مراجعة كتاب سرقة التّاريخ أو كيف فرضت أوروبا قصّة ماضيها على بقيّة العالم؟

ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، موجة من الكتابات التي انتقدت الحداثة وفكر التنوير والأسس التاريخية التي قام عليها الغرب الحديث، حيث بينت عدم جدوى هذه السرديات الكبرى التي لم تصمد أمام الجرائم والمجازر المنتهكة  في حق الإنسانية طيلة الحرب الكونية. وقد ركزت بعض من هذه الكتابات  الحديثة على نقد المركزية الأوروبية حيث أضحى ذلك (أي  نقد المركزية الأوروبية)، مفهوما أساسيا في دراسات ما بعد  الكولنيالية وفي النقد الاستشراقي الحديث وفي تخصصات مقارنة عديدة. في هذا الإطار وضمن هذه السياقات المعرفية،  يمثل كتاب المفكر “جاك غودي” الذي صدر سنة 2006 باللغة الانجليزية بعنوان  The Theft of History  ثم سنة 2010 باللغة الفرنسية تحت عنوان le vol de l’histoire ou comment l’Europe  a imposé le récit de son passé sur le reste du monde  ثم لتقع ترجمته إلى العربية سنة 2010 كذلك، تحت عنوان “سرقة التاريخ”، بحثا نقديا مقارنا يسعى من خلاله  المؤلف لنقد الرواية الأوروبية الغربية الشائعة عن فرادة أوروبا في التاريخ ودعواها اختراع سلسلة من المؤسسات والقيم والأفكار، كما لم يتوان الكاتب في نقد التصورات الغربية نحو التاريخ، كاشفا عن السرقة  التي قام بها الغرب لإنجازات الثقافات الأخرى التي كان لها إسهام في اختراع الديمقراطية والرأسمالية والقيم الفردية والحب. وقد اعتمد الأنتروبولوجي “جاك غودي” على منهجية مقارنة جديدة من أجل تحليل التفاعل بين الثقافات المتعددة وتجاوز العديد من القراءات الكلاسيكية التي عادة ما تعتمد سردية الشرق المتأخر والغرب المتقدم.

والأستاذ جاك غودي هو أستاذ الأنتربولوجيا بجامعة كمبردج توفي سنة 2015، بحث ودرس بالعديد من الجامعات في العالم. من أهم مؤلفاته “الإسلام في أوروبا”، “الشرق في أوروبا”، وعديد الأبحاث والمقالات المنشورة في مجلات ودوريات عالمية.

يقع الكتاب في 600 صفحة واحتوى ثلاثة أقسام ورد القسم الأول تحت عنوان “سلسلة نسب اجتماعية ثقافية” أما القسم الثاني فقد تعلق بثلاث منظورات علمية في حين تطرق الأخير إلى ثلاث مؤسسات وقيم.

يفتتح جاك غودي مؤلفه، بمقدمة حدد فيها المقصود من سرقة التاريخ من قبل الغرب حيث يرى أن ذلك يعني، قيام الغرب بتولي المسؤولية عن التاريخ بفرض تصوره للماضي وفقا لما حدث في المقياس الأوروبي الضيق على بقية العالم قاطبة، الأمر الذي يجعله يبحث في عديد المزاعم الأوروبية التي يدعي فيها الأوروبيين أنهم اخترعوا الديمقراطية والرأسمالية والحب في حين أنها كانت قد نشأت بصورة بدائية أو جنينية على الأقل لدى حضارات أخرى. إذن فالكتاب، هو محاولة لإماطة اللثام عن الصورة التي فبركتها أوروبا عن الماضي وعن تاريخها وأرادت فرضها على بقية العالم وكأن ذلك حقيقة كونية، وهو كذلك محاولة جيدة للتخلص من المركزية الغربية وإبراز الإسهام الشرقي الضخم في الانجازات التي حققها الغرب.

ينتقل غودي فيما بعد إلى القسم الأول من هذا المؤلف والذي جاء تحت عنوان “سلسلة نسب اجتماعية ثقافية” وقد احتوى أربعة فصول تتناول نقدا للأفكار الأوروبية والمزاعم الغربية بخصوص اختراع المرحلة الكلاسيكية والإقطاع ونقد فكرة الاستبداد الآسيوي.

تعلق الفصل الأول، بسرقة أوروبا للزمان والمكان، حيث أشار الباحث في البداية إلى أن النزوع المركزي الأوروبي لفرض سردية تاريخه على العالم، قد استقوى منذ القرن التاسع عشر الذي تميز بفرض الهيمنة الأوروبية على بقية العالم نتيجة الغزو الاستعماري والثورة الصناعية لذلك يدعو “غودي” إلى ضرورة النظر إلى التاريخ من الأدنى إلى الأعلى وذلك من أجل تقديم قراءة أكثر موضوعية تكشف النقاب عن دور الحضارات الأخرى غير الأوروبية في تاريخ العالم. ينتقل الكاتب فيما بعد إلى بيان سرقة أوروبا للزمن حيث يشير إلى فكرة مهمة مفادها تصور الغرب امتلاكه للزمن حيث أن التواريخ التي يعتمد عليها تقاس بقبل ولادة المسيح وبعد ولادته في حين يتم الإلقاء بالمقاييس الزمنية الأخرى (هجري –عبري – صيني) إلى هوامش المعرفة التاريخية وهذا أكبر شكل من أشكال سرقة الزمن. علاوة عن ذلك، فإن سرقة الزمن تظهر كذلك من خلال فرض تصور معين للزمن، فقد وقع توصيف هذا التصور بأنه خطي بالنسبة للزمن الغربي وبأنه تصور دائري بالنسبة للزمن الشرقي وهو مظهر آخر من مظاهر الاستيلاء الغربي على الزمن ومحاولته فرض تصوره على بقية العالم. أما بالنسبة لسرقة المكان، فإن “غودي” يشير إلى تشويه المكان من قبل التصورات الغربية المركزية التي وقع فرضها منذ بداية عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى، حيث كانت لأوروبا سيطرة شاسعة على عديد البقاع من المعمورة، لينتهي إلى أن المكان  قد أصبح  تحت التوظيف الغربي المركزي حيث ستفرض من خلاله قراءتها للمراحل الزمنية، وهذا هوما يقر به جاك غودي فيما بعد حيث يؤكد على أن سرقة التاريخ ليست فقط سرقة للزمان والمكان ولكنها احتكار المراحل التاريخية أيضا حيث تم تصور التاريخ العالم بوصفه تتابع لمراحل وقعت على ما يفترض في أوروبا الغربية فقط، إذ يبدأ التاريخ بالمرحلة الكلاسيكية الإغريقية والرومانية ليتحول فيما بعد إلى الإقطاع ثم إلى الرأسمالية والحداثة.

ينتقل الباحث إلى الفصل الثاني والمعنون باختراع المرحلة الكلاسيكية: العصور القديمة l’antiquité ، حيث يناقش فيه اختراع أوروبا للمرحلة الكلاسيكية والمتمثلة في المرحلة الإغريقية والرومانية واستحواذها على أفكار هذه المرحلة وتهميش المراكز الحضرية التي تعتبرها لم تعش المرحلة الكلاسيكية ليتم استبعادها فيما بعد والحديث فقط عن استثنائية أوروبية  غربية. تتمثل نقطة  البداية في هذا الفصل، في محاولته إبراز دور الحضارات الأخرى غير الأوروبية خلال المرحلة الكلاسيكية حيث كشف أنه لا يمكن فصل حضارة الإغريق  أو الحضارة الرومانية عن الحضارات الشرقية الأخرى كالفينيقية والفارسية والفرعونية ويظهر ذلك جليا من خلال عدة مستويات مثل  أساليب الاتصال والمتمثلة خاصة في الأبجدية الفينيقية التي كان لها تأثير كبير في الحوضين الغربي والشرقي للمتوسط واستفادت منها الحضارات الشرقية والغربية حيث يمكن اعتبارها على حد تعبيره “ثورة الشرق “. أما المستوى الثاني فقد كان الاقتصاد حيث يرفض  الكاتب استبعاد حضارات مهمة وخلاقة في الشرق الأدنى القديم أسهمت في ازدهار الاقتصاد خلال الفترة القديمة، كما يدحض  كذلك المزاعم التي تدعي أن الإغريق اخترعوا الديمقراطية والأبجدية والاقتصاد وبالتالي فإنه ينتهي إلى أن المزاعم الغربية تريد التأكيد على أن ظهور المرحلة الكلاسيكية l’antiquité  حدثت فقط في اليونان ولم تحدث في أي مكان آخر. المستوى الثالث الذي يروم المؤرخ من خلاله إبراز دور الحضارات غير الغربية وتفنيد المزاعم الأوروبية كان بالتأكيد علم السياسة حيث ينتقد بشدة المزاعم القائلة باكتشاف الإغريق  لعلم السياسة وقصر الأنشطة السياسية على اليونان وربط الديمقراطية بهم، في حين أن المجتمعات الشرقية وخاصة حضارة ما بين النهرين كانت لها ديمقراطيات ناشئة في طور التكون وهنا يشير جاك “غودي” إلى إمكانية اختراع الإغريق لكلمة الديمقراطية وليس لممارسة الديمقراطية  إذ كانت توجد شعوب أخرى مارست أنواع متعددة  من تفويض السلطة مثل شعوب اللوداغا. زيادة عن ذلك، فإن “غودي” يعتقد أن الديمقراطية الأثينية لم تكن نظام الحكم الوحيد الذي ظهر في اليونان بل إن نظام الحكم الاستبدادي كان موجودا أيضا. وفي الجهة المقابلة يعتبر غودي أن التمثيل الديمقراطي كان يمارس في مجلس الشعب لا في قرطاج فحسب بل في المدن الدول في فينقيا مثل صور أو كذلك في المدن الآشورية، وقد قاد ذلك كله إلى استنتاج مفاده أن الرواية التاريخية الأوروبية قد استبعدت الحضارات الأخرى كالقرطاجية والفينيقية والرافدية لتفرض امتلاكها للمرحلة الكلاسيكية اليونانية والرومانية برمتها.

ينتقل الكاتب فيما بعد إلى الفصل الثالث المعنون بالإقطاع: “انتقال إلى الرأسمالية أو انهيار أوروبا وهيمنة  آسيا “حيث يعالج إشكالية تكتسي   من الأهمية بمكان وهي مكانة الإقطاع  في الحضارات مناقشا دوره في انتقال أوروبا وتحولها إلى الرأسمالية. ينطلق الباحث في البداية من إقرار مفاده، بأن الغرب كان دائما يرى في الإقطاع بوصفه مرحلة انتقالية أدت إلى الرأسمالية وبوصفه طورا تقدميا في تطور الغرب، إذ انتقل الغرب بموجبه من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة التي شهدت ولادة نظام اقتصادي جديد وهو الرأسمالية هذا ما جعل الغرب يؤمن بأن الإقطاع مرحلة لم يكن بمقدور المجتمعات الأخرى أن تحرزه بالطريقة نفسها وبالتالي استبعد الغرب الآخرين من الطريق إلى الحداثة. كل هذه المزاعم يضعها “جاك غودي” موضع شك، بل إنه يفندها من خلال إعادة قراءة لمسار الإقطاع ولتاريخه في كل من الغرب والشرق، فقد أدى انهيار الإمبراطورية الرومانية إلى تراجع جل المراكز الحضرية بالغرب، هذا فضلا عن انحسار حركة التمدين والتعمير وبالتالي دخول الغرب مرحلة من الانحطاط. تكثيفا للقول، يمكن الإشارة كذلك إلى   أن انهيار الإمبراطورية الرومانية كان مترافقا مع نمو المسيحية التي كان لها أثر عميق على الحياة النفسية والفكرية التي شهدت بدورها تراجعا وانحطاطا. هذا كله جعل الغرب يفقد الإرث الإغريقي الروماني في خضم كل هذه الأحداث، في حين أن الشرق لم يتأثر بانهيار الإمبراطورية الرومانية وبقي محافظا على نوع من  الازدهار الحضاري الهام خاصة في المدن والتعمير والحياة الفكرية والثقافية ويعود ذلك حسب الكاتب إلى تواصل العلاقات الحضارية والاقتصادية مع الغرب ومع الصين واعتماد العالم الإسلامي على التجارة بعيدة المدى، لذلك ينظر غودي إلى الإقطاع لا بوصفه مرحلة تقدمية على طول الطريق إلى الرأسمالية بل إنه مجرد مرحلة كانت مرفوقة بالانحطاط على كل المستويات: فقد اختفت جميع معالم الحياة الحضارية للفترة الكلاسيكية: المسارح والحمامات والفن والأدب كلها شهدت انحطاطا واندثار  وبذلك فإن مرحلة الإقطاع في نظر غودي لم تؤد إلى ولادة الرأسمالية وبروز عصر النهضة وإنما  يعود ذلك إلى الإحياء الدوري الذي كانت تقوم  به أوروبا منذ القرن الثاني عشر والذي سيختتم بإعادة ولادة الثقافة الكلاسيكية ودخول  أوروبا  مرحلة الإحياء الإنسانوي ثم عصر النهضة فعصر الرأسمالية. لذلك فإن “غودي” يرفض تماما رأي عديد المؤرخين الذين مازالوا يتصورون الإقطاع كمقدمة سابقة أساسية للحداثة الأوروبية، إذ لا علاقة للإقطاع بالحداثة ولا بالرأسمالية وإنه من الخطأ الفادح كذلك، أن ينظر إلى الإقطاع بوصفه تقدميا في مقارنة بالإنتاج الفكري وازدهار المدن وتطور الثقافات في الشرق الأدنى والأقصى.

ينتقل المؤرخ فيما بعد إلى الفصل الرابع من هذا القسم والذي أسماه “المستبدون الآسيويون والمجتمعات في تركيا أو غيرها” وهو فصل أراد من خلاله إعادة النظر في مقولة الاستبداد الشرقي ونقدها وتبين كذلك الخصوصيات الحضارية لبعض المجتمعات الشرقية وإمكانية احتوائها على خصائص جنينية للتنوير والتحديث.

ففي مرحلة أولى ينتقد غودي المقولات المتعلقة بالدولة العثمانية والتي تم اعتبارها دولة سلطانية استبدادية قائمة على الحكم المطلق الاستبدادي الشرقي الثابت وخاصة اتهامهم بعدم التجديد التقني أو المحافظة التنظيمية وهوما يفنده غودي من خلال الكشف عن  اختراع العثمانيون لتقنيات جديدة في الملاحة وفي الأسلحة كما أن التنظيمات العسكرية لديهم كانت أعرق من القوى الأوروبية، هذا بالإضافة إلى رفض المزاعم القائلة بان الاقتصاد العثماني كان اقتصادا راكدا وجامدا، فقد أشار الكاتب  في هذا الإطار إلى تطور التجارة البحرية العثمانية في المتوسط وازدهار عديد الصناعات  كصناعة الحرير وهي الصناعة التي أصبحت فيها الدولة العثمانية اللاعب المهيمن  كما  شكلت هذه التجارة القاعدة الهيكلية لتطور اقتصادات المدن العثمانية فقد أصبحت مدينة ” بورصة سوقا عالميا مع مجيء القرن الرابع عشر”.

ينتقل “غودي” فيما بعد إلى القسم الثاني الذي اختار له كعنوان “ثلاثة منظورات علمية”. يتعلق الفصل الأول في هذا القسم، بخصائص كل من العلم والحضارة في أوروبا زمن النهضة وذلك من خلال مراجعة نقدية لكتابات بعض المؤرخين الذين لعبوا دورا مهما في الفهم المعاصر لتاريخ العالم. نذكر من بينهم  “جوزيف نيدهام ” الذي ألف سلسلة حول العلم والحضارة في الصين وأقر فيها بأن العلم في الصين كان مساويا إن لم يكن متفوقا على علم الغرب حتى القرن السادس عشر، أما الثاني فهو “نوربرت الياس” وهو عالم اجتماع ألماني بحث في عملية التمدين أو التحضر التي يرى أنها حققت ذروتها في أوروبا  بعد عصر النهضة. أما الثالث فهو المؤرخ الشهير “فرناند بروديل” الذي ألف كتاب “الحضارة المادية والرأسمالية في القرون الخمس عشر والقرن الثامن عشر” والذي ينتهي فيه إلى أن الرأسمالية الحقيقية كانت تطورا أوروبيا محضا. ويعتبر جاك غودي أن كل هؤلاء الكتاب قاموا بتشويه تاريخ العالم عوضا عن  توضيحه لأنهم توصلوا إلى افتراضات متشابهة  أكدت  التفرد الأوروبي العديم النظير الذي كان  عن طريق صعود طبقة جديدة متمثلة في  البورجوازية وتكون نظلم اقتصادي جديد بسط هيمنته على العالم وهو الرأسمالية. فقد عدت أوروبا الفضاء الأمثل الذي ظهرت فيه  مؤسسات معينة ومميزة وهي كذلك القارة التي خلقت الرأسمالية وأسست  قبل ذلك الجامعات منذ القرن الثاني عشر، الأمر الذي أكسبها تفردا جذريا يختلف عن النظير الشرقي .يناقش غودي في البداية “نيدهام” حيث يعتبر أن جل آرائه  تكشف عن تبنيه لموقف أوروبي مركزي على نحو ضمني، فهويعتبر أن الغرب هو المنطقة الوحيدة التي تطور فيها العلم الحديث تلقائيا وهوما يعده “غودي ” تجاهلا  لدور الحضارات الشرقية وإسهاماتها في ولادة العالم الحديث، ففي العصور الوسطى انعزلت أوروبا عن جيرانها الشرقيين وانكفأت على نفسها وعلى ثقافتها التي كانت ثقافة دينية بالأساس، لكن ومع عودة الاتصالات مجددا مع الشرق بعد الحروب الصليبية، تحسنت التجارة وازدهرت المدن وظهرت الجامعات، إذ تم نقل الأساليب العلمية والتقنية  من الصين إلى الغرب الذي استفاد منها أيما استفادة، فالتفوق الأوروبي في النهاية لم يظهر في صحراء علمية بل كان نتيجة الاحتكاك بمناطق أخرى من العالم.

يتطرق الكاتب في الفصل الثاني من هذا القسم المعنون “بسرقة الحضارة: الياس وأوروبا الحكم المطلق”  إلى مسائل مختلفة متعلقة جلها  بالمزاعم القائلة بأن الحضارة هي كل شيء يعتقد الغرب أنه حققه وهي مناقضة للبربرية التي يتصارع معها  دائما وينتصر عليها. وبذلك فإن هناك نوع من الحصر المركزي للحضارة في سياق أوروبي محض وهذا ما فعله عالم الاجتماع الألماني “الياس” حيث   عمد في كتاباته إلى تحليل أوروبي مركزي انتهى من خلاله إلى أن أوروبا قد اخترعت التمدن والحضارة.

ينتقل غودي إلى الفصل السابع الذي خصصه لنقد المؤرخ الشهير “فرناند بروديل” والذي وضع له كعنوان “سرقة الرأسمالية لبروديل والمقارنة الكونية” حيث يعتقد أن سرقة الرأسمالية هي تواصل لتلك المزاعم التي ترى امتلاك أوروبا للمرحلة الكلاسيكية وللإقطاع وبالتالي امتلاكها للحداثة وقد تساءل غودي في بداية هذا الفصل: هل اخترعت تلك القارة الرأسمالية كما افترض كثيرون؟ أم أنه مثال على سرقة الفكر؟

أولا يشير غودي إلى أن كتابات بروديل  قد اعتمدت على مداخل كونية متنوعة وهذا أمر مهم يجب تثمينه  مثلما كان الحال في كتاب الحضارة المادية والرأسمالية، لكن ذلك لا يجعله يسلم من النقد العلمي والموضوعي، حيث يرى هذا الأخير أن الرأسمالية هي نتاج جهود  حضارات مختلفة وتراكمات تاريخية طويلة، فالصين مثلا كانت أكثر ديناميكية من أوروبا حتى القرن السادس عشر كما امتلكت تقنيات متطورة لم تعرفها أوروبا مثل طواحين الهواء والزراعات المتطورة. هذا من جهة أما من جهة أخرى، فإن “بروديل” يرى أن إحدى المشكلات التي أبقت الصين في الخلف هي أنها لم تمتلك نظاما نقديا معقدا كان يلزم من أجل الإنتاج والتبادل وهوما يفنده “غودي” عبر الدلائل والبراهين، كما يرفض كذلك “غودي” رأي بروديل المتمثل في إرجاع أسباب بروز الرأسمالية في أوروبا الى أسباب سياسية وتاريخية لا اقتصادية واجتماعية، فهذه الرأسمالية قد تطورت حسب الكاتب من خلال ما تبناه الغرب من ملامح اقتصادية قادمة من الشرق والتي أسهمت من دون شك في تطوير المكننة والتصنيع واختراع تقنيات جديدة.

ينتقد كذلك “غودي” بشدة فكرة “بروديل” القائلة بأن الإقطاع قام بتمهيد الطريق للرأسمالية  فالإقطاع كان مرحلة انهيار وانحطاط في كل المجالات الأمر الذي يقود الكاتب إلى الإقرار بأن ربما أوروبا القرن التاسع عشر كانت تمتلك الرأسمالية لكن ما يرفضه هوأن تدفع بتلك المميزات إلى الخلف خاصة إلى المراحل المبكرة الحديثة والقروسطية فهذا يعني الاستهانة بالانجازات الكبيرة في الاقتصاد وفي الثقافة وفي التعليم وفي الاتصالات لكل الشعوب الأخرى وهوما يحتم ضرورة الاعتراف بدور الحضارات الأخرى التي استمرت أنظمتها من عصر البرونز حتى الأزمنة الحديثة.

يتعلق القسم الثالث وهو الأخير بالمؤسسات والقيم التي سرقتها أوروبا وقد تناول الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان “سرقة المؤسسات البلدات والجامعات” نقد “غودي” للأفكار الأوروبية المركزية المتعلقة باختراع أوروبا للبلدات والجامعات ،وقد وجه  في البداية نقدا لاذعا إلى كل  الآراء التي تزعم بأن التعليم العالي كان إنتاجا أوروبيا خالصا مختلفا عن أسلافه ومعاصريه غير الأوروبيين لكن المتأمل في المرحلة القديمة سيجد بالشرق  العديد من الجامعات التي كانت بمثابة مراكز حضارية نشيطة، فالمعارف لم تنقطع في الشرق بل تواصلت من الفترة القديمة إلى الفترة الوسيطة لذلك يدعو “غودي” بضرورة أن يعترف  الأوروبيين بدور العرب والمسلمين في الانجازات الحضارية التي حققها الغرب.

يتطرق “غودي” كذلك إلى دور الإسلام في ظهور المذهب الإنساني في أوروبا وانبثاق عصر النهضة فيما بعد وقد كان ذلك عن طريق العلوم التي تمت ترجمتها من المراكز الحضارية المزدهرة سواء في الأندلس أو بصقلية.

يتطرق الفصل الموالي إلى “الاستيلاء على القيم المذهب الإنساني والديمقراطية والفردية” حيث يرى “غودي” أن الغرب لا يزال يزعم حتى هذا اليوم أنه يحتكر العديد من القيم والفضائل والأساطير وهي قيم مستمدة من الإرث اليهودي المسيحي الذي يجب أن يكون متميزا عن الشرق في عمومه وعن الإسلام بوجه خاص.

ينتقل الكاتب الى فصل  طريف وضع له كعنوان “الحب المسروق الأوروبيون يدعون ملكية العواطف” وقد تطرق في البداية إلى كون فكرة الحب قد  نظر إليها بوصفها ظاهرة غربية محضة، فقد زعم كثيرون أن الحب ظهر أول مرة في أوروبا  الإقطاعية فقد رأى  المؤرخ المختص في العصور الوسطى “جورج دوبي” أن أوروبا اكتشفت الحب في القرن الثاني عشر في حين أن البحث الدقيق والموضوعي تجعلنا نكتشف تأثير الشعر العربي في التاريخ الأدبي الأوروبي، فقد برهن  المؤرخ الفرنسي “نيللي”  أن التقليد الرومانسي والابتعاد عن الأعمال الجنسية الحميمية وخضوع الرجل للسيدة هي مستمدة في جزء منها من مصادر  عربية.  زيادة عن ذلك فإن “غودي” يرى أن للطرق الصوفية الإسلامية تأثير كبير على التقليد الرومانسي الأوروبي، فالحب إذن ليس امتيازا فريدا خاصا بالغرب ولا بالمجتمع الحديث ومن يعتقد في ذلك فإنه يفسر التاريخ تفسيرا سياسويا يجانب الحقيقة.

يمثل الفصل الأخير، خاتمة لهذا الكتاب، حيث حاول الكاتب من خلالها استخلاص أهم الأفكار التي توصل إليها، حيث أقر أنه كان مهتما بالطريقة التي سرقت فيها أوروبا تاريخ الشرق لفرض نسختها الخاصة بها من الزمان والمكان. كما أشار غودي إلى ضرورة نقد التحقيب التاريخي الغربي حيث أن تقسيم التاريخ إلى مرحلة كلاسيكية وإقطاع وعصر النهضة فعصر الرأسمالية إلى هيمنة أوروبا على العالم هو تحقيب أوروبي مركزي يستبعد تاريخ الحضارات الأخرى وتاريخ الشعوب غير الأوروبية. فما هو المقترح الذي يتصوره غودي لتخليص تاريخ العالم من الهيمنة الأوروبية المركزية؟

يقترح “غودي” إعادة قراءة التاريخ ابتداء من عصر البرونز بداية الحضارة بالمعنى الحرفي وهذا العصر بدأ في الشرق الأدنى القديم ثم اتجه شرقا نحو الهند والصين وجنوبا نحو مصر وغربا نحو بحر إيجة وقد مكن عصر البرونز من إدخال الزراعة الآلية الميكانكية في شكل محراث والسيطرة على المياه على نطاق كبير وتطور الدولاب، فهذه الحضارة إذن كانت حضارة قد استندت إلى قاعدة آسيوية وهي حضارة سبقت بعهد طويل عصر النهضة الأوروبية …

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This