جحيم حيّ: حروب صغيرة بالحبر

صدر عن دار «فضاءات» للنشر والتوزيع/ عمان – الأردن للشاعر الكردي «إدريس سالم» باكورة عمله الشعري، والتي تحمل عنوان «جحيم حيّ»، وتقع المجموعة في (132) صفحة من القطع المتوسّط، تتوزّع على عشرين عنواناً، يستهلّها بنصّ يحمل عنوان «وحي الحرائق»، ويبدأ باسم نمرود؛ كإسقاط رمز تاريخي، ليبدأ به القصيدة التي جاءت في الصفحة السابعة:

– 1 –

أنا نمرودُ

كنتُ خامِداً بناري

وحصادٌ تسوّلَ

بينَ حيرةٍ خضراءَ،

وخوفٍ أصفر.

– 2 –

أنا نمرودُ

سأتركُ لكم

ما تشتهون

من سنابلَ نائمةً،

وجداولَ مسجونةً

في تجاعيد جِباهٍ

مرعوبةٍ من قرار.

يترك لنا سالم في الترابط العضوي للقصيدة، خطوات الليل وحرائق تجرّ خلفها الرماد والخراب، وكمّ كبير من الأسئلة، ويستنجد بالمجهول من عطشه، ويشير بسبابة الاتّهام إلى أناس غير مرئيين أو أشياء تتراءى له ليقول «لا للأمجاد الكاذبة»، ويناجي ديمومة الخصوبة واستمرار العطاء للسنابل، ليحال كل شيء في النهاية إلى المحرقة – ليل – مثل تلميذ صغير يتلمّس الحرف، ليقبض على المعنى بإضافتها إلى حرف آخر، يشكو دفتره الصغير, يشكو وطأةَ الظلمة بالنيران من وحي الحرائق وليلاً مشتعلاً فاجأه مخاض الرماد، ويتشبّث بالحبل السرّي للمتن؛ كيلا يسقط، رافضاً أن يحيا معنا في هذه المحرقة.

وفي قصيدة «سقوط الآلهة»، من الصفحة التاسعة عشر، يقول:

سقطَتْ مدينةٌ أخرى

من كتفَيْ ذاك الإله

انحنَتْ جذوعُ الكرْمِ

بصوت مُتهدِّجٍ

قَلَّ النُّعَاة

كَثُرَتِ النعايا.

لا تخلو هذه القصيدة من المباشرة، رغم أنها أيضاً تتبرّج بصور جميلة، واللغة هنا تمّ بها صياغة الجمل الشعرية بشكل التفافي، وكان من الأيسر أن تقوم المفردة بوظيفتها الجمالية بشكل أبسط. كلمات مثل هذه تنفخ في المتن وتفقده رشاقته.

 

اعتنوا بالأحياء

بالمُحَمدِلين

المُحوقِلين

المُبسمِلين…،

والمهرولين تحتَ نعالِ المُتأمّعين.

الموتُ… مُستبدٌّ

لا يشبعْ.

وأعتقد أن هذه المفردات، التي جاءت في الصفحتين (22 – 23)، وكثيرة أخرى مثل الحمير، الدجاج والغوريلات لم تخدم النصّ، أو أنها لم تأتِ في مكانها المناسب. أعلم مقت الشاعر, فهذا سلاحه مقابل واقع رديء معطوب تنتهك فيه المدن وتُهان إنسانية الإنسان, هو يريد أن يلوي عنق الواقع بهذه المفردات، ولست مع دُعاة التهذيب في النص، وإن هذه المفردة أو تلك لديها مخالب تنهش في اللحم الطري للحياء العام.

ما أردت قوله هو أن الشاعر لم يقم بتوظيف تلك المفردات في مكانها الصحيح، لتعطي قوة وجمالية في النص، لكل صهوة فارس، ترحل به السنابك إلى حيث ما يريد، الوطن والانتماء كريح تحمله، هو شاهد الذئاب تعوي، وتنهش من لحم الوطن، حملت له الريح العويل وفي مأتم النص زارته بيوت الثكلى.

«جحيم حيّ» والذي يحمل عنوان المجموعة الشعرية للشاعر إدريس سالم, فهي مجزّأة إلى ثلاثة عشر مقطعاً: يتميّز العنوان بفكر إبداعي غير مستهلك، والنص يظهر لنا بوضوح مشاعر إنسانية تتمنطق بكمية من الإبداع، فالساحة الشعرية وقصيدة النثر بحاجة كبيرة لهكذا نوعية من الإبداع. عنوان النص ملائم للمحتوى، الذي يمكن تناوله بأكثر من زاوية, بالطبع يكون التصوّر والرؤية مختلفان من شخص لآخر، هكذا قام بصياغة النص، فيقول في الصفحة السابعة والأربعين:

أرواحٌ بربريةٌ

تجري في عروق الصِّراطِ

جماجمُ مناجمُ للهزائم.

مِلحٌ يعاركُ الخبزَ

خبزٌ يعاركُ الموائدَ

والكراسي غنيمةٌ

تتعاركُ عليها لغاتٌ عاريةٌ

فيتناسلُ الخرابُ

في قصعة صَدئة.

لا يدعنا أن نصم في هذا المقطع, فنحن أمام الأسئلة الوجودية، اللغة: دليل الهوية. الكراسي: السلطة. الخبز: الوجود والاستمرارية…، فيلوك المعاني ويمضغها بصمت، أما الصفة في آخر كلمة من المقطع لو بقيت القصعة كما هي لبقيت الخاتمة أجمل، وبالنسبة للقارئ المدقّق، سيجد مواطن الضعف والقوة بامتلاكه خيالاً أرْحب يمكنه إدراك كل أبعاد النص، عبر ركن المفردات وما بين السطور.

أما في المقطع الرابع من نفس القصيدة:

أبناءُ ذاك السجّانِ المَكْنونِ

يجنّدون

فراشاتٍ وليموناً

يعتقلون

حبّاتِ قمحٍ وزيتوناً

يصادرون الأكواخَ

يُصقعون التنانيرَ

ويغتالون الحَنجَرةَ

من فم القانون.

الفراشات والقمح والزيتون رموز في داخل, تظهر هنا وهناك للدلالة على الوطن، يستخدم رمزية الأسماء والأشياء ليحاكي بها أشياء أكبر وأعمق من خلال الجملة الشعرية، كطاعون الليل، ليقول في مكان آخر من نفس القصيدة «نحن نشتري الحروب» في شمس نهاره، يزرع أرضه مقابر، خطف، نهب، قتل، الرصاص يقود القافلة إلى حتفها، لتغادرنا أقدارنا وتسكننا في انحدار مهلك، يبحث عن فسحة أمل في كل هذا القهر الذي لا يغادره، يسخر من الظلمة ليعيد تمائم الفرح المصادر، ليأخذ الأموات قيلولتهم في باطن الأرض، ليختتم «جحيم حيّ» بهذا المقطع:

نحن…

خاسرون دائماً

أمامَ هذا الجحيم

تائهون دائماً

أمام الأنبياءِ

والرهبان…

فالشاعر لم يكن إلا على هذا التفكير، لا ثروة لي سواها، رأس ماله هذه الكلمات، ليحاكم الكون من حوله، هو شاهد على كل هذا القبح لا يملك مثل الأرباب, الخطة القادمة، لا يملك سوى هذه الكيدية في المفردات, عندما يخذلك الأنبياء والكهنة, إنها أخطاؤه وأخطاء تلك الذرية التي امتهنت القتل والسلب، فهو يسحب البساط من تحت أقدامهم، يعلن ردود أفعاله على هيئة حروب صغيرة لا يستهلك فيها سوى الحبر، يقول بذلك، لا جدوى من السكوت، ولا من تلك المساحات التي ينبت فيها عشب أسئلة الحيرة، كل ذلك ولم يحصل على الأجوبة بشكل كافٍ، ويغسل يديه من التراب ويمضي إلى زرع نبتة أخرى.

ومن «بقايا امرأة»، يقول:

أكتبُ لبقايا امرأةٍ

خطفوا منها قدسيةَ أصابعِها

مزّقوا رغبتَها

على وسادة بَلهاء.

أكتبُ لبقايا مُهتجِنةٍ مَحفورةٍ

بفأس الفحولِ

تفأدُ من أوْصَاب

مَجنون رسميّ مُفَرْتك

من أخٍ خَتّارٍ

ووريثِ شيطنةٍ

تتفرعَنُ…

فتسيلُ أنهارُ الضبابِ

قريباً من هنا،

والقمرُ يسكبُ دخَاناً

على حدائق الشبق.

بعض الكلمات التي صاغ بها الشاعر هذه القصيدة تجعل من المفردات المعجمية غير ذات قيمة، كأنها تضع حجراً في مجرى الجدول يحدّ من جريانه، في اللحظة الأخيرة من هذه الرؤية والقراءة في المجموعة الشعرية الأولى للصديق الشاعر «إدريس سالم» أرجو أن أكون منصفاً وموضوعياً بحقّ ما قرأت واستمتعت به. تعثرنا في باب ذاكرته بالكوابيس وزهور محترقة، والتهمت مع القراءة فناجين نيّئة من القهوة، وكمّية من السجائر، كنت أنتقل بها ومعها من عالم إلى آخر، أسكب قلبي في المتن، وأمضي قبل النوم، تجاوزت ظلي في المنعطف الآخر، ثم سرى على جسدي موسيقى الحرف، في مقطع ما شعرت بالسكينة والهدوء, وفي آخر بالنزق والغضب، لكن الكلمات كانت كموجات خفية تقودني إلى النهاية، لنقرأه بهدوء, ولن نشكو من غياب الوقت.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This