجموعة من المؤلّفات، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنّشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، كانون الثاني (يناير) 1978، ص ص 17-18-19.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This