عقد على الثورة والآمال: فقراء تونس يزدادون فقراً / فاطمة بدري

جائعون يأكلون من بقايا الأطعمة المرمية في القمامة، التي أصبحت مورد رزق كثيرين في غياب فرص العمل. متسولون تتضاعف أعدادهم يفترشون الأرض ليلاً ونهاراً.
مع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة، يتابع التونسيون بقلق مشاهد بدأت تصبح يومية عادية في أيامهم المتساقطة.

“لقد جعنا” عبارة يكررها كثيرون بحرقة، فالآمال بالعدالة الاجتماعية والتنمية لم تعد تطمئن أحداً.

تعيش تونس عهداً قاتماً من الضائقة الاقتصادية، وبات التعويل على وعود تطلق من حين إلى آخر سراباً، وهذا ما تؤكده الأرقام الأخيرة الصادرة عن دراسة أعدها المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع البنك الدولي، بعنوان “خارطة الفقر في تونس”، كشفت عن ارتفاع قياسي في معدلات الفقر تجاوزت الـ53 في المئة.
الدراسة استعرضت نسب الفقر في 264 معتمدية موزعة على 24 ولاية، من خلال تحليل أبرز المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسة على مستوى معتمديات تونس الكبرى في محافظتها كافة، وخلصت إلى ارتفاع معدلات الفقر بشكل رئيس في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي، أي المحافظات المصنفة منذ البداية الأشد فقراً في البلاد، إضافة إلى تسجيل فوارق كبيرة في معدلات الفقر، تتراوح بين 0.2 في المئة و53.5 في المئة بين محافظات البلاد وحتى داخل المحافظة الواحدة بما في ذلك تلك غير المعنية بقانون التمييز الإيجابي.

وبدل أن يجني التونسيون ثمار “قانون التمييز الإيجابي” الهادف لمساعدة المحافظات المهمشة، التحقت مناطق أخرى كانت خارج دائرة الفقر بركب أخرى هي الأشد فقراً، بسبب فشل السياسات المعتمدة على مدار ما يقارب العقد من الزمن في إدارة هذا الملف.

وكانت تونس أقرت عام 2014 في الفصل 12 من الدستور أن “تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات والاستغلال الرشيد للثروات الوطنية استناداً إلى مؤشرات التنمية واعتماد التمييز الإيجابي”. ويشمل هذا الفصل 14 ولاية معنية بالتمييز الإيجابي وهي القصرين وسيدي بوزيد والقيروان وزغوان جندوبة وسليانة والكاف وباجة وقفصة ومدنين وقابس وقبلي وتوزر وتطاوين. ولكن يبدو أن الست سنوات لم تكن كافية حتى تسعى الحكومات المتلاحقة إلى تحقيق هذا الهدف.

“لقد جعنا” عبارة يكررها كثيرون بحرقة، فالآمال بالعدالة الاجتماعية والتنمية لم تعد تطمئن أحداً.

وتم تسجيل ارتفاع كبير في نسب الفقر في عدد من معتمديات محافظة بنزت (شمال شرقي)، إذ سجلت سجنــان 39.9 في المئة وجومين 36.6 في المئة وغــزالة 34 في المئة، في حين سجلت بنزرت الشمالية نسبة فقر بلغت 5.3 في المئة، ما يدلّ على هوة كبيرة داخل المحافظة الواحدة، على رغم أن بنزت تعد من المحافظات الأقل فقرا في البلاد.

محافظة المهدية (وسط شرقي) هي الأخرى لم تكن تصنف في خانة المحافظات المهمشة، لكن إلقاء نظرة على القفزة الكبيرة في معدلات الفقر في بعض معتمدياتها قد يفند هذا التصنيف. بلغت نسبة الفقر في معتمدية شربان 36.9 في المئة وأولاد شامخ 35 في المئة وهبيرة 33.4 في المئة، وهي أرقام مرتفعة جداً بالنسبة إلى محافظة لم تكن مشمولة بالتمييز الإيجابي. كذلك الأمر مع محافظات الجنوب الشرقي (قابس، تطاوين، مدنين) التي سجلت تفاوتاً في نسب الفقر، إذ سجلت أعلى نسب فقر في معتمدية بني خداش 36.9 في المئة، تليها معتمديتا منزل الحبيب 33.6 في المئة وسيدي مخلوف 33.4 في المئة، فيما تسجل معتمديتا قابس الجنوبية (9.4 في المئة) وجربة حومة السوق (9.5 في المئة) أدنى نسب الفقر بين معتمديات الجهة.
وتعليقاً على هذا الوضع، يقول الخبير الاقتصادي التونسي الصادق جبنون لـ”درج”، “لا أستغرب عدم تفعيل القوانين وتسجيل هذه المعدلات لأن الطبقة الحاكمة لا تريد استيعاب أن تحقيق النمو ومقاومة الفقر لا يكونان بسن القوانين ومراكمتها، إنما عبر قرار سياسي يتبنى مقاربة اقتصادية جديدة قوامها إعادة الثقة وخفض الضرائب وإلغاء البيروقراطية وإطلاق الحريات الاقتصادية وتوزيع عادل للثروة. عدا ذلك فهو محض كلام يصنف في خانة الأدب السياسي لا غير”.

وفيما التحقت المناطق السالف ذكرها بركب التهميش والفقر حافظت محافظات الشمال والوسط الغربيين على تصنيفها “الأشد فقر” في البلاد. وكشفت الدراسة عن ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير على مستوى الوسط الغربي المكون من ثلاث ولايات (القيروان والقصرين وسيدي بوزيد). ويعد هذا الإقليم من أفقر الجهات بمعدل 29.3 في المئة. فأكبر المعتمديات من حيث نسبة الفقراء هي حاسي الفريد بنسبة فقر تقدر بـ53.5 في المئة، وجدليان بـ53.1 في المئة، والعيون بـ50.1 في المئة. والمعتمديات الثلاث تتبع محافظة القصرين.
أما في الشمال الغربي الذي يضم أربع ولايات (باجة وجندوبة والكاف وسليانة)، فسجلت معتمدية نبر (الكاف) 45.4 في المئة، فالروحية (سليانة) 40.7 في المئة، وساقية سيدي يوسف (الكاف) 39.7 في المئة، وهي المعتمديات الأفقر في هذا الإقليم. في حين سجلت كل من معتمديات بلخير 31.2 في المئة، والسند 27.2 في المئة ودوز الجنوبية 25.9 في المئة أعلى نسب فقر في إقليم الجنوب الغربي (قفصة، قبلي، توزر).

وتجدر الإشارة إلى أن المحافظات الداخلية الأشد فقراً توفر 50 في المئة من النفط والغاز والموارد المائية في البلاد، و70 في المئة من إنتاج القمح، و50 في المئة من زيت الزيتون والفاكهة. لكن السياسة التنموية والاقتصادية المتبعة في البلاد انتصرت منذ الاستقلال لمدن الشريط الساحلي وتركت هذه المناطق محرومة. وبحسب إحصاءات البنك الدولي لسنة 2014، يتركز 85 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قرب ثلاث مدن هي الأكثر اكتظاظاً بالسكان، تونس العاصمة وصفاقس وسوسة، و90 في المئة من الشركات العاملة في القطاع الصناعي، فيما لا تنشط في المناطق الداخلية من البلاد سوى عشر الشركات الأجنبية العاملة في البلاد.

أكبر المعتمديات من حيث نسبة الفقراء هي حاسي الفريد بنسبة فقر تقدر بـ53.5 في المئة.

وفي خضم هذه الأرقام المفزعة وغياب الإرادة الحقيقية للتغيير والإصلاح واستمرار العمل في سياسة التمييز السلبي إزاء المحافظات الداخلية، وعدم اكتراث الحكومات المتلاحقة للكلفة الباهظة التي يدفعها أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، بدأت الثورة تفقد صورتها الأولى المغمورة بالأحلام والتطلعات بالنسبة إلى التونسيين، وباتت توصف بأنها قوضت الأوضاع المعيشية وضربت التماسك الاجتماعي وفككت المجتمع وعززت الفوارق الاجتماعية.

ففي دراسة أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عام 2018 أكد 93 في المئة من الذين شملتهم الدراسة أن وضعهم الاقتصادي والاجتماعي قبل الثورة كان أفضل بكثير مما هو عليه الآن، فيما أكد 71 في المئة من المستجوبين أن الوضع في تونس كان يمكن أن يكون أفضل، لو لم تقم الثورة. وشدد 87 في المئة من المستجوبين على أنهم يختزلون مطالبهم بـ”توفير لقمة العيش أولاً”. وتتسع دائرة الأشخاص الحاملين لهذه الأفكار من سنة إلى أخرى بسبب اتجاه الأمور على مدار قرابة العشر سنوات نحو الأسوأ في ظل مشهد سياسي مرتبك عاجز عن تحقيق الاتفاق من أجل مصلحة البلاد وانخراطه في صراعات حزبية ضيقة تعطل فرص الإصلاح.
ويسود اعتقاد بأن المنوال التنموي المعتمد في تونس قد أثبت فشله الذريع وأنه بحاجة إلى مراجعة عاجلة، وأنه آن الأوان لتفعيل مبدأ التمييز الإيجابي الذي نص عليه دستور، قبل أن تتفاقم الأمور أكثر فأكثر، لا سيما مع بروز مشكلات اجتماعية كالانقطاع المدرسي المبكر وتفاقم الجريمة التي تأتي غالباً من رحم الفقر.

في هذا الإطار، يرى جبنون أن ارتفاع معدلات الفقر ليس جديداً في تونس، فهي بدأت تظهر منذ 2005 بسبب أزمة هيكلية في اقتصاد البلاد القائم على المناولة لا على القيمة المضافة وخلق الثروة، لكن هذه المعدلات بلغت ذروتها عام 2011 وتفاقمت أكثر منذ 2017.
ومرد ذلك برأيه إلى السياسات الخاطئة التي اتبعت كزيادة الاستيراد وقلة التصدير وتخفيض قيمة الدينار من دون أي مكاسب في المقابل، في ظل إطار قانوني لا يشجع على الاستثمار، ومنظومة جبائية لا تشجع إلا على التهرب الضريبي إلى جانب منظومة التعليم غير ملائمة لسوق الشغل، إضافة إلى العمالة غير المتخصصة التي تواجه الكثير من الصعوبات من أجل الاندماج، فضلاً عن ضعف الأجور المصنفة الأقل عربياً، وهذه المعطيات مجتمعة أدت إلى هذه المعدلات الكبيرة للفقر في البلاد.

ويقول، “الضعف الاقتصادي يولد الخراب في البلاد، نحن في حاجة إلى عقد اتفاق سياسي يصنع الحل، وإيجاد إصلاحات تحرر الاقتصاد وتحقق النمو لكن من دون التخلي عن المكاسب الاجتماعية، بخاصة في ما يتعلق بخدمة العدالة الاجتماعية، أي ألا تذهب المكاسب كالعادة إلى أشخاص معينين وتستثني البقية. لا بد من التخلي عن اقتصاد التوريد والاستهلاك وخلق قرار سياسي شجاع يغير مرجعيات الإدارة التونسية، لأنه مجرد موروث معرقل لا بد من تركه وإصلاحه والاقتداء بنماذج أكثر نجاحاً. وقد تكون أزمة كورونا فرصة مناسبة للقيام بهذه الخطوة”.

خلاصة القول، وإن تستمر الإشادة بنجاح التجربة التونسية قياساً ببقية الدول التي شهدت اندلاع ثورات، إلا أن هذا الاستثناء بات مهدداً في ظل صعوبة الوضع الاجتماعي والاقتصادي ووجود طبقة سياسية عاجزة عن إدارة الأزمة، وما زالت تتعامل مع الحكم من منطلق الغنيمة والمكاسب لا أكثر. والتونسيون الذين اندفعوا قبل عقد لخلع بن علي، لم يكن هاجسهم الوحيد الحرية والديموقراطية بل الحصول على فرص العمل والعدالة الاجتماعية والمساواة في تقسيم الثروة، لأن الحرية التي يدعيها الساسة اليوم لا تطعم الجائعين المنسيين في المحافظات المهمشة، وترفع إحباط الشباب في هذه الجهات. ولهذا فإن مواصلة السير وفق هذه المقاربة الفاشلة لن تؤدي إلا إلى انفجار جديد أشبه بذلك الذي حدث ذات 14 من كانون الثاني/ يناير.

عن درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This