مع أفلاطون في فلسطين عن فائدة الفلسفة في عالم ممزق

كارلوس فرانكل

يبدو للوهلة الأولى وكأن ظروف حياة تأملية غير ممكن هنا. ولكني أتساءل، إن كان من الممكن لمفاهيم فلسفية من قبيل العدالة، القانون، السلطة وغيرها أن يقود إلى حل هذا الصراع، الذي لا ينتهي، والذي يطال جميع مناحي الحياة؟.

بعد الانتهاء من أطروحتي للدكتوراه في عام 2000، غادرت القدس، قبل لقاء بين عرفات وباراك وكلينتون بوقت قصير، فقد ساد جو من التفاؤل الحقيقي في كامب ديفيد، ولاحت في الأجواء إمكانية حل الصراع، ولكن في النهاية كان انعدام الثقة أكبر. واليوم عندما أريد أن أتناول طعامي في مطعم الجامعة العبرية، علي أن أجتاز أربعة حواجز أمنية: عند التوجه إلى الجامعة يتم فحص الحافلة من قبل رجال الأمن المرتابين، وعندما أصعد الحافلة، ثمة حارس آخر ليدقق في جواز سفري، ليتأكد أني أستاذ زائر، وبعدها تُفتش حقيبتي، ويتم فحصي ألكترونياً، وأخيراً يتم تفتيش حقيبتي على باب المطعم. يشارك خمسة رجال في هذه الإجراءات. في زيارتي الأخيرة قبل أكثر من ثلاث سنوات ألقى رجل أمن، كبير السن نظرة سريعة على الحقيبة ثم سألني: “هل أنت مسلح؟”

النص الأول الذي اشتغلنا عليه، كان دفاع أفلاطون، وفيه يقول سقراط: “إن أعظم خير يصيبه الانسان، هو أن يحاور كل يوم في الفضيلة، وما يتصل بما أسائل فيه نفسي وأسائل الناس، ، إن حياةً تخلو من امتحان النفس، لا تستحق أن تعاش” 1. ويعود ثبات سقراط أمام الموت إلى احتمال أن يحاور كبار الشعراء والأبطال اليونانيين في الآخرة. 2 إن تصوره لحياة ناجحة يبدو غريباً لطلابي الفلسطينيين، كما هو غريبٌ أيضاً لطلابي في مونتريال. فما الذي يعنيه سقراط  ب “حياة مُمتحَنَة”، ولماذا ينطوي ذلك على أهمية؟ ما أشير إليه هنا، هو أن الحياة الناجحة بالنسبة إليه، لا تكون ممكنة إلا إذا تأسست على المعرفة. وكي نكون منصفين، على المرء أن يعرف مثلاً ما العدالة. “لماذا لا يمكننا أن نتخلى عن مفهوم العدالة الذي يقدمه لنا الدين؟” تسأل شيرين. “هل يمكنك أن تكوني متيقنة من أن هذا المفهوم صحيح، ما لم تقومي بفحصه؟” أقول لها. نناقش هنا بعض الأمثلة من الصراع الفلسطيني، حيث يصف ممثلوه الفاعلون تصرفاتهم، على أنها ذات دوافع عادلة ودينية، ولكن ذلك مشكوك فيه، وبشكل واضح. من مجزرة باروخ غولدشتاين في الخليل عام 1994، واغتيال إسحاق رابين على يد إيغال عامير، وحتى العمليات الانتحارية في عام 2002 في مقهى (Cafe Moment) في الريحانية، الذي كنت غالباً ما أزوره، عندما كنت طالباً.

لتوضيح ما الذي يدفع فيلسوفاً مثل سقراط، ليضع المعايير الأخلاقية موضع المُساءلة، سأحكي كيف اتجهت إحدى قريباتي إلى الفلسفة. لقد ولدت لعائلة يهودية، والدها يعمل طوال اليوم، ووالدتها استأنفت عملها كمضيفة طيران، بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر بسبب الولادة. غياب الأم أحياناً طوال اليوم، جعل ابنتها تمضي جل يومها مع جليستها، الفتاة الفلسطينية المسلمة، فتعلمت الابنة التحدث بالعربية وأجادتها بطلاقة، وصارت تنادي جليستها الفلسطينية ب”أمي”. وهكذا أمضت الجزء الأكبر من طفولتها في كنف العائلة الفلسطينية. وجاء الوقت الذي عايشت فيه الابنة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من كلا وجهتي النظر. فعلى سبيل المثال، هناك المعاملة المذلة للعرب في إسرائيل، وهناك الألم والغضب لكونها فقدت إحدى عماتها في الباص في عملية انتحارية، قام بها فلسطيني. كونها نشأت في سرديتين متناقضتين، قادها ذلك إلى نوع من التشويش، الأمر الذي أدى بدوره إلى الرغبة في معرفة ما الصواب وما الخطأ. وهكذا اتجهت إلى  الفلسفة.

ساد في عصر سقراط نوع من عدم الوضوح حول السؤال: ما الصواب وما الخطأ. وهنا أستذكر رواية هيرودوت، عن وضع اليونانيين عاداتهم موضع التساؤل بعد تعرفّهم بثقافات أخرى. لقد أدركوا أن هذه العادات، من الممكن ألا تصلح على نطاق العالم، فطقوس الجنازة، على سبيل المثال، تعد في اليونان من قبيل التقوى، في حين أنها في الهند، تعد عملاً بربرياً، والعكس بالعكس. 3  ومن هنا برز السؤال السقراطي: ما التقوى؟ الأمر لا يتعلق هنا بالمعرفة مقابل التقاليد الدينية، فسقراط يريدنا فقط، أن ننتبه إن كان المعلمون والمرشدون، يقولون الحقيقة، عندما يتحدثون عن التقوى والعدالة، وغيرها من المسائل الأخرى.

يَقبل غالبية الطلاب بأهمية فكرة وضع المعتقدات الدينية موضع المساءلة على الطريقة السقراطية، ولكن فهمهم لحقيقة الإسلام لا يقبل الشك. يقلب حسن السؤال على النحو التالي: “كيف لمواطن علماني في بلد ديمقراطي غربي، أن يعيش حياة مُمتَحَنة”. المسلمون المتدينون، يجدون من الأهمية بمكان، أن يبرروا الحياة التي اختاروها، ويوضحوا سبب تفوقها على حياة الآخرين. لا يعاني الناس في الغرب، من التشوش، ولا من الحاجة للبحث، عن معايير موضوعية، على نحو ما يفعل سقراط، فالحرية تعني بالنسبة للكثيرين منهم، أنه يمكن لكل شخص أن يصوغ حياته بشكل فردي، والخيارات متاحة على قدم المساواة. “هذا صحيح” أقول “هذه النسبية تجعل من الفحص الذاتي أمر لا لزوم له. ولكن عندما ينظر المرء إلى حقيقة الإسلام كأمر مسلم به، أليست هي نفس المسألة؟”. ربما لا. أعرف أن هناك العديد من الآراء المختلفة في الإسلام. “إذا كان الإسلام حقيقياً، الا يتوجب على المرء أن يفحص تفسيراته العديدة؟” أسأل. يذكر بلال الحديث الشهير، الذي قاله النبي محمد، أن الأمة الإسلامية ستنقسم إلى ثلاث وسبعين طائفة “وواحدة فقط ستدخل الجنة”. أسأله “أي واحدة؟” يجيب حسن “السنّية طبعاً”. جميع طلابي من السنّة، التي ينتمي لها غالبية المسلمين. “ولكن ألا يزعم الشيعة أيضاً، أنهم هم فقط المؤمنون الحقيقيون؟” أسأل. “نعم، ولكن هذا خطأ”، تجيب قمرين. “كيف تثقين بذلك إلى هذا الحد؟ لو افترضنا أنك ولدت لعائلة شيعية من إيران، ألن تقولي نفس الكلام عن السنّة؟” هي تعرف أن نسبة 80% من المسلمين هم من السنّة “هل الحقيقة هي مسألة نِسبة الأغلبية؟ ألا يمكن أن تكون الأغلبية غير عادلة؟” أسالها.

غالباً ما أعود بعد الحلقة الدراسية، إلى القدس، بسيارة سري نسيبة [الكاتب والأكاديمي الفلسطيني]، نتبادل الأحاديث طوال الطريق. مرة أخبرني أن زوجته الإنكليزية، تشعر أحياناً بفلسطين أكثر منه. والدها أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد، جون إل أوستن، صاحب الكتاب الكلاسيكي “How to do Things with Words”. التقى نسبية بزوجته لوسي، أثناء دراسته للفلسفة في جامعة أكسفورد، قبل أن يقدم في جامعة هارفارد أطروحته للدكتوراه، حول ميتافيزيقيا الفيلسوف الإسلامي ابن سينا. لوسي اعتنقت الإسلام بعد دراستها، وتزوجت من نسيبة، واشتهرت كناشطة سلام في فلسطين.

وفي مرة أخرى تحدثنا حول موضوع التعليم والديمقراطية. كم من الكتب كان يمكن أن تترجم من، وإلى اللغة العربية، من مليارات الدولارات التي أنفقها الاميركيون على الحرب العراقية. كان من الممكن أن تكون هناك ترجمات موثوقة لأفلاطون يمكن الاعتماد عليها. كم كان من الممكن تقديم الكثير من المنح وبرامج التبادل العلمي بين المدارس والجامعات العربية ومثيلتها الغربية. ألم يكن ذلك هو الطريق الأفضل للمعنيين بالديمقراطية في الشرق الأوسط؟

يجعل مثال الحرب العراقية الأمر جلياً: لا تُفرض الديمقراطية ببساطة من الخارج. طبعاً هي لا تقوم فقط على برامج تربوية مشتركة، فالاحتلال الإسرائيلي أمر واقع، وكذلك وجود الكثير من المستبدين في المنطقة، الذين يجب عزلهم 4. وكون الديمقراطية تعني تقرير المصير على أساس قرارات مدروسة بعناية، فهاهنا كل الأسباب التي تمكن الناس من الانتخاب بحرية وتبادل الخيارات الحالية، فالأمر يتعلق بالمعرفة وتطبيقها العملي.

أنا لا أعني بذلك أن ثقافة ما تنقل التعليم، لثقافة أخرى، بل أشير إلى أن الغرب والعالم الإسلامي لديهما الكثير من التقاليد المشتركة، التي يمكن أن تقود إلى نقاش مفتوح على قدم المساواة. لقد صيغت الأسس الروحية لكلا العالمين عبر المواجهة بين الدين التوحيدي لأحدهما، والعلم والفلسفة اليونانية للثاني.

لا يجب أن يكون الحوار بشكل أساسي مع الغرب، فالاسلام لديه الكثير من المصادر الروحية التي تجعل النقاش الداخلي فيه ممكناً جداً. الأمر يتعلق بشكل خاص بعملية التفسير الأحادي الذي يروج له الأصوليون، وإعادة إكتشاف الكثير من النقاط المشتركة العديدة التي نشأت في تاريخ الفكر الإسلامي، من أبو بكر الرازي (توفي عام 925 م)، وحتى ابن تيمية (توفي عام 1321 م). الرازي الذي وصف سقراط بإمامه في سيرته الذاتية، رفض قبل فولتير بألف عام، سلطة الدين المنّزل، بحجة أن الله وهب العقل لجميع البشر، ليكون لهم مرشداً في الحياة، فما من حاجة تدعو لمزيد من الإرشاد على يد الأنبياء 5. وعلى النقيض منه لم يكتفِ ابن تيمية، من جهته اعتبار بعض المواقف الفلسفية لا تتوافق مع الدين، بل هاجم إعمال المنطق، وعده تزييفاً للاسلام النقي 6. بين هذين الموقفين هناك الكثير من النقاط المختلفة، والتي سنعالج إحداها وهي عملية إدماج الدين في بنية عقلانية موجهة.

في العالم العربي يمكن لفلسطين أن تشير إلى تقاليد ديمقراطية راسخة. قبل أن نشتغل على كتاب أفلاطون “الجمهورية”، يجيب معظم طلابي عن سؤالي عن شكل الدولة الأمثل، إنها “الديمقراطية”. ولكنهم يفاجئون، عندما يعرفون بتوجس أفلاطون من الديمقراطية، تماماً مثل طلابي في جامعة مونتريال. ويشيرون لاحقاً إلى التماثل بين شكل الدولة الأمثل عند أفلاطون والدستور الثيوقراطي في إيران، من قبيل المرشد الأعلى، مجلس صيانة الدستور، ومجلس الخبراء. وأسألهم: “أوليس النظام السياسي الأمثل في الإسلام هو الخلافة، حيث الخليفة، أي خليفة الرسول، هو الحاكم السياسي الديني الأعلى في المجتمع الإسلامي الذي يحكم تبعاً للشريعة؟” “صحيح” تقول بسمة “ولكن القرآن يتحدث عن الشورى، وبموجبها يجب على الحاكم أن يتشاور مع ممثلي الشعب” 7 أقترح إرجاء مسألة كيف يمكن أن تتوافق هذه المشاورات مع المؤسسات الديمقراطية الحديثة بشكل مؤقت “من المفترض أن يوجد في الإسلام أساس للديمقراطية، كأفضل شكل للدولة”، وأُوضح مقارنةَ أفلاطون بين الديمقراطية وسفينة الحمقى 8 “عندما يتعلق الأمر بدفة القيادة في السفينة، هل عليك أن تمنح ثقتك للقبطان أم لأغلبية البحارة؟” الجميع قال أن على القبطان أن يتولى القيادة “عندما يتعلق الأمر بتولي سدة الحكم في الدولة، هل علينا أن نثق بالأغلبية الشعبية أم بالحاكم الرشيد؟”. قال أحمد “عندما نضع كامل السلطات بين يدي مثل هذا الحاكم، سنفقد حريتنا”. وأسأله أنا “إذاً أيهما أفضل، أن يكون المرء حراً، أو أن يُحكَم برُشد؟”

يطرح أفلاطون في “الجمهورية” العديد من الأسئلة الأخرى. وتبعاً لسقراط، لا يكون المرء صالحاً، إلا إذا عرف ما العدالة، في حين يطرح أفلاطون سؤالاً جوهرياً: هل لدينا أسباب وجيهة لمنح الأفضلية للعدالة على الظلم؟. هذا سؤال جذري في السياق الاسلامي (أو اليهودي أو المسيحي). يمكن للمرء أن يناقش معنى أن يكون المرء عادلاً، وليس كونه صالحاً يتبع الصراط المستقيم، كما هو مذكور في السورة الأولى من القرآن. ويولي جميع طلابي أهمية كبيرة لعدم الانحراف عن الصراط المستقيم. (خلال الاستراحة تُظهر بسمة صوراً لها، ولكنها تمنع الطلاب من رؤية بعض الصور لأنها ظهرت فيها دون حجاب). ولكنهم [طلابي] يعرفون مدى صعوبة الدفاع عن العدالة لمصلحتهم الخاصة. (تعترف بسمة أنها كانت لتنحاز إلى جانب الظلم، بعد أن أوضحنا تجربة أفلاطون الفكرية، وفيها الصالحون فقراء، مرضى، وكريهون، وأما الظالمون فهم ليسوا أغنياء وأصحاء وجميلين فقط، بل ويفلتون من العقاب أيضاً) 9.

في البداية يجب أن نوضح ما الذي تعنيه العدالة عند أفلاطون، فالطلاب يعرفون التلازم بين الحياة المثالية السقراطية، القائمة على المعرفة، وصورة أفلاطون عن العادلين الذين يوجههم العقل. تتكون العدالة، حسب التفسير الذي اتفقنا عليه، من أمرين، القدرة على تحديد ما هو الأمثل بالنسبة للفرد بشكل عقلاني، والثاني هو القدرة على التصرف وفق ذلك. الأمر الأول يحتاج إلى الحكمة، وأما الأمر الثاني، فالحكمة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى (sophrosyme)، أي ضبط النفس والرزانة. والنفس عند أفلاطون هي شيء معقد، فهي لا تتكون من العقل فقط، ولكن أيضاً من مشاعر واحتياجات غير عقلانية، ترفض العقل وكانت لتنتصر وتكون لها اليد الطولى، لولا ضبط النفس. نسيبه يقدم مثالاً عن عدم قدرة المرء على كبح جماح غضبه في وجه المعتدي، مع علمه أن تخليه عن الانتقام، يخدم مصالحه بشكل أفضل بكثير. من الممكن وفقاً لذلك، أن يشكل ضبط النفس، مساهمة فعالة في حل الصراع الفلسطيني. وبهذه الطريقة لا يتم كسر حلقة العنف المفرغة، التي بدأها الطرفان، وإنما أيضاً، إحلال فكرة المقاومة اللاعنفية. يوضح نسيبة كيف يطبق ذلك في الشرق الأوسط، فمن خلال مظاهرات الفلسطينيين السلمية، سيعرف غالبية الإسرائيليين، أن استمرار الاحتلال أمر لا يمكن تبريره. ألن يكسب الفلسطينيون تعاطف العالم من خلال المظاهرات السلمية؟ ليس جميع الطلاب مقتنعين بذلك. ويسأل أمين “هل هو أمر غير مشروع، مواجهة العنف بالعنف المضاد؟ لماذا يجب أن يفلت الإسرائيليون من العقاب؟”. أنا أقترح أن نميز “عندما يقتل أحدهم ابنك، يمكنني أن أفهم حاجتك للانتقام، لأن الأمر مشابه لما قد يحدث لي. ولكن هذا لا يُشَرعن الانتقام بشكل آلي. ألن يكون المسلك اللاعنفي أكثر عقلانية، عندما يصل المرء إلى هدفه بهذه الطريقة؟”

أراد سقراط أن يجعل من جميع الأثينيين فلاسفة، تتأسس حياتهم على المعرفة، في حين كان أفلاطون أقل تفاؤلاً (وقد حُكِم على سقراط بالموت بسبب أفكاره). ومن وجهة نظر أفلاطون ليس بمقدور الأطفال، وأيضاً الكثير من البالغين، أن يعيشوا حياة قائمة على المعرفة. ولذلك طور أفلاطون برنامجاً تربوياً وسياسياً مساعداً، يتكون من حكايات دينية ومن قوانين، للذين لم يصبحوا فلاسفة، والذين ليس بمقدورهم، بحكم فطرتهم، أن يكونوا فلاسفة. ففي حين يعرف الفيلسوف ما العدالة، تحدد الحكايات التي تسردها الآلهة والبشر مفهوم العدالة. وهي بهذه الطريقة تقدم لغير الفلاسفة، تصوراً معيناً عن العدالة، صحيح أنه أقل دقة، ولكنه مفيد. وبينما توجه معرفة الخير سلوك الفيلسوف، تُملي القوانين على غير الفلاسفة فعل ما هو صواب.

هناك الكثير من الأسباب التي تشكك بتقسيم أفلاطون النخبوي للناس كفلاسفة وغير فلاسفة. ولكن يبقى هذا الموقف أساسياً لفهم الإسلام واليهودية كأديان فلسفية. وقد تمكن فلاسفة العصر الوسيط من نقل النموذج الأفلاطوني إلى تقاليدهم الدينية، التي تؤول التوراة والقرآن كبرنامج فلسفي، تربوي، حيث عمل الأنبياء – الفلاسفة على توجيه غير الفلاسفة في مجتمعاتهم الدينية. يمكن لأعضاء المجتمع من الموهوبين فلسفياً، مع تقدمهم في دراستهم، أن يستبدلوا القصص الدينية التي سمعوها في طفولتهم، بمعرفة مماثلة تتوافق مع التفسير المجازي. كان الفارابي أول من صاغ هذه الأفكار في السياق الإسلامي. من الناحية المجازية الدين الحقيقي والفلسفة الحقيقية متطابقان. الدين “يُقَلِّد” الفلسفة من ناحية الحكايات والقوانين. 10  فنأخذ مثلاً صورة الله كملك في الكتاب المقدس وفي القرآن. بالنسبة لفلاسفة العصر الوسيط، هذه محاكاة تربوية، ذات مغزى للتصور الفلسفي عن الله: فكما الله هو الأول في نظام الوجود، كذلك يتبوأ الملك المقام الأول في نظام الدولة. لا يمكن لغير الفلاسفة أن يفهموا نظام الوجود على نحو سديد، ولكنهم يفهمون النظام السياسي. بهذه الطريقة يمكنهم فهم ما هو مهم حول الله. 11

بعد مضي أسبوعين على بداية الفصل الدراسي، واشتغالنا على الفارابي، سألني طلابي عن رأيي بهم بالمقارنة مع طلابي الكنديين. طبعاً هم يطرحون أسئلة مختلفة، في الغالب، ولديهم تداعيات مختلفة، ولكنهم في الجوهر لا يختلفون كثيراً عن بقية الطلاب الذين التقيتهم: بعضهم ممتاز، والبعض الآخر جيد جداً، وعلى البقية الباقية بذل المزيد من الجهد. وغالباً ما تكون النقاشات الدائرة، حيوية وشديدة التركيز، وخالية من النمطية. أحياناً يطرحون عليّ أسئلة شخصية، مبعثها الفضول، ولكن، لم يؤثر منبتي اليهودي، ولا صِلاتي في أوربا وإسرائيل وأميركا الشمالية، بشكل سلبي على علاقتنا مع بعضنا، على الأقل لم أشعر بشيء من هذا القبيل. ربما مرد ذلك يعود إلى أن الأحكام المسبقة، والكليشيهات لم تختفِ تماماً، ولكنها، تُستَبْعد، على الأقل في الحوارات الشخصية. في الحقيقة كان أفضل المشاركين في الفصول الدراسية، واحد من المنتمين لجماعة حماس في الجامعة. طبعاً لا يكفي، تعليق الأحكام المسبقة والكليشيهات بشكل مؤقت.  فحتى يتم التغلب عليها، يجب الاستعانة نوعاً ما بالفحص السقراطي، الذي تتم من خلاله، أثناء اللقاء الشخصي، عملية التشكيك بالكليشيهات.

******

الهوامش

1) Vgl. Apologie, 38a.

2) Ebenda, 40c-41c.

3) Herodot, Geschichten, 3-38.

4) كُتب هذا الفصل قبل عدة سنوات من بدء الربيع العربي. تعزز التغييرات في المشهد السياسي العام من مرافعتي بخصوص الفلسفة، فهناك الكثير من الناس في العديد من مناطق الشرق الأوسط، لديهم اليوم الإمكانيات لوضع أفكارهم السياسية في حيز الممارسة العملية.

5) Vgl. Stroumsa (1999), Kap. 3.

6) Vgl. Widerlegung der Logiker, besonderes Abschnitt 319-321.

7) Zum politischen Denken im Islam vgl etwa Crone (2004).

8) Der Staat VI, 488a-489a.

9) Der Staat II, 359a-360a.

10) Zu al-Färäbis Religionsbegriff siehe Fraenkel (2012), Kap. 3.

11) Vgl. beispielweise al-Färäbi, The Attainment of Happiness, arab, S. 185, engl. S. 45, und Maimonides, Wegweiser für die Verwirrten, 1.8-9.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This