السلام قضية… وليس «آوت لت» / فـــؤاد مطـــر

هذا الذي أصاب المسؤول الفلسطيني صائب عريقات الذي بحوزته أهم الإضبارات البالغة الحساسية والسرية للحقبة العرفاتية – العباسية، وكيف أن دقة وضعه الصحي ومن دون أن يتوقف رئيسه عند هذا الجمود في التواصل مع الحكومة الإسرائيلية، أوجبت نقله إلى مستشفى «هداسا» في القدس المحتلة على أمل معالجة أطباء إسرائيليين لوضعه الصحي الدقيق، ذكَرتني بما كنتُ أقرأه في صحف مصرية ولبنانية قديمة تركها الجد ثم الأب بعد الرحيل في أرفف البيت، عن التواصل بين مصر وفلسطين وكيف أن حركة السفر بالسيارات و«القطار الفلسطيني» كانت نشيطة لا تقتصر على التجار والفنانين والذين يرومون زيارات إلى لبنان وسوريا ومثلها زيارات لبنانيين وسوريين إلى فلسطين ومنها إلى مصر، وإنما تشمل مرضى في حالة صحية دقيقة يمكن لأطباء في فلسطين علاجهم وبصرف النظر عما إذا كان هؤلاء الأطباء من اليهود أو البريطانيين، أو من الفلسطينيين الذين تعلّموا في ظل الانتداب البريطاني.
هذا الاستعلاج صائب عريقات كان يُفترض أن يتم للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي عاش قبل ست عشرة سنة كما صائب عريقات وفي الشهر نفسه (27 أكتوبر/ تشرين الأول 2004) حالة صحية دقيقة، إلا إذا كان مؤكداً ما تردد من جانب أكثر من جهة أن تسميماً بطيئاً أصابه مصدره جهة إسرائيلية وبغرض إنهاء زعامته للشعب الفلسطيني كان وراء تلك الأزمة الصحية الحرجة التي لم ينجُ منها خلال أسابيع علاجه في فرنسا ورحل وهو في المستشفى الباريسي صبيحة يوم الخميس 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004.

ما نريد قوله من هذه المقاربة إن حالة من التفهم الإسرائيلي من شأنها جعل التعايش راسخ الأسس في إطار دولتيْن على أرض فلسطين مع إعلانهما من دول الحياد، أو في الحد الأسرع تنفيذاً إعلان الكيان الفلسطيني دولة محايدة وذات مسحة مزارية دينية تلقى الحماية والرعاية والتدعيم من الدول العربية ودول الغرب المسيحي ومن الكيان الإسرائيلي واليهود في دول العالم قاطبة. وفي هذه الحال لا يعود استعلاج عريقات على أيدي أطباء إسرائيليين أمراً مستهجناً.
مثل هذه الصيغة لفلسطين أرضاً من دولتيْن لشعبيْن لم تجترحها العبقرية البريطانية في الزمن الغابر… زمن جورج الخامس وانتداب الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لفلسطين التي أهدوها بموجب وعد لليهود (وعد بلفور) بدل أن يكونوا عادلين فيستبِقوا بعد ذلك في الأربعينات المبادرة المتوازنة التي وضعت المملكة العربية السعودية ملامحها في القمة العربية في مدينة فاس (9 سبتمبر/ أيلول 1981) وبما عُرف «مشروع الملك فهد» ثم صيغت الملامح بعد ذلك بعشرين سنة بمبادرة تبقى من حيث النظرة الموضوعية لواقع الحال أفضل الممكن علاجاً للنزاع العربي – الإسرائيلي، فضلاً عن أن تلك المبادرة التي طرحها باسم المملكة اجتهاداً شخصياً غير ملزم وباسم العالم العربي تعبيراً بهدف تبني الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان ما زال ولياً للعهد) كانت من أجْل الانتقال من النزاع حروباً إلى السلام واقعاً يجيز الصراع السياسي بكل أنواعه. وهم لو في الزمن الذي مضى اعتمدوا جوهر هذه المبادرة لكان الشرق الأوسط يعيش في منأى عن هذا النزاع الذي لن تحسم أمره حالات من التطبيع المحاطة بالكفيل الأميركي الشاهد على كل التفاصيل كي لا يتملص الإسرائيلي من جوهر الخطوة ويعتبرها فتحاً، على نحو ما قاله نتنياهو مبتهجاً، وهو يزور يوم الاثنين 19 أكتوبر الرصيف الذي ترسو فيه سفينة شحن وصلت من الإمارات في إطار اتفاق الرحلات المتبادَلة جواً وبحراً، بأن إسرائيل «كانت سابقاً بمثابة طريق مسدودة كان يمكن الوصول إليها من جهة الغرب فقط والآن تتحول إسرائيل إلى مفترق طُرق رئيسي بحري وجوي ويمكن السفر الآن جواً إلى جميع الاتجاهات…».
الاكتفاء بهذه النظرة ليس لمصلحة تطوير الخطوة، بل ليس لمصلحة صمودها تصوير نتنياهو عند زيارته رصيف الميناء الحيفاوي الذي رست فيه السفينة التي أبحرت من دبي، الأمر وكأنه «أوت لت» بمعنى السوق المتوفرة فيها البضاعة والسلع الجيدة بأسعار مخفضة.
وما نريد قوله أيضاً إن السلام قضية وصدق في النوايا. وما هو منتظر من إسرائيل إبداء حُسْن النية، وهذا حتى إشعار آخر لن تتضح معالمه بالتدرج إلا بعد أن تنتهي المعركة الانتخابية الأكثر شراسة وغرابة في الحياة الرئاسية الأميركية. ونقول ذلك على أساس أن ما جرى حتى الآن هو خطوات متأنية ومدروسة من الجانب الإماراتي والجانب البحريني. بل يمكن القول إن هذه الخطوات ما زالت في الإطار الدبلوماسي والاقتصادي والخبرات على أنواعها في مجالات السفر البحري والجوي وكذلك في خطط وأفكار ومشاريع اقتصادية وعلمية وزراعية، ولم تبلغ بعد مستوى القرار السيادي الأعلى. ومن الجائز القول إن ذلك يكون بعد أن يُحسن رئيس وزراء إسرائيل قراءة التمسك العربي بالحق الفلسطيني من جانب الدول العربية كافة من دون استثناء سواء من أبرم اتفاق سلام ماضياً ومن طبّع حديثاً ومَن لم يطبِع بعد أو قد لا يطبِّع إلا بعد أن يكون السلام قضية ذات ثوابت وليست كما يراها الطرف الإسرائيلي مجرد «أوت لت». وإذا كان نتنياهو لن يقرأ الموقف بغير قراءته حتى الآن فإن على «سلام إبراهيم» شالوم.

الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This