لماذا تقطع فرنسا رؤوس مواطنيها؟

إن ما حدث في فرنسا أفرز صعوبتين في الفهم والوعي والتحليل النقدي، الصعوبة الأولى تتمثل في ردود أفعال المسلمين سواء في التعاطف والتأييد للقاتل، أو في الدفاع عن الإسلام البريء من الإرهاب كما يعتقدون، ومن إسقاط التهم الباطلة في حق الإسلام. فجميع هذه الردود رغم تباينها واعتقادها أنها تخوض المعركة من الموقع الصحيح النقيض، فهي تسقط في الفخ السياسي الذي نصبته الممارسة السياسية للطبقة السياسية الفرنسية الحاكمة. وهي تحاول تمويه أزمتها السياسية الداخلية وإسقاط تناقضات مشوهة وبديلة على الواقع الفرنسي في حقائقه السياسية الاجتماعية الاقتصادية. وبالتالي تتلاعب بالوعي النقدي الفرنسي من خلال إغراقه في تناقضات مزيفة بعيدة عن المستويات البنيوية التي أنتجت الجريمة باعتبارها واقعة سياسية فرنسية لا دخل فيها للمقاربة الثقافوية الدينية والحضارية في صنع الحقائق المجتمعية التي ولدتها البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية الفرنسية. لهذا فإن أي دفاع إيجابي أو سلبي عن الإسلام، أو عن العلمانية هو دعم لهذه الممارسة السياسية ولهذا التوجه الإيديولوجي في التغطية عما تخفيه الديمقراطية من وجوه مظلمة سوداء منها تنبع الوحشية الإرهابية والجرائم المختلفة، كما تنبع منها احتجاجات مختلفة كأصحاب السترة الصفراء كممارسة اجتماعية سياسية تعري الوجه المرن الناعم للديمقراطية. إذا، هي جريمتنا حين نسقط دون وعي منا في هذا الفخ السياسي الذي يؤدي إلى تحرر فرنسا من مشاكلها وأزماتها الداخلية، كما تكرس ممارستنا الفكرية أو السياسية أو الإعلامية وفقا لهذا التوجه وتبعا لهذا الاتجاه، واقع التستر على الوجه البشع للديمقراطية الذي لم يعد يمارس عنفه السياسي والاقتصادي على البلدان الضعيفة فقط، بل أيضا دخل بلدانه، حيث دفعته حركة تطور السياسات النيوليبرالية للكشف عن وجهه السياسي العنيف والمأزوم داخل حدوده  “الوطنية”، وخارجها.

لذلك فإن الذين يدافعون عن الإسلام هم في الحقيقة يدافعون عن الإسلام السياسي الفرنسي كما هو في الممارسة الإيديولوجية السياسية للفئة الفرنسية الحاكمة، وهم بذلك يتحولون دون وعي منهم الى خدام هذا التوجه السياسي في تعاطي الدولة الفرنسية مع أزماتها الداخلية. أي يتحولون الى مادة سياسية للتعمية والتغطية الإعلامية على الجذور الحقيقية لطبيعة الجريمة باعتبارها وجها آخر للديمقراطية كثيرا ما مارسته فرنسا الاستعمارية والامبريالية خارج فرنسا، وكان واضحا هذا الوجه في دمويته وجرائمه ضد الإنسانية من الجزائر إلى فتنام…، والشيء نفسه بالنسبة للذين يدافعون عن العلمانية والقيم الثقافية والاجتماعية للجمهورية في خوض صراعها ضد التوحش الديني، كما يعتقدون، هم في الحقيقة ينطلقون من الأرضية الإيديولوجية نفسها التي من خلالها يمارس حكام فرنسا صراعهم السياسي وبالتالي يعسر عليهم التملك الفكري السياسي للديمقراطية السوداء التي تنتجها سيرورة الديمقراطية في واقعها الاجتماعي الاقتصادي السياسي الفرنسي.

صعب جدا على الفرنسيين أن يدركوا حقيقة الجريمة التي أدت إلى قطع رأس الأستاذ الفرنسي، وقد نجحت التعمية والتضليل الإعلامي والسياسي في التستر على الطبيعة السياسية لحقيقة الصراع السياسي الذي تخوضه الطبقة السياسية الفرنسية الحاكمة من خلال استغلالها للمستويات البنيوية العميقة لتشكل الدولة الديمقراطية الحديثة العلمانية ليس فقط من خلال واقعها الاجتماعي السياسي والاقتصادي والثقافي وما كان يعتمل فيه من صيرورات وصراعات وتحولات، بل من خلال الضرورة التاريخية لوحدة التاريخ العالمي انطلاقا من الصيرورة التاريخية الموضوعية للرأسمالية في وجهيها الكولونيالي والامبريالي كوحدة للتاريخ العالمي. بمعنى أن المواطن الفرنسي يدرك علاقته بدولته ونظامها السياسي من خلال الخلفيات الفكرية والسياسية الاجتماعية التاريخية المؤسسة للدولة الوطنية الحديثة، بمؤسساتها القانونية والدستورية والسياسية ومعاييرها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية…، دون أن يدرك الوجه الآخر الدموي البشع للديمقراطية التي تميز وجوده السياسي وتحدد نمط حياته الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فالديمقراطية الفرنسية والغربية عموما قلما تم الانتباه إلى أنها نهضت وتأسست ليس فقط وفق المنطق الداخلي لحركة الصراع السياسي الاجتماعي الذي عاشته مجتمعاتها عبر التاريخ الحديث والمعاصر، وإنما أيضا في علاقتها الاستعمارية كتطور موضوعي لحركة التطور والتراكم الرأسمالي، كضرورة تاريخية نابعة من تطوره كتوسع واستعمار ثم كسيطرة وهيمنة امبريالية. وبكلمة واضحة أن الديمقراطية الفرنسية ما كان لها أن تنهض وتتأسس إلا من خلال وجهها الدموي، أي على حساب أنقاض البلدان وأشلاء الشعوب المستعمرة التي لا تزال تعاني من سطوتها السياسية وسيطرتها الاقتصادية. هذا الوجه الدموي الذي تتسر عليه القوى الغربية سرعان ما تعريه بؤر التوتر والحروب، ومختلف أشكال الاختلالات والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها الشعوب المقهورة سياسيا من طرف ديكتاتوريات بأقنعة دينية، طائفية، علمانية…، محمية وفي تحالف عضوي مع سيطرة وهيمنة الدول الغربية الديمقراطية. وإذا كانت مارست وتمارس هذا الوجه الدموي للديمقراطية في النهب والقتل وفي معاودة إنتاج السيطرة والهيمنة وفق أشكال سياسية جديدة تتطلبها كل مرحلة تاريخية من تطور المجتمعات، فإن أزمة تطورها النيوليبرالي الداخلي جعلها تنقل هذا الوجه الدموي إلى داخل بلدانها تحت غطاء إعلامي وسياسي تضحي فيه بمواطنيها على مذبح السياسة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، بتعبيرات ومظاهر عنصرية، طائفية، دينية…، بمعنى ممارسة التضليل الأيديولوجي السياسي على حقيقة واقع الصراع السياسي الداخلي في بحثها عن الاصنام المؤسسة لدولتها الحديثة (الوطنية، الوحدة، الانسجام والتكتل، التعبئة العابرة للطبقات وكل الفئات الاجتماعية، الهوية، الذاكرة التاريخية للجمهورية الأبوية المؤسسة للقومية الفرنسية…) في مواجهة عدو همجي متوحش، حيث يفرض الظرف التاريخ التكتل وراء الدولة والقيم العلمانية الجمهورية، مما يدفع  بالتناقض المجتمعي الداخلي كمنبع لكل هذه المشاكل والجرائم والاحتجاجات الشعبية المشروعة إلى الوراء، موهمة المجتمع الفرنسي على أن هناك في فرنسا داخل وخارج، مندمج وغير مندمج: مهاجر ولاجئ …، غريب في ثقافته وقيمه الحضارية الانفصالية التي يعسر اندماجها، بل هو مهدد للسياسة ونمط الحياة الفرنسية كما أسستها قيم وثقافة الجمهورية في ظل الدولة العلمانية الديمقراطية الحديثة. قد تربح المعركة الإيديولوجية مرحليا، لكن الواقع السياسي في تناقضاته المختلفة للحاكم الفرنسي بالمرصاد، فكلفة هذا العماء الأيديولوجي غالية الثمن إن عاجلا أم آجلا.

ومشكلتنا مع التوحش الديني أيضا في بلداننا سياسية في علاقتنا بحق الوجودي السياسي الذي ينبغي أن نخوضه من منطلق هذا الوعي السياسي في الحق في امتلاك السياسة عوض التصحر والقهر السياسي الذي تفرضه الأنظمة العربية على تفاوت في تصريفها لمظاهر اللعبة السياسية من بعض الهامش إلى الابادة السياسية التي تركت الحقل الديني مجالا وبديلا لتشويه التناقضات المجتمعية التي هي سياسية في تركيبها البنيوي الاقتصادي الاجتماعي في صراعات عصبية طائفية إثنية سواء كانت بأقنعة دينية أو علمانية فهي في الأخير تسقط هي الأخرى في الفخ السياسي للقهر السياسي للأنظمة دون أن تدرك أن الثورة والتغيير الاجتماعي السياسي قادر على سحب هذه الخلفية الإيديولوجية التي تتكئ عليها الأنظمة في البروز كأنظمة علمانية تقدمية أو على الأقل دنيوية بجانب الشعب في معركة ضد الإرهاب الديني وفرت هذه الأنظمة شروطه الموضوعية والذاتية فحولته إلى آلية سياسية لديمومتها ومعاودة انتاج قهرها السياسي جاعلة من نفسها قوة حية محلية وعالمية في وجه الموت الديني. التوحش الديني هو ما تبقى للشعوب للاعتراض العدمي في نوع من الهروب المتطرف إلى الامام لكن للأسف بلغة الانحدار في الزمن، زمن الماضي المتخيل. لا داعي لكل متنور في السقوط في هذا الفخ واستنزاف الطاقات والفعاليات للتغلب على الأعراض وترك المستنقع الذي سمح بظهور هذا المغول الداخلي وهو القهر السياسي للديكتاتوريات في لجمها للبنيات السياسية والثقافية والاجتماعية ولسيرورة الصراع السياسي. من هذا المنظور تخاض أيضا معركة الذات ضد الذات في الانتصار على كل ما هو متخلف ومتوحش في بنياتها الثقافية والدينية والاجتماعية…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This