وخُذ جنّتَك معك!

لم يعد لائقًا أن تُغافلني لتستردّ ما أعطيتَ

تاجَ الوقتِ

وشهقةَ الأراجيح

والحقولَ المفتوحةَ للخيلِ

ولي،

أطارد الفراش فيها حتى يتوارى خلفَ بوّابة الليلِ

على أيّ حال، منذ سمّتني أمي، ولعبتي معك خاسرة

كلّ ما وهبتَه لي على بُخل

تستعيده كآخر المُرابين

الواقفينَ في مفاصل الوقتِ

سأصرفك عن باب قصيدتي، وأرمي مُرسليكَ من أعلى بيت فيها، وأسدّ بجسدي طريقَ العودةِ

تؤنسني فكرةٌ ربّاها أبِي في ساحةِ عُمري الداخليّة،

لا تصدّق سوى حدْسِك ـ قالَ ومَضى

ومضى الأطفالُ إلى المفارقِ

يبيعونَ الولّاعاتِ

وملاقطَ الغسيل

للجنودِ

ومَضَى المُعدمون من لغاتهم إلى البراري

والصيّادون الذين مزّقتْ ريحُك شباكَهم

واللقّاطُونَ الّذين ضلّلتهم وتواريتَ

انتظروك،

وانتظروك

ثم مشوا في القوافل إلى موتِهم،

أكثر من امرأة ضيّعت عمرها وهي تُضيءُ الشّموع على بابِكَ، تصلّي لمولودِها،

فلم تفتحْ

أكثر من مُعوز ابتلع جوعه حتى اختنق

على مرأى منك

أكثر من قبيلةٍ وفت بنذورِها في المعابدِ

وأكثرُ مِن قريةٍ علّقت ستائرَ الحظّ في المزارتِ

وعلى أطرافِ الأشجار

وأكثر من مدينة شرّعتْ قلبَها لدعواك

ولم ينزلِ المطرُ

ولا الرحمةُ

ولا الرأفةُ،

ولا كلمةٌ طيّبةٌ

كيف تفسّر الحقيقةَ، يرفعها إليك الناسُ

في كلّ ركعةٍ

“الفقير بيننا أفقرُ جيليْن والغنيّ أغنى جيليْن

والمسافة بين الذين يزرعون أعمارهم وبين الذين يأكلونها أبعد حربيْن أو ثلاثًا”،

كيف تفسّر؟

كيف تفسّر

أنك عاجزٌ عن اللحاقِ بالسكّينِ إلى عنقِ امرأة في الحبّ،

وأن الرصاصة أسرع منك إلى قلب فتى يجتازُ الحاجزَ في شوقٍ لجدولِ الحسابِ؟

وأن الخطيئةَ أسرع إلى شيخٍ يتدفّأ على نساء لفّهن بعباءتِه،

كيف؟

***

كتبتَ لنَا كلَّ شيءٍ علَى أفضل مَا يَكونُ

وفعلتَ كُلَّ شيء على أسوأ ما يكون

فأنقذتنا جدّتِي حينَ جعلت منْ حوشِ بيتِنا غابةً

وتركتْ الناسَ حطّابةً

أحدٌ ما ينبغي أن يُطعمَهم ـ قالتْ

فكّت المحرَمةَ المعقودةَ في جديلتِها ودسّتْ في يدِ كلٍّ منهم قطعةً

وأهدت أجملَ خيولِها للرّاحِلين

وقالت “لا تصدّقوا سوى حدْسِكم”

فصدّقوها

ومضوا في القافلةِ التي انتشلتْ يوسفَ من الجُبِّ،

***   ***

الذئبة هي التي ألقمتْ ثديَها لروميلوس،

والغزالةُ هيَ الّتي أرضعتْ ابنَ الحِكايةِ

والحوتُ هو الذي تظاهر أنه ابتلعَ يونس

ليس أنت!

أنتَ،

لم تُخبر أحدًا كيفَ يكونُ الموتُ بالغازِ،

لم تقوَ على قطع ِ سلكٍ كهربائيٍّ واحدٍ قبلَ أن يكوي التيارُ أجسادَهم،

لم تعطّل طائرةً واحدة تقصفُ بالبراميلِ أعمارَهم،

لم تُصب أحدًا من الطُغاة بنوبة قلبيّةٍ،

بشللٍ نصفيّ،

ولمْ تُصِبْ أيًّا منَ التافهينَ

بعسرٍ في النُطق،

لم تُصِبْ الأبالسةَ بسوءٍ

فتناسلُوا

وتعاونُوا

وتناوبُوا عَلَيْنا

كلُّ الذين طلبُوك لم تردّْ على رنّاتهم،

لم تنظرْ في هاتفكَ ولا في عيوِنِ الملائكة الذين يُمسكون لكَ المكالماتِ الوافدةَ ريثما ترقّ،

فلم!

ابتليتَ الأنقياءَ وارتحتَ،

الحلّاجُ، هذا الإلهُ النقيّ

النبيّ

كيفَ بترتَ أطرافَه؟

وأيّوب هذا الذي تأكلُ القطّة عشاءَه ـ هل كان ضروريًّا أن تلمّه وزجته بالقُصعِ؟

ألفُ امرأة رُجمن،

وألفٌ وُئدنَ على مرأى منك،

سأصرُخُ دمَهنّ في وجْهِك

أخرجْ

اُخرجْ الآنَ مِن حياتِنا

ولغاتِنا

وبيوتِنا

وخُذ جنّتكَ معكَ

فالطريقُ إليها مائلةٌ مكتظّة بمركبات صدئة

وأحاديث الذين خُدعوا،

وخُذ كلّ ما حرمتنا منه،

خُذْه،

فطعمُه مالح

لن نُصدّق بعدَ الآن أحدًا

سوى أصواتِنا نحن

******

(تشرين الأول 2020)

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This