“الإسلام الفرنسي”.. هيكلة الإسلام وفق قيم العلمانية والجمهورية / حسام أبو حامد

قبل أيام قليلة، قتلت الشرطة الفرنسية بالرصاص شابا من أصول شيشانية (18 عاما) هاجم رجال الشرطة الذين حاولوا القبض عليه، لقتله رجلا (47 عاما) يدرّس التاريخ والجغرافيا في مدرسة في إحدى ضواحي باريس، قاطعا رأسه بسكين. وكان المدرّس قد عرض أمام تلاميذه (من الفئة العمرية 12-14) رسما كاريكاتوريا للنبي محمد، سبق أن نشرتها صحيفة شارلي إيبدو الساخرة. أثار تصرف المدرس استياء عدد من الآباء الذين قدم بعضهم شكاوى قانونية، وقال بعضهم إن المدرس عرض الرسوم كجزء من درس في التاريخ حول حرية التعبير، بعد أن طلب من الطلاب المسلمين مغادرة الفصل إذا رغبوا في ذلك احتراما، واصفين إياه بـ”المعلم الرائع” الذي حاول “تشجيع الروح النقدية لطلابه”. لاحقا اعتقلت الشرطة عددًا من المشتبه بهم في اشتراكهم في الجريمة. تعقيبا على الحادث، قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بعد زيارة للمدرسة التي كان يعمل فيها الأستاذ المقتول: “اغتيل أحد مواطنينا اليوم لأنه كان يدرّس. علّم طلّابه حرية التعبير وحرية الاعتقاد… لقد كان هجوما جبانا”، وأضاف أن المدرس “كان ضحية هجوم إرهابي إسلامي” سعى “لمهاجمة الجمهورية وقيمها”، واصفا المعركة ضد “الإرهاب الإسلامي” بأنها معركة “وجودية”[1].
أتت الجريمة البشعة بعد خطاب ألقاه ماكرون في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري في ليه موروه، أحد أحياء ضاحية باريس، دعا فيه إلى التصدي “للنزعة الإسلامية الراديكالية” الساعية إلى “إقامة نظام مواز” في فرنسا [2]، وهو الخطاب الذي قوبل بردات فعل في العالمين العربي والإسلامي تراوحت بين تنميط هذا الخطاب وزجه في سياق العنصرية، وبين التوتر والغضب وما يرافقه من شتائم، بينما كادت أن تغيب تلك الآراء الهادئة التي حافظت على قدر معقول من النقد المتزن. مثقفون وراود وسائل تواصل اجتماعي شككوا في نوايا ماكرون، وتساءلوا ما إذا كان جادا في حل مشاكل فرنسا الداخلية، أم أنه استخدم “الهجوم على الإسلام” أداة، في تحقيق مكاسب سياسية، وبهدف الخروج من مأزقه الداخلي، في ظل تدني شعبيته ومواجهته للعديد من المشاكل الاقتصادية.
الانتقادات، وتحديدا تلك الصادرة عن مسلمي فرنسا وممثليهم، دفعت وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان إلى أن يوضح أن “الفكرة كانت محاربة النزعة الانفصالية الرئيسية التي تكمن في الإسلام الراديكالي، ولكنها ليست الهدف الوحيد” من مشروع القانون، الذي هو ليس موجهًا ضد المسلمين في فرنسا، بل سيشمل كل الديانات. مشروع القانون الذي أعلنه الرئيس ماكرون هو جهد جماعي ما زال قيد الإنجاز سيعرض بصيغته النهائية على مجلس الوزراء بداية ديسمبر/ كانون الأول، ثم يناقشه البرلمان في النصف الأول من عام 2021. أعلن دارمانان حذف مصطلح “الانفصالي” من مشروع القانون، واقترح في أحد حواراته الإذاعية أن يسمى “”مشروع القانون الداعم للعلمانية وأسس الجمهورية”[3].
هل خلط ماكرون بين الإسلام والإسلاموية[4] في خطابه، أم أن الغاضبين اعتمدوا لفهم الخطاب على عبارات مقطوعة من سياقه العام؟ لماذا ينكر البعض على ماكرون سعيه لدعم المبادئ العلمانية للجمهورية الفرنسية؟ وأليس من حقه الحفاظ على تلك المبادئ؟ هل التوجه نحو إعادة هيكلة الإسلام ومأسسته يهدف إلى تحقيق مكاسب انتخابية آنية أم هو أمر يتعلق بتوجه مؤسساتي وتشريعي فرنسي عام؟ هل يمكن فهم العلاقة بين الإسلام والعلمانية في فرنسا دون العودة إلى السياق التاريخي والقانوني للمجتمع الفرنسي الذي يعد الإسلام ظاهرة حديثة نسبيا طارئة على هذا التاريخ؟
حاول ماكرون منذ توليه الرئاسة تهدئة الجدل الدائر حول العلمانية والإسلام، محذّرا من تطرف العلمانية في إشارة مبطنة الى العهد السابق، وهدفه المعلن حماية فرنسا من الأفكار العنيفة التي يتم التبشير بها باسم الإسلام. ويبدو أنه أدرك أن نهج فرض
الاعتدال من أعلى إلى أسفل سيكون في خطر دون الاهتمام بمطالب
المجتمعات المسلمة وعلاج أزمتها التمثيلية

خطاب مثير للجدل
في خطابه أكد ماكرون عزم الدولة الفرنسية على فرض احترام الجمهورية والعلمانية في كل مكان، دون تقديم تنازلات، وكشف عن خطة عمل ضد “النزعات الانفصالية”، وخصوصا النزعة الإسلاموية المتطرفة لمكافحة “من يوظّفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية، وهو موضوع حساس في فرنسا، بدأ العمل عليه في فبراير/ شباط، لكن الأزمة الصحية أعاقته”. واعتبر ماكرون أن “الإسلام دين يعيش اليوم أزمة في جميع أنحاء العالم” بسبب تجاذبات بين تيارات أصولية متطرفة، وتحدث بإسهاب عن “الانفصالية الإسلامية” في فرنسا التي أدت إلى “تسرب الأطفال من المدارس”، و”تطوير ممارسات رياضية وثقافية” خاصة بالمسلمين، و”التلقين العقائدي وإنكار مبادئنا على غرار المساواة بين الرجال والنساء”. رأى ماكرون في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية “عزما معلنا على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام مواز يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع”، ليعلن عن تدابير للمواجهة، نحو: إرغام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة التوقيع على ميثاق للعلمانية؛ فرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية؛ الحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي.
بيّن ماكرون أن هناك 50 ألف طفل يدرسون حاليا في المنزل. وشدد الرئيس الفرنسي على أن التعليم سيكون إلزاميا منذ سن الثالثة، وأن التعليم في المنزل سيكون من بداية العام الدراسي 2021، “مقتصرا بشكل صارم على المتطلبات الصحية على وجه الخصوص”. وأوضح “كل أسبوع، يبلغ مدراء المدارس عن حالات أطفال خارج النظام التعليمي بالكامل. كل شهر، يغلق محافظون “مدارس” يديرها غالبا متطرفون دينيون”، متحدثا عن أولياء أمور يرفضون مشاركة أطفالهم في دروس الموسيقى أو السباحة. وبيّن أن مشروع القانون يهدف إلى تعزيز العلمانية وترسيخ المبادئ الجمهورية “بعد 115 سنة من المصادقة النهائية على قانون 1905”.
دعا ماكرون إلى “فهم أفضل للإسلام” وتعليم اللغة العربية. كما تمنى “إسلاما يكون في سلام مع الجمهورية”، وخاليا من “التأثيرات الخارجية”، وقال إنه سيتم تعزيز الرقابة على تمويل دور العبادة، من خلال تشجيع الجمعيات الدينية الإسلامية على تغيير نظامها، ووضع حد لما وصفه بأنه “نظام التعتيم”. وقال “إن المسألة ليست مسألة حظر التمويل” الخارجي، “بل تنظيمه”. وأضاف أنه سيتم تضمين القانون “آلية تمنع الانقلاب” لمنع استيلاء متطرفين على المساجد. كما أشار ماكرون إلى إعلان صدر في شباط/ فبراير يقوم على إنهاء نظم الأئمة المبتعثين في غضون أربع سنوات، ويوجد من هؤلاء الأئمة 300 ترسلهم تركيا والمغرب والجزائر إلى المساجد الفرنسية، فضلا عن جامعي الزكاة خلال شهر رمضان. ولكي تتمكن فرنسا من تعويض هذا النقص، أكد أنه “اتفق مع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، المحاور الرئيسي للسلطات العامة، على أن ينتهي “في غضون 6 أشهر على الأكثر” من إعداد برنامج “تدريب الأئمة في بلادنا”.
وقال: “علينا معا، في صحوة جمهورية، أن نتصدى لأولئك الذين يبتغون الفصل فيما بيننا”، وإن المتطرفين يريدون أن يقدموا نسختهم على أنها مدعاة للفخر ومن حق الفرنسيين أن يفاخروا بمبادئ الجمهورية. كما مارس ماكرون نقدا ذاتيا حين اعتبر أن السلطات تتحمل قسما من المسؤولية حين سمحت بتطوير ظاهرة “تحول الأحياء إلى معازل”، فقامت بتجميع السكان بموجب أصولهم ومستوياتهم الاجتماعية، ولم تقدم ما يكفي لتحقيق الإدماج والاندماج، ولا ما يكفي من التطوير الاقتصادي والاجتماعي. مضيفا أن المشروع الإسلامي المتطرف بني على “تراجعنا وتخاذلنا”. وفيما يتعلق “بالماضي الاستعماري” لفرنسا، أوضح ماكرون: “لم تُحل بعض الصدمات بعد، بسبب حقائق راسخة في النفس الجماعية”، مشيرا إلى استعمار فرنسا للجزائر.

العشاء الأخير

بعد تشديد إجراءات كورونا في فرنسا، نشرت صحيفة لوموند الفرنسية، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، كاريكاتيرا حمل عنوان “لا يزيد عن 6 على الطاولة!” (! Pas plus de 6 à table)، حاكى لوحة العشاء الأخير للمسيح، ويطلب فيها من حوارييه ألا يجلس على الطاولة أكثر من ستة أشخاص، تماشيا مع إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضتها أزمة كورونا[5]. لم يثر ذلك ردود فعل غاضبة، على عكس تلك الانتقادات العنيفة التي أحدثها الرسم الكاريكاتوري المسيء للنبي الذي نشرته صحيفة تشارلي إيبدو عام 2015، كما لم يثر حتى ذلك الاستياء العارم الذي قوبل به خطاب ما كرون. بدا لكثير من المسلمين الذين يقدّسون المسيح وسائر الأنبياء، أن الأمر لا يخصهم كأنه شأن فرنسي خالص. وربما كان أحد أسباب التجاهل أنها مسألة غير قابلة للتوظيف السياسي باتجاه ما. أيضا، لم يثر الرسم حساسية تذكر لدى الرأي العام الفرنسي الذي اعتاد على انتقاد الرموز الدينية، إذ ينظر معظم الفرنسيين إلى أن أمّتهم قد ولدت نتاج ثورة ضد الكنيسة والملك، وكان عدم احترام هذه الرموز جزءا من هويتهم الثورية.
شهدت فرنسا على مدى القرون الثلاثة الماضية مواجهات متكررة، علنية حينا وضمنية أحيانا، بين “الجمهورية” و”الكنيسة”. فرنسا الجمهورية أرادت لنفسها، منذ الثورة الأولى، أن تنعتق من سلطة المؤسسة الدينية وسطوتها، وأن تحصر المرجعية الوطنية بما هو قابل للمساءلة من المواطن، وتمنع من يدّعي النطق بإرادة الإله من أن يعود بهذا المواطن إلى موقع الرعية[6]. واللائكية (laïcité) أو النسخة الفرنسية من العلمانية، أصبحت حالة قانونية تهم الدولة وهي مبنية على الصراع، أما العلمنة فحركة داخلية عفوية تاريخية تهم المجتمع. وهي على عكس اللائكية ليست موقفا سياسيا أو أيديولوجيا وإنما نسق تراكمي من التحولات يفقد معه الدين جاذبيته الاجتماعية. يمكن القول إن اللائكية هي التتويج النهائي لمسار العلمنة الذي شهده الواقع الفرنسي، ارتبطت بالمواجهة بين قوى مختلفة (سياسية، اجتماعية، ثقافية، دينية) حول السيطرة على مؤسسة الدولة، بهدف أن تصبح الحَكَمَ النهائي في تسيير مختلف المؤسسات بما فيها الدينية. وهي تضع وجها لوجه الديني مع السياسي في شكل صراع بين المؤسسات، وهذا ما يفسر عنف التحول من حالة لأخرى. وعلى خلاف المسار الفرنسي فإن التقليد الأنجلوساكسوني يستخدم كلمة علمنة (secularization) وكلمة تعلمن (secularism) وكذلك كلمة عَلماني (secularist)، وذلك تعبيرا عن مسار تاريخي لم يكن مسارا صداميا يفرض القطع الجذري كما كانت الحال في فرنسا.
مع ذلك يبدو أن تقليد مهاجمة الإكليروس وما يتصل به، بدأ يتراجع في فرنسا بعد خمس سنوات من الهجوم على مقر صحيفة شارلي إيبدو. وفي استطلاع أجرته “إيفوب” لصالح شارلي إيبدو في شباط/ فبراير من هذا العام، قال نصف الفرنسيين فقط إنهم يؤيدون “الحق في انتقاد معتقد أو رمز أو عقيدة دينية، حتى بشكل شائن”. كان معظم المعارضين تحت سن 25 [7]. ويبدو هذا تحولا لافتا بالنسبة لفرنسا بوصفها أول دولة أوروبية ألغت تجريم التجديف – رسميًا في عام 1881، وفعليا منذ ثورة 1789، وأقر مجلس النواب الفرنسي في 9 كانون الأول / ديسمبر 1905 قانونا، سُن خلال الجمهورية الثالثة، يضع أسس علمانية الدولة الفرنسية مستندا إلى ثلاثة مبادئ: حياد الدولة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، والسلطات العامة المتعلقة بالكنيسة. يُنظر إلى هذا القانون على أنه العمود الفقري للائكية. لكن يبدو أن التجديف أصبح تدريجيا من المحرمات، وباتت مناهضة الإكليروس ينطر اليها على أنها شيء مسيء. قد تكون هناك نزعة زاحفة للرقابة الذاتية، مدفوعة جزئيًا بالخوف من الانتقام العنيف كالذي مارسه الأخوان كواشي بحق تشارلي إيبدو.
المعلم صموئيل باتي
في كانون الثاني/ يناير، اندلع جدل متجدد حول حرية التعبير عندما تلقّت مراهقة فرنسية تهديدات بالقتل بسبب وصفها الإسلام بأنه “دين قذر” عبر حسابها على إنستغرام. تعرّضت وزيرة العدل الفرنسية آنذاك، نيكول بلوبي، لانتقادات واسعة حين شجبت التهديدات ضد الفتاة، ودافع الرئيس إيمانويل ماكرون بقوة عن المُراهِقة وحقّ الفرنسيين في “التجديف والانتقاد ورسم الدين بشكل كاريكاتوري”.
الإسلام والقيم الفرنسية
لا يمكن قراءة خطاب ماكرون على أنه مجرد تكتيك انتخابي، بل بوصفه مشروعا يلتفّ حوله عدد كبير من الفرنسيين، وبات توجها عاما لمؤسسات الدولة الفرنسية، فقد تولى ماكرون منصبه بعد عامين على مجزرة شارلي إيبدو، وما تبعها من هجمات إرهابية أخرى، مما أجبر فرنسا على إلقاء نظرة فاحصة على قيمها الجمهورية الأساسية، التي يرى الكثيرون أنها مهددة من قبل الإسلام الراديكالي، الذي شن سلسلة من الهجمات الإرهابية تستهدف الحريات العلمانية مثل حرية التعبير.
تبدو محاولة مأسسة أو إدارة الدين بطريقة مستساغة سياسيًا ولا تنفّر المسلمين أنفسهم مسألة معقدة، ففي حين أن تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين في أعقاب هجمات 2015 و2016 قد انحسر بشكل كبير، فإن العديد من المسلمين
يعتقدون أن التحيز ضدّهم لا يزال قائما

وألقى ماكرون هذا الخطاب الذي كان منتظرا بترقب شديد وأرجئ مرارا، في ظل ظروف ضاغطة بعد اعتداء بالساطور نفذه شاب باكستاني في باريس والمحاكمة الجارية في قضية الهجوم على شارلي إيبدو عام 2015. وتوجهات ماكرون ربما ليست جديدة، وإن كانت تبدو أكثر إصرارا، إذ حاولت الحكومات المتعاقبة منذ الثمانينيات إنشاء نوع من الإسلام خاص بفرنسا، بهدف مزدوج يتمثل في دمج الأقلية المسلمة في البلاد ومحاربة التطرف الإسلامي. كان الهدف هو خلق إسلام يتوافق مع القيم الوطنية، ولا سيما العلمانية، ويكون محصنًا من التفسيرات الراديكالية التي اكتسبت موطئ قدم لها في أجزاء معينة من العالم الإسلامي. ومن المفارقات أن المحاولات السابقة لتقنين نوع من الإسلام الفرنسي كانت متشابكة بعمق مع البلدان الأصلية للمسلمين الفرنسيين، وخاصة المغرب والجزائر وتركيا. في عام 2015، على سبيل المثال، وقّع الرئيس فرانسوا هولاند صفقة مع النظام الملكي المغربي لإرسال أئمة فرنسيين إلى معهد تدريب في الرباط. وهو ما تعامل معه ماكرون في خطابه على أنه خطأ ينبغي التراجع عنه، فأعلن أن مشروع القانون يشمل اخضاع نظام “الإلكو” لتعليم اللغات الأجنبية لإشراف مباشر من وزارة التربية الفرنسية، حتى لا يكون التعليم تحت وطأة التدخل الخارجي. ونوه أن مشروع القانون يشمل التوقف عن استقبال أئمة من الخارج والاستعاضة عنهم بأئمة تكوّنوا داخليا.
يُقدر عدد المسلمين في فرنسا بـ 6 ملايين – 8 في المائة من السكان – في صميم حساب معاصر للهوية الوطنية في بلد يتمسك بعلمانية الدولة، في الآونة الأخيرة، تم تطعيم هذا الجدل في الحرب ضد التطرف الإسلامي، ومنذ عام 2013، انضم وفق بعض التقديرات ما لا يقل عن 1700 مواطن فرنسي إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية؛ كان هؤلاء وراء العديد من الهجمات التي واجهتها فرنسا في عامي 2015 و2016. لكن القلق القومي من توافق الإسلام مع الجمهورية الفرنسية يعود على الأقل إلى السبعينيات والثمانينيات، عندما جاء المهاجرون الذين قدموا كعمال مؤقتين من المستعمرات الفرنسية السابقة (خاصة في شمال أفريقيا) وبدأوا في الاستقرار بشكل دائم في فرنسا. أطلق هذا الواقع العنان لسلسلة من محاولات الدولة لإدارة اندماج المسلمين. لكن كانت النتيجة أزمة في التمثيل والشرعية، فلم تمثّل المؤسسات القائمة التابعة للدولة والمجتمع المدني الجالية المسلمة هناك، مما أعاق اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي، الأمر الذي اعتبره ماكرون يخلق مساحة للأيديولوجيات المتطرفة، واعترف بمسؤولية فشل سياسات الجمهورية عن خلق هذه الأرضية الخصبة للتطرف، وزاد من جاذبية الحلول المغلوطة التي قدمتها الاشكال المتطرفة، فعلّمت الأطفال، وقدّمت خدمات رياضية وعمومية، لم تقدمها الجمهورية. لقد انتشرت الرسائل المتطرفة، وبنى المتطرفون مشاريعهم بسبب تقهقر الجمهورية وخدماتها.

إسلام فرنسي: الهيكلة من أعلى إلى أسفل
لوحة فنية تخلد ذكرى أعضاء صحيفة شارلي إيبدو الذين قتلوا على أيدي مسلحين في يناير/ كانون الثاني 2015 (AFP)
تزيد هذه الإجراءات المعلن عنها من مخاوف مسلمين فرنسيين من أن التعاطي مع أزمة الإسلاموية قد تتحوّل إلى معاملة غير عادلة وتمييزية تطالهم، ويثير نهج إعادة هيكلة الإسلام من أعلى إلى أسفل قلقا عند هؤلاء، لا سيما مع ذاكرة لا تزال تقبض على الإرث الاستعماري الفرنسي، وتنظر إليه كوسيلة لاستيعاب الإسلام إلى درجة الاضمحلال والتلاشي. ومع أن مبادرة ماكرون، بشأن إعادة هيكلة الإسلام وإنشاء اسلام فرنسي وصفه ماكرون بـ”إسلام التنوير”، تبدو أكثر جدية، إلا أنها ليست جديدة كليا، فقد سعت إلى ذلك حكومة هولاند، إلا أنها حاولت الاستعانة بمصادر خارجية للشؤون الدينية، ونظرت إلى حلفاء مثل المغرب، وفق مبدأ تفضيل “الإسلام الذي نعرفه”، لكن خطة ماكرون تتضمن قطع التمويل الأجنبي من أجل فصل المنظمات الإسلامية في فرنسا عن البلدان الأخرى، وتقنين التمويل المقدم من الدولة إلى الجمعيات، وإلزام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة على التوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية، فالمدارس يجب أن “تدرب مواطنين وليس مؤمنين”. كما تتضمن الخطة رعاية جيل من الأئمة “صنعوا في فرنسا”.
يفترض برنامج تدريب وطني لمحاربة التطرف مسبقًا أن الأئمة الذين ينشرون الكراهية هم في الحقيقة أجانب، لكن هذا ليس واقع الحال، فالتيارات السلفية مثلا اكتسبت زخمًا متزايدا داخل فرنسا، وبعض الأئمة الأكثر تشددا هم فرنسيون يتحدثون الفرنسية. وقد لا يستطيع إسلام فرنسي متنور، في حال أمكن صناعته من أعلى إلى أسفل، أن يحصّن فرنسا ضد التطرف، فليست كل دوافع التطرف دينية، فمعظم من قادوا الهجمات الإرهابية في فرنسا لم يكونوا مسلمين أتقياء يواظبون على الصلوات والدروس في المساجد رغم ممارستهم القتل باسم الدين، بل يمتلك معظمهم تاريخا جنائيا يتعلق بجرائم صغيرة، لكن قضاءهم فترات في السجون، جعلهم عرضة للأيديولوجيات المتطرفة. آخرون تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولم يتطرفوا بحكم بيئاتهم ومحيطهم الاجتماعي. أما استبدال أئمة سلفيين بآخرين معتدلين فلن يكون ممكنا دستوريا دون انتهاك مبدأ حياد الدولة بموجب قانون 1905. وبالإضافة إلى عدم وجود ضمانات لفعالية تلك الإجراءات، فهناك عقبات قانونية أيضا.
جاء العديد من السكان والطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والباريسيين للتجمع أمام المدرسة ووضعوا الزهور تكريما لصموئيل باتي (Getty)

على أن هذه الإشكالية الإسلامية في فرنسا ليست نتيجة حصرية للتشدد الإسلامي، بل هي أيضا وليدة التعقيدات المرتبطة بالمضمون النظري للنموذج الاجتماعي الثقافي السائد في فرنسا، كما في فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة في تطبيق هذا النموذج، على ما ينطوي عليه من قصور.[8] وفي عهد هولاند، استغل رئيس وزرائه، مانويل فالس، الهجمات الإرهابية للدفع قدما بأجندة معادية للدين باسم الأمن، من ذلك محاولته عام 2016 حظر ارتداء البوركيني على الشواطئ. ولا يزال يعتبر الإسلام “مشكلة” لفرنسا. حاول ماكرون منذ توليه الرئاسة تهدئة الجدل الدائر حول العلمانية والإسلام، محذّرا من تطرف العلمانية في إشارة مبطنة الى العهد السابق، وهدفه المعلن حماية فرنسا من الأفكار العنيفة التي يتم التبشير بها باسم الإسلام. ويبدو أنه أدرك أن نهج فرض الاعتدال من أعلى إلى أسفل سيكون في خطر دون الاهتمام بمطالب المجتمعات المسلمة وعلاج أزمتها التمثيلية، وهو ما وضع ماكرون يده عليه في خطابه، لكنه لم يوضّح بعد كيفية إنجاز ذلك.
تبدو محاولة مأسسة أو إدارة الدين بطريقة مستساغة سياسيًا ولا تنفّر المسلمين أنفسهم مسألة معقدة، ففي حين أن تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين في أعقاب هجمات 2015 و2016 قد انحسر بشكل كبير، فإن العديد من المسلمين يعتقدون أن التحيز ضدّهم لا يزال قائما، ومنتشر في المستويين الاجتماعي والقانوني، مستشهدين بقوانين مختلفة أحدها الذي صدر في العام 2004 ويحظر الرموز الدينية في المدارس العامة (بما في ذلك رموز الأديان الأخرى غير الإسلام)، وآخرها صدر في عام 2010 وحظر النقاب في الأماكن العامة. أشار ماكرون إلى أن الدولة ستكون لها السلطة في التدخل إذا قدمت السلطات المحلية تنازلات غير مقبولة للإسلاميين، وأن الحظر الذي فرضته بلاده على الشعارات والرموز الدينية، بما في ذلك الحجاب سيتم توسيعه، فلن يقتصر على موظفي القطاع العام، الذين عليهم أن يكونوا حياديين دينيا، بل سيشمل موظفي القطاع الخاص الذين يقدمون خدمات عامة. قد يبدو “الإسلام الفرنسي” الذي تسعى الدولة إلى خلقه بالنسبة لكثير من المسلمين أدوات لتأطيرهم وإخضاعهم وخنق التعبير الديني لديهم، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا لحضور الراديكالية الإسلامية وقدرتها على التأثير في تلك المشاعر وتوظيفها لخدمة أهدافها.
خاتمة
بعد أن أصبح الإسلام الراديكالي ظاهرة معولمة، من الحكمة الإقرار بأن إسلام القرن الحالي يعيش أزمة حقيقية تغذيها الصراعات المذهبية والحروب الأهلية والعداء للآخر والحنين إلى الماضي، في دول ومجتمعات فاشلة، لم ينجح الفكر الإسلامي نفسه في حل معضلاتها، ولا تجديد شبابها، ولا حتى في تقديم رؤية معاصرة لحياة المسلمين. ولا تبدو عملية تشكل إسلام فرنسي معتدل من أعلى إلى أسفل خطة مضمونة النتائج، وهي بكل حال عملية ستفتقد الشرعية في نظر المسلمين، وعلى الدولة الفرنسية أن تنقل مسؤولية ذلك إلى المسلمين الفرنسيين أنفسهم من النخبة والطبقة الوسطى الذين يؤمنون بالتقاء مصالحهم ومصالح الجمهورية الفرنسية، لتقديم نسخة عن الإسلام بالقطيعة مع الراديكالية الإسلامية، وعلى مسلمي فرنسا أنفسهم أخذ زمام المبادرة، والقيام بمهمتهم التاريخية.

* الحواشي والمراجع:
[1] Kim Willsher, Macron speaks of ‘existential’ fight against terrorism after teacher killed in France, The Guardian, 17 Oct 2020, https://bit.ly/2T40h77

[2] خطاب ماكرون كاملا على قناة فرانس 24، على الرابط: https://bit.ly/347x3KZ

[3] تقرير لقناة فرانس 24، وزير الداخلية الفرنسي يعلن حذف مصطلح “الانفصالي” من مشروع القانون المثير للجدل الخاص بالإسلام، 06/10/2020، على الرابط: https://bit.ly/2Hc9rvZ

[4] على طول خطابه يستخدم ماكرون مصطلحات الإسلاموية والإسلامويين، فالإسلام ((Islam والإسلامية (islamiste) تشير إلى العقيدة الدينية التي يؤمن بها 1.6 مليار شخص في العالم، في حين أن الإسلاموية (Islamisme) هي الأيديولوجيا السياسية التي تتبناها المجموعات المتطرفة التي تستعير مفاهيم مثل الشريعة والجهاد وغيرهما، من النصوص الإسلامية، وتعيد تفسيرها لتكتسب الشرعية من أجل تحقيق أهدافها السياسية.

[5] كاريكاتير صحيفة لوموند على موقعها الرسمي: https://bit.ly/3j3vW2T

[6] حسن منيمنة، أزمة إسلام فرنسا أزمة فرنسية، 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، موقع قناة الحرة، على الرابط: https://arbne.ws/2T6qu52

[7] Is France turning its back on blasphemy?, Report by AFP, 28/08/2020, at: https://bit.ly/357m6YZ

[8] حسن منيمنة، نفسه

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This