عرّاف دنقل الأعمى، أو تيرسياس العرب

شهد الوطنُ العربيّ في النّصف الثّاني من القرن العشرين خاصّة، عديد الصّراعات الّتي حاول المثقّفون (بوجه خاصّ) خوضها وذلك إبّان الخروج من فترة الاستعمار ومحاولة تشكيل حكومات وطنيّة في سبيل النّهوض بأمّة تخلّفتْ عن ركبِ الحضارةِ، بغية إرساء السّيادة والتّأسيس لدولة حديثة، حيثُ شملتِ الحداثةُ الدّولةَ والمُجتمعَ، والميادينَ كلّها. ويتمظهرُ هذا الصّراع في عدّة إشكالات حاول المثقّفون العربُ الخوضَ فيها وإيجادَ حلولٍ لها. ولئن كانَ يُمكنُ الحديثُ عن هذه المحاولاتِ منذُ القرنِ التّاسعِ عشر وذلك بظهور الفكر النّهضويّ العربيّ، فإنّ النّصف الثّاني من القرن الفارط كان أكثرَ أحداثا وأعنفَ وهو ما جعل الجميعَ يُسخّرُ تفكيرَهُ في سبيلِ الخروجِ مِن فترة أولى هي الاستقلالُ وبدايةُ التّأسيس، وفترة ثانية عقبتها تتمثّلُ في مجموعةِ الأوضاعِ العسيرةِ الّتي عاشها الوطنُ العربيّ والخسائرِ الّتي تكبّدها بعدَ فترة ليست بالبعيدة عن تأسيس الدّولةِ الحديثة. ولربّما كانَ الحدثُ الجللُ الّذي مسّ قلوبَ كلّ العربيّين هو نكسةُ 67 وما خلّفهُ هذا الحدثُ في نفوسِ المفكّرينَ العرب، الأمرُ الّذي نستطيعُ أن نتلمّسهُ في مؤلّفاتهم نقدا وأدبا. هذه النّكسةُ جعلتِ المثقّفينَ يحاولونَ البحث عن أسبابِ الخسارةِ. أمّا بعدَ السّؤالِ النّهضويّ المتمثّلِ في لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم، والّذي يمكنُ أن نصوغه بطريقة أخرى هي لماذا تأخّر العربُ وتقدّمَ غيرهم، فيمكنُ القولُ إنّ السّؤال الّذي طُرحَ كان لماذا خسرَ العربُ في معركة لم تدم طويلا انتهتْ بنكسة جديدة بعد النّكبة الّتي مُنيَ بها الفلسطينيّونَ فَالعربُ في مرحلة سابقة، العربُ إذن يسبحونَ في فلك الخسائر لفترات طويلة، كما يدورونَ حولَ كعبةِ التّخلّفِ والتّكلّس الفكريّ. من هنا سوفَ نجدُ أنّ الصّراعَ الّذي يخوضهُ المثقّفونَ في أقطارهم العربيّة يتعدّدُ: صراع بينَ السّلطة الحاكمة وشعوبها نظرا للاستبدادِ الّذي سارَ كالسّرطانِ في الأنظمة، صراعٌ بينَ الماضي التّليد للأمّة العربيّة وحاضرها المخزي والموشّى بالعار، صراع تخوضهُ الذّاتُ بينها وبينَ نفسها في اغتراب مسبّباته كثرٌ، وهذا الصّراعُ تجلّى في حياةِ الشّعوبِ اليوميّة كما تجلّى في دراساتهم وفي أدبهم (وربّما هنا يُمكنا تعويض كلمة صراع بكلمة تناقض، تعبيرا عن تناقض رئيس تعيشه المجتمعات العربيّة وتناقضات فرعيّة انجرّت عنهُ، والبحثُ عن التّناقض الرّئيس سبيلٌ نحوَ حلّ بقيّة التّناقضات). بل إنّ الأدبَ قد يكونَ التّمثيلَ الأفضلَ لما تعيشهُ الشّعوبُ العربيّة خاصّة وأنّ أغلب الأدباء في تلك الفترة قد اعتنقوا الأفكارَ الّتي تقفُ في صفّ الشّعبِ، أو خصوصا في صفّ الفقراءِ والمهمّشينَ والّذينَ تلفظهم الحكوماتُ من تاريخِ أوطانهم كما تلفظهم من أوطانهم إلى غُربةٍ إن لم يعشها الفردُ كما الجماعةُ داخلَ أوطانهم فهم يعيشونها خارجها، وهنا نتحدّثُ خصوصا عن الأفكارِ الماركسيّة والأفكار القوميّة. والحالُ هذه إذن، فإنّ جوهرَ الصّراعَ كان سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا يتمركزُ حولَ الانتصارِ لطبقةٍ أو طبقات تجرّعتْ كأسَ المرارةِ من حكوماتِها واتّفاقيّاتها الّتي جعلتِ الشّعوبَ العربيّة تطأطئ رؤوسها أو تواريها تحتَ قناعِ الذّلّ والخزي مثلما تجرّعهُ أسلافهم في فتراتٍ سابقة من التّاريخِ العربيّ خصوصا تلكَ الثّوراتُ ضدّ الظّلم والقمع والاستبداد الّتي أُجهضت لكنّها ما تفتأ تتراكمُ إلى أن تأتي اللّحظةُ الحاسمة. في ظلّ ما ذكرناهُ من استبدادٍ عاشتهُ الشّعوبُ العربيّةُ، كان للأدبِ دورهُ في تأجيجِ مشاعرِ الجميعِ وكانَ له دورُهُ أيضا في محاولة تفسيرِ أسباب النّكسةِ وتقديمِ حلولٍ، ولربّما الحلُّ الأكثرُ تواترا في الأدبِ العربيّ هو: الثّورةُ. فالأديبُ أو المثقّفُ العربيُّ هو لسانُ أمّتهِ كما الشّاعرُ قديما هو لسانُ قبيلته، ولم يتغيّر دورُ الأدبِ قطُّ، الأدبُ “الجيّدُ” على الأقلّ وإن كان هذا الحكمُ هو حكمٌ انطباعيّ. إلّا أنّ الحالَ اختلفَ عن سابقِهِ، والكلمةُ حينها صارَ جزاؤُها العقابُ والسّجنُ والنّفيُ أو غيرها من الوسائل الّتي تستعملها الأنظمةُ العربيّة لتعويضِ الاستجمامِ بفترةِ الموتِ البطيءِ الّتي تعيشُها الشّعوبُ تحتَ وطأةِ العجزِ (ولسنا نُلغي هنا ما عرفهُ الشّعراءُ القدامى كالجاهليّين من استبعاد، ولكن حسب ما أتذكّرُ لم يكن ذلك بسبب “الكلمة”)، ولذلكَ فإنّ الشّاعرَ العربيّ خصوصا لم يجدْ في محاولةٍ أولى إلّا ثورة على الموروثِ الثّقافيّ القديمِ بما يحملهُ من شكلٍ ومضمونٍ وهو ما يتجلّى من خلال الكتاباتِ النّقديّة للعديد من الشّعراءِ على رأسهم نازك الملائكة إن صحّ القولُ إنّها أوّل لبنةٍ في الشّعرِ العربيّ المعاصرِ وخاصّة من خلال تنظيرها لشكل جديد للقصيدة. إلّا أنّ الشّكلَ وحدهُ لم يكن يحملُ الدّلالةَ الكافية الّتي يُريدُ الشّاعرُ العربيّ أن يبلّغها للمتلقّي، حيثُ عصا الاستبدادِ ستمتدّ لتعرقلَ كلّ آلية يستحدثها المثقّفونَ، وذلك باسمِ الحداثةِ أيضا. من هنا، كانَ لا بُدّ للشّاعر أن يتخفّى، أن يتوارى عن قصيدَتِهِ، وألّا يكتبها بصوتِهِ، فصوتٌ آخرُ هو المتكلّمُ في قصيدتِهِ ولربّما هو ما اقتبسهُ العربُ من ت.س إليوت الّذي تحدّث عن المعادلِ الموضوعيّ والصّوتِ الثّالثِ في القصيدة. ومن هنا كانتْ بدايةُ نشأةِ مصطلحِ “القناعِ” في القصيدة العربيّة، وهو ما التجأ إليه المثقّفون الثّوريّون خاصّة كي يتّقوا شرّ حكوماتهم وكي ينبشوا في تراثهم وتراثِ البشريّة عمّا يُعبّرُ عن آلامهم وأحوالهم، وعمّا يُمكنُ أن يصنعَ من الماضي حاضِرا بطريقةِ مختلفة مستقبلا، حيثُ أنّ الأزمنةِ الثّلاث هي ما تتحكّمُ في النّشيدِ الجديدِ للشّاعرِ، فلا عودةَ نحوَ الوراءَ إلّا لفهمِ الحاضرِ ولخلقِ مستقبل أفضل، ولا عودةَ من أجلِ الاقتباسِ والقياسِ على سلفٍ بليتْ أفكارهمُ وشحّتْ ينابيعُ فكرهم وانقضى تاريخهم إلى غيرِ رجعةٍ إلّا فيمَا حُمّلَ فيهم. ومن هنا نلاحظُ أنّ العديد من الشّعراءِ العربِ قد التجؤوا إلى توظيفِ العديدِ من الشّخصيّات التّراثيّة سواء عربيّة كانت أو غربيّة، في شعرهم، فجعلوها النّاطقَ باسمهم مع استعارةٍ جزئيّة أو كلّيةِ لحيواتهم والأفكارِ الّتي بثّوها والحقبِ الّتي عاشوها، ويُمكنُ أن نذكرَ من الشّخصيّات الّتي وظّفها الشّعراءُ العربُ المعاصرون في كتاباتهم: سبارتاكوس، الحلّاج، لوركا، الأنبياء، المتنبّي، أبي العلاء المعرّي وتيرياس وغيرهم. هذه الشّخصيّات منها ما وظّفها الشّعراءُ في قصائدهم كذكرهم في إطار معيّن، ومنهم ما استخدموها قناعا لهم يتخفّون به ويتّقونَ من خلالهِ شرَّ الواقع الكئيب، فليس الشّاعرُ من يتكلّمُ في النّصّ، بل هو شخصيّة ضاربةٌ في القدم، بله ظلّ لهذه الشّخصيّة، وهكذا فالشّاعرُ يستخدمُ تقنية القناعِ في قصيدتهِ بهذه الطّريقةِ، وليسُ كلّ استدعاء لشخصيّة تراثيّة قناعا. وآخر هذه الشّخصيّات المذكورة (تيرسياس) هي إحدى شخصيّاتِ مسرحيّة “أدويب ملكا” للمسرحيّ اليونانيّ سوفوكليس (Sophocle) وهو ما استخدمهُ الشّاعر المصريّ أمل دنقل في قصيدتهِ الّتي سنحاول النّظر فيها، قصيدة “العرّاف الأعمى”[1]. وفي هذه القصيدة يعمدُ أمل دنقل إلى نقدِ الأوضاعِ السّياسيّة المتأزّمةِ في الفترة التّاريخيّة الّتي عاصرها، حيثُ أنّ هذه القصيدة نُشرت سنة 1974 أي بعدَ النّكسةِ وبعدَ حربِ أكتوبر (1973) الّتي لم يربحْ فيها العربُ وكانتْ خسارَتُها الأفدحُ باتّفاقيّة كامب دافيد نهاية العشريّة نفسها. نقدٌ يوجّههُ الشّاعرُ للواقعِ كما لمنْ يعتبرُ نفسهُ ثوريّا ولكن “ثوريّا بلاطيّا” إنّ صحّ التّعبير، وسنحاولُ في هذه القصيدةِ دراسةِ القناعِ الّذي استخدمهُ أمل دنقل للتّعبير عن مقصدهِ، هذا القناعُ الّذي استمدّهُ من الدّراما التّراجيديّة والمأساويّة لأحد أبرز المسرحيّين الإغريق. وفي الحقيقة فإنّ استلهامهُ لهذه الشّخصيّة ما هو إلّا تمثيلٌ حقيقيّ (إن صحّ التّعبير) لمصطلحِ القناع، حيثُ أن تيرسياس هو شخصيّة مسرحيّة وبالتّالي فهو الحاملُ للواءِ أصلِ المصطلحِ قبلَ ورودهِ على الشّعر. فالقناعُ هو مصطلحٌ مسرحيّ، والقناعُ هو ما استخدمهُ الإغريقُ قديما في مسرحيّاتهم، فهذه الأقنعةُ هي الحاملة لتعابير الشّخصيّات ولـ”أوجههم”، ولربّما من بين الأسباب الّتي دعتِ الإغريقَ يستعملون الأقنعةَ في مسرحيّاتهم هي أنّ النّساءَ لم يكنّ يمثّلنَ، وبالتّالي كانَ على الرّجلِ أن يلبس قناعَ امرأة كي يتقمّص الشّخصيّة كأيّ تقمّص، إضافة إلى أسبابَ أُخَر مرتبطة بطبيعة المسرحِ الإغريقيّ شكلا (المسرح هنا بمعنى المكان). إضافة إلى هذا يذهب البعضُ إلى أنّ القناعَ كانَ مستخدما قديما عند العرب “حيثُ كان الممثّل الهزليّ (السّماجة) الّذي يقوم بمحاكاة حركات النّاس وتقليد أصواتهم، يلبس قناعا”[2] كما يذهب إلى ذلك محمّد حسين الأعرجيّ.

وسنحاولُ بداية التّوقّف عندَ العنوانِ باعتبارهِ التّكثيفَ لمتنِ النّصّ، وباعتبارهِ العتبةَ الأولى الّتي نقفُ عليها في القصيدةِ الحديثةِ قبلَ الولوجِ إلى فضائِها. العنوانُ مركّبُ نعتيّ: صفةُ الأعمى أُطلِقتْ على الموصوف ألا وهو العرّاف. والعرّافُ هو الشّخصُ الّذي يتنبّأ بالمستقبلِ باستخدامِ العديدِ من الظّواهرِ غيرِ الطّبيعيّة، ولربّما ارتبطَ هذا المفهومُ خصوصا بالسّحرِ والشّعوذة. أمّا الأعمى، هذه الصّفة، فهي حمّالةُ دلالات. يُمكنُ الحديثُ عن الأعمى بصفتهِ شخصا فاقدا لبصرهِ لا أكثرَ ولا أقلّ، وهنا نتحدّثُ عن إعاقةِ عضويّة تمنعهُ من الرّؤية، والرّؤية هنا في المطلقِ. ويُمكنُ الحديثُ عن العمى كحالة من فقدانِ رؤيةِ النّورِ وبالتّالي هو الدّليلُ على الظّلامِ والعتمة. ويُمكنُ الحديثُ عن الأعمى بصفتِهِ فاقدَ البصرِ ولكنّهُ حادّ البصيرة، وربّما هذا المعنى الأخير هو من أكثرِ المعاني المستخدمةِ في الفنونِ عندما تتمّ الإشارةُ إلى العمى سواء في القصائد العربيّة أو الرّوايات العربيّة (والغربيّة منها أيضا، في شبيه بذلك نذكر رواية “العمى” لساراماغو) أو في المسرحيّاتِ العربيّة[3]. ويُمكننا أيضا النّظرُ في التّراثِ العربيّ عمّا يُمكنُ أن يعترضنا من شخصيّاتٍ فاقدة البصرِ وحادّة البصيرةِ، وعلى سبيل الذّكر نذكر بشّار بن برد وأبا العلاء المعرّي وطه حسين، فهؤلاء جميعهم قاوموا نقصانهم العضويّ بتفوّقهم الفكريّ. ولئن كان أمل دنقل عُرِفَ عنهُ العودةُ إلى التّراثِ العربيّ من أجلِ استلهام الشّخصيّاتِ منهُ، فإنّنا في هذه القصيدةِ سوفَ نجد أنّه رغبَ عن ذلكَ واصطفى من رفّ الأساطيرِ الإغريقيّة شخصيّةً أخرى تعبّرُ تماما عن العبارة كاملة (العرّاف الأعمى) ألا وهي شخصيّة تيرسياس من مسرحيّة سوفوكليس. وفي الحقيقة فإنّنا نجد تيرسياس في مسرحيّتين للكاتب الإغريقيّ، الأولى هي “أدويب ملكا”، أمّا الثّانية فهي “أنتيجونا” وهي استمرارٌ للمسرحيّة الأولى. وتيرسياس هو العرّاف الأعمى الّذي التجأ إليه أدويب كي يعرفَ أسبابَ حلولِ الدّمارِ على المدينة حيث “[…] الموتُ يصيبها في البذورِ الّتي تتكوّنُ بها الثّمارُ في تربتها؛ والموت يصيبها في قطعان الثّيران، وفي النّساء، اللّواتي لم يعدن ينجبن حياة”[4]. ليخبر العرّافُ ملكَهُ أنّ رسالة الآلهة لـ’كريون’ المتمثّلة في وجوب طرد الجناة من مدينة ثيبا وثأرها من الدّمِ الّذي سُفِكَ عندما ماتَ ملكها الأسبقُ هو أمر صحيحٌ، ويخبره أنّ القاتل هو الملك أوديب نفسه وبالتّالي هو سبب خراب المدينة، وبعد كرّ وفرّ اعترفَ أوديب بذلك فعاقبَ نفسهُ إيثارا للمدينة، وإيثارا لذاتهِ أوّلا ربّما وذلك بأن سمل عينيه، ولا فائدةَ على ما أعتقدُ في سردِ القصّة كاملة فنحنُ سوفَ نعودُ إليها كلّما احتجنا إلى ما يتواءمُ وقصيدتنا الّتي نحنُ بصدد دراستها. إذن، بالنّظر إلى المتكلّمِ أمل دنقل بلسانه في هذه القصيدة وبالنّظر إلى اللّمحة البسيطة المذكورة حول الشّخصيّة الموظّفة قناعا في هذا النّصّ، يُمكننا، أوّلا، الخروج باستنتاج مفادهُ أنّنا سنجدُ صراعا، ليس الصّراعُ كما رُسِمَ في المسرحِ الإغريقيّ بين الآلهة والبشرِ، إنّما هو صراع بين ملكٍ و”عرّاف أعمى”، إن شئنا حديثا أكثر حداثة وأكثر تجريدا للقصّة من جلبابها الأوّلُ سنقول إنّهُ صراعٌ بينَ السّلطة والشّعب من خلال النّصّ، فهو صراعٌ يتحوّلُ إلى صراعٍ بين السّلطة والنّصّ، فهذا هو إذن أوّل مظاهر الدّراميّة في قصيد دنقل المدروس، وهو يظهرُ من العنوانِ بعد محاولة تفكيكه. هذه الدّراميّة هي الّتي سوفَ تظهرُ في المأساةِ الّتي سوف يُصوّرها الشّاعرُ في متنِ النّصّ.

تنفتحُ القصيدةُ بخطابٍ، المُخاطِبُ و “الأنا” أو المتكلّم، والمخاطَبُ هو شخصٌ مجهولٌ، هو إذن خطابٌ سارَ مِنْ “هو” إلى “هي”، لكن من تكون هذه “هي”، هذا إن نحنُ سلّمنا بأنّ المتكلّمَ هو أمل دنقل من خلال قناعِهِ المذكور. في الحقيقة فإنّ بقيّة النّصّ لا يشير إشارة واضحة إلى الشّخصيّة الثّانيّة ولكن يمكننا القولُ عنها إنّها الحبيبةُ، ويظهرُ ذلك من خلال السّطر الّتي هجّأ فيه الشّاعر كلمة حبّ، ومن خلال لفظة “ضمّيني” في آخر القصيدة الّتي تذكّرنا بعودة الرّسول إلى خديجة وقوله لها “دثّريني”. فالمخاطَبُ متوجّهٌ إليه بصيغة التّأنيث (قولي)، فإن سلّمنا أنّ متقبّل القولِ هو حبيبة القائلِ فسوف نقول إنّهُ يبحثُ عمّن يتّكأ عليه في محنته ومن يقودُهُ في عميانِ بصرهِ، وفي عميان العالم. هنا الاستفسارُ كانَ حول الطّريقِ، إذن هو ضياعٌ وسطَ مفترقِ أو ضياعٌ في طريقٍ نسيه العرّافُ دونَ أن يكونُ من يرشدهُ إلى النّورِ الّذي يريدُ الوصولَ إليه موجودا. وفي الحقيقة فإنّنا لا نجد في مسرحيّة “أوديب ملكا” أو “أنتيجونا” أنّ تيرسياس قد كانت تقود إمرأة أو كان على علاقة بامرأة، بل كان يقودُهُ غلامان أو عبيد للملك لا غير، فهذا، وبالتّالي، قد يُعدُّ خرقا للقناعِ وخروجا عنهُ منذُ بدايةِ القصيدِ، ولكن لا بدّ أن يكونَ لذلكَ غاية عند المتكلّمِ. ولربّما استطعنا أن نَلحظَ منذ البداية ركونَ المتكلّمِ إلى معجم السّوادِ والظّلامِ واللّيل، الّذي يمتدّ على كامل القصيدة (الصّمت، بلا عينين، اللّيل، السّرداب، الموت، الذّلّ، الظّلّ، الخوف، الدّاكن، الموتى، السّاكن، نعاس)، فهذا المُعجم في كلّيته يدلّ دلاليّا على الموتِ، هو موتٌ أصابَ المدينةَ كما هو موتٌ أصابَ الشّاعر جرّاءَ ما لقيه جرّاءَ دفاعِهِ المستمرّ عن مبادئه وحقوقِ شعبهِ، في حينِ أنّ آخرين يتقرّبونَ إلى السّلطة، فهم لا يحملونَ من “المثقّفِ” إلّا اسمه، وهو لا يحملون من “الثّورة” إلّا التّباهي بها، فلا سمةَ من سماتها فيهم. هذا التّناقض بين (هو) و(هم) يظهر من خلال المتضادّات المستعملة في كامل القصيدة سواء مفردات [(الصّمت، الكلمات)/(اللّيل، الشّمس)/(فوق، تحت)/(الأحياء، الموتى)] وغيرها، أو مركّبات إضافيّة جمعت بين المتناقضات فكان رأسها معجم “فرح” أمّا توسعتها بمعجم “موت” [الكلمات بلا عينين، وسادي المبتلّ (الوسادُ دليلٌ على الرّاحة بينما البللُ هو الدّليلُ على البكاء)، البسمة حلم (من حيثُ المعنى)، أرض الخوف (يُمكنُ اعتبارُ الأرضِ هنا دليلا على الاستقرارِ والسّكن وما يُحيلُ إلى ذلك المعجم، وربّما يُمكننا العودةُ هنا لتفسير هذا الأمر إلى أسطورة نوح عندما عادتِ الحمامةُ بغصن زيتون دليلا على انفراجِ الحالِ، أي ظهور اليابسة أي الأرض، بهذا قد نأخذ الأرضَ علامة على رمزِ الخلقِ الجديد وبالتّالي فنحنُ نشحنها بدلالة موجبة بينما الخوف على عكس ذلك)، اللّون الدّاكن، الأحياء الموتى، الموتى الأحياء، القلب السّاكن] إلى غير ذلك، أو من خلال الجمل كما يظهرُ ذلك في قوله (والشّمسُ هي الدّينارُ الزّائف)، حيثُ أنّنا إذا اعتمدنا على خلفيّة أمل دنقل الفكريّة فسوفَ نجدُ بتحليل بسيط أنّه سوفَ يعتبرُ الشّمسَ هي الدّليلَ على الحياةِ والدّليلَ على بزوغٍ نهار جديد أو عصر جديد من خلاله تسطعُ أحلامُهُ وأحلامُ غيره من الشّعبِ المضطهد في سماء الوطن العربيّ، فربّما هو أيضا يقسم على انتصارها. فالشّاعرُ من خلالِ هذا السّطرِ يستمرّ في نقد المثقّف المقرّب للسّلطة[5]، نقدٌ بدا واضحا في سطرٍ سابق (أيّ وجوه تتدلّى منها بسماتُ الزّيف)، ويستمرّ في مقطع كامل فيما بعد من السّطر 42 إلى السّطر 50، الذّي نجدُ فيهِ نفيَ الفعلِ (لم نولد، لم نخلق) فانعدامه (نحنُ وُلدنا للألهام/للأحلام/للصّلوات). هو  نقد في الحقيقةِ لا يمسّ المثقّف وحده إنّما يمسّ كامل الشّعبِ الرّاضخِ لبطشِ حكوماتِهِ وللمأساة[6] الّتي يعيشها يوميّا، فهو راضخ، ليسَ همّهُ الأوكدُ تغيير الواقعِ الّذي تجري نوائِبه عليه، بل هو يكتفي بالرّضوخِ وبالحلم، هذا الحلم الزّائف أيضا، والذّي هو بالنّسبة للمتكلّمِ حلم كما البسمةُ، حيثُ أنّه في واقع يغتالُ حتّى الأحلام. وهذا الواقعُ، وهذه النّكساتُ الّتي يستفيقُ المواطنونَ عليها كلّ يوم، ما نتيجتها إلّا تشظّي الفرد العربيّ (فالجماعةِ بكلّ تأكيد، بله الجماعةُ أوّلا فالفردُ) وهو ما يبرز من خلال المفردات الّتي يركنُ إليها الشّاعر (شظايا، تتآكل، أتجزّأ) كما من خلال الصّور الّتي يستعملها وهو ما نستطيعُ أن نلاحظهُ من خلال السّطرين الخامس والسّادس على سبيل المثال أينَ يتجزّأ جسمُ الإنسان في حدّ ذاته ويتمزّق بين قطبين (قدماي، يداي)، بل وكأنّنا بأمل دنقل يعدّد الأعضاء كلّا على حدة في القصيدة دونَ جميع بينها [العينان، القدمان، اليدان، الشّفتان، الوجه، الأنف، القلب، الصّدر]، فلم يتشظّى الإنسانُ معنويّا فقط، بل جسديّا كنتيجة حتميّة لما عاشَتهُ النّفسِ من دمارٍ وخرابٍ مسّها كما مسّ الأرضَ تماما، فقد خسرت مصر وفلسطين أراضيها لصالح العدوّ، والوطنُ العربيّ لم يعد وطنا بل بلادا عربيّة، وكأنّ كلّ قطر مستقلّ عن الآخر، بينما أمل دنقل يدافع عن فكرة القوميّة العربيّة كما يدافع عن فكرة الأمميّة ربّما، أو القوميّة وتنفيذها على أرض الواقع هي الخطوة الأولى. الخطوةُ الّتي يكرّرها المتكلّمُ حركةً عبثيّةً بحثا عمّا يبحثُ عنهُ، أي الصّدقُ والثّورةُ والرّغبةُ في التّغيير وما إلى ذلك، ويبرز ذلك من خلال الأسطر السّابع والثّامن والتّاسع والعاشر (إنّك لا تدرين معنى أن يمشي الإنسان.. ويمشي../بحثا عن إنسان آخر/حتّى تتآكل في قدمية الأرض/ ويذوي من شفتيه القول !)، فعرّافُ دنقل الأعمى يبحثُ ببصيرتِهِ لا ببصره عمّن يكون مثله، متنبّأ بالخرابِ الّذي سيحلّ على المدينة وكأنّهُ يحمل الحقيقة المطلقة بين عينيه، وكأنّ الأعينَ لم تعد تنفع في عصر الشّاعر مادامت تبصر ولكنّها لا تتكلّمُ ولا تحرّكُ ساكنة عمّا تراه فهي لا تحملُ معنى لوجودها وهي سالبةُ الحركة، فليس صراعُ الشّاعر مع السّلطة فقط، وإنّما مع الشّعبِ الخانع أيضا، صراعٌ ذو أوجه عدّة كما أسلفنا القول. عبثٌ يعقبهٌ عبثٌ، وتشظِّ يعقبهُ تشظّ، فإن كان الإنسانُ يتجزّأ في الواقع فهو يتجزّأ في المرآة أيضا، المرآة الّتي هي عاكسة للموجودِ وتُحاكيه، لكنّنا نجدُ أنفسنا أمام ثلاثيّة هي كالآتي: الواقعُ، المرآة، الوجهُ في المرآة. وكأنّنا هنا أمام محاكاة أفلاطونيّة ويغيبُ فيها الفرعُ عن فرعِهِ كما عن أصلهِ ويبحثُ المتكلّمُ عن الحقيقة، الحقيقةِ الّتي لا يراها في المرآة لعماه، ولكنّهُ يستطيعُ أن يتوصّل إلهيا عرفانيّا، إن صحّ التّعبير. الواقعُ الجديدُ إذن يتمثّل في انعدامِ وجودِ حياة، ولذلك فالمعبّر صارَ هو الظّلّ الّذي يعاني منهُ المتكلّمُ حيثُ هو لا يفارقهُ لا ليلا ولا نهارا وكأنّه صارَ تجسيدا لهُ، والظّلّ دليل على العتمة أيضا وعلى الظّلام وإن كنّا نتحدّث عن وجودِهِ في وجود الشّمسِ والنّور، لكنّ الشّمسِ في حدّ ذاتها لم تعد تعبّر عمّا يجب أن تعبّر عنهُ فانقلبتِ المُسمّياتِ وصارت تحملُ أضدادها. وبالتّالي فهي سيرورة يمرّ بها الإنسانُ في “أرض الخوف”، يُمكنُ أن تظهرَ هذه السّيرورة من خلال المقطع من السّطر الثّاني والعشرين إلى السّطر التّاسع والعشرين، حيثُ نجد أوّلا (يتمدّدُ فوقَ) ومن ثمّ (يتمدّدُ من تحتي)، فالشّاعرُ يستعملُ فعلا وحيدا في موضعين مختلفين مع استخدامِ مشيرين مكانيين مختلفين، فهو انتقال من أعلى إلى أسفل وبالتّالي فهذا الأمرُ قد يعبّر عن سقوط، لا سقوط آدم من الجنّة في عمليّة الخلق، بل هو سقوط خسارة وذلّ، هذا الذّلّ الّذي يتقنّعُ الوجهُ بهِ، فالشّاعرُ يتقنّعُ بشخصيّة، والمتكلّمُ في النّصّ يتقنّعُ بـ”المرآة” والوجهُ في المرآة يتقنّعُ بالذّلّ، في سقوطٍ مدوّ من أعلى إلى أسفل تعبيرا عن سيرورة يعيشها المواطنُ العربيّ منذُ أن كان سعيدا بخروجهِ من فترة الاستعمار فتبوّأ مكانة (أو سمحَ له غروره بذلك) جديدة في الحياة، إلى أن تكبّدَ المآسي فصارَ ظلّا. من جهة أخرى يُمكنُ أن تعبّر عن هذه السّيرورة عمليّة السّردِ في القصيدة، من السّطر الرّابعِ (لملمني) إلى حدود السّطر الخمسين (للصّلوات)، وفي السّردِ بعدٌ دراميّ حيثُ لم يكن الشّعرُ قديما يمتازُ بهذه الخاصّية (وإن كنّا نجدُ ذلك في الشّعر العربيّ القديم أيضا، ولكن ليس بالطّريقة نفسها، فالقصيدةُ في الشّعر العربيّ المعاصر تكادُ تكونُ نصّا سرديّا). فالمتكلّمُ يدخلُ السّردابَ، ومن ثمّ يعودُ، يروي الأحداثَ الّتي وقعت له في السّرداب (الّذي هو قد يحيل إلى السّجن الحقيقيّ كما قد يحيل إلى السّجنِ النّفسيّ، ويُمكنُ الحديثُ عن السّجنِ الحقيقيّ بسبب الاعتقالات الّتي تطالُ المناضلين في كلّ مكان من الأقطارِ العربيّة وقمعِ السّلطة لهم، كما يُمكن الحديثُ عن السّجن النّفسيّ وذلك لما تعيشهُ الشّخصيّة العربيّة في ظلّ واقعها كما نحنُ بصدد التّحليل منذ بداية القصيدة)، ويروي أو هو يصفُ فيما بعد الكيفيّة الّتي عادَ بها من هذا السّرداب، وهو الحالُ بالنّسبة للعديد ممّن يتخلّونَ عن القضيّة الّتي يدافعون عنها بعدَ أن ذاقوا ويلات التّعذيب. القضيّة الأساسيّة بالنّسبة للشّاعر ربّما تتمثّلُ في قناعٍ آخر يتّخذُهُ ألا وهو عمليّة التّهجئة، وكأنّه يقولُ حروفا (طلاسم) لا كلمات، وهنا نقصدُ تحديدا كلمتي (حبّ) و(حرّية)، الحبّ الّذي قد يبرز من خلال المخاطَب منذ بداية القصيدة، والحرّية هي الّتي يبحثُ عنها كلّ مواطن عربيّ، يرجوها فلا يدركها. فهذه المفاهيمُ، أو هذه القضايا، باتت مجرّد كلمات خالية من المعنى هي الأخرى، فلم تعدِ الكلمة مثلما كانت، الكلمة الّتي هي الأصلُ في الخلق (في البدء كانت الكلمة، والكلمةُ هي الّتي نزلَ بها القرآن، والكلمة هي الّتي كانت سيفا في الجاهليّة تتبارزُ بها القبائل، والكلمة الّتي جوهرُ الوجودِ بالنّسبة إلى بعضهم، الخ) ولذلك فنحنُ نجد المتكلّمُ يبحثُ عن غاية لا يدركها، وهو في بحثهِ هذه إنّما لا يجدُ الأنفسَ المتوهّجةَ والّتي تُضخُّ بالدّماء، إنّما هي أشلاء، لا هم موتى ولا هم أحياء كما يبرز ذلك من خلال عمليّة التّبادل بين الرّأس والتّوسعة الّتي أجراها في المركّبين (الموتى الأحياء والأحياء الموتى). هؤلاء الأشلاء ليسوا سوى راضخينَ للموجودِ ودونَ أدنى تفكيرٍ في المنشودِ، وكأنّما وُجِدوا كقيمة سالبة في الكون (بالمعنى الفيزيائيّ، وهذه القيمة السّالبة لها أهمّيتها أيضا) فهم لم يُخلقوا للتغيير، وإنّما ولدوا للرّضوخِ وللاستمرارِ في الأحلامِ الورديّة والأحلامِ الّتي تبقى مجرّد ترفٍ يمارسهُ الفردُ فلا غاية تُرجى منهُ بالتّالي. السّيرورةُ الّتي ذكرنا أنّ الإنسانَ العربيّ يمرّ بها يُمكنُ أن تظهر أيضا في بنية القصيدة ككلّ، فهي تُفتحُ بالإنشاء وتُقفلُ بهِ، أمّا ما بينهما فهو خبرٌ (ليسَ تماما، ولكن أغلبه)، فالخبرُ هذا إذن هو التّفصيلُ للعامّ الأوّل (التّساؤل) وفيهِ نقدٌ للواقع الّذي صارَ مُطلقا فلا وقتَ فيه، فمفهوم الزّمنِ لم يعدْ موجودا عندَ العرب، وربّما في إحدى المعاني تصحّ المقولة إنّهم “خارج التّاريخ”. إذن، اليأس هو العنوانُ الأوّلُ للواقعِ العربيّ، والنّشيدُ الجديدُ هو نشيدُ الرّضوخ والسّكوت عن الموجود، والقرآن الجديدُ سوَرٌ من الذّلّ يثقل كاهل المتفائلينَ بواقع آخر. إلّا أنّ المتكلّم يأتي في نهاية القصيدة بـ”عهد جديد”، و”رسالة” جديدة، جمع فيها بين أمرين: النّبوّة والتّنبّؤ بما هو معطى يتعلّق بترسياس حيثُ نلاحظ من جديد العودة نحوَ عنوان القصيدة (العرّاف الأعمى) بعمليّة التّنبّؤ في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية ظهور النّبوّة (وأنا لا أكتب.. أو أقرأ) فالرّسول قد كان أمّيّا ولكنّه غيّر من الواقع الاجتماعيّ[7] في شبه الجزيرة العربيّة، فالأساسُ هنا هو عمليّة التّغيير الّتي يدعو إليها الشّاعر، أي دعوته إلى الثّورة. وكما أشرنا في مقام سابق فإنّ لفظة (ضمّيني) تذكّرنا بلفظة (دثّريني) عندما عاد الرّسول إلى خديجة من غارِ حراء عندما نزل عليه الوحيُ.

بين تيرسياس سوفوكليس والعرّاف الأعمى لأمل دنقل:

أشرنا إلى أنّ القناع المستخدم في هذه القصيدة هو شخصيّة تيرسياس الّتي اعتمدها المسرحيّ اليونانيّ في مأساته “أوديب ملكا” (أساسا)، فإلى أيّ مدى كان دنقل مراعيا للقصّة الأصليّة؟ أو إلى أي” مدى وظّف دنقل هذه الشّخصيّة في هذه القصيدة؟

في الحقيقة يُمكننا أن ننبش في أوجه التّشابه لنجدها:

-تيرسياس هو العرّافُ الأعمى الّذي يستطيع أن يحلّ مشاكل تيبا بتنبّؤاتهِ، كما يوجد ذلك في القصيدة، إلّا أنّنا لا نجد أنّ أعمى سوفوكليس قد ذاق ويلات السّجن على سبيل المثال ولا أنّه تعذّب في مسرحيّة سوفوكليس، فقد عاد أدراجَ سبيله دونَ أدنى ضرر يمسّه.

-كان تيرسياس في لحظة معيّنة معارضا للسّلطة، بمعنى آخر فقد كان معارضا لأوديب الّذي ظنّ أنّ العرّاف يريد أن يستولي على منصبه، كما اتّهم كريون بذلك أيضا، وبذلك فهو كان معاندا لصوت الحكمةِ وصوتِ الحقّ (صوت الآلهة في التّراجيديا الإغريقيّة)، وذلك يظهر من خلال توجّهه بالحديث نحوَ أوديب: “أنت تلومني على عنادي الشّديد بينما أنت لا تستطيعُ أن تشاهد العناد الشّديد الّذي يرقد في نفسك، وبعد ذلك أنت تلومني !”، [8]فليسَ تيرسياس ممثّلا للشّعبِ تماما ولكنّهُ قد يكون جزءا منه في نظر دنقل، وهنا يكونُ أوديب يتّهمُ تيرسياس التّهمة المذكورة جاعلا من عماه عيبا فلم ينظر نحوَ نفاذ بصيرته. العرّافُ الأعمى في قصيدة دنقل هو أيضا معارض للسّلطة ومتحدّ لها، وهو يرفض الانصياعَ لأوامرها، فما يبحثُ عنهُ هو الحقيقة ولا شيء سواها، الحقيقةُ الّتي هي الثّورةُ والتّغيير.

-ينظر أوديب نحوَ تيرسياس على أساس العداوة، وبالتّالي فهي يدخل في سجال معه (ليسَ حربا ضرورة) إلّا أنّه لم يقتله للمكانة الّتي يمتلكها العرّافُ في المجتمع. عرّافُ دنقل تعتبرهُ السّلطة عدوّا أيضا، لكنّها لا تملك الحرجَ في الدّفعِ به إلى قطار الموتِ أو الزّجّ به في السّراديبِ العربيّة، معتقلاتُ الموتِ هي الأخرى، الموت الجسديّ أو النّفسيّ.

-قبلَ استدعاء تيرسياس كانت مدينة تيبا تعيشُ خرابا ودمارا، وأتى العرّافُ كي ينقذها. الأمرُ نفسهُ يُمكن أن نجدهُ في القصيدة وذلك من خلال وصف الشّاعر للواقع المحيط به، والّذي يراهُ رغم عمى شخصيّته، وختامُ القصيدةِ هو عمليّة الإنقاذ المرجوّ من العرّاف الأعمى تحقيقها.

ربّما غابَ عنّا في هذا التّحليل العديدُ من الأمور الأخرى المشتركة بين الشّخصيّتين، ولكن يمكن في نهاية المطافِ أن نخلص إلى أنّه لا يوجد تطابق تامّ بينهما، فدنقل يخترقُ القناعَ كي يعبّر عن واقعه مثلما استخدمهُ قناعا تماما. وربّما غابَتْ عنّا أيضا عديدُ المعاني في القصيدة الّتي لم نستطعْ التّوصّل إليها أو لم تكن تعنينا بطريقة مباشرة في تحليلنا فتركناها جانبا. إلّا أنّه في الأخير لسنا سوى عميان أيضا أمام النّصوصِ، نتلمّسها محاولين تغييرها بنصّ آخر هو التّحليلُ، فنرى ما نستطيعُ وتغيبُ عنّا أشياءُ.

******

[1] (دنقل) أمل: الأعمال الشّعريّة الكاملة، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطّبعة الثّالثة 1987، من الصّفحة 432 إلى الصّفحة 435.

[2] نقلا عن (عزّام) محمّد: قصيدة القناع في الشّعر العربيّ المعاصر، دار علاء الدّين سوريا، دار ومؤسّسة رسلان سوريا، 2017،  الصّفحة 13.

[3] هنا نتحدّث عن مسرحيّة “وجهة نظر’ لمحمّد صبحي على سبيل المثال.

[4] سوفوقليس: تراجيديّات سوفوقليس، ترجمة عبد الرّحمن بدوي، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الصّفحتان 99 و100.

[5] القصيدة كُتبت سنة 1974 وهي في فترة حكم السّادات، ولكن القصيدة كما أسلفنا الذّكر نُشرت بعدَ حرب أكتوبر 73، وبالتّالي بعدَ خسائر متتالية يشهدها العالم العربيّ، ليسَ على المستوى القطريّ فقط، أي مصر، ولكن بالنّسبة إلى الحكومات جميعها، ولا يُمكن القولُ هنا إنّ المثقّف المقرّب للسّلطة أو “كلب الحراسة” كما يُقال إنّ غرامشي يذهب إلى ذلك، لا يُمكن القولُ إذن إنّ المثقّفينَ تقرّبوا إلى السّادات في تلك الفترة وهذا لجهل منّا بعلاقة المثقّفينَ بالسّلطة في تلك الفترة، إلّا أنّه يُمكن الذّهاب إلى أنّ هذه الظّاهرة قد وُجدت في الثّقافة العربيّة منذُ القدم وهي مستمرّة إلى حينِ كتابة هذه المحاولة، وإلى ما بعدها، وبالتّالي فالحديثُ عن المثقّف المقرّب للسّلطة مطلقٌ.

[6] استخدام كلمة مأساة هنا ليس اعتباطيّا، وإنّما هو للرّبطِ بين مأساة سوفوكليس ومأساة دنقل.

[7] من الممكن أن نتحدّث أيضا عن الجانب الدّينيّ، ولكنّ الأرجحَ هو الإشارة إلى هذا الجانب الاجتماعيّ-الاقتصاديّ نظرا إلى المرجعيّة الفكريّة لـ”الشّاعر الصعلوك” كما أُطلق عليه.

[8] سوفوقليس: الصّفحة 109.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This