الكينونة والزّمان لمارتن هايدغر: مجموعة من المُبتذَلات المعقّدة والغامضة

بانايوتيس كونديليس

كتب الفيلسوف اليوناني بانايوتيس كونديليس Panagiotis Kondylis (1943-1998) هذا المقال[1] بمناسبة الذكرى السّبعين للنشرة الأولى لكتاب مارتن هايدغر “الكينونة والزّمان”، ونُشر في الصّحيفة اليونانيّة To Vima بتاريخ 21 ديسمبر 1997.

نصّ التّرجمة:

أعتبر “الكينونة والزّمان” أحد أكثر كتب قرننا مبالغةً في تقديرها. كي أكون دقيقًا، أعتبره مجموعة من المُبتَذَلات التي صيغت في لغة معقّدة وغامضة. يخلص إلى هذا الاستنتاج كلّ من يتجاوز المنظور الفلسفي الضيّق ويمحّص تاريخ الأفكار والمشكلات في شموليّته. عادةً ما يضخّم الفلاسفة، كونهم أحاديي التحصيل، أهميّة ما يحدث في مجالهم الخاص ويعتبرون مُؤلِّفًا مّا أصيلًا لمجرّد أنّه يعرّفهم إلى مفهومٍ أو اثنين جديدين. في الواقع، لم تبدع فلسفة العصر الحديث إشكاليّتها الخاصة لكنّها اتّبعت بشكل مباشر أو غير مباشر، وبطريقة متفاوتة الجودة، التطوّرات المتسارعة التي حدثت بدايةً وبشكل رئيس في العلوم الطّبيعيّة ثمّ في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. تشكّلت فلسفة الموضوع الموجّهة ابستيمولوجيًا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر باعتبارها محاولةً للإجابة عن أسئلة أثارتها الفيزياء الرياضيّة في ذلك الوقت (تمييز الخصائص الأولية/الثانوية والسّببيّة والجوهر). قدّمت العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة التي وُضعت أسسها خلال القرن الثامن عشر واستقلّت بذاتها خلال القرن التاسع عشر منظورًا ثَبُتَ أنّهُ مدمّرٌ للأسطورة الحيويّة للفلسفة، أي استقلاليّة الرّوح، ذلك أنّها برهنت أنّ تبعيّة “الرّوح” لا تقتصر على عوامل “لاعقلانيّة” و”وجوديّة” بل تمتدّ أيضًا إلى عوامل “لا-روحيّة” وسوسيو-اقتصاديّة وتاريخيّة.

تحت ضغط هذه الاتّجاهات، صارت مشكلة الفلسفة المركزيّة الآن تفكيكَ ذاتِها، أو على الأقل تقويض الطّريقة التقليديّة والمتغطرسة التي كانت تدرك من خلالها ذاتَها. أظهر عملُ ماركس ونيتشه وفرويد وديلتاي والبراغماتيّة الأمريكيّة وبرغسون، بطرق مختلفة لكنّها كافية، أنّ الفلسفة والإبداع الفكري عمومًا متجذّران في طبقات أعمق، ممّا يثير السّؤال عن أنطولوجيا هذه الطّبقات. يقارب هايدغر هذه الإشكاليّة من خلال برنامج هوسرل الفينومينولوجي الذي كان يسعى إلى فحص تشكّل الذات ماقبل-العلمية باعتبارها الأرضيّة التي تُبنى عليها صورة-العالم العلميّة. وهكذا، بدلًا من افتتاح منظور فلسفيّ جديد مع نظرة جديدة للظاهرة الفلسفيّة، بدا أنّه يختتم مسار هذا المنظور. وهو لم يفشل فقط في توسيع الإشكاليّة، بل قام، على العكس من ذلك، بتقييدها، على الرغم من أنّ أسلوبه المنمّق يوحي بأنّه يُحدّثُ بحقائق لم يسبق أن بلغت مسامع أحدٍ. يفترض ضيقُ أفق التقصّي هذا ثلاثة أشكال:

أوّلًا، “الأنطولوجيا الأساسيّة” هي “أنثروبولوجيا فلسفيّة”، أي أنّ الطّبقة الفلسفيّة الأعمق المنشودة تقع في البنية الثابتة لكينونة الإنسان بوصفها كينونة فرديّة. على الرغم من تأكيد أنّ هذه البنية حسب تعريفها تشمل وجود العالم والتّواجد مع الآخرين، فإنّه يُنظر إلى كليهما حصرًا من منظور الكينونة الفرديّة، في حين يظلّ تكوين الذات الاجتماعيّة والوجود الاجتماعي مهمّشًا. وهكذا، على الرغم من أنّ الكثيرين يعتقدون أنّ هايدغر قد تجاوز الفلسفة التقليديّة بخصوص الذّات في اتجاه الأنطولوجيا الاجتماعيّة، فإنّ هذا هو بالضبط ما لم يكن في وسعه عمله. لأنّ الاستيعاب المفهومي للكينونة الاجتماعيّة في بعدها فوق-الفردي وإدراك أنّ للوجود الفرديّ بعدًا اجتماعيًا أمران مختلفان. يكتسب تحليل العلاقات الاجتماعيّة بين الناس، والتي لم تتجاوز عند هايدغر التلميحات السطحيّة، معنى سوسيو-أنطولوجيًا فقط عند إجرائه في ضوء تكوين الكينونة الاجتماعيّة؛ لا تكون العلاقات بين الأشخاص اجتماعيّة إلّا حين تحدث داخل المجتمع ومع معرفة هذه الحقيقة الأساسيّة.

ثانيًا، يبدو تحديد الثوابت الوجوديّة لكينونة الإنسان أحادي الجانب وتعسّفيًا. في تحويله المقولات الأنثروبولوجيّة إلى مقولات أنطولوجيّة، اتّبع هايدغر كيركغارد الذي وصف حالات الإنسان الوجوديّة بما هي وظائف لصلته الأنطيقيّة بشيء أسمى وأكثر شموليّة وليست مجرّد حالات نفسانيّة. وعلاوة على ذلك، فإنّ المجموعة الرّئيسة للمقولات الأنطولوجيّة التي ينسبها هايدغر إلى كينونة الإنسان مأخوذة دون تغيير ودون أيّ تفسير  من الفكر اللّاهوتي، بدءًا من أوغسطينوس. وليس من البديهي، مع ذلك، أنّ في إمكان المقولات التي تشكّلت في مواقف تاريخيّة محدّدة وفي ضوء رؤية-عالميّة معيّنة توفير إطار مناسب لتحليل فوق-تاريخي، أي أنطولوجي للوجود الإنساني. وتتعاظم هذه الحماقة في ضوء حقيقة أنّ هايدغر يقدّم مفاهيم لاهوتيّة أصيلة في سياق يزعم هو نفسه أنّه إلحاديّ. فعلى سبيل المثال، لماذا ينبغي أن يكون “الذنب” عنصرًا مكوِّنًا –بشكل مسبق- للوجود الإنساني إذا كان ببساطة “مقذوفًا” في عالم بلا معنى- أو، على الأقل، من دون معنى مُؤسّس من قِبل شخص ما يفرض أن يشعر الإنسان بالذنب تجاهه؟

ثالثًا، على الرغم من أنّ أنطولوجيا كينونة الإنسان قد تبحث في بُعد العمق الذي يتجاوز العرفاني-الفلسفي بل والذي يتجاوز أيضًا التصوّرات الأخلاقيّة، إلّا أنّها تظلّ مُميَّزَةً بالتفضيلات الأكسيولوجيّة. يُنكر هايدغر بالطبع أنّه يعِظُ الثقافة أو ينتقدها، لكن في إمكان أي شخص مطّلع على الأدب والصحافة الألمانيّة خلال عشرينيات القرن العشرين التّعرّف بسهولة على منابع أفكاره. إنّ نزوعه إلى التقييم لا يتّبع خطوات النظريّة الأخلاقيّة- بل على العكس من ذلك، فإنّه تعرّض إلى  الأخلاقيّة البورجوازيّة السّائدة بالهجوم بشكل غير مباشر؛ إنّ ذلك بيّنٌ في المواجهة بين الوجود “الأصيل” و”غير الأصيل”، حيث يفترض أنّ الوجود غير الأصيل يهيمنُ على الحشد الغُفل. إنّ هذه المواجهة مقرونة بعديد الفروق المقوليّة الأخرى؛ مثل الفرق بين “العزم” (من أجل أن يواجه المرء مشاكل الوجود القُصوى) و”اللّا عزم”. يتشابك ما كتبه هايدغر لاحقًا في نقد حضارة التقنية مع المواجهة نفسها.

فلنوضّح الآن بإيجاز، من خلال مثال مركزيّ، كيفيّة تأثير هذه الحقائق الثلاث في تحليلات “الكينونة والزمان”. في مقاربته للموت، يجمع هايدغر بين التركيز على الكينونة الفرديّة وذكريات اللّاهوت والتمييز بين “الأصيل” و”غير الأصيل” في مناقشة أكيدة التّحذلق لكنّها أقلّ جوهريّة إذا ما تعلّق الأمر بالأنطولوجيا الاجتماعيّة. يُعتبر الموت مثيرًا للاهتمام بما هو عامل محفّز للخوف وللتّرقّب ويُفترض أنّه برهان على أنّ الكائن يعيش بأصالةٍ في أقصى حدود إمكاناته. لكن خلف هذه الصّورة الدراميّة للتوتّر الوجودي لإنسان منعزل يختبر أكثر الأمور أصالةً على حافة الهاوية، لا يوجد شيء على الإطلاق. لم يكن هايدغر قادرًا، مثل الكثير من سابقيه، على قول أي شيء عن الموت في حدّ ذاته. لأنّه، بالرغم من التناقض الظاهر، لا يمكن للإنسان أن يربط أيّ فكرة بالموت وبالموت حصرًا. كلّ ما يفكّر فيه عند حديثه عن الموت يحيل إمّا على الحياة (بما هي  شيء لا يرغب في خسارته) وإمّا إلى ما يظنّ أنّه بانتظاره بعد الموت. إنّ لحظة الموت واختباره اللّحظي منفلتان من أي احتمال للتصوّر العقلي- ربّما يرجع ذلك إلى انعدام وجوده. لذلك فإنّ المشكلة الأنطولوجيّة أوسع بكثير من العلاقة بين وجود “أصيل” وآخر منتفخٌ، إنّها تكمن في فحص آثار فَنائيّة الإنسان في تكوين وجوده الاجتماعي. ليست علاقة الإنسان بالموت هي ما ينظّم علاقته بالآخرين، بل على العكس من ذلك: تتحدّد علاقة الإنسان بالآخرين، بشكل مباشر أو غير مباشر، بطريقة موته أو بالطريقة التي يواجه من خلالها موته. لا ينسحب هذا على امرئٍ يقف أمام فرقة إعدامٍ بما هي ممثّل لفصيل سياسيّ ما فحسب، بل ينسحب أيضًا على أي امرئٍ يموت معتقدًا أنّه ذاهبٌ لملاقاة خالقه، لأنّ إيمان الفاني هو نفسه إيمان الجماعة التي ينتمي إليها. بالإضافة إلى ذلك، تستتبع فنائيّة الإنسان إمكانيّة موته العنيف. ومع ذلك، فإنّ حقيقة الموت العنيف هي التي تُحدّد النّطاق الكامل للعلاقات المحتملة بين النّاس: تتجلّى الصّداقة القصوى عندما أضحّي بحياتي من أجل شخص ما، والعداوة الشديدة عندما أقتل شخصا ما. تقعُ العلاقات الأخرى جميعها بين هذين الطّرفين.

إنّ هذا الانشغال وغيره من الانشغالات الكبرى التي تخصّ الأنطولوجيا الاجتماعيّة لم يمرّ عليها حتّى مرور الكرام في “الكينونة والزّمان”. إنّ منظوره محدّد ومحدود. وهكذا، على الرّغم من كثرة قرّائه وشرّاحه، إلّا أنّ مساهمته في الدّراسات الأنثروبولوجيّة والاجتماعيّة أو حتّى الفلسفيّة كانت ضئيلةً؛ إنّ التكرار وإعادة الصّياغة وإدخال  العبارات والاصطلاحات الرّنّانة لا يشكّلون مساهمةً. لا أرى فيه أي شيء لا يستطيع القارئ المطّلع العثور عليه في مكان آخر، في صياغة أفضل وأبسط. بالطّبع، عندما تُسلّطُ الأضواء على مشروعٍ ما لأي سبب كان، فإنّه يكون مرتبطًا بالنقاشات الجاريّة وهذا ما يخلق الوهم بأنّ محتواه أكثر ثراءً ممّا هو عليه فعلًا. ينطبق الأمر نفسه على أعمال هايدغر اللّاحقة. لقد بيّنتُ في موضع آخر أنّ كلّا من نقده للميتافيزيقا وموقفه النقدي تجاه  التفكير التقني-العلمي الحديث بالكاد يحوزان بعض الأصالة والعمق. ومع ذلك، فقد أدرك القدماء أنّ مصائر الكتب محدّدةٌ بعوامل مختلفة ومتعدّدة. Habent sua fata libelli. (للكتب أقدارها الخاصة).

******

 [1]  نُشرت الترجمة الإنجليزية التي اعتمدناها في الدوريّة العلميّة Telos  بتاريخ 23 نوفمبر 2015.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This