التّصورات الفلسفيّة في الفيزياء التّقليديّة

نموذج نيوتن ولابلاس

مقدمة

بالإطار العام، لم تستطيع الفيزياء التقليدية أن تخرج عن التصورات الفكرية السائدة القائلة بالمرجع الوحيد للعالم، كما لم تكن تستطيع الخروج عن التصور البسيط اليقيني الشمولي لكون متناغم منسجم سرمدي تسوده قوانين وصيغ بسيطة تكفي معرفتها في فهم أعقد ألغاز هذا العالم. هنا نجد بدايات ما يعرف بفلسفة الفيزياء التقليدية، التي أخذت بالانفصال رويداً رويداً عن التصورات الميتافيزيقية للعالم بقفزات ثورية جبارة، حيث توصل كبلر (1570 – 1630) بعد ثلاثين عاماً من الجهد والعمل، إلى ثلاث علاقات رياضية بسيطة يمكن أن تصف حركات الكواكب في السماء، فوضع أسس النزعة التجريبية في البحث العلمي من خلال اختباره المتكرر للنظرية مع المقابلة بالملاحظة ليضع نموذجاً مبكراً لما ندعوه الآن بالعلم الحديث.

وبالتوازي مع كبلر، كان غاليليو (1564 – 1642) قد أدرك أهمية الفكر الرياضي في تطور مبادئ الطبيعة وفهم قوانينها، كما بدأ هو نفسه مهمة تطبيق تلك المبادئ في دراسته للظواهر الفيزيائية محاولاً بذلك إثبات أن كل ظاهرة فيزيائية مشتملة على خواص قابلة للقياس، يمكن أن تصاغ صياغة رياضية. كذلك ذهب إلى أن صياغة مسألة ما صياغة رياضية، يمكن أن يؤدي مع استخدام بعض المعالجات الرياضية إلى نتائج ليس بالإمكان ملاحظتها مباشرة في الظواهر نفسها، ومن هنا يمكن اعتبار غاليليو من رواد الفكر النظري في الفيزياء، بل يمكننا اعتباره ممثل ثوري للفكر. وهذا بدوره مهد لظهور نيوتن (1642 – 1727) الممثل الأبرز للفكر الفيزيائي التقليدي وفلسفته.

نيوتن

يقول أينشتاين عن نيوتن: “لم يكن نيوتن ألمعياً لأنه اخترع بعض الطرق المفتاحية التي حددت مجرى الفكر البشري فحسب، بل لأنه أحاط بشكل فريد بكل عناصر المعرفة التجريبية التي وصل إليها الإنسان في أيامه، ولكي ندرك ذلك بوضوح ينبغي أن لا يغيب عن بالنا أنه قبل نيوتن، لم يكن يوجد أي مذهب فكري قائم بذاته للسببية الفيزيائية بحيث يمكن أن يوضح بشكل ما أياً من الملامح الأصلية لدينا التجربة. فقبل نيوتن لم يكن ثمة نتائج واقعية من نوع يساند الاعتقاد بوجود سلسلة كاملة من السببية الفيزيائية”. لقد تمتع نيوتن بقوة حدس عجيبة، فكان يخمّن طريقة عمل قانونه الفيزيائي الذي هو بصدد اكتشافه، وبعد ذلك يختبر حدسه بشأنه تجريبياً، ومن ثم يعمد إلى تعميم تفسيره ليشمل كل ما له علاقة بتطبيقاته. لقد صاغ نيوتن كافة قوانينه بطريقة تمكنها من تأطير المشاهدات الطبيعية وإخضاعها لنظام منطقي شديد التماسك، أي صبّها في قالب رياضي رصين عصي على التفنيد، دون التطرق لتفسير كنهها.

لقد ساد علوم العصر الذي ظهر فيه نيوتن جو مثير، حيث راح العقل البشري يفهم ويقتحم ظواهر الطبيعة واحدة بعد أخرى بدءً من الميكانيك، ثم الحرارة، فالأمواج، فالصوت، فالضوء، فالمغنطيسية، فالكهرباء. وكان ذلك يتم بآليات متشابهة تعتمد الفكر التجريبي الذي ظهر كمعجزة كبيرة للوصول نحو الحقيقة النهائية حيث تحقق النجاح وخُلقت صيغة للتحديد التقليدي للعالم. فإذا كانت المعادلات تصف نشأة جملة ما وصفاً وحيداً ودون أي تأثير خارجي عشوائي، فإن سلوك هذه الجملة في أية لحظة زمنية لاحقة سوف يحدد وبشكل دقيق.

لقد تبلورت هذه الصورة للكون كبنية مادية متطورة مع ثورة نيوتن في الفيزياء الميكانيكية التي تمخض عنها نتائج اجتماعية هامة رسختها التطورات التقنية، كبزوغ عصر الآلات الصناعية، حيث ظهرت بشكل جلي أولى بوادر التأثير المتبادل بين الفكر والواقع باعتبار أن هذه الآلات التقنية تقوم على أساس الفهم الميكانيكي للمادة، حيث أوجدت فيزياء نيوتن رباطاً وثيقاً بين السبب والنتيجة، وبين أجزاء المادة والعالم، وبين الجاذبية وقوانين الحركة، إذ يتطلب الحساب الميكانيكي أن تتحرك المادة بناءً على قوانين رياضية قاطعة ليس ثمة مجال فيها لحوادث غامضة ذاتية الفعالية. وهو الأمر الذي ساعد على إعطاء مفهوم تعليلي مقنع لحركات القمر والأجرام، ومسارات المذنبات، وتاريخ الثورات، وأمزجة البشر…. حيث تحول الكون إلى مواد خامدة مرتبطة بآلة هائلة منضبطة كالساعة، تتحكم بكل مظاهر الكون المختلفة بما فيها بيولوجية الإنسان.

إن قوانين الفيزياء التي بدت قبل نيوتن مجموعة قواعد تجريبية استخرجت عبر تحليل حذر لكتلة الوقائع، أصبحت مع فيزياء نيوتن تعبر عن المبادئ، أي القوانين العمومية التي تطيعها الطبيعة وينتج عنها القوانين التجريبية السابقة كمحصلة منطقية ورياضية لها. فالعالم أصبح من أخف وأبسط عناصره، إلى أكثرها تركيباً وتعقيداً وضخامة، تخضع للقوانين ذاتها. ثلاثة قوانين بسيطة وفق التالي:

  • يستمر الجسم في حالة حركة منتظمة على خط مستقيم، ما لم يخضع لقوة.
  • يتناسب تسارع الجسم مع القوة المسلطة عليه.
  • لكل فعل رد فعل يساويه بالشدة ويعاكسه في الاتجاه.

القانون الأول: ليس سوى إعادة توكيد لملاحظة غاليليو المضادة لمذهب أرسطو، ويسمى بقانون العطالة.

أما القانون الثاني: فيعتبر أغنى قوانينه الثلاثة، لأنه يسمح لنا بحساب مسار جسيم خلال منطقة توجد فيها قوى مؤثرة في الجسيم. وعندما تُدفع قوة من الخلف، فإننا نسير بسرعة أعلى بنفس الاتجاه، وعندما تُدفع من الأمام، فإن حركتنا تتباطأ، وإذا دُفعت من جانبه، فإننا ننحرف بالاتجاه الذي تدفعنا القوة فيه، فيكتب القانون بصيغة أن القوة تساوي حاصل ضرب الكتلة بالتسارع، فإذا كان لدينا قوة مُعطاة، فإن التسارع يكون كبيراً عندما تكون الكتلة صغيرة، ويكون صغيراً عندما تكون الكتلة كبيرة. بعبارة أخرى، تشير الكتلة العطالية الكبيرة إلى استجابة ضعيفة، والعكس بالعكس، فتتحدد القوة بدلالة الكتلة، والكتلة بدلالة القوة. ولما كان التسارع هو المعدل الذي تتغير فيه السرعة، فمن المحتمل أن تُحبّذ وجود طرقة مدفونة في قانونه، هدفها التنبؤ بمسار جسيم خاضع لقوة معطاة، يمكن أن تتغير من مكان لآخر، وتأخذ قيماً مختلفة فن أوقات مختلفة، وبالتالي إذا عرفنا مكان جسيم – أو حتى مجموعة من الجسيمات – في زمن معطى، فبإمكاننا، من حيث المبدأ التنبؤ بمكان وجوده، وإلى أين هو ذاهب في أي وقت لاحق، وهذا التنبؤ الافتراضي، يعتبر واحداً من أهم استنتاجات الميكانيك الكلاسيكي عبقرية.

أما القانون الثالث في الفعل ورد الفعل: فأهميته تتجلى في أنه يستلزم قانون “انحفاظ” وهي دعوى أن شيئاً ما لا يتغير، فهو يوفر نظرة عميقة في تناظر النظم، وتناظرات الزمان والمكان. فإذا كان قانون نيوتن الثاني يمثل تقريراً لانحفاظ الطاقة، باعتباره نتيجة مباشرة لسلاسة الزمان، نجد أن القانون الثالث يعتبر نتيجة مباشرة لسلاسة المكان.

لقد جاءت هذه القوانين كصياغة نظرية تجمع صورة شمولية تشكل الأساس الفلسفي والفيزيائي للمبدأ الحتمي الذي يسيطر على العالم بدءً من السكتة القلبية، انتهاءً بظهور الإمبراطوريات وسقوطها. وبالتالي فإن الخضوع للقوانين الفيزيائية الكونية، هو قَدر كل الكائنات الحية وغير الحية على السواء، فكان الطموح الفيزيائي عندها يتمحور حول فهم الطبيعة فهماً نهائياً باكتشاف القوة الخفية التي كانت سبب ما يحدث، وبمجرد أن نعثر على هذه القوة، لم يعد للعالم مكان للإرادة الحرة أساساً، أو الحب، أو الكره، أو الاختيار، إذ يقول نيوتن:” إن صغيرات الجسيمات المادية تتماسك اليوم بأشد التجاذبات، وتؤلف جسيمات أكبر بفاعلية أضعف، كما أن عدد من هذه الجسيمات الأكبر يمكن أن تتلاصق وتؤلف جسيمات أضخم تتماسك بمزيد من الضعف، وهكذا دواليك في تواليات شتى إلى أن تنتهي هذه السلسلة في أضخم الجسيمات التي تتناولها العمليات الكيماوية التي تتعلق بها ألوان الأجسام الطبيعية والتي تؤلف بالتماسك أجساماُ ذات حجم محسوس. وبناءً على ذلك، فإنه يوجد في الطبيعة قوى قادرة على أن تجعل جسيمات الجسم تتلاصق معاً بقوى تجاذب شديدة جداً ومن وظيفة الفلسفة التجريبية أن تكتشفها”. تمثل هذه العبارة جوهر الفكرة التي سادت خلال فترة سيادة الفكر الوثوقي الفيزيائي، حيث صورة الجسيمات التي تؤثر في بعضها بواسطة قوى معينة إحداها هي الثقالة، وبمعرفة أماكن وسرعات هذه الجسيمات في أية لحظة، ومعرفة حساب القوى المتبادلة فيما بينها، يستطيع المرء أن يستخدم قوانين الحركة للتنبؤ بأمكنة الجسيمات في أية لحظة لاحقة.

لقد استطاعت تصورات علماء الفيزياء الكلاسيكية بتأثير نيوتن، أن تقدم فيزياء سهلة بالإطار العام، لكن إذا ما تتبعناها في التفاصيل نجدها فيزياء معقدة من الناحية الابستمولوجية، فمن جهة أولى، يبدو العالم أبسط لأن نيوتن قدم الأسس العامة لتحليل كل حركة، فجاذبية الأرض مثلاً تحني جاذبية القمر الذي يحني بدوره جاذبية الأرض، لكن القمر يعاني انحناء أشد، لأن مادته أقل نسبة من مادة الأرض. والأمر نفسه يمكن تعميمه على حركة الأرض حول الشمس، وحركة الأجرام كلها في السماء، حيث استندت وسائل نيوتن الرياضية على عقيدة راسخة تقول أن الحركة استمرارية مهما كان نوعها، وأنه بالإمكان تقسيمها إلى أجزاء، وهذه الأجزاء يمكن أن تدرس كلاً في حينه، إذ أن كل جزء يتبع قانوناً صارماً.

ولكن من جهة أخرى، يبدو العالم أكثر تعقيداً، لأن له أجزاء عديدة جداً تؤلف مجموعها العالم كله، ولا يوجد شيء موضوع خارج العالم، وإذا ما لاحظت أن حركة ما انحرفت عن تلك القوانين، فما ذلك إلا لأن جسماً آخر حولها أثر فيها، وبالتالي يغدو العالم آلة ضخمة معقدة متقنة الصنع، بحيث يمكننا أن نتنبأ بالمسار المستقبلي لجسم متحرك، وأن نعرف مساره في الماضي إذا ما علمنا ظروفه الحاضرة والقوى المتسلطة عليه، ومن خلال ذلك يمكننا التنبؤ بالمسارات المستقبلية لكل الكواكب، على اعتبار أن القوى الفاعلة فيها هي واحدة وهي قوى التثاقل النيوتونية التي تتعلق بالمسافة فقط.

فتم بذلك اختزال المادة إلى مجموعة قوانين بسيطة وعامة تشمل الكون كله، على اعتبار أن ما ينطبق على الكل الكوني ينطبق على الجزئي، بما في ذلك الذرات، فكل الظواهر يمكن أن تفسر بفعل قوى الجذب والتنافر، والقوانين الميكانيكية التي تنظم حركة سقوط الحجر نحو الأرض، هي نفسها التي تتحكم في حركة دوران القمر حول الأرض. فتصبح الطبيعة عبارة عن آلة محكمة تسير وفق قوانين زمانية مكانية. وفي توصيف هذا السير يمكننا أن نضرب صفحاً عن الإنسان ومداخلاته، على اعتبار أن العنصر الذي كان يعتبر ثابتاً في تحول الظواهر هو المادة التي لا تتبدل في كتلتها والقابلة للحركة بفعل القوى المؤثرة عليها. إن تصور العالم في هذه الفيزياء كان بسيطاً قائم على أساس اعتباره مكون من ذرات تؤلف جوهر المادة الثابت اللامتغير، هذه الذرات تتحرك في المكان والزمان وتولّد بترتيبها وحركتها المظاهر المتنوعة من العالم المادي المحسوس.

وإذا كان الفلاسفة اليونان يقولون بأن الكل الملحوظ يفوق أجزائه، فإن عصر الفيزياء التقليدية وبتأثير مباشر من نيوتن، كان يرى بأن الكل يساوي مجموع أجزائه بالضبط لا أكثر ولا أقل، وبالتالي يمكن فهم الكل من الجزء، حيث لا يوجد أي قطع مفقودة، وبالإمكان حساب كل ما يمكن قياسه انطلاقاً من مفاهيم الانحفاظ، كالكتلة المنحفظة، والمادة المنحفظة، والاندفاع المنحفظ، والطاقة المنحفظة، وبالتالي الكون المنحفظ الباقي هو هو لا أكثر ولا أقل.

لقد وضع نيوتن صيغة قانون الثقالة في كتابه الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”. وبقي هذا الكتاب أعظم ما ُكتب من الأعمال العلمية في الفكر الفيزيائي التقليدي وأشدها تأثيراً على الإطلاق. لقد صاغ نيوتن كتابه على شكل سلسلة من البديهيات والبراهين بكلمات مكثفة جداً، فهو ليس من الكتب التي تسهل قراءتها، ويذكر أن نيوتن كان يسير في الشارع فمر به طالب قال معلقاً “هذا هو الرجل الذي يؤلف كتاباً لا يفهمه هو، ولا غيره”. وسبب تكثيف الكتاب يكمن في أنه عبّر من خلاله نيوتن على الصورة الفلسفية لمفهوم الحتمية في الفيزياء والكون المادي، فتحدث عن صانع ماهر صنع العالم وتركه يجري وحده وفقاً لجميع الأعمال الديناميكية التي تخضع لقانون الثقالة، هذا ما نفهمه بالضبط من قوانين نيوتن الثلاثة التي قدمها في كتابه المذكور بخصوص العطالة والقوة والتسارع والفعل ورد الفعل، إذ أراد أن يقول أن العالم بسيط في جوهره، ثابت في قوانينه، وهو التصور الذي استطاع أن يسود خلال القرنين السابع والثامن عشر. لقد اعتبر القوة (الثقالة) هي خاصية جوهرية في المادة التي تمتلكها كل الأجسام في العالم المادي، فتكون قوة الثقالة معتمدة حصراً على كمية المادة التي يحويها الجسم، وأي شيء من أصغر الذرات حتى بأكبر النجوم، يخضع لهذا القانون الثابت. إن القوانين الرياضية تربط جسيمات المادة بعضها ببعض فلا فوضى فيها ولا اختلاط. فأراد بذلك الجمع بين الفيزياء والفلك في علم مستقل يعالج حركة المادة، ووضع قوة الثقالة في الفراغ، فحقق بذلك حلم فيثاغورس وكوبرنيكوس وكبلر وغاليليو وغيرهم. ومع أن نيوتن كان غير قادر على اكتشاف السب الحقيقي لوجود قوة الثقالة نفسها، فإن القوانين التي صاغها تعطي برهاناً مقنعاً بأننا نعيش في كون يخضع لنظام محدد يمكن معرفة قوانينه.

وعلى الرغم من تصادم تصورات نيوتن مع تصورات بعض كبار فلاسفة وعلماء عصره، كلايبنتز وهويجنز ( 162 – 1695)، إلا أن مفاهيمه عن الزمان الكلي المطلق الخطي المستمر، والمكان الكلي المطلق الاقليدي ذي الأبعاد الثلاثة المطلقين، كانا عملياً هما المقبولين السائدتين خلال القرن الثامن عشر لأسباب يعود معظمها إلى نجاح الميكانيك النيوتوني الذي أثر في نتائجه على تصورات العلماء والفلاسفة على السواء.

بين نيوتن وأرسطو

لقد عرف أرسطو المكان بالأجسام التي يحويها، فاعتبر أن الأجسام حقيقية، لكن المكان ليس كذلك، فالأجسام الساكنة تحدد المكان بنسبة بعضها إلى بعض، لكن إذا أزلت الأجسام، فإنك إذاً أزلت المكان بالمثل. فوفق أرسطو يستحيل أن يوجد شيء اسمه الفراغ، لأن الوعاء يزول بإزالة المادة كلها، فلا يمكن الخلاص من أحدهما دون الخلاص من الآخر معه.

وبعد أكثر من 15 قرناً أدرك جاسندي أن تجارب تورشيللي قضت بأن الفراغ يمكن أن يوجد، وأنه يمكن للإنسان أن يصنعه، وعلى هذه التجارب أقام نيوتن تصوره للمكان المخالف تماماً لتصور أرسطو. لقد تصور نيوتن مكاناً مطلقاً، مساحة توجد فيها الجسيمات والأجسام والكواكب وتتحرك، وفي منظوره فإن المكان يوجد كما لو كان مصفوفة غير مرئية من ورق الرسم البياني يستحيل التأثير فيها، تتحرك الأجسام خلال هذه المصفوفة الشبكية دون غيرها، ومن ثم كان لوجودها دلالة مطلقة حتى في غياب الأجسام، وبموجب هذا، فإن المكان الفارغ هو ما يتبقى عند إزالة جميع الأجسام المادية، وأن غياب المادة، يعني ضمناً غياب قوة الجاذبية أيضاً، وهو ما لا يخلف شيئاً خلا إطار القصور الذاتي الخالص للفضاء المطلق.

ومن جهة أخرى، هناك فرق كبير بين أفكار أرسطو الغائية، وأفكار غاليليو، ومن بعده نيوتن الميكانيكية الرياضية، وذلك يعود إلى نظرة كل منهما للعالم وفق طابع العصر الذي كانوا يعيشون فيه. فأرسطو كان يعتقد بحالة فضلى هي السكون يلتزم بها كل جسم حر من تأثير أية قوة، وبصورة خاصة كان يعتقد بأن الأرض ساكنة. لكن قوانين نيوتن تفيد بعدم وجود معيار أوحد للسكون، فنحن نستطيع أن نقول سواء بسواء بأن الجسم (أ) ساكن والجسم (ب) متحرك بسرعة ثابتة بالنسبة ل (أ). أو العكس بأن (ب) ساكن وأن (أ) يتحرك بسرعة ثابتة بالنسبة ل (ب). فنستطيع مثلاً لو ضربنا صفحاً عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس أن نقول بأن الأرض ساكنة والقطار يسير على سطحها نحو الشمال بسرعة 150 كلم / سا، أو نقول بأن القطار ساكن والأرض تدور نحو الجنوب بسرعة 150 كلم / سا.

نيوتن والفلسفة العقلانيّة (ديكارت ولايبنتز)

يُظهر نيوتن في دفتر ملاحظاته في كلية ترنتي، عدم ثقته بالمفاهيم التي عول عليها أرسطو وأتباعه. وبالمقابل، كان قد أولى اهتماماً عميقاً بالطريقة التجريبية التي نادى بها غاليليو، ورأى أن الأفراد من شأنهم أن يتأثروا بالظواهر نفسها بوجوه مختلفة، مؤكداً على أن طبيعة الأشياء تُستخلص بصورة طبيعية ومأمونة من تأثير يعضها على البعض الآخر وليس عن طريق تأثيرها على الحواس، وبالتالي فقد حرص عند تناوله مسائل تتصل بالطبيعة، على أن يعتمد الأسلوب العلمي الحديث وخطواته الأساسية: تجميع المعطيات، وصوغ الفرضيات، وإجراء التجارب، ثم قبول الفرضيات أو رفضها. لقد تمتع نيوتن بحدس خارق وبصيرة نافذة جعلته يحول الفيزياء إلى علم وفلسفة كلية لازمة  عن قوانين حتمية، وقد قادته مشاهداته إلى صياغة قانونه الشهير عن الجاذبية الكونية، ويبدو من المؤكد أن نيوتن قد اجتذبته بعض أعمال الفلاسفة الفيزيائية، لا سيما أعمال ديكارت الذي كان قد بدأ صياغة مفهوم جديد للطبيعة يصورها فيه كشيء معقد غير شخصي وآلة عاطلة، وهو تصور لعب دوراً لا يمكن إنكاره في صياغة نيوتن لقانونه العام في الجاذبية الذي يبرز فيه تماماً تجلي هذه النزعة الآلية حيث ينص قانونه على الحقيقة القائلة” يكون التجاذب بين جسمين متناسباً طرداً مع كتلتيهما، وعكساً مع مربع المسافة بينهما “.فإذا كان قانون الثقالة ليس جديداً تماماً على الفكر العلمي، إلا أن نيوتن كان أول من عممه كنموذج متماسك يقدم تفسير شمولي عن العالم المادي، ليتمم به الحلم الديكارتي القائم على أساس رسم نموذج ميكانيكي آلي للعالم، وإن اختلف عنه تماماً في تصوره لتلك الآلة  والعناصر الفاعلة فيها.  لقد تشكل قانون الثقالة النيوتوني كنموذج فكري قائم على أساس التعميم الاستقرائي، إذ رأى نيوتن بأن قوة سقوط التفاحة على الأرض، هي نفسها التي تجعل القمر يدور حول الأرض، وهي التي تبقي الأرض في مدارها حول الشمس، فلم يكتفي نيوتن بأن وحد بنظرة كلية مفاهيم كبلر وغاليليو وأكملها، بل بيّن أيضاً بأن جميع حركات العالم الديناميكية يمكن وصفها بمجموعة علاقات رياضية متماسكة تصلح لأي مكان في الكون.

ورغم تماثل المنطلق الفلسفي في النظرة إلى الكون بين نيوتن وديكارت، إلا أن آلية نيوتن كانت على التضاد من آلية ديكارت، حيث يُقر نيوتن بالتأثير عن بعد على عكس ديكارت الذي ينطلق من فكرة الدفع المباشر بين الأجسام من خلال ما أسماه “الدوامات” رافضاً التأثير في الفراغ بشكل قاطع. وهذا ما يفسر المعارضة الشديدة التي جوبهت بها أفكار نيوتن في البداية رغم أنها أكثر بساطة، نظراً إلى تعوّد العلماء في تلك الفترة على التصور الديكارتي للعالم. لقد تحدث ديكارت في فلسفته عن قانون العطالة قبل نيوتن وإن كان بشكل ضمني، حيث نقرأ عند ديكارت ما معناه: “يبقى كل شيء على الحالة التي هو عليها ما لم يغيره شيء آخر”. ويقول في نص آخر:” إن كل جسم متحرك يميل إلى مواصلة حركته على خط مستقيم وإن لم ترد إشارة من نيوتن إلى هذا التقارب”. لكن إعطاء القانون البعد الاستقرائي الرياضي لم يتم إلا على يد نيوتن، على عكس ديكارت ذو النزعة العقلانية الرياضية الذي لا يبحث كثيراً عن الإثبات المباشر لفكره الفيزيائي، فلا نجد في كتاباته نص متكامل ونهائي لقانون العطالة كما هو الأمر عند نيوتن الذي كان أكثر حسماً في قوانينه التي تعتمد على الأساس التجريبي. إن المتأمل لنصوص ديكارت يجد أنه يهتم بالحركة أساساً، بينما يهتم نيوتن بالقوة، أي أن ديكارت يبحث عن النتيجة، في حين أن نيوتن يبحث عن العلة.

فمع نيوتن، أخذ التصور الفلسفي للميكانيكية والحتمية يأخذ طابعاً جديداً مختلف عن طابع الميكانيكية المباشرة عند ديكارت، فعلى سبيل المثال: كان ديكارت يفسر الظواهر المغناطيسية بحركة مسامير حلزونية لامتناهية الصغر تدخل في مسام أجسام معينة (كالمغناطيس الطبيعي) فتوجهها أو تنقلها من موضوعها، وبالتالي فإن تفسير الظاهرة يعتمد على وصف للأنموذج الآلي الذي تمثله تفاصيل تركيبها الداخلي. وبالمقابل وتحت بتأثير نيوتن، ومجموعة دراسات قام بها علماء منطلقين من أفكاره أمثال كولومب، وأمبير (1775 -1836)، ثم فاراداي (1791 – 1767)، وماكسويل (1831-1879)، تم تقديم تصور جديد للحتمية انتقل من الأساس النظري التصوري، إلى الأساس الاستقرائي التجريبي، حيث بدأ الكلام عما يسمى بحتمية المجال، والمقصود به نطاق معين من المكان يتحكم كل جزء من أجزائه بالآخر تحكماً متبادلاً طبقاً للتركيب الخاص للمجموع. ومن هنا لم يعد ينظر للحتمية من خلال التعاقب الزمني، بل من خلال التزامن، أي أن السابق هنا، ليس هو الذي يتحكم باللاحق، بل إن المجموع هو الذي يتحكم بالأجزاء. وهنا يظهر تصور القانون الكلي كبديل للسببية الديكارتية بمعناها الضيق، وربما هذه العوامل هي التي جعلت نيوتن يبتعد عن التفكير الفلسفي النظري في تأملاته وأبحاثه الطبيعية، محاولاً إظهار نفسه كرائد للتجريبية.

وبالمقارنة مع الفيلسوف والرياضي لايبنتز، نجد مكان نيوتن مكان مطلق فارغ حاوي، وبالتالي هو موجود حتى بدون وجود الأجسام المادية فهو كالوعاء. أما مكان لايبنتز فهو مكان بين أجسام موجودة، وبعدم وجود تلك الأجسام، فإن فكرة المكان تفقد مضمونها، وللمفارقة نجد أن فيزياء النسبية، أثبتت تصورات لايبنتز بعد قرنين من النسيان لصالح تصورات نيوتن التي امتدت على كافة أشكال المادة، بما فيها الضوء وبنيته. إذ أكد نيوتن على أن الضوء هو مجموعة من الجسيمات التي تتحرك في الفضاء الكوني في سرعة معلومة على خط مستقيم يعرف بالشعاع الضوئي، ومن خلال ذلك يمكن تفسير ظواهر الانعكاس والانكسار الذي سببه التغيير المفاجئ في سرعة الشعاع الضوئي لدى اجتيازه السطح الفاصل بين وسطين شفافين. وهو ما سمي تاريخياً بالنظرية الجسيمية التي قامت بتفسير ظواهر متعددة كتشكل الألوان، إلا أنها لم تستطيع تفسير جميع ظواهر الضوء، كالانعراج والتداخل الحادث عند شق ضيق، حيث جاء الفيزيائي الهولندي هويجنز بنظرية الموجة الضوئية، أو النظرية الموجية معتبراً أن الضوء عبارة عن موجات منتشرة بسرعات هائلة من المنبع الضوئي. لكن هذا التصور خلق بدوره إشكالية جديدة، حيث لا بد للأمواج الضوئية من وسط لانتشارها، كما هو الحال مع أمواج الصوت التي تنتشر في وسط هو الهواء، ومن هنا نبعت فكرة الأثير كحامل للموجات الضوئية في الطبيعة، وهي الفكرة التي أسقطتها فيزياء النسبية لتعيد الاعتبار لنظرية نيوتن الجسيمية وإن كان بتصور ومنظور جديد.

ولأنه يرفض الفرضيات، فقد حاول نيوتن أن يبدو بالدرجة الأولى وكأنه إنسان عملي بحت مؤكداً على أن المعارف تستنتج من الظواهر وتعمم بالاستقراء، حيث يقول بأن أولئك الذين يؤسسون أفكارهم على فرضيات، لا يمكن أن يبنوا سوى حكايات قد تكون جميلة وممتعة، لكنها تبقى مجرد حكايات لا تقود إلى استنتاجات موثوقة. ويرى بأن كل فلسفة طبيعية سليمة وجديرة بهذا الاسم، يجب أن تعتمد حصراً على الظواهر التي تقودنا شئنا أم أبينا إلى مبادئ نرى فيها توقد الذكاء الخارق، والقدرة المطلقة لكائن واسع الحكمة والمقدرة. وأنه الفيزياء التجريبية، يجب النظر إلى المقولات المستقاة بالاستقراء من الظواهر رغم الفرضيات المعاكسة لها، على أنها صحيحة بالضبط أو بالتقريب، حتى تؤكدها ظواهر أخرى أو تكشف بعض الاستثناءات التي تشذ عنها، إذ أنه لا يمكن لفرضية أن تزعزع معارف مؤسسة على استقراء ومستمدة من التجربة.  بتلك النزعة التجريبية، استطاعت أفكاره أن تهيمن على الفكر العلمي والفلسفي حوالي قرنين من الزمن، حيث أقر وبشكل كامل علماء القرنين السابع والثامن عشر بتلك الأفكار، جاعلين منها قاعدة منهجية لكل أبحاثهم ونظرياتهم التي امتدت لتشمل حتى العلوم الإنسانية، حيث نجد علماء أمثال لابلاس، ودي لامتري، ولاغرانج، وفلاسفة أمثال كانط، يبحثون في النهاية عن ثبات المبادئ التي تهيمن بشكل حتمي وكلي على سلوك العالم بما فيه، هذه المبادئ هي قوانين الطبيعة، التي تبقى هي نفسها في كل زمان ومكان وتسيطر على جميع الظواهر.

فحاول لاغرانج أن يبني الميكانيك النيوتوني على صورة علم بديهي قائم بذاته رغم أنه بدأ من مفهوم الطاقة بدلاً من مفهوم الحركة عند نيوتن، فنتج عن ذلك قوانين انحفاظ الطاقة، وانحفاظ العزم الدوراني، وانحفاظ الاندفاع الزاوي الذي أدى إلى التناظر الدوراني الذي يعني بأن قوانين الطبيعة تظل هي نفسها كيفما وجهنا مرجع المقارنة أو دورناه، وبالتالي فإن الفضاء متماثل المناحي ومتجانس، وهندسته تظل نفسها في جميع الاتجاهات.

هكذا بقي العلماء طوال تلك الفترة، وتحت تأثير التصور الجبار للفكر النيوتوني ينظرون للكون كآلة منضبطة نظر فيه إلى كل جسيم في الكون على أنه مقيد بقوانين الحركة تقييداً لا فكاك منه، قوانين تحكم حتى أصغر ذرات الكون. وأنه من معرفة حالة الكون في لحظة معينة يمكن حساب مستقبله بكل دقة، وذلك بتطبيق قوانين نيوتن بالحركة.

وهنا تحديداً نتكلم عن نموذج علمي جديد في فهم الكون، حيث حصلت القطيعة الابستمولوجية مع الفكر الإغريقي القديم لا سيما أرسطو الذي نظر للكون ككائن حي تحكمه مبدأ الغائية. فالكون هو آلة ليست لديها إرادة حرة، مستقبلها محدد بدقة من البداية إلى النهاية فلا تشكل الصدفة أو الزمن وتقلباته دوراً مهماً في هذا التصور. إن المستقبل محتوم بالفعل في الحاضر، ومن داخل هذه الصورة الآلية الصماء للكون، تكمن ضمناً فكرة أنه لا يوجد حوادث وليدة المصادفة في الطبيعة، وأن كل شيء وليد الضرورة الحتمية. في كون منضبط كالساعة، يمكن التنبؤ بحركة جميع الأشياء فيه في حال أمكن الوصول إلى المعادلة الصحيحة، معادلة موجودة موضوعياً والزمن التكنولوجي كفيل باكتشافها، فاليقين له وجود موضوعي حتمي واكتشاف العقل لهذا اليقين الكلي ممكن، مع توافر الزمن والإمكانية المطلوبة.

لابلاس والحتميّة

. لقد بدأت النزعة النيوتونية المضادة للديكارتية بالظهور في فرنسا منذ القرن السابع عشر مع جماعة عصر التنوير الممثلة بديدرو ( 171 – 1784) ومونتسيكيو (1689 – 1755) وفولتير (1694 – 1778) وروسو (1712 – 1778) ودالمبيير (1717 – 1783)، الذين شكلوا ما يسمى الآن حركة المادية الكلاسيكية التي لا تعترف إلا بوجود المادة فقط. فالمادة لها وجود واقعي مستقل عن الذات العارفة، والمادة نفسها لا يمكن أن يعتريها إلا التغيرات الكمية دون الكيفية، وبالتالي فإن أحداث العالم تمثل الحالات المختلفة للمادة المتحركة.

في هذه المرحلة ظهرت شخصية لابلاس (1749 – 1827) الذي لقب بنيوتن فرنسا، إذ يعتبر المعبر الأشهر عن روح الحتمية التي سادت جو القرنين السابع والثامن عشر حتى النصف الأول للقرن التاسع عشر.

لقد رسخ لابلاس روح الحتمية الميكانيكية الشاملة في الكون عندما أكد على أن جميع الحوادث حتى تلك التي تبدو لصغرها مستعصية عن القوانين الطبيعية العلمية، هي نتيجة ضرورية لهذه القوانين مثلها في ذلك مثل حركة الشمس، غير أن جهلنا للروابط التي تشيدها وتشدها إلى النظام الكوني العام، قد جعلنا نعزوها إلى أسباب غائية أو إلى الصدفة حسب ما تكون تلك الحوادث متتابعة بانتظام أو دون نظام ظاهري، وقد أدى نمو معارفنا إلى استبعاد هذه الأسباب الخيالية تدريجياً، وهي تختفي الآن كلياً أمام الفلسفة الصحيحة التي لا ترى فيها إلا تعبيراً عن جهل المسؤولين الحقيقيين عنه. فيجب أن ننظر إذاً إلى الحالة الراهنة للكون كنتيجة لحالة سابقة وكسبب لحالة لاحقة، ولو أن عقلاً يمكنه أن يعرف في لحظة من اللحظات جميع القوى التي تحرك الطبيعة وكل الأوضاع المتتالية التي تتخذها فيها الكائنات التي تتألف منها، ولو أن هذا العقل نفسه هو من الاتساع والشمول بحيث يمكنه أن يُخضع هذه المعطيات للتحليل، فإنه سيكون قادراً على أن يضم في عبارة رياضية واحدة حركة أكبر الأجسام في الكون، وحركة أصغر وأدق الذرات، ولا شيء يكون بالنسبة لهذا العقل موضوع شك حيث الماضي والحاضر سيكونان حاضران أمام عينيه. فالكون الذي كونه صانع ماهر عند نيوتن، أو مهندس بارع عند لايبنتز، يتحول عند لابلاس إلى آلة ذاتية الحركة لا تحتاج إلى صانع، بل تستمد وجودها من ذاتها.

وقد تناول لابلاس الحتمية على المستوى الأنطولوجي والابستمولوجي، فمن الناحية الأولى تقوم حتمية لابلاس على أساس ما يلي:

  • وجود الحالات وجوداً موضوعياً محدداً بدقة.
  • إن الانتقال من حالة إلى أخرى هو انتقال ضروري لزوماً، والشيء الذي يعني بأن الواقعي يحل بكليته أمام الممكن وفقاً للمبدأ القائل: “كل ما هو ممكن يصبح واقعي بالضرورة”.
  • وجود أسباب تفرض ذلك الانتقال بنفس الضرورة واللزوم.

أما من الناحية الثانية نجد ما يلي

  • تحديد الحالات.
  • تحديد الانتقال من حالة إلى أخرى.
  • الكشف عن الأسباب التي تسبب هذا الانتقال.

وفق هذه المباديء يسهل تصور العالم كمكون مضبوط ويخضع لضرورة مطلقة، أما المصادفة فهي ليست إلا مظهراً فحسب، أي هي جهل بعدد وأهمية العلل المركبة التي يصعب قياسها لبعض الحوادث. فالقوانين التي تخضع لها الحوادث التي تبدو متروكة للمصادفة ليست إلا مرحلة مؤقتة من مراحل حركتنا العرفانية، وهو الاسم الذي يخفي جهلنا بالعلل. بذلك تجاوز لابلاس ميكانيكية نيوتن ذاتها، حيث يريد إظهار ثبات الأنظمة الكونية المرصودة التي يمكن تفسيرها والتكهن بها بواسطة نظرية نيوتن، وأن القوانين التي تحافظ على الترتيب هي كذلك قادرة على خلقه، في حين أن نيوتن كان يعتقد بأن نظام العالم كان غير ثابت لدرجة أن الله كان عليه أن يتدخل على فترات زمنية متباعدة جدا، ولكن محتمة ومنتظمة، وأن جاذبية غير قادرة على الحفاظ على نظام العالم لم يكن بإمكانها بالأحرى تفسير نشأته.

بتلك الوثوقية التي طرحها لابلاس اطمئن العقل أنه فهم العالم وأن العلم الكامل أصبح قاب قوسين أو أدنى من امتلاك الإنسان له وأن المعرفة الكلية الشاملة تتعلق فقط بمقدار زمني للإنسان التي لا بد وأن يصل لها يوماً ما. حيث يقول لابلاس:”إن بساطة الطبيعة لا تقاس ببساطة مفاهيمنا، وإن الطبيعة لا متناهية من حيث تباين آثارها، لذلك هي بسيطة فقط من حيث أسبابها، ويتمثل اقتصادها في إنتاج عدد كبير جداً من الظواهر، وغالباً ما تكون شديدة التعقيد تنتجها عن طريق عدد بسيط من القوانين العامة”.

لقد استمر هذا الاتجاه بقوة حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين قبل أن تأتي الثورات العلمية الكبرى (النسبية ثم الكمومية) وعصفت بشروط وأسس المعارف الفيزيائية والفلسفية التقليدية المرتبطة بها.

*****

المراجع:

  • ألبرت أينشتاين: أفكار وآراء – ترجمة: رمسيس شحاتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1986.
  • د كلفورد. أ بكوفر: رواد المعرفة عبر القرون ج1، ترجمة: إيمان نوري الجنابي، وزارة الثقافة والاعلام، المجلة العربية، مكتبة فهد الوطنية، 2011.
  • ايان ستيوارت: من يلعب النرد (الرياضيات الجديدة للظواهر العشوائية)، ترجمة: بسام المغربي – منشورات دار طلاس، دمشق ط1 1994، ص 19.
  • [1]ديفيز، بول – جريبين، جون: أسطورة المادة (صورة المادة في الفيزياء الحديثة)، ترجمة: علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.
  • بيتر أتكينز: إصبع غاليليو، عشر أفكار عظيمة في العلم، ترجمة: خضر الأحمد، أكاديميا للنشر، بيروت، 2009.
  • ستيفن وينبرغ : أحلام الفيزيائيين (العثور على نظرية نهائية جامعة شاملة)، ترجمة: أدهم السمان، دار طلاس، دمشق، ط1.
  • فيرنر هايزنبرغ: الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، ترجمة: د: أدهم السمان – دار طلاس، دمشق، ط1، 1986- 1997.
  • مجموعة من المفكرين: الزمان والمكان اليوم، ترجمة: وائل الأتاسي، دار الحصاد، دمشق، ط1، 2002.
  • محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3.
  • جيل كريستيانس:إسحاق نيوتن والثورة العلمية، ترجمة: مروان البواب، مكتبة العبيكان، الرياض، السعودية، ط1، 2005.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This