من مقدمة “الأجسام الّتي تهمنا”

جوديت بطلر

 

لماذا يجب على أجسامنا أن تنتهي عند حدود الجلد الذي يغلفها، أو في أفضل الأحوال أن تشمل كائنات أخرى يحيط بها هذا الجلد.

دونا هاراواي / بيان السيبورغ

لو فكر أحدنا حقا بالجسم على هذه الشاكلة، لن تكون هناك حدود ممكنة بهذا الشكل. هناك أفكار عن آلية الجسم، وهناك قيمة تحمل شفرة الجسم. الجسم، بهذا النحو، لا يكون مفكرا به، وأنا بالتأكيد لا يمكنني مقاربته.

جياتري شاكرافورتي سبيفاك/من مقابلة في “بكلمة فقط” مع إيلين روني.

ليس هناك طبيعة، ولكن تأثير للطبيعة فقط: اللاتطبيع أو التطبيع

جاك دريدا/ مهلة الوقت

****

هل هناك طريقة لربط مشكلة  مادية الجسم مع أدائية الجنوسة (الجندر)؟. وكيف يمكن التفكير بفئة “الجنس”  ضمن هذه العلاقة؟. ضع بحسبانك أولا أن الفرق الجنسي يعمل دائما كقضية تتعلق بالفروقات المادية. ولكن الفرق الجنسي ليس ببساطة نتيجة الفروقات الجنسية والتي هي ليست علامة ولا صيغة ناجمة عن آلية الخطاب بطريقة من الطرق. علاوة على ذلك أن تدعي أن الفروق الجنسية لا يمكن فصلها عن هموم الخطاب لا يعني أن الخطاب هو المنتج للفرق الجنسي. إن فئة “الجنس” ومنذ البداية فاعلة. وهي ما يسميه فوكو “الفكرة المتحكمة”. وبهذا المعنى لا يعمل “الجنس” كمعيار فقط، ولكنه جزء من آلية تحكم تعمل على إنتاج الأجسام التي تتحكم بها، وهذا يعني أن القوة المتحكمة هي بكل وضوح نوع من القوة المنتجة، قوة تعمل على إنتاج – تفكيك، وتدوير، واختلاف – الأجسام التي تتحكم بها.

وهكذا، فإن “الجنس” هو معيار تنظيمي وبلورته إجبارية، وهذه البلورة تحدث (أو لا تحدث) من خلال بعض الممارسات المنظمة تنظيماً عالياً. وبعبارة أخرى، “الجنس”  تركيب مثالي يتم تجسيده قسرا عبر الزمن. وهو ليس مجرد حقيقة أو حالة ساكنة من حالات الجسم، بل آلية تبلور فيها القواعد التنظيمية “الجنس”، وتحقق هذا التبلور من خلال تكرار هذه المعايير بالقوة. وكون هذا التكرار ضرورة لا بد منها  يضعه موضع علامة على أن البلورة لم تكتمل تماما، وأن الأجساد لا تمتثل أبدا للمعايير التي تفرض بها هذه البلورة. والواقع أن عدم الاستقرار، وإمكانيات إعادة البلورة، التي بدأتها هذه الآلية هي التي تحدد مجالا واحدا يمكن فيه أن تتحول قوة القانون التنظيمي ليصبح ضد نفسه، ولتستمر عمليات الإعادة والتكرار، وهو ما يدعونا للشك بالقوة المسيطرة التي يفرضها ذلك القانون التنظيمي ذاته.

ولكن كيف يرتبط مفهوم الأداء الجنساني بهذا المفهوم للتبلور؟.

في المثال الأول لا  يجب أن نفهم أن الأداء “فعل” مفرد أو متعمد، ولكن، بدلاً من ذلك، هو آلية تكرارية واستشهادية ينتج بها الخطاب الآثار التي يسميها. وآمل أن نفهم بالتالي أن  المعايير التنظيمية “للجنس” تعمل بطريقة الأداء لتكوين مادية الأجسام. وعلاوة على ذلك وعلى نحو محدد ونوعي كيف تعمل على بلورة جنس الجسم، على بلورة الاختلاف الجنسي من ناحية وظيفته وتعزيز التغاير الجنسي. وبهذا المعنى، فإن ما يشكل ثوابت الجسم، ومعالمه، وحركاته، سيكون مادياً بالكامل، ولكن سيجبرنا على إعادة النظر في المسلمة التالية: أن التعبير المادي هو نتيجة من نتائج السلطة المؤثرة، أو أنه أكبر أثر من الآثار المثمرة التي تفرضها السلطة. ولن تكون هناك طريقة لفهم “الجنوسة / الجندر” على أنها بنية ثقافية مطبقة على سطح المادة، وإنما نفهم إما أنها “الجسم” أو جنسه المعطى. بالعكس، ما أن يفهم “الجنس” نفسه ضمن سياقه المؤثر، لن يكون بالإمكان التفكير بمادية الجسم بمعزل عن بلورة ذلك القانون المعياري. وعليه “الجنس” ليس ببساطة هو ما يمتلكه الإنسان، وليس وصفا سكونيا لحالة الإنسان كما هي: وسيكون واحدا من القوانين التي يصبح بها “الإنسان الواحد” نشطا، وهو ما يؤهل الجسم للحياة ضمن مجال المعقولية  الثقافية (1).

ويمكن إجمال مصادر القلق في هذه الصيغة المستعادة للطابع المادي للجسم فيما يلي: (1) إعادة تشكيل مادة الجسم على أنها نتيجة للقوة الديناميكية،  ذلك أن مادة الأجسام لا يمكن عزلها عن القوانين الحاكمة التي تسيطر على بلورة ومدلول تلك الآثار المادية.  (2) النظر للأداء على أنه ليس فعلا به تحقق الذات وجود ما هو/ هي تعينه بالاسم، ولكن بتمكين قوة الخطاب في سبيل إنتاج الظاهرة التي تتحكم بها وتضغط عليها. (3) تفسير”الجنس” ليس على أنه كتلة معطاة نفرض عليها بنية الجنوسة بطريقة اصطناعية، بل على أنه قانون ثقافي يتحكم بتحقيق الأجسام وبلورتها. (4) إعادة التفكير بالآلية والتي بها يتم افتراض القانون المادي، أو تهيئته، مع اعتبار أنه ، بالحرف الواحد، ليس خاضعا للذات، وإنما الذات، “أنا” الناطقة، تتشكل بفضل مرورها بمثل هذه الآلية التي تفترض الجنس. وأخيرا (5) ربط عملية “افتراض” الجنس مع مسألة تحديد الهوية، ومع الوسائل الخطابية والتي من خلالها يمكن لحتمية الاختلاف الجنسي أن تسمح بتحديد جنس معين وفي نفس الوقت نفي و/ أو نقض أي تعريف أو تحديد آخر.

هذه الشبكة الإقصائية التي يتم من خلالها تشكيل الذوات تتطلب الإنتاج المتزامن لمجال من الكائنات المتطرفة، تلك التي لم تبلغ درجة “ذات”، ولكن التي تشكل المحتويات في  خارج مجال الذات. والتطرف (2) هنا يدل بالضبط على تلك المناطق “غير النابضة بالحياة” و“غير القابلة للسكن” من الحياة الاجتماعية، ولكن رغم ذلك المسكونة بكثافة من قبل أولئك الذين لا يتحلون بمكانة الذات. مع ذلك إن ذلك الذي يعيش في فئة أمكنة “غير صالحة للسكن” مطلوب منه تحدي مجال الذات. وهذه المنطقة غير القابلة للسكن سوف تشكل الحد المعرّف لمجال الذات، وسوف تتضمن موقع التعريف المكروه الموجه ضد – وبفضل من – المجال الذي ستعمل الذات على تحدي مزاعمه الخاصة بالسيادة والحياة.

وبهذا المعنى، تتشكل الذات من خلال قوة الاستبعاد والنبذ، التي تنتج تكويناً خارجياً بالنسبة للذات، الخارج المرفوض، وهو، في نهاية الأمر، “داخل” الذات باعتبار أنه النفي المؤسس لها. ويتطلب تشكيل الذات تعريف الوهم الطبيعي للـ “الجنس”، ويتم هذا التعريف من خلال التنصل الذي ينتج مجالا من الاعتراضات، وهو تنصل لا يمكن أن تظهر من دونه هذه الذات.

وهذا إنكار يخلق تجاذب “الحدود” ويكون وضعه بالنسبة للذات شبحاً مهدداً. وعلاوة على ذلك إن بلورة جنس معين سيخدم بشكل أساسي تنظيم الممارسات المحددة، مثلا تعريف الاعتراض على هوية جنسية سيكون دائما إنكاريا. ومع ذلك إن هذا الاعتراض الإنكاري سيهددنا دائما بكشف الافتراضات الذاتية التي تقوم عليها الذات الجنسية والتي تؤكد أن تلك الذات في حالة تنصل من النتائج التي لا يمكنها التحكم بها تماما.  وستكون مهمتنا هي النظر في هذا التهديد والتعطيل، ليس على أساس أنه تنافس دائم مع القوانين الاجتماعية المحكوم عليها بالموت نتيجة الفشل الدائم، ولكن كمصدر محرج من مصادر الصراع لإعادة النظر بالشروط الخاصة بالشرعية الرمزية والوضوح الرمزيين.

وأخيرا إن تحشيد فئات الجنس في الخطاب السياسي سيكون مسكونا من بعض النواحي بانعدام الاستقرار الذي تنتجه الفئات وتهيمن عليه. وعلى الرغم من أن الخطابات السياسية التي تحشد فئات الهوية تميل إلى تطوير هويات تخدم الهدف السياسي، قد يكون استمرار الاستغناء عن الهوية أمراً حاسماً بنفس القدر لإعادة تعيين التنازع الديمقراطي. ومن الممكن أن تكون على وجه الدقة عبر الآليات التي تقلل من قيمة الاستغناء عن الهوية مع تلك المعايير التنظيمية التي يتحقق بها الاختلاف الجنسي ويتم بها تحشيد كل من أنصار الأنوثة وسياسة الغرابة. وإلغاء الهوية التي من هذا النوع يمكنها تسهيل إعادة تحديد مفهوم الأجسام التي تهمنا، والأجسام المتوقع تشكيلها كموضوعات نقدية تأسر انتباهنا.

******

الهوامش:

1- من الواضح أن الجنس ليس هو المعيار الوحيد الذي تتحقق من خلاله الأجسام، وليس من الواضح إذا كان “الجنس” يمكنه أن يعمل كمعيار بمعزل عن المتطلبات الطبيعية التي تعمل على الأجسام أيضا.

2- الاعتراض ( باللاتينية،  ab-jicere) تعني حرفيا: لتتخلى عن، لتبعد، أو تتقدم بافتراض وتشكل مجالا لهيئة تتمايز منها. وهنا يكون التخلص من شيء يعادل ما يعني في التحليل النفسي Verwerfung، وهذا يتضمن حصارا يحدد الذات والتي، بناء عليه، تشكل المؤسسة بشكل ضعيف وهش. وفي حين أن الفكرة المرجوة من Verwerfung في التحليل النفسي، يمكن ترجمتها بـ  “الترهين”، وتنتج ظاهرة اجتماعانية من خلال إقصاء الدال الأساسي الذي يشكل اللاوعي، أو في نظرية لاكان، اسم الحقيقي، فإن فكرة التنصل تدل على وضعية انحطاط أو استبعاد ضمن مصطلحات الظاهرة الاجتماعانية. في الواقع، ما هو تحت الحصار أو معزول في مصطلحات التحليل النفسي، هو بالضبط ما لا يمكن إدخاله في حقل الاجتماعي دون مخاطر الذهان، وهو انحلال الذات نفسها. وأود أن أفترض أن مناطق اعتراض محددة ضمن الاجتماعانية تمهد أيضا لهذا الخطر، وتركب أيضا مناطق غير قابلة للسكن والتي تتوهمها الذات على اعتبار أنها تهدد سلامتها الخاصة مع احتمال انحلال ذهاني (” من الأفضل لي أن أموت على أن أفعل أو أكون ذاك”). انظر لهذا المطلح تحت مادة: التفرد”  في: جان لابلانش وج. ب. بونتاليس، مصطلحات التحليل النفسي(باريس. دار المنشورات الجامعية الفرنسية، 1967). ص: 163 – 167.

******

الترجمة من:

Butler, Judith, 1956– Bodies that matter : On the discursive limits of “sex” / Judith Butler. p. cm.—(Routledge classics) First published 1993 by Routledge.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This