مقتطف من كتاب “قصّة الفلسفة الحديثة”

جورج سنتيانا George Santayana

(١) حياته

وُلِد «سنتيانا» في مدريد عام ١٨٦٣م، ثم ارتحل إلى أمريكا سنة ١٨٧٢م حيث أقام حتى سنة ١٩١٢م، وقد تخرج في جامعة هارفارد التي عُيِّن بها أستاذًا، ولبِث في منصبه من سنِّ السابعة والعشرين حتى بلغ الخمسين، ولكنه طوال هاته الأعوام لم يكن مُطمئنًّا راضيًا بهذا الوطن الذي اختاره لنفسه، إذ لم تُطِق نفسه الحسَّاسة الشاعرة — فقد كان «سنتيانا» شاعرًا أولًا وفيلسوفًا ثانيًا — أن ترى الحياة في أمريكا مدفوعةً ذلك الدفع العنيف تجاه المدنية المادية، فانتقل إلى بُسْتن Boston كأنما أراد أن يقترِب من أوروبا فرارًا من الحياة اللَّجبة في أمريكا، ثم انتقل إلى كامبردج وهارفارد.

كان أول ما كتَبَ في الفلسفة مقالةً في «حاسَّة الجمال» سنة ١٨٦٦م، ولم تنْقضِ بعدَ ذلك سنوات خمس حتى أخرج مؤلَّفًا مُمتعًا في «تفسير الشعر والدين»، ثم لبِث بعد ذلك سبعة أعوام لا يذيع في الناس شيئًا سوى مقطوعاتٍ شعرية ينشرُها الفينة بعد الفينة، ولكنه في خلال تلك الأعوام السبعة كان يكتب أهم مؤلَّفاته ألا وهو: «حياة العقل»، فلم يكد يُخرج إلى الناس هذا الكتاب بمجلَّداته الخمسة: «العقل في الإدراك السليم، العقل في الجماعة، العقل في الدين، العقل في الفن، العقل في العلم»، حتى ارتفع «سنتيانا» من فوره إلى منزلةٍ رفيعة عند خاصَّة المُشتغلين بالفلسفة وإن لم يذِعِ اسمُه بين الكافة من القُرَّاء، وإنك لترى هذا الرجل ينظُر في كبرياء إلى حياتنا الضئيلة، فينطق للناس بفلسفةٍ تَسحَق أحلامهم سحقًا في منطقٍ هادئ رزين، وبعبارةٍ قويةٍ رائعة، فما نحسَب أنْ قد تهيَّأ للفلسفة منذ عهد «أفلاطون» من جودة الصياغة ما أُتيح لها على يدي «سنتيانا» ألا ما أجلَّ رجلًا تلتقي فيه روعة الجمال وصيحة الحق.

اطمأن «سنتيانا» بعدئذٍ إلى ما نال من شهرة، وقنع بإنتاج قليل من الشعر والمؤلَّفات الثانوية يخرجها الحين بعد الحين، وغادر هارفارد إلى إنجلترا ليقضي فيها بقية عمره، فظنَّ الناس أن قد انتهت رسالة «سنتيانا»، ولكن ما أشدَّ عجَبهم حين كانت سنة ١٩٢٣م، فنشر مؤلَّفًا قيِّمًا في «الشك وإيمان الحيوان»، وأعلن أن هذا الكتاب مُقدِّمة لنظامٍ فلسفي جديد. إنَّنا سنبدأ في عرض فلسفته بهذا الكتاب الأخير، إذ هو الطريق إلى فهم فلسفته كلها.

(٢) الشّك وإيمان الحيوان

أراد «سنتيانا» في هذا الكتاب أن يمحو بادئ بدءٍ نسيج العناكب الذي نسجتْه نظرية المعرفة، فوقفتْ به حجر عثرة في سبيل الفلسفة الحديثة لا تأذن لها بالنمو والتقدُّم. نعم ينبغي له أن يمحو ذلك النسيج قبل أن يشرَع في بناء «حياة العقل»، فأخذ يبحث أولًا في نشأة العقل البشري وحدوده؛ لأنه يعلم أنَّ أسوأ ما يزلُّ فيه الفكر هو أن يقبل الآراء التقليدية قبولًا أعمى، ولذا فهو يبدأ بالشكِّ فيقول: يصِل إلينا العالم الخارجي خلال الحواس، فيمتزِج بصفاتها وخصائصها، كذلك إذا ذكر الإنسان الحوادث الماضية استعان بذاكرته، والذاكرة تؤثِّر فيها الرغبة فتلوِّنها كما تشاء، وإذن فالعالَم كما يبدو لنا، والماضي كما نذكُره قابلان للشك، أما ما يثِق بصحته «سنتيانا» ولا يشكُّ فيه فشيء واحد هو الإدراك الآني، أي الإحساس الذي يستقبله الشخص في لحظةٍ ما، فهذا اللون وهذه الصورة وذلك الطعم وتلك الرائحة، كل هذه وما شاكَلَها هي العالَم «الحقيقي».

يقول «سنتيانا»: إنَّ المذهب المثالي صحيح لا غبار عليه، ولكنه لا ينتهي إلى نتيجةٍ ذات خطر، نعم نحن نعرِف العالَم بوساطة أفكارنا فقط، ولكن ما دام العالم بدا خلال الأجيال السالفة كلها، وكأنه يسير وفق إحساساتنا التي نُدركها عنه — أعني أنَّ الدلائل كلها قائمة على أن إحساس الإنسان صحيح، ولا يختلف عمَّا يبدو في العالَم الخارجي — فيحقُّ لنا إذن أن نقبل فلسفة البراجماتزم كما هي.

إنَّ عقيدة الإنسان قد تكون خُرافية، ولكن هذه الخرافة نفسها خيرٌ ما دامت الحياة تصلح بها وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق، أي إنَّ الخرافة أفضل لنا من القياس المنطقي الصحيح إذا كانت الحياة تُصلحها الخرافة أكثر مما يقوِّمها ذلك القياس. إنَّ كثرة الشكِّ في صحة ما تأتي به التجربة الحسِّية قد أدَّى بالفلاسفة الألمان — الذين بالَغوا في ذلك الشك مُبالَغة فيها كثير من الإسراف — إلى حدِّ المرض، فكانوا في محاولتهم التخلُّص من ذلك الخطأ الموهوم، كالمجنون يُنفِق عمره في غسل يدَيه من لوَثٍ يتوهَّمه وليس له وجود، ومن العجيب أنَّ هؤلاء الفلاسفة أنفسهم الذين يبحثون عن العالم في باطن عقولهم يعيشون في حياتهم العملية كما يعيش سائر الناس، أي على اعتبار أنَّ العالم الحِسِّي موجود، فهم إذن يعترفون في حياتهم اليومية بما أنكروه في فلسفتهم.

(٣) العقل في العِلم

ليس العقل عدوًّا للغرائز، بل إنه ليُعينها في توفيقٍ ونجاح، والعقل فينا عبارة عن الطبيعة قد بلغَتْ مرتبة الإدراك، فهي إذ تستهدي به إنما تسترشد بضوء نفسها في تَبيُّن طريقها، ومعرفة الغاية التي تسعى إليها. إن العقل هو ازدواج جميل بين الحافز الذي يدفع والفكر الذي يفهم، ولو انفرَطَ ما بين هذَين العنصرين من رباطٍ لانقلب الإنسان وحشًا ضاريًا أو مجنونًا لا يعي العقل هو «تقليد الإنسان لله»، ويُقيم «سنتيانا» كتابَه في «حياة العقل» على العِلم؛ إذ في العِلم من ألوان المعرفة ما يُوثَق بها ويُركَن إليها. نعم إنه يعلم مقدار ما في العقل من ضعف، وما في العِلم من وهن، ولكنَّه رغم ذلك يُصرُّ على أن يكون العِلم عمادنا الوحيد الذي نثِق به، وهكذا صمَّم «سنتيانا» أن يفهم الحياة، شاعرًا بما شعَر به «سقراط» من أنَّ الحياة بغَير بحثٍ ليست جديرة بالإنسان. فينبغي أن نضع في ضوء العقل كلَّ نواحي التقدُّم الإنساني، وكل ما يتَّصِل بالإنسان من تاريخ.

و«سنتيانا» مُتواضع لا يقدِّم للناس فلسفة جديدة، بل يريد فقط أن يطبق الفلسفات القديمة على حياتنا الحاضرة معتقدًا أنَّ الفلاسفة الأقدَمين هم خير الفلاسفة جميعًا، وعلى رأس هؤلاء «ديمقريطس» و«أرسطو» فهو يمتدِح في الأول نزعته المادية الواضحة، وفي الثاني رزانته وحكمته … أخذ «سنتيانا» من «ديمقريطس» مذهبه الذَّرِّي، ومن «أرسطو» نظريته الأخلاقية في الأوساط، وبهذَين السلاحَين واجه مشكلات الحياة الحاضرة، وهو يقول في نزعته المادية:

«إنَّني في الفلسفة الطبيعية مادي صميم، ولكنِّي لا أزعم أنَّني أعرف ما المادة في ذاتها، فعلى رجال العِلم أن يُنبئوني بهذا، ولكن مهما تكن المادة فأنا أسمِّيها مادة بكلِّ جرأة، كما أُسمِّي أصدقائي «سمث» و«جونز» إلخ دون أن أعرِف أسرارهم.»

ولا يسمح «سنتيانا» لنفسه باعتناق الحلولية، التي ليست في رأيه إلا مهربًا من الإلحاد، فنحن لا نُضيف إلى الطبيعة شيئًا حين نُسمِّيها «الله»، ولكنَّا مع ذلك نقرأ في شعر «سنتيانا» أن العالَم الذي لا ربوبية فيه يكون موحِشًا لا لذَّة فيه ولا متاع، وهو يسائل نفسه: لماذا كان الضمير الإنساني دائم الثورة على الطبيعة متمسِّكًا بالغَيب الخفي؟ أذلك لأنَّ النفس قريبة الشبَه بما هو مِثالي خالد، فهي لا تقنع بالموجود بين يدَيها وتطمع في حياةٍ أفضل؟ هل تُحزنها فكرة الموت فتعلِّق رجاءها في قوة خفية تكتسب بها الدوام والخلود وسط هذه الحركة المتدفِّقة والتغيير الذي يُحيط بها؟ يُجيب «سنتبانا»: «إني أعتقِد أن ليس ثمة شيءٍ خالد، لا شكَّ أن روح العالم وطاقته هما اللذان يعملان فينا، كما أنَّ البحر هو الذي يرتفع في كل موجةٍ صغيرة، إنَّ الحياة ستمضي في طريقها خلالنا غير آبِهةٍ بصياحنا، وكل ما نمتاز به هو أنَّنا نُدركها وهي ماضية.»

ويظهر «لسنتيانا» أنَّ أساس العالم كله آلي، ولذا فعنده أنَّ أفضل طريقة للبحث في علم النفس هي التسليم بهذا المبدأ الآلي في كل العمليات النفسية ما خفي منها وما ظهر، وعلم النفس لا ينتقل من الأدب إلى العلم إلا إذا أخذ يبحث عن الأساس الآلي والمادي لكل ما يحدث في العقل، فلقد وجَد السلوكيُّون Behaviourists٢٠ اليوم الطريق القويم والنهج الصحيح، فينبغي أن يمضوا فيما هم فيه بغير تردُّد أو خوف.

الحياة كلها مادية آلية، فليس يُحرِّك الجسم الإنسانيَّ إدراكٌ عقلي، بل حرارةٌ تستخدِمها الرغبات والدوافع في التأثير على المخِّ والجسد، وإذن فليس الفكر أداة العمل، ولكنه مسرح تنطبع فيه صور التجارب، ومستودعٌ نُخزِّن فيه ما يسرُّنا من الأخلاق وضروب الجمال.

لعمري إنَّ «لالاند Lailande» الذي يُقال إنه أخذ يبحث في السماء بمنظاره المكبِّر عن الله فلم يجده، لو بحث بمِجهره عن العقل في مادة المخِّ لما وجدَه. فالاعتقاد بوجود مثل هذه القوة فينا هو بغير شكٍّ كالاعتقاد في قوى السحر، فمهما بحَثَ العالِم النفسي في الإنسان فلن يرى إلا حقائق فيزيقية، وما النفس إلَّا نوع من التنظيم الدقيق السريع داخل مادة الحيوان، هي شبكة دقيقة من الأعصاب والأنسجة تنمو على مرِّ الزَّمن.

انظُر إلى أيِّ حدٍّ من النزعة المادية ذهب هذا الفيلسوف! أليس من العجيب أنَّ رجلًا مثل «سنتيانا»، وهو المفكر الرقيق والشاعر المُتخيِّل، يُغَلُّ عنقه بهذه الأثقال من فلسفةٍ مادية جاهدت قرونًا طويلة، ثم انتهت واهنةً ضعيفة كما بدأت؟ فهي فلسفة تعجز أن تفسِّر ازدهار الزهرة أو ابتسامة الطفل! وإنَّ من حقِّنا أن نسائل «سنتيانا»: إذا لم يكن للإدراك تأثير على الجسم في حركته، فلماذا تطوَّر ونما، ولماذا يحيا في عالم لا يلبَثُ أن يسحَقَ ما لا ينفع للحياة ويمحُوَه من الوجود؟ إنَّ الإدراك أداة للحُكم، وظيفته الحيوية أن يستجيب للمؤثرات الخارجية، ولسنا بشرًا إلا بهذا الإدراك وحدَه، ولقد يكون في تفتح الزهرة وابتسامة الطفل من سرِّ الكون ما لا يتوفَّر في أية آلةٍ سارت في يابس، أو سبحت على ماء، وإنه لخير لنا أن نفسر الطبيعة بالحياة من أن نصُوغها في عبارة الموت.

ولكن «سنتيانا» لم يُرضه هذا، فقد قرأ «برجسون»، ثم انصرف عنه مُستخفًّا بفلسفته.

«ما هذه الغاية الخالقة المبدِعة (التي يقول بوجودها برجسون) والتي لا بدَّ لها أن تنتظر الشمس والمطر لتبدأ عملها؟ ما هذه الحياة التي تنمحي في الفرد إذا ما أصابته رصاصة؟ ما هذا الدافع الحيوي الذي يمحوه من الوجود أقلُّ هبوطٍ في درجة الحرارة؟»

(٤) العقل في الدين

طرح «سنتيانا» العقيدة الدِّينية جانبًا، ولكنه ما فتئ يُحبُّها ويقدِّرها، كما قد يُحب الرجل المرأة التي خدعته: «إنَّني أُصدِّق المذهب الكاثوليكي، ولو أنَّني أعلم أنه كاذب.» وهكذا نرى «سنتيانا» يأسَف لإيمانه المفقود، إذ يعتقد أن الإيمان «غلطةٌ جميلة أكثر ملاءمة لنوازع النفس من الحياة نفسها.»

كان هذا الكُفر المؤمن، هذا الميل إلى الدين، دافعًا «لسنتيانا» على كتابة مؤلَّفه الشهير «العقل في الدين» الذي مُلئت صفحاته باللاأدرية، ولكنها لاأدرية امتزجَتْ بأعمق الحزن على الإيمان، فلقد كان هذا الفيلسوف يرى في الكاثوليكية من الجمال ما يبعَثُه على حُبِّها، ويسخر من العلماء الذين يتوهَّمون أنهم قد أثبتوا بُطلان الدين بالعلم! دون أن يبحثوا عن الأصل الذي نشأت عنه عقائد الدين، ودون أن يعلموا معنى تلك العقائد ووظيفتها الحقيقية. أليس مما يلفِت النظر ويستثير البحث أن نرى الناس في كلِّ مكانٍ على وجه الأرض يدينون بعقيدةٍ ما؟ فكيف لنا إذن أن نفهم الإنسان إذا لم نفهم الدين؟ ويرى سنتيانا — كما ارتأى ليوكريتس Lucretius — بأن منشأ العقيدة في الآلهة هو الخوف، ثم عاون الخوف الخيال، إذ أخذ الإنسان ينسج بخياله جملةَ أساطير تشخِّص الآلهة وتروي عنهم القصص، والحق أنْ قد كان في تلك الأساطير الأولى من الشعر ما خفَّف عن الناس أعباء الحياة، أما الآن فقد ضعُفَت هذه النزعة الأسطورية لِما أحدثَه الاتجاه العلمي السائد من ردِّ فعلٍ قوي للخيال، غير أن الشعوب الأولية، وبخاصةٍ في الشرق الأدنى لم يكبح فيها ذلك الميل الشعري الخيالي كابح (!) فترى فيه من الكتب الدينية ما يزخر بألوان الشعر وضروب البيان من تشبيهٍ واستعارة وما إليهما، مثال ذلك كتاب العهد القديم (التوراة)، فاليهود الذين كتبوه لم يُريدوا بما أوردوا فيه من استعارات معناها الحرفي، فلما أخطأ الأوروبيون — وهم أضيق من أولئك خيالًا وأكثر حرفيةً في تفسير ما يقرءون — ونظروا إلى تلك القصيدة على أنها نوع من العلم يفهم على حقيقته تولَّد من ذلك لاهوت أوروبي خاص. فلقد كانت المسيحية أول الأمر مزيجًا من اللاهوت اليوناني والأخلاق العبرية، ولكنه كان مزيجًا متنافرًا غير منسجم، فكان من الطبيعي أن ينفصل العنصران، فاستقلَّ العنصر اليوناني الوثني في المذهب الكاثوليكي، واستولَتْ صرامة الأخلاق العبرية على المذهب البروتستانتي، وكان للأول نهضة الإحياء Reniassance، وكان للثاني حركة الإصلاح Reformation.

ويلاحظ «سنتيانا» أن الشعب الألماني — ويسميه برابرة الشمال — لم يدينوا قط بالديانة المسيحية الصحيحة، فسادت فيهم أخلاق غير مسيحية، إذ سادت القوة وحب الشرف، استمدُّوها من أصلٍ غير مسيحي — من العاطفة والخرافة والأساطير — كذلك عُوف هؤلاء التيوتون بمزاجهم الحربي الذي ينافي الميل الشرقي إلى السلام، كما أنهم بدَّلوا المسيحية من ديانة الحبِّ الأخوي إلى الصفات التي تعمل على النجاح الدنيوي، ومن ديانة الفقر إلى ديانة القوة والثراء، ويرى «سنتيانا» أن لا شيء يعدل في جماله المسيحية على شرط ألا تُفهَم بتفسيرها الحرفي وإلا لكانت متناقضة.

(٥) العقل في المجتمع

المشكلة الكبرى التي على الفلسفة أن تجد لها حلًّا هي أن تحمِل الناس على الفضيلة دون أن تُثير فيهم مخاوف الغيب وآماله، ولقد حُلَّت هذه المسألة حلًّا نظريًّا على يدي «سقراط»، ثم على يدي «سبينُوزا»، فكِلا هذَين الفيلسوفَين قدَّم للعالم نظامًا كاملًا من الأخلاق، فإذا أفلحْنا في حمْل الناس على اتباع أي الأخلاقين في حياتهم العملية لتمَّ للفلسفة ما تُريد، ولأصبح الناس كلهم في سعادةٍ وخير. ولكن من العسير على الناس أن يعيشوا وفقَ تلك المُثُل الأخلاقية التي ستظلُّ — فيما يظهر — ترفًا عقليًّا للفلاسفة لا أكثرَ ولا أقل، فلننشُد إذن رقُيَّنا الأخلاقي في غير هذه السبل. لننشُده في تنمية العواطف الاجتماعية التي تزدهِر في ظلال الحب.

فلقد أصاب «شوبنهور» حين قال إن الحبَّ خداع الجنس للفرد، فإنَّ «تسعة أعشار الدافع إلى الحبِّ كائنةٌ في المُحِبِّ.» وكذلك كان على حقٍّ حين قال إنَّ الحبَّ يصهر نفس الفرد ويدمجها في تيَّار الجنس، ولكن إذا كان في الحبِّ أعظم تضحية يقوم بها الفرد ففيه كذلك أتمَّ سعادة. ولقد رُوِي عن «لابلاس» أنه قال وهو على فراش الموت: إنَّ العلم أمر تافِه، وأن ليس ثمة من حقيقةٍ سوى الحب. فليكن في الحب ما فيه من خداع، ولكنه ينتهي في العادة بصِلةِ القُربى بين الوالد والولد، وهي صِلة تُرضي الغرائز البشرية أكثر جدًّا مما في حياة العزوبة من أمنٍ وهدوء، فالأبناء هُم خلودنا، وليس أرضى لنفوسنا من أن نرى (مَتن) الحياة الخالدة قد ظهر في «نسخة» أخرى أفضل من الأولى.

والأسرة هي السبيل إلى دوام الإنسانية، ولذا فهي أصل التقاليد بين الناس، فهي وحدَها كفيلة بدوام الجنس، ولكن المدنية لا ترقى على يدي الأسرة وحدَها إلا بدرجةٍ محدودة، ثم تحتاج المدنية لاطِّراد تقدُّمها إلى نظامٍ أشمل لا تكون الأسرة فيه هي الوحدة، وأعني بذلك الدولة، ولقد تكون الدولة وحشًا طاغيًا كما قال عنها «نيتشه»، ولكنَّ هذا الطغيان الذي يركَّز في هيئة واحدة يسحَقُ كل ضروب الطغيان الأخرى التي أزعجتِ الحياة قبل تكوين الدولة، ومن هنا نشأت الوطنية في الناس؛ إذ يعلمون أن ما يدفعونه للحكومة من ثمنٍ أقلُّ من تكاليف الفوضى، ولكن «سنتيانا» لا يفوته هنا أن يلاحظ أنَّ هذا الضرب من الوطنية له ضررُه الجسيم، فهو يَصِمُ دُعاة الإصلاح والتغيير بوصْمة الخيانة، مع أن حبَّ الفرد لبلاده حبًّا صحيحًا ينبغي أن يتضمَّن رغبته في تغيير حالتها الراهنة ليسير بها نحوَ مثلِها الأعلى.

وينتقل «سنتيانا» بعد ذلك إلى الحروب وما تجرُّه على الإنسانية من وَيلات، ويرى أنَّ «الألعاب الأولمبية» التي تهيِّئ ميدانًا للتنافُس بين الدول ربما أفادت في محوِ الحروب، ويميل «سنتيانا» إلى نظام الأرستقراطية، إذ يرى أنَّ ما عرَفه العالم من ثقافةٍ هو ثمرة ذلك النظام. فليست المدنية إلا انتشار عاداتٍ نشأت عند الأفراد الممتازين، ثم فرضت نفسها على الناس فرضًا. وإن دولة تتألَّف كلُّها من العمَّال والمزارعين — كما تتألَّف الأمم الحديثة — لَدولةٌ متأخِّرة غاية التأخُّر، تموت فيها كل تقاليد الحرية. «فسنتيانا» يكرَه المساواة، ويوافق «أفلاطون» «بأن المساواة بين غير المتساوين هي لا مساواة.» ولكنه حين يحبِّذُ الأرستقراطية لا يفُوته أنَّ التاريخ قد جربَّها، فوجد لها من العيوب ما يتعادل مع فضائلها، فهي تسدُّ الطريق دون نبوغ أفراد الشعب ولا تسمح إلَّا للنبوغ العريق، فالنظام الأرستقراطي يخدُم الثقافة، ولكنه كذلك يخدُم الطغيان، وهو إنْ هيَّأ الحرية لعددٍ قليلٍ فإنه يقضي بالعبودية على الملايين، إنَّ أفضل نظامٍ سياسي هو ما يُهيِّئ الفرصة لكل فردٍ في المجتمع أن يُنمِّي ملكاته وقواه، فالديمقراطية من هذه الناحية تفضل الأرستقراطية، ولكن لكل فردٍ في المجتمع أن يُنمِّي للديمقراطية أيضًا شرورها، فهي تجرُّ وراءها الفوضى والفساد، وهي فضلًا عن ذلك تتميَّز بطغيانٍ خاص بها ألا وهو عبادة المساواة والتمسُّك بالتشابُه التامِّ بين الأفراد، وهذا الضرب من الطغيان خبيث ممقوت يقضي على كل تجديد، ويسحَقُ كلَّ عبقرية.

يوازن «سنتيانا» بين الأرستقراطية والديمقراطية فيفضِّل الأولى قائلًا: إنَّ الحكمة دون الحرية هي الخير الأسمى، ولكن هل نقبل الأرستقراطية على إطلاقها؟ إنما يريد «سنتيانا» أرستقراطيةً غير وراثية، فيتولَّى الحكم ذوو الكفاية والشرَف، وهو ما يُسمَّى «بالتيمقراطية»، فيفسح المجال لكل رجلٍ أو امرأة إذا أبدى أو أبدت كفايةً ممتازة، فلَهُ أو لها أعلى مناصب الدولة، فالمساواة التي تسود عندئذٍ بين الناس هي الفرصة التي تُهيَّأ لكلِّ فردٍ ليُبرِز شخصيته، في مثل هذه الحكومة ينحصِر الفساد في أقلِّ حيزٍ ممكن، ويزدهِر العِلم والفن بما يجدان من تشجيع.

إنَّ التآلُف بين الأرستقراطية والديمقراطية إذن هو ما ينشُدُه العالم لينجو مما هو فيه من الفوضى السياسية، فلا ينبغي أنْ يحكُم إلَّا الأفضلون، ولكل إنسانٍ فرصة أن يكون بين هؤلاء الأفضلين إن كان جديرًا بها، وهكذا نرى أفلاطون يتحدَّث من جديدٍ على لسان «سنتيانا»، فليس هنالك فلسفة واحدة ترمي ببصرها إلى الأفق البعيد دون أن تنادي بوجوب تسليم الحُكم إلى «الملوك الفلاسفة» الذين نادى بهم «أفلاطون» في جمهوريته، وإنه ليتَّضِح من هذا أنَّنا كلَّما أمعنَّا الفكر في الموضوعات السياسية عُدنا إلى «أفلاطون»، فكأنَّ العالم في الحقيقة لا تعوزه فلسفة جديدة إنما تنقُصه الشجاعة وحدَها ليُنظِّم حياته وفقَ أقدم فلسفةٍ وأفضلها.

******

المصدر:

زكي نجيب محمود وأحمد أمين: قصّة الفلسفة الحديثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1936.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This