أفريقيا وجائزة نوبل للآداب.. تاريخ من الحيف والتهميش / نجيب مبارك

ظل تمثيل القارة الأفريقية ضعيفًا جدًا في جائزة نوبل للآداب، منذ إنشائها في عام 1901، إذ لم يفز بها حتى الآن سوى أربعة كتّاب أفارقة، بينما استمرت هيمنة آداب دول القارتين الأوروبية والأميركية. وقد كان المؤلف النيجيري وول سوينكا هو أوّل أفريقي يحصل على هذه الجائزة في عام 1986. وتبعه ثلاثة آخرون: أديبنا المصري العربي الكبير نجيب محفوظ عام 1988، ونادين جورديمر عام 1991، وجون ماكسويل كوتزي عام 2003، وكلاهما من جنوب أفريقيا، وهذا عدد قليل جدًا لا يتناسب بتاتًا مع قارة بحجم أفريقيا، يصل تعداد سكانها إلى مليار و300 مليون نسمة، والتي لا تفتقر إلى العديد من الكتاب الكبار والأدباء العظام، خصوصا في السنوات الأخيرة، لا يقلون إبداعا وأصالة عن زملائهم في باقي أرجاء العالم.
جائزة أوروبية بامتياز
ينظر كثير من المتحمسين للأدب الأفريقي إلى هذا الوضع على أنه ظلم وإجحاف كبيرين. فإذا أخذنا في الاعتبار المعايير الجغرافية فقط، فإن جائزة نوبل للآداب تبقى جائزة أوروبية بامتياز، لأنها مُنحت إلى عدد كبير الكتاب من هذه القارة، ويمكن الإشارة هنا إلى أن فرنسا وحدها فازت بها 15 مرة، بينما يساوي عدد الفائزين من دولة واحدة (إيرلندا مثلا) عدد الفائزين في أفريقيا برمتها. وفي هذا الإطار، يرى فيليب وايت، الأستاذ في جامعة تورز والمتخصص في نظريات الأنجلو سكسونية وما بعد الاستعمار في غرب أفريقيا، أنه “وفقًا لشهادة ألفريد نوبل نفسه، فإن الهدف من الجائزة هو تكريس الأعمال التي تنقل فكرًا إنسانيًا وعالميًا. لذلك لا ينبغي أن يُستبعد الكتاب الأفارقة “. لهذا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الآداب الأفريقية هي آداب تعيش على هامش الإنسانية، بسبب هموم كتابها وانشغالاتهم وجمالياتهم ذات الأفق “المحلي” المحدود، أم أنها في الواقع مهمشة عن قصد وسبق إصرار من طرف الأكاديمية السويدية؟

اتبع الأدب الأفريقي دائمًا ملامح تاريخ القارة التي ينتمي إليها. وهي قارة تتميز بعدم الاستقرار السياسي ومقاومة آثار الاستعمار والسعي المتعثر نحو الحداثة، وهي كلها من سمات المجتمعات الأفريقية التي تخترقها حركات التغيير العميق

من المستحيل الإجابة عن هذا السؤال دون التذكير بغياب كثير من الأسماء الأفريقية اللامعة، التي طبعت الأدب العالمي بإبداعها المتألق، والتي رحلت قبل أن تفوز بجائزة نوبل، وفي مقدمتها الكاتب النيجيري العظيم تشينوا أتشيبي، الذي تصفه نادين غورديمر بـأنه “أبو الأدب الأفريقي الحديث”، كما لا ننسى أيضا الجزائرية آسيا جبار، والسوداني الطيب صالح، والصومالي نور الدين فرح وغيرهم. كل هذا يؤكد أن ثمة تهميشا مكرسا للآداب الأفريقية، على مدى عقود طويلة، وذلك لفائدة المركزية الأوروبية التي تستفرد بحصة الأسد. ويبدو أن الأكاديمية السويدية مقتنعة بهذا الاختيار بناءً على ما تفصح عنه جنسية الفائزين حتى الآن. وقد اعترف مرة بذلك هوراس إنغدال، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية من 1999-2009، حين قال في عام 2008 لوكالة أسوشيتد برس: “لا تزال أوروبا هي مركز الأدب العالمي”. ولا شك أن صدى هذه المركزية الأوروبية المفترضة ما زال يتردد بين أروقة وكواليس الأكاديمية السويدية، التي أعلنت العام الماضي عن اسمين أوروبيين جديدين، هما أولغا توكارشوك وبيتر هندكه، وقد أثار هذا الاختيار المزدوج جدلا واسعا، خصوصا وأنه ساهم مجددا في إنكار العبقرية الأدبية عن قارات بأكملها، على رأسها القارة الإفريقية.
نقص في التقدير أم في الفهم؟
يجب أن نعترف بأن هناك إحباطًا كبيرًا وشعورًا “طبيعيًا” بالإقصاء لدى كبار أدباء أفريقيا. وهذا الشعور الذي يشعر به هؤلاء ليس نقصًا في التقدير بل نقصًا في الفهم من طرف القائمين على جائزة نوبل. لكن هناك ما هو أسوأ من سوء الفهم، إنه الاستخفاف وربما الازدراء. إذ غالبًا ما يُنسى أن المواقف الجمالية هي آراء حول الحياة بشكل عام، وعلى هذا النحو فهي “أفكار سياسية” بالمعنى الحقيقي للمصطلح. وفي الحقيقة، لم يعد النظر إلى الأعمال “الإفريقية” العظيمة بغطرسة أمرا شاذا وعابرا، بل تحوّل إلى حقيقة تاريخية أو نوع من الإرث الثقافي الذي حال ويحول دون التقدير الحر لهذه الأعمال العظيمة. وهذا الأمر لا يمس الأدب فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الموسيقى والرياضة والرسم والأفلام. وعلى سبيل المثال، كتب روجر كاراتيني، وهو مؤلف ذو ثقافة موسوعية، هذه الجملة الصادمة: “إن موسيقى الجاز التقليدية، منذ ولادتها في نيو أورلينز حوالي عام 1890، حتى ازدهارها باسم موسيقى الجاز المجانية حوالي عام 1960، هي موسيقى تم خلقها لفائدة حضارة البيض، باستخدام موسيقى البيض، من قبل موسيقيين سود مستعمرين جماليًا”. لكن لا يجب أن نتفاجأ كثيرا من مثل هذه الادعاءات، لأن تكريس الأعمال “السوداء” العظيمة كان دائمًا يأتي من خلال نظرة خارجية، وذلك على مدى قرن تقريبا. ورغم أن الإنتاج الفني يحتاج إلى النجاح المحلي أولا ثم الاعتراف “الدولي” لاحقا، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أن بعض الأصوات “الأجنبية” هي التي تعلي من شأن الأدب الأفريقي، ورغم ذلك لم تنجح في زعزعة هيئة المحلفين السويدية. ويجب أن يقال هنا إن جائزة نوبل للآداب تُمنح من قبل أكاديمية، ومن ثم فهي مؤسسة رسمية شديدة الالتزام، ونادرا ما تستمع إلى الأصوات الموازية. وبما أن الحواجز الجمالية لا تفسر هذا الموقف، فإن العمل الأدبي العظيم دائمًا ما يكون قويًا بما يكفي لتخطي الجدران السميكة للثقافة الأدبية. ونظرًا لكون الأدب الأفريقي صوتا قادما من مكان آخر، فسرعان ما يفهم المرء صعوبة منح جائزة لمثل هذا “الإنتاج الأدبي المتخلف”.
تشينوا أتشيبي
لا يزال كثيرون اليوم يلقون اللوم على الأكاديمية السويدية لأنها لم تمنح الجائزة للأب الروحي للرواية الإفريقية تشينوا أتشيبي. بل هناك من طالب بتغيير قوانين الجائزة بعد وفاته ومنحها بشكل رجعي في العام التالي. ويتم الاستشهاد به الآن على نطاق واسع من قبل المنظرين اللامعين لما بعد الاستعمار بفضل العودة العظيمة لفرانز فانون في الخطاب حول حداثة المستعمرات السابقة. أما بالنسبة للسينغالي ليوبولد سيدار سنغور، فلم يثر عدم فوزه بالجائزة جدلا واسعا مثلما هي الحال مع الكيني نغوغي واثيونغو اليوم. وهذا شيء يدعو للاستغراب حقا، لأن الآلاف من صفحاته الشعرية ومقالاته الفلسفية هي بالتأكيد أفضل وأكثر قيمة من كتابات توماس ترانستورمر أو إلفريد ييلينك. وقد ترددت شائعات كثيرة بأن لجنة تحكيم جائزة نوبل لم تفكر في منحه الجائزة لأسباب “سياسية”. أما مونغو بيتي فلم تكن كتاباته أبدًا تطمح للفوز بالجوائز الأدبية، رغم أنه كاتب رئيسي في الأدب الأفريقي خلال القرن العشرين، واستطاع أن يبلور فكرة قوية وواضحة جدًا عن مهمة الكاتب الأفريقي. لكن تبقى المفاجأة الكبرى في الوقت الحالي هي أن الجائزة لم تُمنح بعد إلى العملاق الكيني نغوغي واثيانغو، باعتباره الكاتب الأفريقي الوحيد الذي يتكرر اسمه في السنوات الأخيرة كمنافس حقيقي على هذه الجائزة.

ترشيح نغوغي واثيانغو

لا يجادل أحد اليوم في جدارة وأحقية نغوغي واثيانغو للفوز بجائزة نوبل للآداب. فأعماله ترصد تاريخ بلاده منذ الاستعمار البريطاني إلى الديكتاتوريات المعاصرة، بما في ذلك الشعور بخيبة الأمل التي أعقبت الاستقلال الأفريقي في أوائل الستينيات. كما أنه فضلا عن كونه روائيا مبدعا، هو أيضًا مفكر وباحث لامع وسياسي متبصر. وقد قال فيليب وايت، لتوضيح اختياره التخلي عن الكتابة باللغة الإنكليزية: “إن نغوغي ينتصر لنوع من القومية الثقافية تمنح الأدب مفهوما نفعيا إلى حد كبير”. ومن المعروف أن نغوغي اختار الكتابة باللغة المحلية كيكويو منذ عام 1968، وهي لغة الأغلبية العرقية في كينيا. ويقول زوي نوريدج، المتخصص في الأدب الأفريقي في كينجز كوليدج بلندن: “إن اتخاذ قرار بالكتابة بلغة كيكويو، وبالتالي الاكتفاء بجمهور الناطقين بها فقط، قد يبدو انتحارًا تجاريًا، لكن يجب أن لا ننسى أن فريديريك ميسترال، الحائز على جائزة عام 1904، لم يكن يكتب بالفرنسية، بل بلغة البروفنسال”. وفي الواقع، رغم اختياره استخدام اللغة المحلية- بالإضافة إلى موهبته الروائية الفذة- لم يمنعه ذلك من الارتقاء إلى العالمية وترجمة أعماله إلى حوالي عشرين لغة. لكن هذا النموذج الفريد يبقى حالة نادرة واستثنائية، وهو بلا شك لم يسمح فقط لأفريقيا بالتوافق مع ثقافاتها وهوياتها، ولكن أيضًا مع العالم. وهو ما لخصه نغوغي في كتابه الشهير “تصفية استعمار العقل” حين كتب: “إن الأخذ بزمام المبادرة التاريخية هو عملية طويلة تتضمن استعادة جميع الوسائل التي يعرف بها الشعب نفسه”.
أخيرًا، لقد اتبع الأدب الأفريقي دائمًا ملامح تاريخ القارة التي ينتمي إليها. وهي قارة تتميز بعدم الاستقرار السياسي ومقاومة آثار الاستعمار والسعي المتعثر نحو الحداثة، وهي كلها من سمات المجتمعات الأفريقية التي تخترقها حركات التغيير العميق. وعلى الرغم من استلهامهم للقيم الكونية، فإن الكتاب الأفارقة ما زالوا يعانون من اللامبالاة والإقصاء من طرف جائزة نوبل للآداب، ويرجع ذلك إلى اعتبارات جغرافية ثقافية متجذرة في السياق التاريخي الذي خلقت فيه هذه الجائزة. وقد استغرق الانفتاح على مناطق جغرافية أخرى وقتًا طويلا، على مدى أكثر من قرن، ومن الواضح أن هذا الواقع أثر بشكل سلبي على صورتها ومصداقيتها في العالم.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This