“رقصة الموت الأخيرة” لدورينمات.. أين الأنا المفكِرة؟ / أنور محمد

في مسرحية “رقصة الموت الأخيرة” للمخرج حسن عكلا من تمثيله مع غسان الدبس ورامية زيتوني وموريس فياض، ومشاركة محمد يونس قطان ورضوان النوري ومحمد مشناتي، على خشبة مسرح القباني بدمشق، وهو النص الذي كتبه المسرحي السويدي أوغست ستريندبرغ (1849-1912) وأعدَّه السويسري فريدريش دورينمات (1929-1990)، لا يضعنا المخرج مع أنا مفكِّرة، بل مع أنا تَعطَّل عقلُها عن التفكير، مع الكونت إدغار بثيابه العسكرية متشبثًا بها لا يشلحها، وهو يثرثر طوال فترة العرض، فلا يحيلنا إلى أنا عدمية تثير مشكلة فلسفية، ولا إلى أنا وجودية ذات حضور إنساني. لقد كنَّا هكذا، مع عسكري يشعر بالتوحش؛ كارهٌ لزوجته أليسا- الممثِّلة رامية زيتوني- وهي تتمنَّى موته، وكاره لابن عمِّها كورت- الممثِّل غسان الدبس- صديقه عاشق أليسا، الذي عاد لتوِّه من أميركا، بعد أن جمع ثروة طائلة في مُغترَبِه، والذي صار عدوَّه، وهو الذي زوَّجه بها، أليسا المرأة ذات الأصول الأرستقراطية التي لم تحقِّق حلمها في أن تكون ممثِّلة، ولا أُمًّا، ضيَّعت ولديها؛ الصبيُّ سافرَ فيما البنتُ أيضًا سافرت وماتت وهي تجهض من حمل غير شرعي، وها هي بعد خمس وعشرين سنة من زواج غير متكافئ تعيش معه في جزيرة معزولة في بيت فوق زريبة.

حلبةُ مصارعة دائرية وإضاءة خافتة متبدِّلة، وَرجُلُ المسرح- الممثِّل موريس فياض- على يسار الخشبة يمهِّد للدخول في المَشَاهِد، الممثِّل حسن عكلا في دور الكونت إدغار، والممثِّلة رامية زيتوني في دور أليسا، يتباريان في تقشير الوسخ الأخلاقي لبعضيهما، في مناسبة مرور ربع قرن على زواجهما. الكونت إدغار ماضيه العسكري مخزٍ، مليء بالسرقات بالتعاون مع رئيس مستودع الأسلحة، وهذا ما تبلِّغ به أليسا قائده عنه في لحظة مكاشفة وانتقام، فيرد عليها بأنَّها عاهرة- يتبادلان التُهم والشتائم، فيما كورت- الممثِّل غسان الدبس- يدخل الحلبة زائرًا وقد عاد من مهجره لتكتمل المناحرة بينهم، فالثلاثة منحطُّون، الثلاثة رومانتيكيون ساخرون ومتهكِّمون ومتآمرون ووضيعون وأنذال. وكورت وأليسا لا يتورعان وقد سقط إدغار على الحلبة بأن يهينانه بممارسة الجنس في فراش الزوجية، هكذا وَهُم يتبادلون الاتهامات والسِباب، وهذه بعض حقيقة يسعى إلى كشفها المسرحي فريدريش دورينمات، اتهامات، سباب بمثابة لَكَمَات لكنَّها مُوجعة فَضَحَ فيها مأساة الزواج والعلاقات الاجتماعية للبرجوازية الأوروبية، وقد لعب دورينمات في المأساة لتصير ملهاة؛ ملهاة طمسها المخرج حسن عكلا ولم يقاربها؛ لم يُعرِّبها، تركها في بيئتها.
حسن عكلا في دور إدغار بدا ممثلًا يُجيد اللعب، ولكن حين ظهر غسان الدبس بدور كورت اختفى حسن. غسان كما بدا خصمًا وعدوًا لدودًا لحسن، كان في ابتسامته الساخرة واستقامة جسده الذي كان يحنيه مع قسوة وَرِقَّة انفعالاته، يعطي انطباعًا ساحرًا عن الممثل حين يلعب دوره وهو يتقلَّب ما بين الأنسنة والتوحش فيبقى حيويًا ومنضبطًا، الممثِّل على الخشبة يمثِّل علينا شرًا أو خيرًا فإنَّما ليعرض- لا يستعرض، قواه الروحية والفكرية، فيثير انفعالاتنا كمتفرجين.

غسان الدبس- كورت- بدا ملاكًا كما كان شيطانًا. هذه لم يأخذ بها حسن عكلا ممثلًا ومخرجًا. كان يمثِّل الكونت إدغار؛ كونت إنَّما من خشب، لا يعرف التفكير ولا التأمل بعد أن رُمي أو رمى نفسه ومعه زوجته أليسا فوق هذه الجزيرة النائية والمعزولة، زوجة تكرهه وتتمنى لو أنَّها تنحره، ضابط من خشب كان على المخرج أن يولِّع فيه النار، فلا ينتظر منه أن يرقص تلك الرقصة الأخيرة حتى يموت بسكتة قلبية أو دماغية، ذلك بعد أن ابتزَّ كورت ودفعه لأن يتنازل عن ثروته التي جمعها من عمليات نصب واحتيال وسرقة في المُغترَب، ويملك وثائق بذلك؛ الأمر الذي يفاجئ أليسا التي سلَّمها وثيقة طلاقها لتتزوَّج من حبيبها كورت، متوعدًا بأنَّه سيعيش عشرين عامًا بعيدًا عنها وعن زنخها. مع إنَّها رقصة لم تثرنا كمتفرجين- أُذكِّر برقصة زوربا التي ما تزال موسيقاها، إيقاعاتها تُثير مشاعرنا فنرقصها؛ موسيقى ورقصة تنظف وتنقي وتطهر النفس، ما هذه الرقصة الفظَّة التي رَقَصَها حسن عكلا باسم رقصة (البايار)، والتي جاءت حشوًا في العرض، لا صدق ولا عمق روحيًا لها، بل كانت سطحية ومفتعلة. مات الكونت إدغار وهو يرقص، مات وهو يُشهر سيفه واقفًا كما لو أنَّه انتصر. كان بودِّنا أن نراه يحتضر، فلا يباغته الموت، العدم. المخرجون المسرحيون العرب معظمهم لا يشتغلون شغلهم كأصحاب رؤيا ومواقف فلسفية من النص، يأخذون النص، كان لأريستوفانس أو لبريخت، وما بينهما، وما بعدهما، ويحولونه إلى عرض بعد أن يحذفوا ما يحذفون من الحوارات والمشاهد.
حسن عكلا من أوَّل مشهد في العرض المسرحي وحتى الأخير، انفعالاته لم تأخذ سورة الغضب، وإن بدا غاضبًا، حتى تعابيره الصوتية التي يُفترض أن تصعد وتهبط مع اشتداد ورخاوة انفعالاته لا تتغير. وهذا يكشف أيضًا عن أنَّ تفكيره في الزمن المسرحي لا يتغيَّر. صوتٌ؛ حوارٌ بدا رتيبًا، باردًا، جافًا حتى عند الممثِّلة رامية زيتوني في دور أليسا، لم نرَ مزاجها الذي يُفترض أن يكون ناريًا بسبب سخريتها من زوجها إدغار، وحقدها وكرهها الذي واجهته به.
العرض المسرحي إلغاء للعدم، هو ديمومة حضور، استدعاءٌ للحرية، حضورٌ، وجودٌ للأنا المفكِّرة الواعية العارفة. العرضُ المسرحي رؤيا من صورة وكلام

الموسيقى في المسرح تقوم بنقل أحاسيس مؤلِّفها بالصراع كان كوميديًا أو تراجيديًا، فنعيش مع مضامين نغمية توجِّه انفعالاتنا، فتصير لها قدرات كلامية، كأنَّها كلامٌ يشحذُ أو يهبِّطُ هِمَمَنا. أيمن زرقان ربَّما يكون في تأليفه لموسيقى عرض “رقصة الموت الأخيرة” قد عبَّر عن بعض ما جاء في مضمون المسرحية. الإضاءة التي صممها بسام حميدي ألوانها من المشبعة إلى الباهتة، حسبَ الأفعال كانت تفضح الشقوق والتصدعات النفسية لشخصيات المسرحية، وأنَّها شخصيات مسكونة بالعنف، قاسية إنَّما تتكسَّر. الديكور تصميم أشرف عكلا جاء على شكل حلبة ملاكمة تدور مع كرسي وطاولة، وإن بدا ثقيلًا واحتجز فضاء الخشبة، لكنَّه أعطانا إدراكًا حسيًا بأنَّنا سنتفرَّج على مباراة كلامية.
فريدريش دورينمات (1929-1990)
الإخراج موقف جمالي من الصراعات كانت تراجيدية أو كوميدية في النص حين يتحوَّل إلى عرض، حين يجيء به المُخرج من اللاوجود إلى الوجود، ومن اللاوجود إلى الوجود المستتر إذا تعذَّر إيجاده وجوبًا، أو الوجود الغائب. العرض المسرحي إلغاء للعدم، هو ديمومة حضور، استدعاءٌ للحرية، حضورٌ، وجودٌ للأنا المفكِّرة الواعية العارفة. العرضُ المسرحي رؤيا من صورة وكلام.

*ناقد مسرحي سوري

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This