عرّاف ومؤخّرة عارية

ضجيج مرح فى الشارع، فى كل خطوة ومنذ خرجت من المبنى وكلمات طارق التى حفظها من كتابه تتملكني، أشعر بالعقد والمشاكل والأشياء التى أعاقتنى وعرقلتنى تنحل بداخلى وتتلاشي بلا سبب واضح؟ كأننى أبدأ من جديد وكاْن الدنيا بدأت فى مغازلة عشاقها.

الله اااه.. مدااادد.

نظرت خلفى إلى صاحب الصيحة، فرأيته ومن حوله ينظرون تجاه امرأة تمر فى الشارع ماشية كأن جسمها يضحك، لها بهجة وبريق، وجه أبيض ممتلىء باسم عينان واسعتان عسليتان، ردفاها الرجراجان يرتفعان وينخفضان مع كل خطوة.

وحد وووه.. لا إله إلا هوو….

صيحة الحبور والنشوة هذه لها ما يبررها، كأني أعرف هذه المرأة، كأنى أعرفها، تجاوزت الناس وعبرت الشارع لمحتها تبطئ عند بائع الجرائد، اقتربت منها، بهاء الوجه نفسه وإشراقته، الجسم امتلأ قليلاً، لكنها هى حياة سعيدة.

_ حياة سعيدة؟

فى تلك اللحظة كانت تعطي نقودا للبائع بعد أن إشترت كتاباً وبدأت فى التحرك.

– آه انا.

ردت على سؤالى وهى تبتسم وتتأملنى وتسخر من الشعر الأبيض الذي أنتشر فى رأسى

– أنتِ عرفتينى بسرعة ازاي؟

جاءنى الرد مع انفراجة الشفتين وبروز خفيف للسان الأحمر المثير: ” ماشي كأنك تايه ولمحتك جاي ورايا ” ابتسمت ولم أرد: تمشي معايا شوية، قالت ذلك ونحن نسير معاً بالفعل، كأننى أحلم وكأن السنوات لم تمر ولحظات الملذات يمكن أن تعود.

النساء الجميلات قليلات، الجميلات خفيفات الدم والروح نادرات، النادرات جدا النساء اللائي يبعثن البهجة والفرح والحبور والانبساط عند رؤيتهن.

– لسا سرحان وتاية؟

– وانتِ لسا بتسمعى أغانى أمريكانى؟

كادت ان تضع سماعة جهاز التسجيل الصغير فى أذنها، لم يكن يفارقها كالعادة.

– مش أي أمريكانى، الفيس بريسلى وجيم موريسون ولوي أرمسترونج.

– خلاص عرفنا أنك سميعه.

أدارت وجهها للناحية الأخرى، خشيت أن تغضب وتنزل من السيارة ونفترق وأفقد هذه اللقية للأبد، أنهمرت على ذاكرتى اللقطات والذكريات معها فى الكلية وحديثى الأخير مع طارق عن طبيعة علاقتى بها، توقف سيلان شريط الذكريات، توقف عند شيء محدد، وجه حياة، ليس وجهها تحديدا بل شفتيها، ليس شفتيها على وجه الخصوص بل الشفة السفلى المكتنزة قليلاً والتى تتدلى رخوة قليلاً وتدعو إلى القبض عليها وعضها.

– رحت فين؟

– أنتِ زعلتى؟

– أبداً، أنزل بقى علشان عطلت !

سائق السيارة يعتذر بسبب العطل الخارج عن إرادته، كنا فى منطقة الصيفية خلف الشوارع الرئيسية وبالقرب من الغيطان والسواقى وبحر يوسف، تركنا الناس والسيارة وسرنا على جسر مصنوع من جذوع النخيل، يربط بين الشارع وطريق الغيطان، الجسر على ترعة متفرعة من البحر الكبير، عبرنا الجسر الذي سلمنا لمنحدر عميق تظلله أشجار الجزورينا والنخيل، الأرض حولنا منخفضات ومرتفعات وسهول تبرز فجأة وممرات محاطة بالبوص والحلفا، قلت لها إننا يمكن أن نجلس قليلاً ثم تذهب إلى حيث تشاء، توغلنا أكثر فى الغيطان، صرنا بالقرب من البحر الكبير والسواقى، لم نعد نري أحداً ومحاطين بالخضرة، جلسنا، أخرجت الكتاب الذي اشترته، طوق الحمامة لأبن حزم، الكتاب مزين برسوم أزهار وطيور وفتاة كالتفاح.

بصوتها المشحون بالنعومة قرأت سطورا من كلمة الغلاف: كلام جميل مش كدة؟ أومأت لها برأسي، الذي دارت به أسئلة عن زواجها وطلاقها وحياتها بعد أن تركت الجامعة، بحاستها السادسة أو التاسعة قرأت أفكاري.

– انسي

– إيه؟

– حاول تنسي شوية، امبارح وبكرة وقبل ما نتقابل خلينا مع بعض الساعة دي.

قبل أن أتكلم ضغطت زر التسجيل فجاء صوت لوي أرمسترونج بأغنيته المشهورة ما أروع هذا العالم.

لماذا لا أعيش هذه اللحظة وأنسي قليلاً همومى وهموم الناس وتاريخ الزمن القديم ومعاصر النبيذ والقوافل المحملة بالكروم والبحيرة والطيور المهاجرة وحكايات وأحداث المكان وكتل الصخور التى وقفت فى طريق أحلامى، ولا سيما أن رموز الحب والحياة تنبض وتتحرك من حولى، أسراب أبو قردان تجتمع جوارنا وتتحرك وتدور جذلى، عابرة السواقى إلى مكان أخر، رائحة الماء ممتزجة بجذور النباتات مع الحشرات الصغيرة، خنافس، نمل، ضفادع، مع أزيز النحل وهو يدور على الزهور مع النباتات المتعفنة وبقايا جثث الطيور، ورائحة الجديان والخراف والبقر التى ينقلها الهواء من الحقول، مع رائحة الأرض التى بللها الماء وندي الليل وأنفاس الأنثي الحارة، هذه الأشياء أشاعت شذي ثقيلاً ممتعا.

– حياة أنا كنت غلطان

لم تجب بسرعة، تمددت بكسل وتراخ واضعة كفيها تحت ذقنها: المهم بقينا مع بعض. همست بصوت رق حتى صار كخرير الماء ونعومة السحاب الذي يبدو أنه دنا منا وبدأ فى مداعبة جسدينا، فى البعيد صياد يرمى شبكته فى البحر وطيور ضاحكة تمر فوقنا فى طريقها للبحيرة، حيث مأواها لبعض الوقت، هربا من بلاد الصقيع والجليد، فكرت فى رمى شبكتى انا الآخر على هذا الجسد بالغ الحسن، كانت أسبق منى: قرب منى وبطل تردد، بدأت رحلتى المقدسة من خصرها حتى أردافها، كم أنت جميلة ولذيذة يا أمنا الأرض، وضعت رأسي بين ظهرها وردفها ووضعت يدي على إحدي روابيها، أما اليد الثانية فجعلت أناملها تسافر فى شعرها، فى هذه اللحظة تذكرت العراف الضرير الذي نشرت له الصحف الألمانية صوراً وهو يتحسس المؤخرة العارية لفتاة تعطيه ظهرها وهو يهمس لها بما تخبئه الأيام، الآن أعرف مدي لذتك أيها الضرير الذكى، يبدو أن أصابعها هى الأخري تحركت وفعلت شيئاً، لأن صوت ” لوي أرمسترونج ” عاد من جديد.

هل يمكن؟ هل أستطيع أن اسقط عشرين او ثلاثين سنة من الانكسارات والكبوات والأيام المترعة بالكوابيس وفشل الأب وخيبته وديونه وغلق المكتب وجحود الأهل، وأنانية الأصدقاء وحسدهم وغيرتهم والظروف غير المواتية؟

– سرحت تانى؟

صوتها المشحون بالحرارة أعادنى للمكان البهيج، الوافر الألوان وجسدها الذي يفوح منه العطر، رأيت الأعشاب الخضراء القصيرة تتماوج تحت أنفاسها المتلاحقة، قلت لها، سأحكى لك عن جدودنا القدامى الرائعين، علقت بصوت مكتوم: خلينا مع الحلوين احسن.

دائما استحضرهم وتاريخم أكثر من مرة، صورهم ومشاهدهم تتداعى إلى ذاكرتى فى أوقات كثيرة، ربما لكسر حدة هذا الواقع أو لاستشراف حياة أجمل كانت ويمكن أن تكون، أراهم الأن فى مشاهد الاحتفال بعيد ديونيسيوس، كانت الجماهير تقلها مراكب صغيرة من الضفة الأخري للبحيرة وتتجه صوب المعبد فى منطقة قارون، كانوا ينشدون الأغانى التى تعبر عن البشر والسرور اللذين يفيضان على المحتفلين بأعياد هذا الإله، أهل الريف يخرجون فى هذه المناسبة ويقيمون المهرجانات ويملأون الطرقات، يسرفون فى الأكل والشرب، ويفقدون وعيهم ويخرجون عن وقارهم يغنون، يرقصون يتنافسون فى ابتكار النكات البذيئة والشتائم الاذعة، وكانوا يحملون صورة مكبرة لعضو الإخصاب.

– آه، ده حلو قوى!

لم تحدد ما هو الحلو قوي:  المكان، الحكاية، نهاية الحكاية أو التحامنا معاُ. خيط كثيف من الدخان يخرج من مكان ما تموج الدخان البطيء الصاعد إلى السماء من بين الأشجار والخضرة يوحى إلينا بالهدوء والسلام ويذكرنا أيضا بالوقت الذي مر، كان يجب أن ننهض قبل المغيب، سوت ملابسها ونفضت بعض الأعشاب العالقة بها ولملمت أشياءها، فعلت مثلها، عيناها الضاحكتان أشعرتانى ببداية الطريق، دفعتها فى ظهرها فقفزت وجرت عدة أمتار وهى تصيح فى سعادة، صعدنا عدة تلال صغيرة حتى أصبحنا فى منتصف السهل الوسيع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This