إذا رأيتمُ المدّاحين…

قراءة في كتاب "القصيدة الإعلاميّة في الشّعر العراقيّ الحديث

كل إنسان له وعليه، فليس ثمة من كامل الأوصاف، لا يأتيه النقصان من بين يديه أو من خلفه. من هنا جاءت مقولة “كمال الإنسان في نقصه”، فكم من أسماء لامعة في الشعر، على سبيل المثال، كانت قامات شامخة، ولكنها سقطتْ في مقلب المديح والتكسّب، بل وانطبعتْ صورة نمطية في أذهان الكثيرين عنها، لا يغادر صورة المتملّق، المتزلّف، الطامع بحطام الدنيا، المتناقض مع ما يقوله في مجالات أخرى ومعتركات تشهد له بالرصانة وقوة اللفظ وتمام المعنى، ومن ابتداعه الصور المبتكرة، بل فوق ذلك كله ما سجله من مواقف شجاعة يسجل لها التاريخ كل إكبار.  فهل “غادر الشعراء من مُتردّم؟”.

لقد ارتبط الشعر بالسلطة والسياسة منذ العصر الجاهلي، فدفعت الرغبة بعطايا الملوك وأرباب الدول، والرهبة من بطشهم وسطوتهم، وحبّهم، والتعلّق الشديد بهم، الشعراء إلى مديحهم، وترويج سياستهم، وقام الحكام  بدورهم إذ أغدقوا الأموال على مقرّبيهم ومادحيهم من الشعراء، فعاش بعضهم حياة رغيدة في أكناف الملوك والأمراء والخلفاء. ولم تنشأ هذه العلاقة من فراغ فقد كان للشعر دوره العظيم حين قام مقام وسائل الإعلام في عصرنا الراهن في إشاعة مناقب أرباب السلطة الحاكمة، ونشر مآثرهم وسياساتهم، حتى أضحى الشعراء جزء لا يتجزأ من أدوات الحكم والسياسة، وهذا الدور المهم للشاعر هو الذي جعل خليفة مثل عبدالملك بن مروان يستقبل شاعراً مثل الأخطل في مجلسه، ولحيته تفوح منها رائحة الخمر. كما جاء في كتب التراث المستهجنة لفعل هذا الخليفة.

بين يدينا كتاب “القصيدة الإعلامية في الشعر العراقي الحديث” للشاعر الدكتور حسين القاصد وقد صدر عن دار ميزوبوتاميا في بغداد. يرصد الكتاب القصيدة الإعلامية في الشعر العراقي الحديث وعوامل انتشارها والمساهمة في نقد المؤسسة الإعلامية المروّجة لها، على أن المؤلف لم يكن بصدد الوقوف مع أو ضد هذا الشاعر أو ذاك، ولم يكن يستهدف شاعراً بعينه بقدر ما كان الكتاب معنيّاً بتشخيص ظاهرة القصيدة الإعلامية. وقد انتبه ساسة العراق إلى تاريخهم العباسي، فوجدوا أن صرخة وامعتصماه لم تنتشر عبر صحيفة أو تلفاز بل عبر شاعر اختصر الزمن وظل معاصراً لكل جيل بعد أن توفرتْ له أسباب الشهرة الفنية فقام باستهلاكها إعلامياً. وقد بقي النقد الأدبي يدور حول نفسه، كما يقول الكاتب، منذ أن نطق أول ما نطق به ليتناول أول ما جاء على لسان البشر من الشعر، ثم أخذ يضع القوالب والقوانين، حتى هشّم إطار الصورة ودخل إلى عمقها وراح يبحث في التشبيه والمجاز والاستعارة، وحين اتسع أخذ يتوزع على مناهج عدة، وحين أزعجه حضور المؤلف بقوة، أطلق عليه رصاصة الرحمة؛ فأعلنوا موت المؤلف، ثم تسلل المؤلف إلى الحياة وعاد من جديد دون إصدار شهادة ميلاد (نقدية). وطيلة هذه الفترة المضنية ومنذ نعومة أظفار الشعر والنقد- لاسيما العربي – أشيد بدور الشاعر الناطق بلسان قبيلته، ثم دولته، ولم يلتفتْ أحد إلى أن وجود الخبر الشعري، أو القصيدة الشعرية، كان سببه عدم وجود صحيفة، أو إذاعة أو أية وسيلة إعلام، وحين توفرت هذه الوسائل على الشاعر أن يتذكّر أنه شاعر ويعود للقصيدة لا للخبر الصحفي. من هنا يأخذنا القاصد في كتابه “القصيدة الإعلامية” عبر ثلاثة فصول، بحث فيها في الفصل الأول الذي حمل عنوان، “الحواضن الثقافية للقصيدة الإعلامية”، علاقة القصيدة الإعلامية بالتراث وجذورها الأولى، ووقف عند القصيدة التي أسماها “المستعملة”، وقصائد المناسبات. ووقف عند عدد من المحاور بدأها بحاضنة التراث الذي هو من أهم الآبار التي يغرف منها الشاعر (ولعل من أهم آثار القصيدة الجاهلية في نفوس الشعراء والنقاد هو أنها أكدت النظرة العربية البدوية في وجود “مثل أعلى للرجل، ومثل أعلى للمرأة، فصار الشاعر يحرص أن يكون ممدوحه أو حبيبته صورة حيّة عن هذا المثل أو ذاك) وهكذا وضع الشاعر القديم خريطة طريق يمكن لأخلافه التحرك فيها فالمعاني التي سبق إليها الشاعر العباسي ظلت قائمة في نفسه ونفوس الآخرين فليس بمستطاعه الخروج عليها إلا بمقدار ما تبدّل الحضارة من مفاهيم لأن (هناك صورة للشاعر في تراثنا هي صورة المادح الذي يجعل من الشعر حانوتاً يجول به على طالبي المديح، وهي الصورة الغالبة التي استمرت دهراً طويلاً، نتيجة تعقّد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وصورة أخرى هي صورة الشاعر اللاهي الذي يغنم من الحاضر لذاته دون أن يعبأ بشيء سوى هذه اللذات، احتجاجاً منه على فساد حاضره السياسي والاجتماعي . وبرأي الكاتب أن كل شاعر حديث يذهب ليغوص في أسباب نجاح الشاعر الذي وصله من التراث وسرعان ما يتقمّصه لينال من الحظ ما ناله السلف الذي تحدّى الزمن (فالمتنبي مخبوء في شوقي وأبو تمام في السيّاب وعمر بن أبي ربيعة في نزار قباني). ثم يتناول القاصد في محور آخر الأنساق التي أورثها السلف للخلف من نسق التفرّد الذي أظهر شعراء الدولة وشعراء البلاط، إلى نسق العبودية الذي رافق عهد الاحتلالات منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومعارك التصريحات والتعليقات بين الرصافي والزهاوي خير دليل على ذلك. وصولاً إلى المحور الآخر وهو القصيدة الإعلامية، والشعر الإعلامي الذي ازدهر في ظل الديكتاتورية، فازدهرت قصائد الاحتفالات، من مثل يوم تأميم النفط، ويوم الجبهة الوطنية، وهكذا تجد شاعر بقامة الجواهري ينزل من قصيدة “قف بالمعرة وامسح خدها التربا” إلى مستوى لا يرقى إلى عمود من أعمدته الصحفية، ولقارئ أن يتفحّص مدائح الجواهري التي وزرعها بين المتناقضين ليرى بنفسه أن الجواهري يكتب الخطبة الموزونة حين يلجأ إلى القصيدة الإعلامية. والشواهد على ذلك كثيرة نقتطف هنا بعضا منها دون أن نغفل قصائد أخرى بمنتهى الجمال والسبك والعذوبة والصور المبتكرة.

من هذه المقتطفات المدائح التالية:

في مديح  المرشد الإيراني علي خامنئي يقول:

سيدي أيها الأعز الأجلّ……أنت ذو منة وأنت المدلُّ

يعجز الحرف أن يوفّي عظيماً…كلما قيل في سواه يقلُّ

في مديح الرئيس السوري حافظ الأسد:

سلاماً أيها الأسد …سلمتَ وتسلم البلدُ

وتسلمُ أمة فخرت…بأنك فخر من تلدٌ

وفي مديح الملك الأردني حسين:

يا سيدي اسعف فمي ليقولا …في عيد مولدك الجميل جميلا

وفي مديح الملك المغربي الحسن الثاني:

أنا غرسكم أغلى أبوك محلتي ….. نُبلاً وشرّف فضل جدك مقعدي

….

وهو نفسه القائل ذات ثورة:

أنا حتفهم ألج البيوت عليهمُ……أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

وقال ذات أمل:

سيخرجُ من صميمِ اليأس جيلٌ….شديدُ البأس جبارٌ عنيدُ

يقايض ما يكون بما يُرجى…  ويعطفُ ما يُراد لما يريدُ

وقال ذات حب:

لمي لهاتيك لمّا…وقربي الشفتينِ…بابين للجنتين…والموتُ ما بين بينِ….بُلي بذاك اللُسينِ…فماً تغشّته حمى…كغصن رمحٍ رديني….لم يروَ إلا ليضما…ما أطيب السمُ طعما…شربته مرتينِ…فزادني أقتينِ..دماً ولحماً وعظما…

….

توقف الكاتب في الفصل الثاني أمام كتاب “قصائد الميثاق” وقفة طويلة، بينما تفرغ الفصل الثالث إلى ما أطلق عليه (الزواج المؤقت) وهذا العنوان مستوحى من كتاب العلامة الدكتور محمد حسين الأعرجي: الجواهري- دراسة ووثائق. واتخذ منه القاصد تأسيساً لقراءة بعض القصائد الإعلامية وهي مثلها مثل أي وسيلة إعلامية يجب أن تعمل وتنطق باسم ممولها ومسئولها، ومثلها مثل أي علاقة زوجية مؤقتة يصاحبها التمني بأن تستمر وتمنعها الظروف المتغيرة لتمنح للطرفين حق البحث عن شريك للحياة ولعل ما أطلقه العلامة الأعرجي من صفة الزواج والطلاق بين الشاعر وممدوحه يحقق سبقاً.

سلّط الكاتب الضوء على العديد من شعراء القصيدة الإعلامية في الشعر العراقي الحديث، خصوصاً في زمن حروب الديكتاتورية، وما رافقها من بطش وتخوين وما زرعته في النفوس من الخوف بل والرعب، الذي قد يتعرض له أي مغرد خارج سرب المصفقين. واستشهد بقصائد للشعراء شفيق الكمالي وزهير الجيزاني وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمد حسين آل ياسين ويوسف الصائغ وغيرهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This