هابرماس واللاّهوت

تبحث  الدراسة الحالية  – الصادرة عن دار جداول للنشر والتوزيع بيروت لبنان -في آراء يورغن  هابرماس عن الدين واللاهوت في سياق فهمه للفضاء العام الحديث، يعد هابرماس فيلسوفا الحاديا وعلمانيا استثنائيا، إنه يقدم آراء إيجابية حول الدين في المجتمع الحديث، وفي نفس الوقت يصر على ان النظرية الأخلاقية يجب ان تكون ما بعد دينية او ما بعد تراثية، لقد طور نظرية معروفة عن الفعل التواصلي وحول اخلاقيات الخطاب، والتي يتمثل غرضها في معالجة مسألة المحاججة في المجال العام، ويمكن رؤية أعماله التي تمتد لأكثر من خمسين عاما، بكونها محاولة لتوضيح الوحدة التي تجعل من الممكن سماع الاختلافات الثقافية على أنها تنوع في الأصوات لا كونها مجرد مجموعة من التعبيرات المفككة والمستحيلة الفهم بالنسبة لبعضها البعض، ويشير المؤلف الى ان هابرماس يقدر الدين وبنفس الوقت ينأى بنفسه عنه على حد سواء، إنه يقدره باعتباره حاملا للحياة الثقافية، وينأى بنفسه عنه بسبب انه يدعي بأن أفراده مزودون بسلطة تقوض استقلالية الانسان.

إن الدين بالنسبة لهابرماس هو ما يعطي افراد المجتمعات الحديثة المضمون الحيوي الذي يتجادلون حوله، وبدون الدين ليس هناك من قيم ولا نماذج للحياة التي يختلف حولها، الا انه وفي الوقت نفسه لا يمكن ولا ينبغي ان يكون المجال العام الذي تجري فيه الجدالات.

وتحاول دراسة نيكولاس آدامز الحالية تقويم نظريته في المكان الذي فشلت فيه، بشكل واضح، المشكلة الكبرى بالنسبة للفلاسفة واللاهوتيين الذين يرغبون بالانخراط بآراء هابرماس حول الدين هي أنهم منغمسون بجدالات معقدة والتي غالبا ما يكون تركيزها الأساسي على قضايا أخرى غير الحياة الدينية والفكر الديني، وبالتالي فإن المهمة الأساسية في هذه الدراسة -بحسب المؤلف- هي إعادة بناء ما يقوله حول اللاهوت والدين، ولوضعه في سياق آرائه الأوسع حول التطور المجتمعي وطبيعة العقل.

يقول المؤلف إن إعادة التفكير بالتراث المسيحي وفق الشرط العلماني تمثل مشروعا واسعا جدا، وأن يكون المرء مواكبا لعصره يعني ان يواجه كل المشاكل المفترضة التي يقتضيها ذلك، ويبدو أن محاولة إعادة التفكير في المجال العام (حيث العديد من التراثات الدينية الأخرى هي شريكة في الحوار، وبالتالي حيث ينظر الى العلمانية بشكل واضح على أنها تهديد غربي) لهي أمر اشكالي في كثير من الأوقات.

يناقش هابرماس بأنه ينبغي على المرء أن يحدد قواعد النقاش الذي يتجاوز التراث، ومن دون هذه القواعد، فإنه لا يمكن ان ينوجد سوى صدامات في الآراء المتنافسة، أو تعاقب لمواقف لا تنخرط مع بعضها البعض، أما الصعوبة التي تواجه هابرماس فهي في تحديد تلك القواعد وإظهار بأن القواعد ملزمة لجميع المشاركين في النقاش.

يناقش المؤلف بأن منتقدي هابرماس كانوا مخطئين بالتفكير بأنه مضطرب جدا تجاه التراث، ذلك أن الدين رؤية حميدة للغاية، يكتب هابرماس كما لو أنه يجعل من الآراء الأخلاقية غير إشكالية نسبيا داخل التراث، ويبدو أنه يرى بأن المشاكل الجدية لا تظهر إلا فقط، عندما يحاول أفراد من تراثات مختلفة مواجهة بعضهم البعض في المجال العام، المؤلف يناقش بأن المشاكل  الخطيرة موجودة بالفعل داخل التراث نفسه، وبأن بحث هابرماس  عن نظرية تؤسس للنقاش لا تأتي بغرض مفيد، ويصر المؤلف بأنه بينما يتمايز السرد عن الجدال فإنه لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

ويشير المؤلف إلى أن هابرماس قد مال الى الانكباب بشكية في جوانب معينة من التراث، لا شك أن التراث الأوروبي الحقيقي فوضوي وممزق بالتناقض حيث يحاول أعضاؤه التصالح مع التغيرات في شروطهم المادية، أما التراثات الفانتازية للخطاب اليميني، لهي بسيطة وجميلة، وتمثل استقرارا من الناحية الأخلاقية، ربما تواطؤ هابرماس في بعض الأحيان، بدلا من توضيح وتبيين ذلك، مع ما يدعى بـ”المحافظين” وسمح لهم تعزيز فانتازياتهم، وحينما يتحدث عن التراث (التراث بمعنى كونه قضايا يعتقد أن الحداثة يجب أن تحل محلها) فغالبا ما يظهر التراث أن لديه العديد من الخصائص الخيالية المنسوبة إليه من قبل المحافظين، المؤلف يشير إلى هذا باكرا وذلك بسبب أن أي محاولة لإنقاذ التراث من مصيره في نظرية هابرماس عليها أيضا إنقاذه من الفانتازيا المحافظة وإصلاح الفوضى، التعقيد المتناقض في ذلك.

وحول موضوع اللاهوت والنظرية السياسية يذكر المؤلف أن هابرماس يهدف في استمرار “المشروع الذي لم يكتمل” للحداثة الاكثار من المكاسب والتقليل من الخسائر، ويلعب اللاهوت في نقاشاته الدور الرئيس في اعماله الباكرة كما تكتسي رؤيته في النظرية السياسية الحديثة في العمل (1963) ” Theorie und praxis” أهمية خاصة بالنسبة للاهوتيين، ذلك انها تتبع مصير دور الجدال العام من ارسطو الى هيغل من خلال الأكويني  ومكيافيللي ومور وهوبز وفيكو ولوك وكانط، وقد مال معظم اللاهوتيين الذين انخرطوا مع هابرماس الى التركيز على نظريته اللاحقة في الفعل التواصلي، وكانوا مندهشين في معرفة انه كان لديه الكثير ليقوله عن توما الأكويني، على سبيل المثال، تكتسي هذه النقطة أهمية ذات صلة وخاصة بغية فهم لماذا يعتقد هابرماس ان التراث الديني يجسد مشكلة في الفضاء العام الحديث.

وفي موضوع اللاهوت والنظرية السياسية ووفقا لهابرماس هناك ثلاثة جوانب تخضع للتغيير:

اِرتباط السياسىة بالحياة الخيرة

اِرتباط السياسة بتشكيل الشخصية

اِرتباط السياسة بالفرونسيس (التعقل والتبصر بحكمة) لارتباط السياسة بالإبستمية

ويشير المؤلف إلى إصرار هابرماس على أن المجتمعات الحديثة تميز تمييزا واضحا، بين الأسئلة العلمية عن “الحقيقة” والأسئلة التعبيرية عن الإخلاص أو “المصداقية”.

كما أن هابرماس يستخدم الأدوات الفلسفية المسيحية لينجز مهام غير لاهوتية، وهذا الادعاء ليس مثيرا للاهتمام كثيرا، فمعظم الفلاسفة في أوروبا وشمال أمريكا يعملون بأدوات ورثوها عن اليونانيين القدماء عبر الاستحواذ اليهودي والمسيحي والمسلم لها، وباختصار شديد، إحدى طرق وصف اللاهوت هي أنه فرع مكرس لاختبار التأويلات المتنافسة للنصوص المقدسة والطقوس، واستنادا إلى هذا التعريف، من الواضح أن هابرماس لا يقوم بنشاط لا هوتي، وهو في الوقت نفسه منخرط اكثر قطعا في ميادين الدراسة المكرسة لاختبار التأويلات المتنافسة، لشيء ما، وهذا الشيء يدعوه (وفقا لهوسرل) بـ” العالم المعاش، فهابرماس لا يشترك في مناظرات حول النص المقدس، وإنما في مناظرات حول كيف يمكن أن يؤول العالم المعاش، وكيف تعامل ادعاءات الصلاحية القابلة للنقد  التي تثار، ولكن “العالم المعاش” بالنسبة لهابرماس يقوم بعمل مماثل لما يقوم به النص المقدس في اللاهوت، فهو يتضمن “أرضية للإجماع” ” أشياء مسلما بها ” و”افتراضات مسبقة أساسية “.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This