أنا عراقيّ فقط، ونشازٌ هذا الّذي أكتب (ج2)

حوار مع الشاعر العراقي ناجي رحيم

– أنت تبني عالمًا يترنّح بين الحقيقيّ وما يشبه الحقيقيّ، وتدرّب لغتها على تحمّل الفقدان والفاجعة. أولا من هو قارؤك، وماذا تنتظر منه؟

 * أتفق تماما، لا أضيف، هكذا سأنتهي سريعا من محاولة الإجابة. لكنني سأضيف، أنت تصفين وقع ما أكتب كما ألامس أنا صدى ما بعد الكتابة، صدى ما بعد الكتابة. ثمة نصوص تُقرأ في أوانها وينتهي الأمر، وهناك نصوص تترك صداها، تلتفّ في مخيّلة قارئ، فيضمّنها، يبحر فيه معها، يعود إليها في قراءة ثانية وثالثة، ذلك لأنها لامست عالمه هو، وجد فيها شيئا مما يبحث عنه، لا أميل إلى القطع بين حقيقي وشبه حقيقي، لا تعريف نهائي لأيّ شيء برأيي، أقول عوضا عن هذا، صدق أم ادّعاء، حفر أو خربشة، بهذا المعنى تقريبا، أكتب ما يعنّ، وغالبا هي حالات بوح، لم تهبط من سماء لا أعرفها، مرّ عليها وقت ما وهي تختضّ في تلافيف المخّ ثم تنبجس في لحظة اصغاء لصوت الروح، هي تحصيل حاصل مجسّات يومية، حتى دون كتابة نكتب، أن تُصغي، تتابع، تتأمّل،  تتحسّر، تقرأ، كل هذا كتابة بمعنى ما، لا أميل إلى تنظير فاقع بعضلات لغوية استعراضية، لا أميل إليه بطبعي، وليس هذا تنظيرا، لا انفصال بين هزّات العالم وخضّات روحي، وشائج و تواصل مشحون، لا بناء قصدي، لا أجلس وأقول ها أنا سأكتب بهذا الشكل أو ذاك، لم يحصل.  اكتب فقط ما يعنّ، لا يهمّني حينها كيف تأتي كتابتي، أية صيغة تتخذ، أتركها تفيض كما هي،  ماذا أنتظر من قارئ؟ حقيقة لا أنتظر شيئا، لأن لا قصدية تحكم هذي العلاقة، أنا أكتب ما يعنّ فقط، كما ذكرت، هذه ليست محاولة للتواضع، وأعتقد أن لا كاتب في العالم لا يهمّه جمهور، غير ممكن..

– أنت مُقلّ في النّشر، مُكثر في الكتابة. لماذا؟ وما الفرق بين الكتابة والنّشر، أهو القلق والتوتر بين لحظة الولادة والخروج إلى طمث العالم، ولحظة ما قبل الولادة واللعب ببراءة في سهول الكتابة؟

* لا أعرف إن كنت مكثرا في الكتابة، نعم أنا مقلّ في النشر، شعراء من جيلي الثمانيني، نشروا كتبًا عديدة، أنتمي لهذا الجيل عمرا، إذ لم أكن فاعلا أثناء الثمانينيات، مكتفيا بلقاءات مع شعراء أصدقاء في مدينتي الناصرية، نقرأ لبعضنا البعض في حانات وغرف أثناء الإجازة الدورية من مسلخ الحرب.

ثلاثة كتب بالعربية فقط  وكتاب بالهولندية بعد نيلي جائزة شعرية متواضعة، أغلبه مترجم عن مجموعتي الأولى، حيث الطفولة نائمة، ونصوص معدودة كتبتها بالهولندية مباشرة- هي تجربة يتيمة لن أعيدها-، المهم هذه هي حصيلتي وقد قاربت الستين..، لا أميل عادة إلى أيّ تعريف، سبق لي ذكر هذا، لكن كي أحاول الإجابة أقول، الكتابة عندي هي مشاركة في الوجود، تفاعل مع أحداث العالم وأحداث الروح، مرّة أخرى، الروح بمعنى شعري، متعة الكشف عن خضّات المخّ، نشر مجسّات كي تلامس تضاريس العالم، محاولة توازن، توازني في العالم، في خضمّ فوضى عارمة تقود وتتحكّم. الكتابة عندي هي محاولة نبش وحفر، محاولة زرع أظافر في عيون أكاذيب، محاولة وصول إلى وتواصل مع أرواح نقية، نعم وفي حالات عديدة هي تنفيس عن غضب ضدّ آلات مسمومة، محاولة ردم مستنقع كي أتنفّس عميقا وألتقي بي، في كل هذا القلق حاضر قطعا، بل يرفس في المخ، سبق أن نوهت، جميل هو وصفك ولا أضيف له شيئا. النشر نعم كي أقول أني ما زلت هنا أمارس هذي اللعبة، لعبة وجودي في الوجود، لعبة هذي الحياة، هذه هي الفرصة الوحيدة المتاحة للتعبير، “أن تحيا فعلا” أقول لنفسي، لا أن تعيش كأيّ ضفدع. نعم، مرّت أربع سنوات على آخر اصدار، معي الآن ما يقارب من 300 صفحة جمعتها ولم أنته بعد، وأشير هنا إلى صديق رائع هو مسلم يوسف،  جمع نصوص عديدة وبعثها لي، كما وفعلت صديقة رائعة ذلك أيضا، لا ترغب بذكر اسمها، أكرّر شكري الجزيل لهما.

لا أعرف إن كنت مكثرا في الكتابة، تمر حالات أكتب فيها بشكل متدفّق، وأنشر في ذات الوقت، أذكر هنا الشاعر الحميم أسعد الجبوري، كثيرا بعثت له بنصوص وينشرها في موقع الإمبراطور، أحيانا يمنحها عناوين، ذكرت هذا أيضا في كتابي الجديد، كذلك حدث مع الروائي الصديق صموئيل شمعون وموقع كيكا، تقديري ومحبتي لهما. منها نصوص في كتابي الأخير، أحيانا أتلف ما أكتب، لا أقتنع به، ثم أندم لأني أتلفته، أجل هو القلق والتوتّر.

-أعلن أنسي الحاج يومًا: “لقد أصبحت الكلمات تنقلُ إلينا بلاغاتها.. لكنها لا تقيمُ بينها وبيننا تواصل الحب. القربان انفصلَ عن رمزه. هل ماتت الكلمة؟ وهل مات الشعر؟ وهل نحن في عصر الأميّة الجديدة المقنّعة بحجج السرعة والتكنولوجيا؟”

ماذا يفعل الشّعر في زماننا؟ أو باختصار: لماذا نكتب الشّعر، وهل استنسخَتنا التكنولوجيا شعرًا، أي أصبحنا نتشابه إلى حدّ التوأمة وضيق الرؤية التي شدّت معها ضيق العبارة؟

* اختيار بديع. سطور أنسي هذه من مقدّمة كتاب خواتم، من مقدمة لم تُعرف جيدا كما عرفت مقدمة لن، من مقدمة جاءت بعد ثلاثة عقود على مانفيستو لن الشعري، ولها هي أن تتحدّث عن نفسها، محتفظة بوهج روحها كما صدرت في 1991. نقرأها الآن وكأنها كتبت أمس أو ستكتب غدا أيضا.

ليس جزافا أن نتوقف عند سطر، مقطع، كتاب، الخ، لا بدّ من تفاعل قد حدث، تواصل وتفاعل وإلا لا توقّف. هذا هو ما أسمّيه الحسّ، التجربة وصدق التعبير عنها، أنسي الحاج هو أحد القدّيسين برأيي، هو وأسماء قليلة في الشعر العربي. ما أقرأ هنا يُذكّرني أيضا بصرخة الضمير تلك التي أطلقها أدورنو، وردت في هذا الحوار، أدورنو وغيره من أقطاب مدرسة فرانكفورت، في نقدهم لهمجيّة الرأسمالية المتوحّشة وهي تسحق في صعودها روح الإنسان، وصفوها بما معناه، صعود عل شكل انحدار، ركض إلى الوراء، أرى هذا هنا أيضا في كلمات أنسي الحاج، وهو يشير إلى ثقافة تدليس، ثقافة إعلانات في مهرجان من انقضاض، تختنق فيه الكلمة وتدور على نفسها بحثا عن نافذة، نافذة تبعدها عن عوق الفحيح، أسئلة مخيفة هذه، لأنها حقيقية، نلمس آثارها كلّ يوم، التشويه المقصود، ألاعيب مرسومة بالمسطرة، تغييب وتهميش، الصدق يُحاصر ويُحارب، كل يوم نلمس هذا، لذلك لابدّ من تغذية روح العناد والكشف، أن نشير ولا نصمت، قد نتعذّب، قد تُدمى أعصابنا المتورّمة أصلا. تحضرني جملة معروفة من همنغواي، من قراءة قديمة، من رواية الشيخ والبحر” قد يُدمّر الإنسان لكنه لا يُهزم”. هل من علاقة بين هذي الجملة وما طرح أنسي؟ أظن أن نعم، وأعني هنا التحدّي، ليس تنظيرا هذا وليس شعارا جاهزا، الحياة هي أصلا صراع، لا أذكر جديدا هنا، لا حياة دون صراع، دون مقاومة ضدّ آلات ابتذال وتحجيم وإلغاء، في أي مجال كانت، نعم ثمة عطب شاسع يتمسرح في العالم، أورام تتمسرح في عين الحياة، تقوده أدلجات مريضة، في كل مناحي الحياة، نرى ما يحدث الآن. في هذي اللحظة في عدّة بلدان يُحارب فيها الناس في أرزاقهم كي يذعنوا لسطوة رأس المال المتوحّش، شركات اعلام موجّه، شركات أسلحة عملاقة تبحث عن حروب، تدليس وزرع أوهام الخ الخ كل هذا يجري عن طريق كلمات مسمومة.

هل أبتعد عن طرح السؤال؟ لا أظن، هل هذا هو كلّ المشهد؟ لا أظن أيضا، ثمة من يُشير، ويطرح أسئلة، لا فلسفة دون سؤال، لا شعر، لا فنّ. الأسئلة والبحث، أن تتساءل يعني أنك تبحث عن طرق جديدة، أن تشير إلى العطب بأصابع واثقة يعني أنك ضدّ آلة القرف، وهنا دور الكلمة أيضا، أعتقد أنه الراحل عبد الرحمن منيف الذي قال: “ ما أعظم قوّة الكلمات إذا نُظّمت”.

لا أملك تعريفا للشعر، ذكرت هذا مرارا، هل أقول أنه صوت العالم، مكابدة في وتفاعل مع الوجود، ممكن، دهشة الإنسان الأولى هو ونزيف حسّه، الحسّ لا يموت، يتعذّب نعم ويتجدّد من وفي عذابه، من توقه للصعود على رأس القرف، يحضرني هذا السطر من كتابي الجديد:

“المزاج مشتعلٌ، يهفو إلى لحظة هدوء، قد أعثر عليها غدا وأشجّ رأس هذا القرف، لستُ عنيفا لكنّي سأكون”.

نعم في شجّ رأس القرف العارم على شوارع العالم، الإعلان الكاذب والأدلجة الكاذبة والتقليد الفجّ والخنوع، هناك مثل هولندي يقول، بما معناه، “إذا امتلكت ارادة، توجد وسيلة”، وأكتفي وإلا لن أتوقّف ..

-في قصائدك يا ناجي ثمّة تعاملٌ مع فكرة الجَسد. على جسدكِ، أعضائه، تعوّل كثيرًا، تبني جغرافيات، تدمّره بأشياء، تشيّده بأشياء. أنت تحاورُ جسدك: رأسك، عينيك، فمك، يدك، أصابعك.. لا تفصلُ سرد الشعر عن سرد الجسد. وفي النهاية، جسدكُ مجازٌ كبير. لأيّ شيء بالضّبط؟

سؤال ذهبيّ آخر، تأطير نقدي يشبه ملاحظة، نعم والجسد هو بيت الرغبة أو نافذة تطلّ على العالم، نافذة على العالم، مداف بطين العالم، لا حسّ دون جسد، لا فصل، فعلا يرد الجسد بأعضائه كثيرا في نصوصي، كثيرا ما خاطبت كبدي المسكين مثلا وأنا أفركه بالكحول، وفعل فرك استطرادا لا ينفصل عن جسد العالم حيث أحاول أن أزيح عنه الأوساخ، بينما أتمشّى في رأسي بين تلافيف المخّ، هذه المفردة تتكرّر كثيرا، دون قصد تهطل، لا أفصل جسدي عن جسد العالم، أفهم الشعر كنوع من “إبحار في ثدي الأرض”، كما ورد في أحد نصوصي،  أشار إلى هذا أيضا الناقد العراقي ياسين النصيّر في دراسته.

أحاول ازاحة أوساخ عني كل مساء “ كلّ مساء لا كحولَ فيه لا يُعوّل عليه” كتبت في أحد النصوص، نعم، الرأس وتلافيف المخ، الكبد، الرئة، الخ، تتكرّر نعم، سؤالك يُذكرني بهذا السطر أيضا: “فلنمسّد جسدَ الرّغبة ونحتفي بميلاد الأخطاء”، من ديواني سجائر لا يعرفها العزيز بودلير.

-“أنا صدى ما بعد الكتابة”. الذات، والرّجع والمابعديّة، والكتابة. أربع طروحات ثقيلة تربطُ بينها في هذه الجملة. ما معنى أن تكون الذات الشاعرة رجعًا لشيء مجهول وخطير، تشترطُ ضمنيًا وجودَ الصّوت مقابل صداه، ووجود الأنا مقابل الآخر. أينَ هو الصّوت منك وأين هو الآخر فيك؟

* ما تطرحين هو قراءة، هو فهم تضميني، وهذه من أجمل القراءات في رأيي. أن تستطيع التضمين. أتذكّر أني، قبل سنوات، شاركت ضمن آخرين، في كتابكِ “السؤالان”، مقالات أدبية في سؤال ما الشعر وسؤال الكتابة، كان من إعدادك وتحريرك، تذكرت أني كتبت حينها عن فعل التضمين أيضا، وإجابتي هي في التضمين، كيف نقرأ جملة شعرية مثلا. لست هنا في وارد ذكر أية مدرسة أدبية، إذ تتعدّد الرؤى، وهذا في حدّ ذاته شيء ضروري، نقرأ ونتوقّف عند سطور معيّنة، لا بدّ أن شيئا ما قد استوقفنا وإلا لتابعنا القراءة، أنا أتعب أحيانا من إعادة سطر أو سطور قليلة، ولا أقرأ إلا والقلم في يدي، إن كان كتابا ورقيا ترين كثرة هوامش أكتبها، إن كان عبر الشاشة أنقل جملة أو جمل وأسبح مع نفسي، هل هي هنا أم هناك، قراءة مضنية، لذلك أنا بطيء لا أقرأ من أجل تزجية الوقت، أقرأ كي أفهم أو أتذوّق، اجابتي هي إذن وقع المقروء، الصدى المتروك بعد القراءة، ثمة كتب لا تترك شيئا أو تترك قليلا وسطور قليلة تدخلك في رحلة من تفكير، هنا هي، أنا صدى ما بعد القراءة، الآخر متضمّن قطعا، العالم في الخارج يتفاعل مع هواجس الداخل، أنا أكون حينها فعل وصدى، صدى هواجسي المتفاعلة في ومع العالم، علاقة تبادلية ربّما في هذا نوع من غموض، قد يصلح لفعل تضمين لي في وقت آخر أو لك في سؤال أو لأي قارئ، نحن أصداء أفعالنا.

-تترسّب في قصيدتك ضوضاء ما. ضوضاء الغضب، ضوضاء الكلام، ضوضاء الزعل، ضوضاء الحنين والتوق إلى زمن لم يعد موجودًا، إلى أصدقاء رحلوا، إلى أمٍ، وأبٍ وأختٍ وأخٍ.. إلى ذاتٍ حميمة ترى في الضوضاء حالةَ دفاعيّة عن عالمٍ ألفته وانتهى، أو ربّما حالة هجوميّة على عالمٍ شرس تعيشه. من أنت تحديدًا: ذاك الكائن الضّاجّ بالأشياء، أم ذاك المتقشّف السّاكن في لحمِ قصيدته؟

* كلّ هذا صحيح، كلّه أنا.

نعم في نصوصي غضب شاسع عليّ أن أشذّبه، لا أحد يجلس منتظرا غضب يركض على ورق،  قد أكون وصلت إلى هذا المسعى في كتابي الأخير، وسأعمل على أن أعضّ على أعصاب غضبي، زعلي من العالم وعشقي له، أحيانا أذكر صراحة مفردات غير مهذبة، مفردات غير مستعملة أدبيا. لم أكتب نصا رضيت عنه إلا في حالة ثمالة، هذا اعتراف لا بطولة فيه، لست مهزوما أيضا، لا أعرف بطولة في فعل الصمت على شناعة عالم وضيع علينا أن نجالسه ونحتسي قهوة الصباح معه، كيف لا تغضب على خسّة تجرّ العالم من أنفه، كلّ يوم، ملايين تصرف على صناعة عدو، فصار البعض يخاف من ذكر رأيه، ما يشعر ويعتقد به فعلا، مُتّهما أنه تابع لشيء ما، لستُ تابعا لأحد أعلن رأيي، لا أخشى شيئا، أكيد للمكان تأثير، نعمة الأمن، لأن كثيرين قتلوا – شباب، أدباء، مفكرون، ناشطون الخ – في  أمكنة العطب العربي و ما أكثر ساحاتها، الخ.

-كتابك الشعريّ القادم، كتابٌ دقيقٌ جدًا، اللغة والرؤية والمجاز، هوائيّ الزمن-زمنٌ منتشرٌ في كل مكان في القصائد، ترابيّ المكان- مربوطٌ إلى رتابته ونعمته ونقمته، مفتوحٌ أكثر من أيّ مجموعة أخرى على ذاتكِ بصراحة وجرأة حدّ الجرح. من أين جئتَ بهذا الوضوح في هذه المرحلة الشعريّة-العُمريّة؟

* كان لي شرف أني بعثته إليك، كأوّل من قرأ وإلى الشاعر العزيز عبد الكريم كاصد، أفدت من ملاحظات وصلتني منكما، أذكر هذا اعتزازا واعترافا بالجميل. كما وناقشت عنوان الكتاب مع رائعين هما صلاح فائق وسلام صادق. واخترت بعدها العنوان من سطور احدى النصوص وهو ما كان في كتبي السابقة أيضا. سبقت لي الإشارة إلى دراسة الناقد العراقي ياسين النصيّر عن هذا الكتاب  كائنات ممنوعة من الصرف.

ولأنه لم يصدر بعد، ألمس صعوبة الحديث عنه، في الوقت الذي أشكر فيه حسّك المعرفي أجيب على جزء من السؤال، أتفق أني في هذا الكتاب أكثر من كتبي السابقة،  أكثر وضوحا، أكثر هدوءً ربّما، أكثر كشفًا، وأعترف أني بكيت عدّة مرّات وأنا أنتقي نصوصًا، أعرف طبعا ملامح من صخب في روحي، ملامح من صخب، “هشٌّ وصاخب، هشٌّ وصاخب يا رجرجة رأسي في المجرّة” كما كتبت في أحد النصوص، لكني أنا نفسي صدمت أن روحي هي هذه بما تحمل.

-علاقتك مع التفاؤل والتشاؤم جدليّة، لمن يقرؤك. في قصائدك روحٌ تسبحُ في العتمات. لكنّها ذات القصائد تجعل القارىء، على ظلمتها، يشمّ هواء الخير والطمأنينة. أين تضعُ نفسكَ بين هذين المصطلحين؟

* من صفات واقعنا الأدبي صعوبة الحديث عن الذات، نعم توجد صعوبة هائلة في كيفية الحديث عن الذات في علاقتها مع ذوات أخرى، بل وعلاقتها بالعالم كلّه. مثلا، إن ذكرت محاسن فأنت مغرور، إن ذكرت عطلات فأنت تجلد، إن ذكرت تثمينًا لصديقة أو صديق فأنت تجامل..

هو سؤال لا يحتمل الجمع بين نقيضين، على غرار مصطلح حبيبي مثلا ” المتشائل”.

أعتقد أني أقرب إلى التشاؤم مني إلى التفاؤل، لهذا أسباب أو محطات بدأت منذ عوز الطفولة والصبا، وعي مبكّر بالظلم والخوف واللا عدالة الخ، ثم حفرت سنوات حرب ثمانين في كياني وما زالت تحفر ..، يثب الآن هذا المقطع من “أغنية البجعة”:

كي تكتمل الصورة سأعيد الآتي

في حرب ثمانين، من قرفي وخوفي وحزني،

من بيتنا في محلّة الشرقيّة في الناصرية عبر شارع عشرين

أترنّح فجرا صعودا إلى الكراج- ومثلي ملايين يا بجعة-  كي ألتحق إلى الجبهة،

كلاب مزبلة في أعلى الشارع تُهدّد وتنبح،

وقفتُ، ثم بأعلى صوتي نبحتُ

وركضتُ خلف الكلاب، أركض وأنبح، أركض وأنبح

ثمّ في هذا الليل

بي رغبة أن أهصرَ عنق هذا الزمن

بي رغبة أن أصرخَ في بلعوم العصر

بي رغبة أن أطلقَ كلّ جرذان الأرض

لتقرضَ ما يعنّ من قلوب العواصم

بي رغبة أن أنبحَ كالكلب على شوارع هذا العالم

علّ الجدران تسمعني

علّ الله يسمعني ويُعيد التفكير في مسألة الخلق

ذكرت في هذا الحوار، أني لا أميل إلى تعريف نهائي لأيّ شيء، لأيّ شيء سوى الموت، لا أظن أن أثنين يختلفان على تعريف الموت، لا، بل يوجد من يختلف على تعريفه أيضا، ويُذكّرك أنك ستنهض من جديد لإجراء عمليات حسابية بالمسطرة، نعم يوجد بسبب غموض هذا الزائر الهائل، المطرقة الحاسمة، الكائن الخرافي السيّد موت، ولولا هذا الغموض بالذات لتقاعدت الآلهة كلّها منذ قرون وسكنت متحف تاريخ طبيعي.

-يسألون الشاعر عادةً: من هم آباؤك في الشّعر. أما سؤالي إليكَ: من هم أبناؤك في الشعر اليوم؟

* سؤال صعب.

تصلني أحيانا رسائل من شعراء شباب وأحتفي بها، عمرا هم في سنّ أبناء إذ أقارب الستين، لكنهم شعريا ليسوا أبناء. أنظر إليهم باعتبارهم أصدقاء، خاصة لأني لا أحبّذ من يقلّد آخر، ولن تربطني به صداقة أدبية، لذلك، أكرّر، من تربطني به صداقة الآن هم ليسوا أبنائي بل أصدقائي حتى ولو كنت في سنّ آبائهم.

نعم يوجد شعراء شباب أحبّ أصواتهم، أحرص على متابعة تجاربهم بمحبّة، كلما سنحت فرصة، وهم يعرفون أنفسهم، لقد وصلتني كتب شعرية، سعدت بها.

أنا أشجّع الكتابة الشابة، أشجّع التجريب وعدم التعكّز على منجز سابق، رغم قناعتي الشخصية بصعوبة امتلاك صوت خاص وسط حشود، يحتاج الأمر إلى وقت وصبر ورؤية يعمل عليها، الوعي بالتجربة الخاصة وصدق التعبير عنها، الهمّ الإنساني يتشابه، نعم، لكن طرق التفاعل تختلف، بل “يجب” أن تختلف، وإلا ما جدوى إعادة كتابة ما هو موجود ومعروف؟

– الشّعر فيه جوهرٌ وحقيقة، قريبٌ من الفلسفة، بعيدٌ عن الواقع، بعيدٌ عن الفلسفة قريب من الواقع. لحظة تكتبُ القصيدة، في أيّ جوهر تفكّر؟ يسأل هايدغر، وما جوهر الشّعر العربيّ الراهن في هذه اللحظة، الآن وهنا؟

*أتفق مع الإثبات الذي ينطلق منه سؤالك.

وقد يمكن اختصاره في عبارة هايدجر المعروفة “ بيت الوجود”.

الحسّ كائن واقع، يرتسم ويعيش في كلمات، أظن في هذا صدى من هايدجر أيضا، لغة اللغة، الفكرة كائن غير محسوس لكنه يموج وينبعث في كلمات معاشة، والمخيّلة جسر يربط  بينهما ويعبر إلى حوار العالم، حوار الداخل مع العالم في جوهر واحد، لا فصل أرى، أحدهما يؤثر في ويؤدّ ي إلى الآخر، لا فصل، في حالة ما، عشتها مرّات، في جلسة متأمّلة عند البحر، سماع وشمّ صخب أمواج تتلاطم على الساحل، تتعانق مع احتدام أسئلة تتكوّر في الرأس، أين الفعل والصدى هنا؟

أدورنو أيضا نصح في كتابة ما إلى التوجه نحو الشعر لفتح نافذة على الطبيعة بعيدا عن سطوة عقل بارد، شيء من هذا القبيل، الرحلة الداخلية إلى أعلى الكون، هربا من واقع مزر أو كشفا له، اعادة تشكيله، هناك توجد نافذة مضاءة وثمة من يرقص جذلا في غرفة، لكنه ليس أنت الآن في هذي الجلسة عند البحر، ذكرت أني أكتب في حالة بوح غالبا، وهذه اللحظة أو الحالة مغمّسة بالوجود المعاش الذي نكابد في بيتنا، الأرض هي بيتنا “ أين تنامين أيّتها الأرض من تعب الدوار؟ أيّتها الأرض من أسّس لهذا الدوار الأبدي؟” أتذكر من احدى نصوصي.

لسؤالك هذا أصداء وردت في أجوبة سابقة، ثمة وشائج عميقة بين الشعر والفلسفة، أكبر الفلاسفة منذ الإغريق هم شعراء أصلا، أي فيلسوف حقيقي هو شاعر رؤية أيضا ولكن ليس أي شاعر هو فيلسوف، الشعر يتحرّك ويتجوهر في لحم الوجود، قولي في منطقة الدهشة الأولى، دهشة طفل كوني يقف على ضفاف من أسئلة تتصاعد، كما ويذكرني هذا السؤال بنصّ لي بعنوان ” اليوم العاشر من عمر الخلق” نشر في كتابي سجائر لا يعرفها العزيز بودلير، أشار إليه ضمن مقالة له تناول فيها الكتاب الناقد العراقي الدكتور حاتم الصكر “عن كائنات ناجي رحيم الشعرية، غريب في الحشد”، هذا المقطع منه:

اليومُ العاشرُ.. في عمر الخلق

كان النهارُ مُسالما وكذلك الليلُ

زخّاتُ مطرٍ

أصابعُ لملائكةٍ تلامسُ جبينَ الحسّ

وشفاهُ تجوسُ أقانيمَ التكوين

لم يكن للوجعِ من أسمٍ بعدُ

لم يُعرفْ خواءُ الأبعاد

لم تلدِ المسافاتُ سرابا

لم تأتِ الآلاتُ ولم يُنخِرْ عُبابا زيفُ

نشوانَ كانَ الكلُّ

نساءُ الحسّ ورجالُ الحفر

اليومُ العاشرُ من عمر الخلق

زخّاتُ خمرٍ

ثمّ نهضتِ الكائناتُ على معجزةٍ تُدعى الشِّعرَ

كما وأقتبس منّي الآتي، وردت هذه السطور في كتاب، السؤالان، صدر في 2014، سبقت الإشارة إليه في هذا الحوار، “ قد يكون وجودنا قصيدة والشعر هو الوجود. لا أرغب بأدوات التعريف أيا كانت، كما نوهت، وعندما أقول، الشعر هو الوجود فلا أعني تعريفا للشعر بقد ما أرغب بالإشارة أن الشعر الذي لا يبحر في لحم الوجود لا يعنيني، الشعر الذي لا يلامس مجسّات الوجود، الذي لا يحترق بأنفاس الحياة ليتبرعم وتتبرعم هي، الشعر هو الإنسان في دهشته الأولى وهو أصابعه التي تشير. ولأننا في الوجود الذي نكابد فلابدّ أن يكون شعرنا”. كما تلاحظين لم يتغيّر مفهومي له بعد.

إذن أنطلق من هذا المفهوم، من الوجود كمعطى معاش، لا تهويم لفظي فاقع، الجسد البشري، عطفا على سؤال سابق، هو أولى اللغات وأصدقها تعبيرا، لا يمكن تكذيب دمعة متألم أو مرأى نزيف أو ابتسام طفل الخ، وجود مُداف بالوجود، رقصة بدائي حول نار أشعلها قصيدة، أقول هذا، المخيّلة تتشابك بمجسّات الوجود، لحظة الكتابة عندي في حالة بوح، هي هذه ربما، لا صورة شعرية تأتي اعتباطا، هي نتيجة تفاعل  أكيد، عصارة من أعصاب، المخّ والأصابع والعين، حلم وذكرى وكابوس، كتب وتاريخ وارتعاش، لكلّ هذا دور، الخ.

من الصعب الحديث عن جوهر واحد للشعر العربي الراهن، لا تمكن الإحاطة بالكم الهائل مما ينشر، أقرأ لشعراء عراقيين وعرب وأخشع حقيقة، لا يمرّ يوم دون قراءة، هم قلّة، لا أذكر أسماء، ويوجد فيض من كتب تنشر باسم الشعر، تقليد فجّ، لغة باردة، نوع من سباق محموم في سوق، من يملك مبلغ ما يمكنه نشر ما يريد، توجد دور نشر ترتزق لا علاقة لها بالثقافة، لكنها ليست كل الصورة، يوجد ما يدعو للإصغاء كما أشرت، والشعر الحقيقي لم يرحل ولم يأت لأنه موجود هنا والآن ..

– يعيشُ الواقع العربيّ، كعادته، تناقضات وانتفاضات مشوّشة وغليان يعلو ويهبط وجرحٌ عميق في الذات الجمعيّة. تتهافتُ الأفكار والمنظومات والرؤى ولا تحلّ محلّها أفكارٌ. كيف ترى إلى مستقبل الشّعر وأفقه في هذا التهافت- الغليان- الفوضى؟ ألم يعُد فائضَا عن حاجة الواقع، بصفته جزءًا من حالة تهافت، أو جزءًا من كتابة هائمة على وجهها، لا خيطَ يشدّ معانيها المبعثرة.

*جميلة ومؤلمة هي عبارة، كعادته، فعلا، متى لم يكن هكذا؟ هذا سؤال بهمّ سياسي وأدبي، أفصل هنا بين شعوب عربية وأنظمة لا تمثّل هذي الشعوب، هذه حقيقة معاشة، لا جديد في إيرادها، انتفاضات نعم سرعان ما تُحارب من دول عظمى، ادارة أميركا مثلا، ودول اقليمية تدفع بسخاء مفرط حفاظا على أدوار تابعة، حفاظا على عروش عوائل، محميّات الخليج والجزيرة هنا أمثلة صارخة، كذلك أنظمة “جمهورية” بقاءها مرتهن بمدى اذعانها وتنفيذها املاءات، العراق الآن مثلا لا أكثر من ساحة صراع ونفوذ أميركي ايراني، هذه هي الحقيقة، لذلك اندلعت انتفاضة الشباب العراقي في العام الماضي، في مثل هذي الأيام، تشرين، سبقتها رجّات أصّلت لها في أعوام سابقة، هي دليل وعي ورفض لما هو مكرّس، هي نافذة من أمل، رغم المآسي والنكبات التي لا تحصر، لحدّ الآن لم يكشف عن القتلة ..

“ نريد وطن” شعار الشباب كان ومازال، يختصر كلّ شيء، أتذكر استطرادا صرخة أمّ عراقية في حشد من أمّهات تصرخ معاضدة الشباب “ ثورتنا ثورة شجعان لا امريكا ولا ايران”، العراق الواحد “ واحد أحد” كتبت ذات مرّة، دولة مدنية تقوم على المواطنة، تضمّ الجميع هو الحلم الخ  لن أعيد ما سبق وذكرت..

لا يمكن للكلمة في أية كتابة صادقة، كتابة تشير وتحلّل وتكشف،  أن تكون فائضة، لا يمكن قطعا، وهذا اطلاق أؤمن به، أستعيد واقعا عشته في الثمانينيات، حرب الثمانينيات، أتذكر كمية الردح الطاغية باسم الأدب، ردح مدفوع الثمن، لكلّ رادح ثمن، في “أماس شعرية”، مؤتمرات من نباح، و”مرابد من ردح”، “”روايات ومجاميع شعرية رادحة “،  أصرّ على المفردة ردح، وحتى شعراء، كتاب، وفنانون عرب شاركوا في حفلة التدليس وحصلوا على أثمان ردحهم..، يحضرني الآن مرآى شاعر عربي معروف، على التلفزيون، وهو يخاطب وزير اعلام النظام البعثي، آلة الموت تلك، ويصفه بوزير الشعراء ..، خسّة، خسّة تحفر في الروح ما زالت، حفلة من شواء جثث..، لكن آلة الموت ما زالت تدور في العراق..، الخ أيضا.

لكن، هل هذه هي الصورة كلّها؟ لا، لا كبيرة، ثمة من لم يردح، لم يشارك، موقف، صمت خوفا من البطش وهذا موقف، هرب وهذا موقف، كتب توريات لا ردح فيها وهذا موقف، الخ، احترام الكلمة الموقف كان موجودا أيضا إذن، لم يتهافت في ظرف كاسح من تهافت.

لا أعرف طرقا سحرية لتغيير هذا الواقع، هذه الفوضى العارمة..، لكني أؤمن بدور الكلمة رغم كل شيء، هل هذا وهم؟ هل هو نوع من نزاع غائم بين أناي المثخنة والعالم؟ قل شيئا “ لا تدر هنا معي كخنزير أعمى” خاطبت نفسي في نصّ، مجرّد أن تقول لا، أن تعمل على قول لا بوسائل متاحة، فعل حياة، لا تغيير يأتي اعتباطا، ألم ومعاناة ومآس تصاحبه، أن تفكّر كيف، ماذا تكتب وأنت تعيش كارثة؟ محض أن تتساءل هي محطة شروع لفعل، لا، ليس وهما، فليكن وهما..، إلى أين نذهب بعد حين؟ لا أعرف.

هنا والآن الكلمة فعل حياة، تحضرني أصداء من كامو في اسطورة سيزيف، أظن، تقبّل اللا جدوى بالفنّ، أن ترسم خارطة حياتك، أن تصنع جدواك في العالم، جدوى في اللاجدوى، أصداء، لا أتذكر جيدا، كان ضدّ خيار الانتحار الجسدي والفلسفي، يحضرني تشومسكي الآن أيضا من جديد، هذا المعلّم الإنساني الحقيقي، منه وأمثاله، هابرماس مثلا،  نستقي دروس حياة وفي بالي صرخة أدورنو تلك ..، وردت في هذا الحوار، وأكتفي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This