حوار الفلسفة والتّصوف عند محمد المصباحي

 مقدمة    

إن الحديث عن حوار الفلسفة والتصوف عند الفيلسوف محمد المصباحي هو حديث عن أحد مقومات فلسفته البرزخية استخلصناها من قراءته للمتن الصوفي للشيخ الأكبر ابن عربي، والتي ضمنها كتابه ”نعم ولا ابن الفكر المنفتح عند ابن عربي”، وبالضبط من أحد ملاحق هذا الكتاب المعنون بـ”الميتافيزيقا في مواطنها الأصلية: حوار الفلسفة والتصوف “. وقد كانت مناسبة كتابة المصباحي لهذا الملحق /الهامش، هو ذلك الحوار الشيق الذي أجراه معه الأستاذ أحمد كازا.

وهكذا فإننا في هذا البحث وإن كنا لا نفصل بين القراءة التي أنجزها المصباحي للمتن الأكبري ونص الحوار الذي كتبه على هامشه، على اعتبار أن هذا الأخير هو حصيلة لهذه القراءة ومن وحيها، فإننا سنركز على هذا الهامش وسنقرأ هذا الكتاب انطلاقا منه، نظرا لأنه بمثابة لحظة تركيبية فيه، تجسد فيها الحوار بين الفلسفة والتصوف بامتياز، كيف لا وقد تجسدت فيها حرية دخول المصباحي، كمتشيع لأهل النظر، المتن الأكبري العرفاني والخروج منه ”دون مطالبة بأي حساب مذهبي ”[1].

ولابد من الإشارة هنا، إلى أن  أحمد كازا، من خلال أسئلته الماكرة (هذا باعتراف المصباحي نفسه)  قد نجح في أن  يجعل هذا الأخير يبوح في هذا الحوار بما ظل مكنونا في أبواب الكتاب الأربعة، ألا وهو التعبير عن موقفه الفلسفي الذي هو حصيلة تمثله للروح الأكبرية والمابعد حداثية، والذي انطلاقا منه سيولي أهمية كبرى لمفاهيم  أكبرية محددة، على رأسها  ” نعم ولا”، هذا  المفهوم  الذي سيوجه  قراءته  للمتن  الأكبري  من حيث هي موقف   فلسفي  سيستوطن  هذا المتن  في عرضيته،  التي سيعمل المصباحي في كتابه هذا على إعادة بنائها وذلك بإخراجها من وثوقيتها وجعلها متحررة ومنفتحة على العقل والوجود في تقلبهما الأبدي، وذلك انطلاقا من إعادة قراءة ذلك اللقاء التاريخي الناجح / الفاشل،  بين ابن رشد وابن عربي، والذي تأرجح فيه موقف هذا الأخير بين   “نعم ولا”. فـ”نعم ولا “هاته هي على رأس المفاهيم الأكبرية التي أثارت اندهاش المصباحي، والاندهاش كما قال أرسطو ومن بعده شوبنهاور هو عين التفلسف. فـ”نعم ولا “، في نظره، هو مفهوم اتخذ شكل استعارة ” ما نفهمه منها أقل بكثير مما لا نفهمه عنها” [2] فهي استعارة ملتبسة لأنها تحيل على خلق التآلف بين الضرتين حسب تعبير ابن عربي، أي على توحيد ما درج العقل الفلسفي القديم والحديث على عدم استساغة  توحيده، أي توحيد ما هو متقابل ممثلا في الفلسفة والتصوف. وفي هذا التوحيد، الذي دافع عنه ابن عربي، إيحاء برؤية فلسفية برزخية  حسب المصباحي.

1ـ”نعم ولا” كرؤية فلسفيّة برزخيّة

إن اختيار المصباحي استعارة “نعم ولا” كعنوان رئيسي لكتابه هذا ينم عن رؤية فلسفية متكاملة ستجد صداها في توظيفه لمجموعة من المفاهيم الأكبرية، كالخيال والبرزخ والمرأة والمكان والحرية والرؤية، في قراءته للمتن الأكبري كقراءة أراد لها صاحبها أن تجسد روح “نعم ولا”، أي روح ذلك اللقاء التاريخي الذي جمع بين ابن رشد وابن عربي. والذي شكلت فيه “لا ” ابن عربي عنوان اليقظة الفكرية. لكنها “لا”  لم يقلها الشيخ الأكبر إلا لمواجهة  لتلك “النعم” الرشدية التي تنزع لأن تكون “نهائية وكليانية ”  ف” لا”، بما هي عنوان للانفتاح، لا تستغني  عن “نعم ” كما يدعي الفيلسوف الفرنسي المعاصر آلان،لأن “نعم ” هي أصل اليقين، ولكن لكي  يتحدد اليقين ويتقوى يجب أن يطعم ب “لا” بين الحين والآخر”  فالاكتفاء ب “لا”  وحدها يعني السقوط في العدمية الصامتة، هذا مع العلم أن “نعم”  وحدها  تشكل عنوانا لإقصاء المخالف فهي ذات منحى استبدادي، من هنا أهمية “لا ” في تخفيف وطأة “نعم”، فهي كنقيض لها تنفخ فيها شيئا  من الصيرورة [3] تلك الصيرورة التي ستجد صداها لدى ابن عربي في تخيلاته ورؤاه للمرأة والمكان والحرية.

وهكذا فإن هذه القراءة الفلسفية المصباحية لاستعارة “نعم ولا” بماهي اسم حركي للمتن الأكبري بكامله، أي بمفاهيمه وأطروحاته، ستشكل مناسبة، بالمعنى الأكبري للمناسبة، لإنتاج نص فلسفي برزخي لا تتصالح فيه “نعم ولا” إلا لتتعاند والعكس. فهو نص بحكم خضوعه لهاجس تجديد اللقاء الناجح /الفاشل الذي كان بين ابن رشد وابن عربي، فهو يجسد تلك الرغبة المصباحية في إنجاح ما عمل ابن رشد على إفشاله، وتطوير ما سعى ابن عربي إلى إنجاحه. إنه نص سيؤسس لقول فلسفي تتحاور فيه، الفلسفة مع التصوف.

2 ــ “نعم ولا” بما هي حوار بين الفلسفة والتّصوف

إن دفاع المصباحي عن ما يسميه بعقلية “نعم ولا”، في هذا الكتاب، إنما يعني البحث عما يحرضه على استئناف قول فلسفي عربي معاصر، تتصالح فيه الفلسفة مع التصوف، والعقل مع القلب.  وهذا ما سيفسر التقاطه لمظاهر هذا التحريض لا في التراث العربي الإسلامي فقط، أي عند ابن عربي أو في التصوف عموما، بل أيضا في الحداثة عموما والفلسفة خصوصا وعلى رأسها الفلسفة المابعد حداثية، ناهيك أيضا عن الواقع العربي الراهن باعتباره هو أيضا كمحرض على استئناف هذا القول الفلسفي.

وهكذا وفي إطار بحثه عن مصادر هذا التحريض في كل من التصوف والفلسفة، فهو لا ينزع إلى إقصاء التقابل بين الفلسفة والتصوف بل إنه يستحضره، لكن من حيث إنه لا يلغي الوحدة والالتقاء بينهما، كما أنه عندما يقف عند هذه الوحدة وهذا الالتقاء، فإنه لا يقصي التقابل. ومن هنا يظل هاجسه هو استيطان برزخ أي مجلس راحة، حسب تعبير ابن عربي، يؤهله لتقليب النظر في مختلف أوجه العلاقة بين الفلسفة والتصوف.  وهكذا فمن مظاهر هذا التقابل، في نظر الأستاذ المصباحي، نجد أن القول الصوفي يقوم على القلب والكشف، فهو يعتبر خضوع أهل النظر للعقل استرقاقا  وإقصاء لكل ما يؤهل الإنسان للمشاهدة المباشرة للوجود في وجهيته وتقلبه  وتعدده، كالقلب والخيال  وما يحيلان عليه من روايات وحكايات وأساطير حول  هذا الوجود. فالتصوف عندما يبحث في الوجود فهو يبحث عن معناه  في  الله أو النفس الرحمني  الساري فيه، مما يجعلنا  معه أمام وحدة وجود إلهية [4]  يغامر المتصوف بقلقه وحيرته في سبيل الوصول إلى مشاهدتها ذاتيا بحيث يكتم حبورها ولذتها عن الآخرين، معتبرا بأن البحث في هذا الوجود هو بحث محبة  وتعلق لا بحث انفصال وطلاق،  وتحكم وسيطرة، كما هو الحال في الفلسفة [5]

وفي المقابل نجد القول الفلسفي، حسب المصباحي، يبحث عن شيء آخر في الوجود غير ذلك الذي يبحث عنه التصوف.  فهو عندما يبحث في الوجود إنما يبحث عنه في العقل كما هو الحال في الفلسفة القديمة والوسيطة، أو الإنسان الساري في هذا الوجود، كما هو الحال بالنسبة للفلسفة الحديثة. مما يجعلنا أمام وحدة وجود إنسانية، هي حصيلة إخضاع الوجود للعقل ولمقولاته.  ذلك العقل المطلق والصارم والمعارض لكل ما لا يرتبط به كبرهان  وبمبادئه الثابتة وعلى رأسها مبدأ الثالث المرفوع، كالقلب والخيال. كما يرفض القول الفلسفي المعرفة الصوفية كمعرفة فردية ونادرة، باعتبارها حصيلة اختلاء الفرد بذاته وانعزاله عن مجتمعه. فهي إذن معرفة سلبية اجتماعيا، أي لا دور لها في المجتمع، كما يرى ذلك كل من مسكويه وابن باجة وابن رشد.

لكن هذه التقابلات بما هي إعلان عن موقف “لا” متبادل بين الفلسفة والتصوف، لا تعني مع ذلك، في نظر  المصباحي، غياب موقف “نعم ”  متبادل، خفي أو صريح بينهما، يسمح بالبحث فيهما عن مظاهر التحريض على استئناف قول فلسفي يتصالح ويتحاور فيه التصوف مع الفلسفة  وبالتالي ”نعم ولا”.

وهكذا فمن بين مظاهر هذا التقاطع بين الفلسفة والتصوف، فإن هذا الأخير، ممثلا بالخصوص في التصوف الأكبري كأعلى ما وصل إليه التصوف الإسلامي، في نظر المصباحي، لا يخلو من فلسفة. فهي تحضر فيه بقوة  في صورة  مناهج، من قبيل  التمثيل والبرهان  والاستقراء والجدل والحد، أو في صورة مفاهيم كالمادة  أو الهيولى…  وأنساق علمية فلكية مثل نسق بطليموس، وطبيعية أرسطية. هذا ناهيك عن تمثل المتن الأكبري  لفلاسفة كبار أمثال أفلاطون وأرسطو وابن سينا وابن رشد  إلخ.  وهذا ما يفيد كيف أن التصوف عموما وتصوف ابن عربي خصوصا رغم الطابع الميتافيزيقي لرؤيته للعالم كرؤية محكومة بخدمة الله فإنه يمتد بجذوره الأنطولوجية أو الكوسمولوجية والنفسية إلى مواطن الفلسفة والعلم. كما أن هذا ما يوضح ضرورة الفلسفة بالنسبة للتصوف؛ بحيث لا يمكن فهم خبايا هذا التصوف في منأى عن الفلسفة. فقد وظف ابن عربي الفلسفة في” الحضرة الصوفية لإخصابها وحل مآزقها أو تبرير خرقها للعادة “[6]. أما معرفيا فيتجلى انفتاح التصوف على الفلسفة في وجهيته؛ بما هي نظرة شمولية للوجود يعبر عنها الفلاسفة بإدراك الوجود بما هو موجود أي بكل أوجهه. و هي وجهية تعبر عن نفسها في التصوف من خلال نظرته للأشياء بأكثر من عين واحدة، أي بالعقل والقلب والخيال والبصيرة….. وذلك بالنظر إلى كون الوجود يشاهده المتصوف في وجوهه وحجبه المتعددة، بحيث إن كل وجه وحجاب يقتضي كيفية خاصة به للكشف عنه. فلو اكتفينا بواحدة من هذه الأعين لما أدركنا من الموجود إلا الوجه الذي تسمح به الرؤية بتلك العين. وإذا كانت هذه الوجهية لن تتحقق لدى المتصوف إلا إذا تحررت من الأغيار، أي من الإكراهات الاجتماعية والثقافية وكل ما يعيق الرغبة في الطراوة، في الدهشة، فهذا ما يجعل القول الصوفي شبيها بالقول الفلسفي، والذي من خصائصه التعالي عن أوهام السوق أو المجتمع باعتبارها تحد من حريته في التفكير[7]. فالفيلسوف في هذه الحالة يشبه الصوفي في أنه يفكر تفكيرا ذاتيا، فهو بحكم توحده وتجرده ونزاهته يرفض إغراء الجماعة بسلطانها ونفوذها بوجاهتها وجاهها، خوفا من الوقوع في فخ الحجر والوصاية، أو الاستخدام والتسخير مهما كانت مصادره[8]. لكن هذه الذاتية لها مع ذلك خصوصيتها  لدى الفيلسوف،  حسب  المصباحي،وذلك لأنها ذاتية عقلانية، فهي لا تستقيم لدى الفيلسوف مع المشيخة  العزيزة على المتصوف، أو مع كتم حبور ولذة وصوله إلى الحقيقة عن الآخرين كما هو الحال عند المتصوف. فالفيلسوف، إن أقدم على ذلك وحصلت له تجربة “الوصول” فإنه لا يكتمها عن الآخرين. فالتجربة الفلسفية لا أسرار فيها، مادام العقل هو السبيل لاقتناء حقائقها، وطالما كانت الحرية طريقا خطرا لحشد الإجماع عليها. “فالعقلانية بقدر ما تطالب الفرد بأن يفكر بنفسه ولحسابه الخاص، تفرض عليه أن يقوم بذلك علانية وفي فضاء عمومي يضمن لها نوعا من الحياد والشفافية والمساواة في المدد.”[9]

3ــ القول الفلسفي المصباحي بما هو كتابة برزخيّة

هكذا إذن فإن توقف المصباحي عند “نعم ولا”، بما هي أفق في التفكير عبر عن نفسه كرؤية حوارية وبرزخية بين الفلسفة والتصوف، سينتهي به في هذا الكتاب إلى كتابة نص فلسفي لا تتقاطع فيه الفلسفة مع التصوف إلا لينفصلا والعكس. إنه نص فلسفي برزخي لأنه سيستوطن برازخ ستؤهله للنظر إلى حوار الفلسفة مع التصوف، من أكثر من وجه، بحيث سيتجنب كل تذويب لطرف في الطرف الآخر وذلك لإفساح المجال لإخصاب الطرفين معا. فهو إذن نص لم يختر استعارة “نعم ولا” كعنوان له إلا ليتجاوز عقلية التقابل الصارم بين “نعم ولا “، في كل تجلياتها الأنطولوجية والمعرفية والمنطقية.  فهو يميل إلى الجمع بين طرفي كل تقابل في “مركب أعظم “، مركب ودي يعمل على تلاقي التضاد قدر الإمكان نحو الجمع لضمان الحركة والتغير والتقلب من حال إلى حال “[10]. وهكذا فإن هذا النص بما هو جمع بين، “نعم ولا ” سيعبر فيه المصباحي عن استيقاظه من سباته العقلي القطعي الذي طاله من خلال رفقته الطويلة مع الفلسفة الرشدية، والبدء من جديد بداية جديدة   بموجبها سيدرك، تلك قدرة الهائلة للتصوف على إرباك الفلسفة وإدهاشها، أي على وضعها على طريق الحيرة، الذي هو الطريق الملكي للتفلسف حسب تعبير هذا الأخير.  هي حيرة ستجد أسسها وفق المنظور المصباحي في الإنسان نفسه، والذي لا يعتبر إنسانا ببرهانه وقدرته على التسمية فقط، بل وأيضا بقلبه وبخياله وبقدرته على الاستعارة والمحاكاة، لأنه لا يمكن أن يعمل إلا بكلتا يديه.[11]   إنه إنسان تتكامل فيه رؤية العقل مع رؤيا البصيرة.[12]   وهذا هو عنوان الحكمة بما هي “شجرة مباركة،” “لا شرقية ولا غربية ” أي حكمة يتداخل فيها العقل مع القلب، والتعقل مع الإحسان، إنها هي وضع الشيء موضعه كما يقول الفلاسفة، كما أنها كما يقول صدر الدين القنوي كشارح لتصوف ابن عربي، ” فعل ما ينبغي، لما ينبغي، كما ينبغي”[13]

إننا إذن أمام نص بامتداحه للحيرة والحكمة، سيقدم لنا تصورا للوجود والمعرفة أضحى يضيق ذرعا بتقييد العقل طالبا “راحة أنطولوجية “و”معرفية “منه؛ يؤمنها له الخيال بفضاءاته الافتراضية والحكائية والأسطورية،  والقلب بمكره وغيرته وتقلبات أهوائه. في هذا الجو، جو شعور الوجود بالإرهاق جراء تطويق العقل له واستنزافه إياه، خصوصا وأن الجميع يشعر اليوم بالإفكل (القشعريرة من الخوف) جراء المخاطر التي تحدق بالإنسان والوجود معا. وهذا ما يفسر ابتعاد القول الفلسفي المصباحي الفلسفي عن النزعة الوضعية. ويتجلى هذا الابتعاد عن النزعة الوضعية أولا، في رد الاعتبار للميتافيزيقا والرغبة في الإنصات إليها كلغة للوجود وكصوت من أصواته الممكنة. وتحقيقا منه لهذه الرغبة  سينفتح ا المصباحي  على الثورات العلمية واللسانية والتأويلية والظاهراتية والتي ستسعفه في التخفيف من ما يسميه بثقل وحدة  النظرة الأنطولوجية للعالم “لتصبح  نظرة مرنة، ودية، قابلة للتحول وتبادل المواقع والتأثيرات، نظرة لا تفصل الجوهر عن مظاهره”[14]ومن هنا فالجمع بين العقل والخيال في الخطاب الفلسفي المصباحي غايته  هي رصد هما  في  انفتاحهما على الوجود  وفي صيانتهما لوحدته المرنة، بشكل سيمكن  المصباحي من الوقوف على الميتافيزيقا في مواطنها الأصلية، متحديا بذلك  فلسفات اليوم  التي تكاد تجمع على رفض كل ما يمت للميتافيزيقا، باعتبارها في نظرها غير قادرة على المساهمة في حل  أزمة الإنسان والوجود العارمة.  هذا مع العلم أن هذه الميتافيزيقا مهما رفضناها فهي لن ترفضنا، فهي تطاردنا وتؤثر في وجودنا وسياساتنا وأنماط تفكيرنا في كل وقت. لذلك فمن الأفضل وفق المنظور المصباحي الاقتراب منها من أجل فهم سر بقائها وآلية استمرارها وتأثيرها على وجود الإنسان [15] وهكذا وبموجب هذا الوقوف على الميتافيزيقا في منابعها الأصلية سيؤسس المصباحي لميتافيزيقا جديدة  سيحملها مسؤولية تجاوز نمطين من العدمية الميتافيزيقية، أي العدمية الفلسفية ممثلة في وحدة الوجود كما نظر لها الفلاسفة المحدثون  كوحدة يسري فيها الإنسان، والتي انتهت  إلى عدمية قوامها  محق المطلق ونفيه، ووحدة الوجود الصوفية  كوحدة يسري فيها  النفس الرحمني كمطلق، والتي انتهت إلى عدمية أدت إلى  محق الذات  أو الإنسان ونسيانه. ومن هنا سينتهي الخطاب المصباحي إلى التأسيس لوحدة وجود برزخية وسط، أي تجمع بين تأكيد الذات والاعتراف بالمطلق، كما تجمع بين العقل والقلب. وحدة وجود قوامها عشق الوجود، إما انطلاقا من العقل في انفتاحه على القلب والخيال أو انطلاقا من الوجدان أو القلب في تقلبه وانفتاحه على العقل. وهذا ما يعترف  المصباحي بتحقيقه في كتابيه “الوحدة والوجود”، و”نعم ولا”. “فالكتاب الأول، كما يقول، تكلم عن وحدة وجود عقلية بما هي وحدات (برهانية حتمية مقولاتية مبدئية تقابلية والتي يبسطها العقل على الطبيعة لكي تصير قابلة للفهم والفعل ممسكا بزمام الوجود لكي يستطيع التواجد معه والوجد به” [16]، أما  كتاب “نعم ولا ” فيتكلم عن وحدة وجدانية، وحدة المشاهدة الذاتية مع “الهو” في نقطة تجمع بين الثبات وانعدام القرار”[17].

وهكذا فإن ما أسعف المصباحي في الاقتراب من الميتافيزيقا في منابعها الأصلية هو قيام خطابه الفلسفي على تكامل أو انفتاح النظرة الفلسفية للوجود على النظرة الصوفية، وذلك لأن كل انغلاق، في نظره، من هذا الطرف أو ذاك ينذر بالكارثة على وجودنا في هذا الكون، سواء على شكل إرهاب أو دمار شامل.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الانفتاح الذي يجسده القول الفلسفي المصباحي على التصوف لا يعني أن هذا الأخير يقدم نفسه في هذا القول كبديل عن المعرفة العلمية في المجتمع المعاصر.  فهذه المعرفة والتقنيات المترتبة عنها   أصبحت الآن هي صانعة الإنسان والتاريخ. فهذه حقيقة، يقول المصباحي، من ينكرها “لا ينبغي له أن يتصوف أو حتى يتدين. لأن ممارسة التجربة الروحية تقتضي أولا كرامة الذات، غناها امتلاءها. فطلب الفقر الروحي يأتي بعد الغنى، لأن المطلق لا يمكن أن يحل في ذات واهنة متهالكة، تتلقى الصدقات المعرفية من غيرها (من وقف الأنترنيت مثلا) الذات القوية هي التي تستطيع أن تشاهد المطلق، أن تسعى إليه لأنه عندئذ هو الذي سيحررها من استرقاق التقنية بحثا عن المعنى” [18]. لكن هذا لا يعني في نفس الوقت دعوة لتخلي التصوف عن توجهه الروحاني، وإنما دعوة لتحمل مسؤوليته إزاء ما يجري للوجود. فالعدالة، باعتبارها إحدى تجليات الوجود مثلا، والتي احتلت مرتبة مركزية في اهتمام الفلاسفة اليوم، لا يمكن أن نظل نكتفي من أجل تحقيقها، بالتوسل فقط بالطرق التي تكفلها السياسة، أي بطرق القانون وتحكيم العقل في النقاش في الساحة العمومية، بل علينا أن نستعين بموارد أخرى يمدنا بها التصوف تمكننا من تحقيق العدالة. وتتمثل في دعوته لتوافق من نوع آخر هو التوافق الروحاني والوجداني.[19] وهكذا يعتقد المصباحي بأنه طالما ظلمت الفلسفة التصوف وذلك باتهامه بعزوفه عن الانخراط في شؤون المجتمع والسياسة.  وهذا ما تداركه ابن خلدون عندما انتبه لدور التصوف في العمران وبالتالي في حياة الناس وفي توجيه التاريخ.

كان هذا المظهر الأول لعدم ابتعاد القول الفلسفي المصباحي عن الميتافيزيقا. أما المظهر الثاني فيتجلى في دعوته لتلطيف العقل، سيعبر عنه في تماهيهه مع أصحاب “القلوب العاقلة “، وكذا أًصحاب الفكر المؤمن بالعقل المرن والتشاوري والنقاشي والبينذاتى والتأويلي، أي أولئك الذين لا يمكن أن يصبروا على صورة أو حقيقة واحدة لا تقلب فيها ولا تحول، لاسيما في الحياة اليومية الجارية جريان النهر الهيرقليطي[20]. وهكذا سيستلهم القول الفلسفي المصباحي ذلك النقد الذي مارسته ما بعد الحداثة على العقل الحداثي الأنواري كاشفا بذلك عن الوجه التسلطي والسلطوي فيه، والذي انتهى به إلى أن يصير في خدمة اللاعقل[21]. من هنا سينتقد المصباحي  مؤرخي الفلسفة  الذين ظلوا يربطون بين ميلاد العقل  وبين مواجهته للخيال ومنتجاته، من أسطورة وحكاية وتمثيل واستعارة ومجاز ورمز، آخذين بعين الاعتبار عدم  انضباط هذا الخيال لحتميات الواقع ولضرورات المنطق، وبحكم تصرفه الحر..وكأنها مؤشرات على وجود انفصال حاد بينه وبين العقل. هذا مع العلم أن العقل  لم يتمكن في يوم من الأيام  الانفصال عن الخيال أو التخلي عن  خدماته، لكن لا باعتباره  هو مزوده الأساسي بالمادة المعرفية الأولى فحسب، بل لأنه أيضا هو  مصدر تلك الطاقة المحركة لجرأته في تجاوز حدود المعارف والمناهج القديمة   وتطوير وتوسيع إمكاناته على الإدراك والفعل والمغامرة. “فإن كان العقل هو ميزان الحق بامتياز فإن موضوع هذا الميزان هو منتجات الخيال من صور وأحكام وآراء وافتراضات” [22] وهذا ما يؤكد على  فعاليته وليس على انفعاله كما كان يدعي الفلاسفة العقلانيون. فمهما كانت حرية ونزقية وطيش الخيال، فلابد للعقل منه. إنهما خصمان متحابان تحركهما رغبة مشتركة جامحة في كشف الحجاب عن الوجود”.[23]

4ــ خاتمة

كانت هذه إذن بعض من معالم ذلك القول الفلسفي الذي أراد له الأستاذ المصباحي أن يكون عنوانا لحوار  الفلسفة والتصوف، بحيث جاء كتاب” نعم ولا” ليكشف عن إمكانياته وشروطه، الشيء الذي جعل منه أولا كتابا جريئا، لأنه امتلك من الجرأة الفلسفية ما جعله يمتطي صهوة الاندهاش للذهاب قدما  حيثما كان “الأثر”، أثر الفلسفة، كفكر عنفواني قوامه اختراق الحدود والمسافات، وكمكان محايد وكوني يتسع لكل الخطابات. من هنا كان هذا الكتاب تحقيقا وأجرأ ة للقاء بين الفلسفة والتصوف، أي لما اكتفى المصباحي مد عينيه إليه في كتبه السابقة، وهو تحقيق لقائه بمفكر طالما صنفت كتاباته ضمن ما هو مناهض للفلسفة، وهو ابن عربي، غير آبه بإنذارات طبول الحرب الإيديولوجية. كما أنه ثانيا كتاب لا يمكنك أن تقرأه دون أن تحبه، لأنه كتاب في مدح ذلك الحب الذي يجسده العرفان الأكبري، كحب قوامه الحيرة بما هي امتداح للمفارقة والتضاد، والجمع بين نعم ولا، بين الفلسفة والتصوف دون حرج، وكما يقول ابن عربي » كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حب الحب لا يعول عليه«[24]  إنه كتاب عندما يتماهى مع الحيرة بين نعم ولا، فإنما يمتطي صهوة الفلسفة بما هي حب للحكمة وعشق للتيه وراء سراب الحقيقة في تجليه واختفائه، فأحب بذلك هذه الحكمة حبين: حب أهل النظر، وحب أهل العرفان. وثالتا وأخيرا، فنحن أمام كتاب حالم، لأنه نذر نفسه لتحقيق حلم ظل يراود الشيخ الأكبر، وهو حلم تحقيق لقاء ناجح بين القولين الفلسفي والصوفي، وبين عملاقي القرن الثاني عشر ابن عربي/ابن رشد، إنه حلم أراد به مؤلفه أن يشرع لخطاب فلسفي حداثي حول التراث، ينأى به عن السقوط في حبائل محاكم التفتيش الإيديولوجية، والتي تدعو إلى تكبيل العقل والقلب.  ولعل ما يشفع المصباحي حلمه هذا هو استطابته لأحلام ورؤى الشيخ الأكبر والتي دربته برازخها وتخيلاتها ورؤاها على تذوق ما لم تسعفه رشديته على تذوقه، لذلك فضل الإقامة في هذا الكتاب بين” نعم ولا” حيث الاحتفاء بالالتباس والزئبقية بما هما مؤشرين على مبدأين مؤسسين لعمل كل حلم.

******

[1]  محمد المصباحي،  نعم ولا،  ابن عربي والفكر المنفتح،  منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى،  2012،  ص27.

[2]   المصباحي م،  نعم ولا الفكر المنفتح عند ابن عربي،  منشورات الاختلاف، دار الأمان،  الرباط،  ط:  1 / 2012،  ص278.

[3]  نعم ولا   م س، ص:  285.

[4]  نعم  ص:  273.

[5]  نعم ص:   274.

[6]  نفسه، ص: 274.

[7]  نفسه، ص: 286.

[8]  نفسه، ص:  275.

[9]  نفسه، ص:  276.

[10]   نفسه، ص: 275.

[11]  نفسه، ص: 275.

[12]  نفسه، ص: 281.

[13]  نفسه، ص: 282.

[14]  نفسه، ص:  290.

[15]  نفسه، ص:   273.

[16]  نفسه، ص:  289.

[17]  نفسه، ص:  289.

[18]  نفسه، ص: 287.

[19]  نفسه، ص:  283

[20]  نفسه، ص:  284/285.

[21]  نفسه، ص: 276.

[22]  نفسه، ص:  277.

[23]  نفس المرجع والصفحة.

[24]  رسالة لا يعول عليه،  م س.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This