أنا عراقيّ فقط، ونشازٌ هذا الّذي أكتب (ج1)

حوار مع الشّاعر العراقي ناجي رحيم

” أتقافز من فكرة إلى أخرى، من حيرة إلى أخرى، مشوّش، هذه حقيقة، أترك التسلسل المنطقي لمن يجيده”. هكذا يرى الشّاعر العراقيّ المهاجر ناجي رحيم أفكاره في الشّعر، أفكاره في الكتابة. رحيم، الذي غادر العراق هاربًا عام 1991، يعيشُ في قلب قوقعة الشّعر والكتابة عالمًا تردّم منذ زمنٍ. ربّما طمعًا في ألفةِ الغريب، ربّما هربًا من قسوة الأليف، أو لعلّها فكرة النزوح إلى المحتملِ الممكنِ، وإن كان، وحاله كحال العراقيين النازحين المهاجرين الهاربين من أقدار البلد الحزين، يعرفُ في قرارة نفسه أن اللامحتمل واللاممكن هما  الضّوء الوحيد الذي ينتظر في آخر النفق المعتم.

يكتبُ رحيم الشّعر من ضجيجٍ وحواسّ، لا من سكينةٍ وسكون، يتضادّ ويتصارعُ مع كائناته التي تعشّش في رأسه، يتأمل المكان بصفته زمنًا سائلا في الكتابة، ويُعامل الزّمن سؤالا مفتوحًا أبدًا على هواجسِ الكينونة والوجود.

مع الشّاعر العراقيّ، كان هذا الحوار النهريّ، حول الشّعر والوجود والعراق والمأساة ومعاني الموت والصّمت والنشاز في الكتابة والحياة.

  • من أين تبدأ السيرة الحقيقيّة للطّائر المهاجر ناجي رحيم؟

* لا أعرف بشكل محدّد. كتبتُ في نص نُشر في جريدة المدى العراقية “أتمرّن على العهر كلّ يوم”، أظن أن هذا جزءٌ من سيرة متخبّطة ما زالت تتشكّل، لكنني، كي أجيب، أقول إنّ ملامح منها بدأت في الطفولة، في الابتدائية مع درس الإنشاء، في المتوسّطة تكرّس ذلك بشكل أوضح. أتذكر أستاذ العربية وهو يطلب مني قراءة ما أكتب أمام الصف، هنا بدأ توق القراءة أيضا، لست الوحيد في هذا قطعا، أتشارك مع عشرات أو مئات، أقول هي ملامح، أو هواجس ترتسم، تتصاعد أو تصمت، لكنها في كل هذا تتناسل في العمق، أؤمن أن الشاعر يولد لا يصير، لا بدّ من وجود استعداد نفسي، أو حساسية خاصة تولد معه، في تركيبة غريبة، لا أعرف تحديدها، لا نفي لفعلٍ يصير طبعا، الصيرورة لاحقة، فيها يبدأ وعي الحفر في جلد الوجود، لكنه ينطلق من ذلك الاستعداد الأولي، كما أرى، قد يصح أن أمثّله في أيّة قراءة  لشعر أو فكر أو مشاهدة فيلم الخ، هنا تتعدّد القراءاتُ ومستويات الفهم تبعًا لهواجس الاستعداد النفسي، التضمين يرتسم وفق حساسية من يقرأ ويتخذ صورا شتّى، تتجوهر. ما نقرأ، ما نتابع يبثّ فينا قدحه، يوقظ فينا ما كان هاجعا، يلامس حساسية موجودة أصلا في تلافيف الداخل، فنتفاعل، ولولا هذه الحساسية، الاستعداد لا نكون، هكذا أظن.

سؤالكِ يذكرني برواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، واحدة من أولى القراءات التي أثّرت بي، رواية كنا نتناقلها مثل كتاب ممنوع بسبب الوضع الذي كان سائدا في ظل حكم البعث، العنوان نفسه آسر، شرق المتوسط، لم يحدّد بلدًا، حيث تتشابه السجون والمصائر، رواية تتحدث عن عذاب السجين السياسي، لحد الآن وبعد عقود لم أنس رجب اسماعيل وأخته أنيسة، لم أنس حشرجات رجب وهو يترك وصايا لعادل، ابن أخته، لا أنسى الباخرة أشيلوس التي أبحر عليها بعد خروجه ..الخ.

غريبة هي صفة ” الطائر المهاجر” في سؤالك لأني كتبت نصًا في مجموعتي الأولى حيث الطفولة نائمة وردت فيه هذه الصفة تحديدا، مهدى إلى رجب اسماعيل، أتذكر منه هذا المقطع:

والطائرُ المُهاجر أنشدَ لرحلته الأمان

ألا “شيلوس” الحبيبة ضمّيه، عانقيه

اطبعي فوق جبينه قبلةَ الترقّبِ فالبحرُ زوبعةٌ والعشّ تُداهمُه صخور.

– أجرّ السؤال إلى منطقة أخرى، الهجرة نزوحٌ من الأليف إلى الغريب. لكلّ هجرةٍ مكاسبها ومخاسرها. فهل ربحتَ شيئًا من هذه الهجرة حيث صارَ الغريب مألوفًا والمألوف غريبًا مع سنوات استيطانك فيه، أم ربّما نجحتَ في الموازنة بين سعادة المهاجر وحزن نزوحه؟

* نعم، وقد تكون نزوحا من أليفٍ لا يُطاق إلى غريبٍ مُشتهى.

وعطفا على سؤالك السّابق يهاجر السجين مثلا في رأسه إلى خارج الزنزانة كي يتلمّس عوالم بعيدة، يشمّ روائح تبعده من “الأليف” حيث هو في الهنا إلى مشتهًى غائم في الهناك، يصنع نوعا من حياة مُحتملة ..

سؤالك هذا يُذكّرني بمقطع ورد في كتابي لست ممتعضا من دفق السرد:

ها هم يصلون إلى نصب الحريّة

مُتخشّبينَ يصلون يرسمونَ علاماتِ نصر

خرجنا من الأرضِ الحرام

وصلنا إلى شواطئ

وصلنا، لا المحيط استقبلنا ولا شاحنات تعليب

مُعلّبينَ وصلنا بعيدا عن بلدانٍ مُعلّبة ..

أتذكّر مرأى مهاجرين مكدّسين في زوارق متهالكة، لا أنسى جثّة الطفل الذي لفظه البحر إلى الساحل،

هي أحداث تحفر في الذاكرة، في لحم الوجود تحفر.

أتذكّر من تجربة هروبي في 1991، كنّا – مئات- في شاحنات بأحواض مفتوحة وشاهدنا، من بعيد، ونحن نعبر الحدود العراقية إلى السعودية، استقبال صبية لنا بالحجارة، مشهد لا يفارقني لحد الآن.

لا مقارنة تُذكر، سيكون نوعا من بطر أن أعدّد مزايا حياة جديدة، بالمقارنة مع تلك التي هربنا منها، لقد أُنقذت، في بالي الآن مثلا سنوات “الخدمة” العسكرية الإجبارية التي امتدت لسبع سنوات. آلاف من عراقيين أمضوا فيها أكثر منّي. ستّ سنوات من هذي “الخدمة ” كانت في مسلخ حرب ثمانين. تبعتها ثلاث سنوات في مخيّمي لجوء في صحراء السعودية. قد أعود إلى هذا الموضوع في هذا الحوار.

سأذكر شيئا عن تلك القفزة الخرافية، وصولي من مخيّم رفحاء إلى هولندا، أوّل وصولي هولندا مزّقت دفتر الخدمة العسكرية وهي الوثيقة العراقية الوحيدة التي كانت معي، نوع من مغامرة وغضب، مزّقته ورميته في المرحاض، بصراحة نادم قليلا، وهذا موضوع آخر، ذهبت من مدينة اللجوء الأولى، أبلدورن، بعد أيام قليلة إلى أمستردام، دون استئذان من أحد، وأمضيت نهارا كاملا هناك، زرت متحف فان خوخ، الذي كنت أقرأ عنه، وتهت في احدى أجمل عواصم الأرض ، مدينة مثل متحف مفتوح ، لغات وروائح وكائنات، لم أصدّق ، كيف تحمّلنا حياة الصحراء لسنوات، لا أملك اجابة.

تمكنت بمساعدة مؤسسة هولندية من اكمال دراستين على مستويين متوسط وعال في علم الاجتماع، ثم حصلت على عملي كمساعد اجتماعي منذ أكثر من عشرين عاما. ثم صار الغريب مألوفا كما في السؤال. يبدو أني لم أتغرّب بما يكفي كي أتصالح مع ماضي حياتي، لم أغادره جيّدا، أجل ما زلتُ أمشي هنا بعظام عراقية معطوبة.

تذكرت مقطعًا أيضا من لست ممتعضا من دفق السرد:

في العالمِ أقفُ،

يدايَ على كتفِ الرّيح،

العاصفةُ تفهمُ ما أقول،

في هذي اللحظةِ الفحيحُ هو أصدقائي الموتى،

أنا على يقين، يصرخونَ من ضيمِ الدنيا ، لم يموتوا جيّدا ..

هل تصالحتُ مع الماضي؟ هل منحته فرصة أن يعيش بسلام ولا يكدّر؟

أكيد يوجد من يستطيع التصالح مع ماضيه الشخصي ويمنحه فرصة أن يعيش معه دون كدر. لم أفلح بعد في هذي الموازنة..

– في قصائد ناجي رحيم حماسة الطّفل وذاكرته. تعودُ دائما إلى منابعك العراقيّة، إلى الأهل والأخوة والجيران والبيت والموتى والأحياء من معارف وأصدقاء والحارة. ماذا يعني في الشعر أن تكتب عن ذاكرة مضاعفة: واحدة تفتح القصيدة على ألم الوطن البعيد والأخرى على ألم المنفى الراهن؟ 

* هذه حقيقة، سؤالكِ هو ملاحظة.  أنا ذاكرة، لا أعرف مَن يعجنُ مَن، أنا مُداف بعجينها أظن. الذاكرة هي بيت الروح، وأعني الروح بمعنى شعري، إذ لا أؤمن بثنائية الروح والجسد، أعني الدواخل التي ترفس في تلافيف المخ، هذه العبارة، تلافيف المخ، ذكرتها يمكن مليار مرّة ولا أشبع من تكرارها، مثلها مثل مفردة الفقد، لأي شاعر قاموسه، مفرداته الحميمة التي ترسم عوالمه، لذلك أبتسم أحيانا حينما أقرأ مفردات يكتبها البعض، استعارة لا تمتّ إلى تجاربه بصلة، تأتي باردة، متخشّبة لا تحمل حياة، لا تنفع معها كل بهارات العالم، لا أبالغ، ومن يظن هذا له ما يريد.

كتبت عن الناصرية نصًا، كنت أمشي في رأسي، في خارطة واضحة، بدأته هكذا “الناصرية الدربونة”، الدربونة مفردة عراقية حميمة، تشبه مفردة زقاق بالفصحى، بيتنا القديم في محلّة الشرقية له باب فقير على الشارع ثم دربونة طويلة، كنت أقرأ فيها، ذكرت أماكن وأسماء لا تغيب.

لا أنطلق من “ذاكرة مُضاعفة”  بل أتمشى في رأسي كما ذكرت، لذلك الذاكرة هي بيت الروح، لا قصدية فيها بل هي عوالم تحتدم، تتكوّر ثم تظهر. أنا أكتب حالات بوح، لا أجاملني هنا أو أذمّني، حالات بوح، تخصّني ، لذلك لا تغيب روحي عن منابعها، لا تخطيط، لا برمجة ولا مقارنة بين هنا وهناك، لا تعريف، رأسي يحمل ملامح أمكنة تمشيه هي أو يمشي هو فيها، تبزغ بي أمكنة وتبدأ أسئلة ، يبدأ سؤال “ليش” العراقي وهو أصعب سؤال، ليش، مثلا ليش هنا بشر لها كلّ الأسباب كي تعيش وتسترخي وهناك بشر ذريعة واحدة يمكن أن تغيّبهم؟ بيت من وجع تكون الذاكرة أحيانا أو شوارع من نهب، الخ.

وهو يردّ على وضع الشّعر بعد وقوع الكارثة صاغ ثيودور أدورنو عبارته الصّاخبة بعد أوشفيتز، لا يمكننا أن نصوغ الشعر إلّا وفق أوشفيتز“. وأنت الشاعر العراقي المهاجر منذ عقود من العراق، كيف تصوغ الشّعر والعراق أكبر أوشفيتز منذ سنوات طويلة؟

* هي كارثة فعلا، لا يمكن التقليل أبدا من وصفها مع تقادم الزمن. أتذكر أني شاهدت في صورة بوابة “مسلخ أوشيفتز”، سكك حديد، قطارات تنقل بشر إلى مسلخ، لا أضيف،  أفهم صرخة الضمير هذه ، صرخة أدورنو- وغيره من أقطاب فرانكفورت-  كإدانة، إدانة عصر بكل ما يحمل من “حضارة اسمنتية”، لم يمنع وقوع جرائم بأدلجة وحوش، هكذا أفهمها، ليس المعنى وضع الشعر تحديدا،  كما أرى، هي صرخة إدانة لعصر يقوده مجرمون، للأسئلة أن تتكرّس وتشير، هل يمكن لشعر أن يُغيّر من مسار بشاعات يرتكبها جلادون؟

يمكن أن يحفر فيها كي لا تنسى الناس، أن يصرخ في نهار الجريمة وليلها، الشعر والفكر، أية كتابة صادقة،  شجاعة طرح أسئلة،  بأمل تغيير قد يأتي بالتراكم، عدم الصمت على أية وحشية ، أينما كانت. في بالي الآن مثلا مفكر حقيقيّ، إنسان حقيقيّ مثل نعوم تشومسكي، رغم ابتعادي عن السؤال، تشومسكي وهو يُشير إلى حروب ومآس حدثت وتحدث، يمنح دروس في عدم الصمت، يدين ويكتب ويحاضر،  يمكن أن أورد أمثلة عديدة، أسئلة وشجاعة طرحها إذن في الشعر وغيره من وسائل، دون أن تكون شعارات منخورة ومُعادة.

كلّنا يعرف أن الشعر معاناة. لا تكون شاعرًا دون ألم. أنا لا أميل إلى ” الضحك اللزج” كما وصفته مرّات، ولا أحبّذ “قصائد” مرح مبنية على مفارقات سطحية، فاقعة، قد يأتي ضحكي حينها متأّلمًا. لا يدفعك إلى الكتابة سوى ألم أو حلم. “الفنّ العظيم هو عصارة ألم عظيم”، قالها برنارد  شو أعتقد، أنا أتفق تماما معها وهذا يكفي أن أوشيفتز تدفع للكتابة لا الانكسار عند بوابتها الجحيمية وقلبها المسلخ.

العراق دمّر بذريعة تحريره. لا أقارن مع أوشفيتز وأفهم توصيفك، هناك عشرات بل مئات من أوشفيتز في العالم. الألم الإنساني يتشابه، نعم، العراق الآن لا دولة، هذه حقيقة وأكذوبة الديمقراطية في العراق قد يصدقها تافه مثل جورج بوش الأبن أو قد يضحك منها وعليها المنفوخ ترامب بصراحته اللا مكترثة، صراحة الصفقات ، دكاكين من سياسة، ديمقراطية التزييف والتهديد، أصلا دكاكين بلا سياسة،  مؤسسات للفساد المنظّم، سطوة دول اقليمية ترتع في العراق، قواعد عسكرية أميركية رغما على أو بتوافق مع من يحكم، أحزاب وعصابات تابعة وتحشيد طائفي،  ثم يأتي مَن يتحدّث عن سيادة وطنية، الألم العراقي أكبر بكثير من أن يتناول في إجابة على سؤال.

ماذا تكتب وأنت تعيش كارثة، هنا هي استهجان رهيب يتضمّن صرخة ضمير، أكرّر، إذ ما الذي تقول، وكيف تقوله، كيف تحدّد، هكذا أفهم “روح الكتابة”  أيضا.

العراق نُهب، لا بنى تحتية، حتى الذي كان في زمن البعث تمّ تدميره، لا جديد فيما أذكر.

ادارة أميركا هي التي بنت سجن العراق البعثي- ودول غربية واقليمية معروفة- ، صنعت ودعمت جلاديه ، ثم هي التي دمرته بذريعة تحريره، في 2003 تمّ تدمير مؤسسات الدولة، وتمّ بناء نظام طائفي مختص في فنون التدمير والتجهيل والترهيب والنهب المنظّم ، أمراء طوائف صعدوا سريعا،  بدلا عن أنا عراقي، صار يقال أنا طائفتي، ومن محطّة إلى أخرى، صار العراق ساحة صراع  ونفوذ وتصفية حسابات دولية واقليمية، موضوع طويل ، طويل ومؤلم،  كلنا نعرفه.

لا أميل إلى شعارات سياسية فضفاضة، لا شعار يمكن أن يخفّف من عذاب انسان تطحنه ألاعيب سياسية، والأدلجة تجد ذرائعها دائما، بوش مثلا ، استمع إلى صوت ربّه وشنّ حروبه، الذرائع موجودة، يسهل ورودها، هكذا عبر التاريخ.

– قبل أن تستقرّ في هولندة، كانت لكَ تجربة مع المخيّم في السّعوديّة. إلى أيّ حدَ تركَت هذه التجربة أثرًا في شعرك، أثرًا ما جعلكَ ربّما أكثر غضبًا أو أكثر انتفاءً؟

* نعم.  ثلاثة أعوام.

عشتُ وآلاف، آلاف لا أعرف عددها، أوّلا في مخيّم الإرطاوية ، في عمق الصحراء ، في أشهر أولى لا كهرباء، بعضنا غامر في الحفر تحت سور “الشبك” وربط أسلاك للحصول على كهرباء من أعمدة  تحيطنا كما الدوريات السعودية ، كانت ” الأشباك” مغلقة ، مئات في كل شبك في مربعات من أشباك،  ثم فتحت الأسوار وجاءت كهرباء ومكتب أمم متحدة لا يصله من لا يملك واسطة، ثم نُقلنا إلى مخيّم رفحاء بعد سنة أظن أو أكثر قليلا ، وهو المخيّم الذي ضمّ كل اللاجئين العراقيين.

كانت تجربة مريرة تركت آثار، نصوص في مجموعتي الأولى خاصة  تحمل أصداء واضحة من هذه التجربة، ولم أنس بعد، لم أنس. مرّت أحداث دامية في كلا المخيّمين، يعرفها كلّ من عاش هناك ، ليس هنا مكانها، تعرضت وعشرات أو مئات – لا أعرف العدد- إلى تجربة سجن سعودي في رفحاء ذكّرني بسجن عسكري عراقي، أساليب متشابهة، يدخلون ليلا فجأة فنحشر في زوايا ..الخ

أطلق سراحي بعد أسابيع قليلة، لا أعرف ما الذي حدث مع مَن تبقّى. تجربة مريرة لا تنسى. في ذات العام، 1993، حصلت على فرصة مقابلة الوفد الهولندي – عن طريق الأمم المتحدة طبعا-  وبدأت أولى خطوات الهجرة الثانية.

سواء في الإرطاوية أم في رفحاء ورغم كلّ شيء، كنا نقرأ ونرسم ونكتب ونتحاور ونعاند، والعناد لولا العناد ما بقينا. أودّ هنا أن أشير أن خدمة البريد كانت جيدة ، كنا نبعث رسائل إلى عواصم ونحصل على ردود ، هكذا وصلتنا كتب كثيرة، ما زلت أحتفظ بثلاثة كتب أرسلها لي الشاعر البحريني قاسم حداد إجابة على رسالة مني، تقديري له وشكري من جديد . كثر هم الذين بعثوا لنا بكتب، شكرا لهم .

عدتُ لنصوص كتبتها في الإرطاوية ورفحاء، أبقيتها كما هي، بما فيها من غضب ورمل، أغلبها نشر في مجموعتي الأولى. نصّ واحد بدأته في رفحاء وأكملته في هولندا ، ما يعني أن سطوة تجربة المخيّم لم تنقطع وأنا في هولندا، النصّ يبدأ هكذا:

للوقتِ الّذي يمرّ

متأبّطًا رائحةَ الموت،

حكاياتُ رجلٍ تنحسرُ أثوابُ عمره

كلّما ازدادَ إيغالاً في البحر

نشرته في كتابي الثاني، سجائر لا يعرفها العزيز بودلير.

-حديثك عن الألم نافذة لعالَمين في الذاكرة: ألم العراق، ألمُ الجماعة، وألمٌ خاصّ، هو التفاصيل الصغيرة في ذاكرتك الخاصّة. ألَيسَ الألمُ مكانًا.. مرتعًا يتمدّد فيه الوَهم، وَهم الوجود، وهم الزمن، وهمُ الذاكرة؟ أقرأ قصيدة لك: “لا وجعَ  يرسمُني الآن،  أوجاعُ  العالمِ كلّها  تتبخّرُ من مساماتي، لن أتصالحَ معك أيّتُها الحياة”. هل الألم وَهمُ الشاعر؟ 

* أشكرك، هذا سؤال بحسّ فلسفي.

بدءاً، المقطع الذي تذكرين هو من قصيدة  بعنوان وجع، كتبتها في الناصرية، في زيارتي الأخيرة 2016، بعد معرفتي بموت إحدى شقيقاتي، تصغرني بعدّة سنوات وهي الوحيدة من أخواتي متزوجة في الناصرية، قلت ستأتي حالما تسمع، المهم قرب موعد رجوعي إلى هولندا، وقد بدأت هواجسي تتصاعد، طلبت من أحد أخوتي أن يدلّني على بيتها، إذا بالوجوه تصفرّ واعترفوا، حياة ماتت منذ أكثر من سنتين.

تحضرني جملة تنسب إلى غوركي “جئتُ إلى هذا العالم لكي أختلف معه”. كما ويحضرني هذا المقطع من احدى نصوص كتابي الجديد :

صديقي أيها العالم أيّها المكان الأكيد

فيضٌ في رأسي

أستأنسُ بهذا الذي صرتُ إليه

أقاربُ حزماً من تَضَاد أُقاربُ وأُباعد

صباحٌ يلمعُ في الحديقة، ما الذي يجري إذن

لمَ أرتجُّ مثل بقايا نخلة ..

هل من فصلٍ بين العالم والألم؟  أقول لأنّ العالم مكان أكيد، أتفق إذن أن الألم مكان.

ذكرت في هذا الحوار، أنا ذاكرة. “لستُ مريضا أنا في العالم فقط” كتبت في أحد النصوص، مُصاب بالعالم، والذاكرة ترتبط بزمن مرّ، لكنها بمعنًى ما مكان أيضا، لا أعرف كيف تعمل الذاكرة، جزء من تلافيف المخّ، أشمّ روائح أحيانا تفصلني عنها عقود، هل هذا وهم؟ كيف يأتي ما مرّ هكذا فجأة دون استئذان وأنت في العمل أو وأنت نائم؟

نحن في الوجود الذي نكابد، أسراب من وجوه، حُزَم من تَضَاد، نزرع أحلاما كلّ يوم، نزرع أوهاما كي نعيش. أن تعيش في عالم نظيف، هل هذا وهم أم حلم؟ لا أقطع بأي شيء، ولا أؤمن أبدا بأيّ اطلاق، سوى الموت، هجرت الآلهة منذ عصور، لا أجوبة نهائية على أيّ شيء، هذه هي قناعتي.

أشير هنا إلى دراسة الناقد العراقي المعروف ياسين النصيّر، قرأ مخطوطة “كائنات ممنوعة من الصرف” وكانت اجابته الهائلة دراسة موسّعة نشرها قبل فترة في جريدة المدى الغرّاء، واستخدم عنوانا لدراسته أحد أسئلتي، محبة، “ هل حقا هذا هو العالم” كان من قصيدة فيض، واتفقت معه على نشر جزء منها كتقديم للكتاب، وافق مشكورا، أختار منها هذا المقطع لأني أرى فيه تساوقا مع مواضيع سؤالك:

“ناجي رحيم لا يسأل سؤالًا خاصًا به، بل أسئلته موضوعة أمام مرآته الاجتماعية، أنه يتمعّن الرؤية في المرآة يوميًا ليجد الصور المترشّحة من حياته ليست ذاتية بل اجتماعية، وإن بدا صوت الأنا مرتفعًا، فهو منغمر في قضايا العراق والمدن وإشكاليات الذات، هذه العوالم الصغيرة التي تحتويها مرآته الذاتية كدفتر تلميذ المدرسة، يقلب فيه أوراقه اليومية ليجد صورته في كل مفردة كتبها، وهكذا نجد الإختلاط قائمًا بين الذات وموضوعها.  محور صور المرآة لماذا وجدنا في هذا العالم دون كفاءة مسبقة لمعرفته؟، القصائد تتنصل عن مهمتها الشعرية أحيانًا وتذهب إلى مهمتها الأخلاقية، فتطرح أسئلة عن الوجود، والجدوى، والمعنى، والرغبة، والإحباط، والفشل، وكأنها أسئلة كانت في طيّات نسيج الحياة اليومية الذي يبدو في هذه القصائد أنه المعين الكوني الذي يشحن مفرداته الذاتية بمديات كونية”.

أتألّم من وعلى العراق لأني عراقي، لن أعيد ما سبق وذكرت، نعم أنا عراقي وعربي أنتمي إلى هذا العصر، تؤلمني أحداث العالم، بما فيها من ظلم وهيمنة الخ، من ميزات العراقي وقوفه ضدّ الظلم، وقوفه مع المظلوم أينما كان ..

تؤلمني خسّة متنطّعين يمشون ضاحكين وتحت قمصانهم سلال من أوساخ، نعم أتألم، تؤلمني وضاعة كتّاب يمدحون “ملوكا” هم أنفسهم مملوكين، تؤلمني صور تافهين يهرولون إلى سادتهم كما حدث ويحدث في محميّات الخليج والجزيرة العربية الخ الخ.

“ حدّق بمرآة العصر أيّها البليد، ها هي الأرض تحت قدميك، تلاعبْ بها ما شئت، وزّعْ بياناتِ الموت واذهبْ لتلعبَ الغولف”، أتذكّر من نصّ قديم، أهديته إلى بوش الأبن حينها، والآن أهديه إلى ترامب.

لا أملك وصفا لضيم العراق. تمرّ في مثل هذي الأيام، تشرين الذكرى الأولى على انتفاضة الشباب العراقي ضدّ النظام الطائفي في مراكز ثقله في الجنوب والوسط، أقول تمرّ وهي لم تنته بعد، انفجرت في 2019  بعد رجّات سبقتها في أعوام سابقة ، اغتيال وخطف وترهيب الخ لم يمنع تصاعد وتفجّر انتفاضة حقيقية، سالت دماء آلاف من شباب بين شهيد وجريح ومعوّق ..، آلاف من شباب في ساحات وشوارع مدن الجنوب والفرات الأوسط وفي بغداد ، أرقام مخيفة، أخشى من ذكر أرقام، الإنسان ليس رقما، والموت قتلا، غيلةً أشدّ وقعا في الروح وأكثر ألما، العراق بحاجة إلى معجزة، “معجزة لا نبيّ لها” قد يصنعها شبابه – بطريقة سلمية كما فعلوا لحدّ الآن- كي يليق هو بهم ..، أخشى من دسائس تجري الآن، كما حدث في أعوام سابقة، تنفذها ميلشيات طائفية  مختصة، تعمل على تشويه هذا الوهج الثوري، شباب العراق على وعي بها، بل هو الوعي بالكارثة العراقية، منذ الإحتلال صعودا، من فجّر الإنتفاضة بهذا الزخم الذي ينتشر في حواضن شعبية الخ . قلبي مع بلدي، قلبي مع العوائل، قلبي مع الشباب …

هل الألم وهم الشاعر؟

تحضرني مقولة سبينوزا المعروفة “ أيّ تحديد هو نفي” لأن أي تحديد هو نتيجة تعريف، كما أفهمها،  نتيجة تأطير قد يصلح في لحظة ما يلامس فيها قشور ظاهرة، والظواهر تتراكم، تتكوّر بفعل الحياة، لا تعريف نهائي، لأن الوجود، في حركة وصعود، الحياة كلّها، بمعنى ما، هي ظاهرة كونية ما زلنا لحد الآن نجهل سيرورتها، ما الذي أدّى إلى وجود الحياة؟ لا أعرف، كذلك إذا عثرنا على أجوبة، بل إذا توقفت الأسئلة تتوقّف الحياة، كما أرى، سأدخل هذي الفكرة أو الحيرة لفعل تضمين قادم ..

مرّة أخرى بعيدا عن أيّ تعريف، سبق لي ذكر أن ” الشعر معاناة” وهي درجة أعلى من ألم، ليس كل ما يؤلم يصبح معاناة، قد نتألم من أشياء ولكن لا نعاني منها، معنى سؤالك هو الألم الداخلي، هذا الذي يحرّك حالم، مختلف،  أطر أجوبة جاهزة، فنّان، فيلسوف، شاعر الخ، ليس وهما بل مكابدة، نحن في الوجود الذي نكابد، كتبت، قد يصح أن أصف الألم هنا باعتباره عربة شاعر، عربة تأتي من وتجول في العالم، عربة دواخل لا تهجع، نوع من تواصل وتفاعل، يحضرني فيرلين من قصيدة معروفة: “تتساقط الدموع في قلبي كالمطر على سطوح المدينة” إلى “ مع ذلك دون أيّ حبّ أو كره أجد هذا الألم في قلبي”، أو الشاعر العراقي يوسف الصائغ “ أنا شيخٌ لا أنظرُ من ثقب الباب إلى وطني، لكن أنظرُ من قلبٍ مثقوب”، الأمثلة عديدة، أتساءل، ما الذي أدّى إلى مثل هذي الكتابة؟

ذكرت ذات مرّة أن الشاعر كائن مُعذّب أصلا، تأخذه أسباب ولا يستريح عند نتائج، نعم، الألم مثل رجرجة في المخ تتفاعل مع أحداث العالم، لا نكون دون ألم، لا نكون. هل يوجد هنا اطلاق؟ فليكن ..

ثمة وشائج عميقة بين الشعر والفلسفة، قبل فترة كتبت بما معناه أن أي فيلسوف حقيقي هو شاعر رؤية أيضا، لكن ليس أي شاعر هو فيلسوف. أتذكر الآن هايدجر في ايراده أمثلة من هولدرلين، وهو أمر معروف، وجورج تراكل، يحضرني مقطع من تراكل، قرأته مترجما، أورده هايدجر:

“أيّها المسافر ادخل بدِعَةٍ

الألمُ حجّرَ العَتَبة”

تكثيف رهيب، الألم حجّر العَتبة، لذلك ادخل أيها المسافر، ادخل بسلام.

نعم أنا أتقافز من فكرة إلى أخرى، من حيرة إلى أخرى، مشوّش، هذه حقيقة، أترك التسلسل المنطقي لمن يجيده.

-من يتأمل أشعارك، يلاحظ أنّها مكتوبة بمزاجيّة وهندسة غير دقيقة تمامًا، ومع ذلك فيها دهشة تُخرس أي عين ناقدة.  هندسة منحرفة مقصودة للكلمات، وكأنّك تبحث عن الثّغرات في عمق الاكتمال، أو المشوّه في باطن الجميل، أو المهمل في قاعدة ما يلمع. هل الشّعر في رأيك حاضنة الشّواش والاضطراب ليعبّر عن الكَون وعن الذّات؟

* أشكرك على هذا السؤال. سؤال يشبه ملاحظة أيضا، نعم كتابتي مزاجية قطعا، ذلك لأنها تأتي في حالة بوح، لا تأطير أولي، حالة يرسمها مزاج، لا بوح دون مزاجية أظن، لكن اسمحي لي أن أختلف بخصوص مفردة الهندسة، لا أرى هذا، ذكرت قبل فترة، في معرض إجابة على سؤال للشاعر جوان تتر، الشعر في رأيي، ليست معادلات طلسمية تهندس أضلاع العالم، ليس لغة باردة، هكذا أفهمه، لذلك، ربما، أكتب وأنا ثمل، السكر عندي يشبه أي شيء سوى متعة، أمارس وجودي في السكر، هذا اعتراف عاشر، وصفك يحمل فهمًا تضمينيًا، تذوّق معرفي،  وأنا مع فعل التضمين كما ذكرت مسبقا، القصدية غائبة، لكنه سؤال معرفي حقيقة، هل يمكن تصديق أن لا قصدية تحرّك حالة مزاج؟  هل أناقض نفسي إذا أجبت بلا؟ أظن لابدّ من مسار ما، قد أصفه  كمسار داخلي أو رجّة داخلية، لا أعرف كيفية وصفه، ما الذي يدفعني إلى حكّ روحي وأنا أكتب بوحا؟ هو ما تذكرين ربّما، هي ثغرات في روحي هي التي تصفني، أو ثغرات في جلد الساعة تحرّكني، من هنا يمكن لي فهم لم لا أستطيع النوم إذا سكرت، مشوّش نعم، لكني أعيش حالة تمتد طيلة يوم أو يومين، لا نوم، أكتب وأكتب، وأجمل، إن جاز لي مديح نفسي، أجمل ما أكتب هو في مثل هذي الحالة، أرى أني أعيد أوصافك، ثغرات في حالة، المهمل في قاعدة ما يلمع، هذه أوصاف تضمينية جميلة، أحيانا أعربد على الشاشة، أركض في مسالكها، مرّة جاملتني صديقة، قالت لي الآن بدأت أركض خلف كتابتك وكأني أرنب، تعني كثرة ما أكتب، لا ألحق بصور تمطرني، بأفكار مشوّشة كما في السؤال ، أحيانا أبكي، أو أضحك مثل مخبول، ليس جلدا للذات. الذات معجونة بلحم الكون، الكون، الكون فسحة يا أبي، كتبتُ في نص منشور.

-آخذكَ الآن إلى علاقتك مع القارئ، وهي ليست علاقة صداقة ومؤانسة بحتة. هي علاقة صراخ ومشاكسة، صداقة وعداء، راحة يشوبها القلق. لا تحبّ أن تريح القارئ. تقدّم القصائد مثل شاكوش، مفردات مرصوفة بكثافة، شعر موزّع في سطور سرديّة. من أين يأتي هذا النّشاز الهارمونيّ في علاقتك مع المتلقّي عمومًا؟

أرى سياقا متواصلا. نعم هي راحة يشوبها قلق، ذلك لأني أصدّر قلقًا إلى الجهات، ربما العراق نفسه يُصدّر أوجاعًا إلى الجهات، في معصرة رأسي أكيد على أية حال.  أنا عراقي فقط، أمارس كينونتي بكلّ ما فيها من شوائب أو حسنات، أتعرّى ولا أخجل، في فعلِ “يتعرّى” حياة، أحاول أن أشارك أرواحًا رائعة في حفلة من نبش. هو نشازٌ هذا الذي أكتب، قد يكون نشازًا في سوق.

أزعم أن أية كتابة صادقة تصل الناس دون موانع وأزعم أيضا أني لا أكتب سوى روحي وتجربتي، أقولها بتواضع أو دون، ذكرت هذا أيضا في كتابي الثالث لست ممتعضا من دفق السرد. 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This