إستثمار الشّعبويّة في حالة “ما بعد الحقيقة ” تونس نموذجا

1 – مفهوم “ما بعد الحقيقة” من النّشأة إلى التّداول

يعود ظهور مصطلح “ما بعد الحقيقة ” إلى عام 2016 بعيد إنتخاب الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية لدونالد ترامب ليكون مرشحه للإنتخابات الرئاسية لمواجهة مرشح الحزب الديمقراطي وأيضا بعد قرار بريطانيا المفاجىء الإنفصال عن الإتحاد الأوروبي. إنبنى المصطلح في مضمونه على الإشارة إلى الظروف التي تتكون فيها الحقائق “الموضوعية” وإلى دورها في تشكيل الرأي العام. لقد أصبحنا بعد تينك الحدثين نعيش حالة من أهم سماتها سيادة خطاب سياسي وإجتماعي مشحون ومتشنج. لقد شهدنا توسعا في إستخدام المصطلح وفي تداوله، مما مكنه من إنتزاع موقع له في اللغة بعد فترة من إزدياد وتيرة إستعماله في شبكات التواصل الاجتماعي، تزامن ذلك مع إنعدام الثقة في الحقائق التي تقدمها مؤسسات الحكم التقليدية/ الرسمية. لذلك صار لزاما على معجم أوكسفورد Oxford  أن يدرجه في مصنفه بعد أن ضبط دلالته وحدد معناه، يعرف المعجم مصطلح “ما بعد الحقيقة  post- truth” بأنه : ” الظروف التي تكتسب فيها الحقائق الموضوعية تأثيرا أقل في تشكيل الرأي العام مقارنة بتأثير ما تفضله العواطف والقناعات الفردية التي يتم إيثارها على الحقائق العلمية ” (1) لقد تزامن ذلك، في إتفاق لا يخلو من دلالة واضحة،  مع إختيار مجمع اللغة الألمانية في نفس السنة لكلمة postfaksch  التي يمكن ترجمتها إلى ” ما بعد الحقيقة ” للدلالة على الظروف التي تفقد فيها الحقيقة مرجعيتها وتصبح بلا جدوى وبلا فاعلية. (2) لقد إكتسب المصطلح أحقية حضوره بعد إزدياد ميل الناس إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم بناء على المشاعر أكثر منها على الحقائق ولاسيما في  ما يتعلق بالشؤون السياسية والإجتماعية لذلك كثر نزوعهم إلى رفض تقبل الحقائق وإلى قبول الكذب حتى المفضوح منه، وقد إرتبط ذلك بشكل واسع بما تروج له وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تغلب عليها الشائعات أكثر من الحقائق، مع قبول لهذه الشائعات بشكل مثير للدهشة. (3) إن إغراق الإجتماع السياسي في عوالم إفتراضية منبنية على معلومات مضللة وصور زائفة لا تكتفي بأن تكون تغطية لواقع حقيقي ماثل أمام أعيننا، بل تقوم مقامه فيضيع المعنى وتفقد الإحالة التي تضبط العلاقة بين الدال والمدلول مرجعيتها ونجاعتها، يقول جان بوديار Jean Baudrillard  منظر فرنسي وفيلسوف (ت 2007): ” يموت الواقع الحقيقي تحت وطأة تمثلاته غير الأصيلة وتحت النماذج المتخيلة التي من أبرزها اليوم الفضاء الإفتراضي لمواقع التواصل الاجتماعي، صرنا نعيش في عالم تزداد فيه المعلومات أكثر فأكثر  بينما يصبح المعنى فيه أقل فأقل. ” وفي كتابه ” المصطنع والإصطناع ” “Simulacres et Simulation , Éditions Galilée   “Paris ,1981يرى أن المصطنع الذي نعيش فيه سواء كان صورة أولغة لا يحجب الواقع بل حل نفسه مكان الواقع وذلك بتدميره لثنائية الدال والمدلول، ما يعني أن سلطة الرمز – أي السلطة التي تقف وراء الصور واللغة التي تبثها الوسائل المعلوماتية الجديدة – إفترست المرجعية التي يشكلها أو كان يشكلها الواقع. (4) مصطلح ” ما بعد الحقيقة ” يقوم على تجاهل الواقع الموضوعي وما يتبدى منه من حقائق فيتم تعويمها أو إعادة تشكيلها أو إجتزاؤها أو التقليل من شأنها، هذه المواقف جميعها نابعة من العاطفة والغرائز التي يغيب فيها العقل والمنطق السليم وهما أعدل الأشياء قسمة بين البشر وعليهما تبنى التحليلات والتصورات، ما وراء الحقيقة يقع فيما وراء تينك القيمتين، تثقل الحقائق على أصحابها فيصعب عليهم  وجوديا تحملها  والتعامل معها، تركن النفس إلى حقيقتها الخاصة وإلى قناعاتها وليدة نرجسية مفرطة تبحث دوما عما يشبع تمثلاتها. ضمن هذا المناخ العام الذي تغذيه التحولات الإجتماعية والسياسية المتسارعة تجد الشعبوية أرضية خصبة لتمرير مشاريعها.

2 –  الشّعبويّة والتّلاعب بالعقول أوفي صناعة إجماع متوهم

إن المشهد السياسي الذي أفرزته الإنتخابات التشريعية الأخيرة مشهد مفتت، عمق عجز الطبقة السياسية على إجتراح حلول للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية المتفاقمة في ظل غياب برنامج وطني متفق عليه لإنقاذ البلاد، كما أن غياب المحكمة الدستورية فاقم الأزمة لأن وجودها كان سيساعدنا على فض الإشكاليات القانونية وتنازع الصلوحيات بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في جزئها المتعلق برئاسة الجمهورية، مما جعلنا نعيش حالة من صراع التأويلات un conflit d’interprétation  حول مسائل حارقة تتعلق بأمننا القومي وبمصالح البلاد العليا .لقد ساهم هذا الوضع في تنامي المخاوف لدى المواطنين حول إستقرار النظام السياسي وتحولت هذه المخاوف إلى فوبيا تنزع عن الطبقة السياسية قدرتها على إدارة الشأن العام، مما يعطي لدعاة الشعبوية الذريعة لإلغاء الحياة الحزبية برمتها والسعي لتغيير النظام السياسي القائم وتعويضه بنظام مجالسي يفضي إلى مركزة السلطة في يدي رئيس الجمهورية .قد يكون تشخيص الوضع الذي نعيشه سليما، إلا أن الحلول المقترحة لعلاجه تخفي وراءها نزوعا إلى نسف المكتسب وإجهاض المنشود ، ضمن هذا المزاج العام الذي خلفته المناكفات السياسية والإستقطابات الحادة وليدة الصراع الإيديولوجي، لا يستنكف البعض عن الإستثمار في الموجة الكبيرة من عدم الرضا والإستياء بسبب ما آلت إليه الأوضاع. تطل علينا الشعبوية والفاشية برأسيهما لتطرحا نفسيهما بديلا ناجعا لمآزق البلاد وتوهمان الناس بقدرتهما على الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة وذلك إما بآعتماد النوستالجيا المريضة التي تريد إسترجاع زمن القمع والإقصاء والفساد وهذا حال الفاشية ممثلة في الحزب الحر الدستوري، وإما بالإستناد إلى خيالات سقيمة وآستيهامات أخطأت في قراءة الواقع قراءة صحيحة حيث تريد القفز على منجز الثورة وتحويل وجهتها لترمي بنا في غياهب المجهول ، حيث شعارات ” من تحزب خان ” و” البيت لساكنه ” و” اللجان في كل مكان ” وهي التي دمرت الشعب الليبي وخلفت وراءها دمارا نفسيا وماديا مازال إخوتنا في ليبيا يتجرعون مرارته ذاك حال الشعبوية. سينصب إهتمامنا على الشعبوية لخطورتها على إستقرار الوضع السياسي بالبلاد، لاسيما وأنها تشغل ركنا هاما في أجهزة الدولة ومؤسساتها، إنها رئاسة الجمهورية الرأس الثانية في السلطة التنفيذية وذلك إستنادا إلى ” برنامج ” قيس سعيد من ناحية وإلى جملة المواقف التي يعبر عنها بين الفينة والأخرى. تعتقد الشعبوية في أن الديمقراطية بشكلها الحالي في حالة ترهل وأن النظام التمثيلي إنتهت صلوحيته، مما يعني أن التخلص من الأحزاب أصبح ضرورة تقتضيها المرحلة فالأحزاب صارت عبءا على الحياة السياسية وسيكون البديل منظومة حكم جديدة ستغير من واقع الناس، لكن تبين أن ما تعد به الشعبوية لا يعدو أن يكون مشاريع وهمية تدغدغ مشاعر المواطنين ولا تمتلك مقومات التحقق العيني، هي خيالات مريضة تتعامى على حقائق الأمور وتتجاهل الواقع الموضوعي. تطالب الشعبوية بديمقراطية مباشرة كالتي كانت في العصور القديمة والتي تتحول إلى ديماغوجيا سلطوية، فالشعب في أثينا كان قليل العدد ولم يكن منشغلا بأعمال متعددة كالتي تشغلنا اليوم، كان لهم متسع من الوقت يسمح لهم بالإجتماع في الساحة العامة وبآختيار قوانينهم وبآنتخاب من يحكمهم مباشرة، هذه الصورة الأسطورية والمثالية يستند إليها الشعبويون (5) لذلك عندما يقول قيس سعيد: ” إن الدستور هو ما يخطه الشباب على الحيطان من شعارات ” وأما دستور الجمهورية الثانية فقد ” أكله الحمار ”  إنه يخاطب جموعا غير واضحة الهوية بعضها إنتخبه طوعا وأكثرهم إنتخبوه كرها، بغرض إسترجاع تلك اللحظة الأسطورية القديمة ليستثمر في عواطف الجماهير الجياشة ومشاعرها الفياضة ورغبتها الصادقة في التغيير، إلا أن ذلك سيؤدي إلى طريق مسدود، لأنه يضاد حركة التاريخ. يقول الفيلسوف فلوران قيران Florent Guenard : ” المفكرون الليبراليون يستبدلون النموذج القديم للديمقراطية المباشرة بالحكم التمثيلي: المواطنون يهتمون بشؤونهم الخاصة ويقبلون يتفويض سلطتهم إلى ممثلين عنهم ينتخبونهم ” (6)  هذا التصور للديمقراطية هو الذي ساد لفترة تاريخية طويلة وقد شهد مراجعات بغرض تحسينه، إقتضتها ممارسة الحكم وهو أمر معقول، أما العمل على تقويضه فذاك عبث لا طائل من ورائه،  علينا أن نسعى لشد أزر إنتقالنا الديمقراطي الذي يقتضي منا الترفق بتجربتنا والعمل على أن يشتد عودها.

3  – الشّعبويّة وإستثارة المخيال الديني

يستثير الشعبويون بآستمرار العواطف أكثر من العقل ومفاهيمه، فالكائن في نظرهم كتلة من الرغبات والمشاعر والغرائز التي ينبغي إستغلالها بطريقة ناجعة للوصول للحكم والبقاء فيه. المواطنون مدعوون للتصويت بحدسهم كرجل واحد، فالفرد يصهر في المجموعة / القطيع، تحت وطأة إنفعال ما أو عاطفة ما مثل كراهية الأحزاب أو الإشمئزاز مما يحدث في البرلمان من تهارج أو إنبهارا بزعيم ما وبشعارات خلابة. يكف الفرد في خضم ذلك عن إستعمال ملكة العقل وينقاد لذلك التيار الجارف فيجد نفسه منخرطا في تطبيق تعليمات القيادة الشعبوية. تعمل هذه القيادة على تمتين اللحمة بين أتباعها بآصطناع أعداء يتعمدون التعمية عنهم فإذا نحن إزاء شخوص وجماعات غير واضحة الملامح تتكفل آلتهم الإعلامية بآستهدافهم والتحذير منهم عبر صفحاتها على شبكات التواصل الاجتماعي. تتواتر في الخطاب الشعبوي مفردات: المتآمرون، الخونة، العملاء، خيانة عظمى، المندسون، الغرف المظلمة، المتحالفون مع الصهيونية، ثم تغلق القائمة بـ”نعرفهم وسنحاسبهم” يهدف هذا الشكل من الخطاب إلى التحشيد والتعبئة ورص الصفوف خوفا من تآكل صورة رئيس عديم الخبرة، بفعل كثرة أخطائه التواصلية. تختزل الذات الإنسانية في الرؤية الشعبوية في دور الخروف داخل القطيع حيث توجد بعض الأطراف المدانة من قبل الراعي/ الرئيس الذي يعمل على إشعال كراهية بقية القطيع ضدها ليتخلص منها، أين نحن من الدور التجميعي للرئيس الذي هو ملزم به دستوريا !؟.

لطالما كان الدين عرضة للتوظيف والإستثمار منذ قرون، فهو مجال يملؤه المقدس وتجيش به العواطف وتهتز القلوب المؤمنة لتعاليمه وشعائره ولكن يضمر فيه الجانب العقلي فيغيب النقد والإعتراض على كل ما له علاقة به، فذاك يكاد يكون من المحرمات. إن الدين لا يزال يحتل موقعا مهما في البلدان التي يكون له فيها حضور قوي. وهوما جعل الشعبوية تستثمر في حضور الدين وذلك بالعمل على مغازلة شريحة واسعة من المجتمع والعمل على إسترضائها وكسب أصواتها. ألم يعمد دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية على توسيع قاعدة اليمين الديني المتصهين المتحالف معه وذلك بالعمل على تحقيق مطالبه، إيتداء بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس والسماح لإسرائيل بضم الجولان المحتل في تحد صارخ للقانون الدولي، ثم ها هو قبيل إنتخابات نوفمبر القادمة نجح في إنجاز إتفاقتي تطبيع لدولتين خليجيتين الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع إسرائيل ثم تأكيده أن هناك دول عربية أخرى في طريقها للتطبيع مع الكيان الصهيوني في المنظور القريب.إنه يفعل كل ذلك بخلفية عقائدية ترى أن هذا الكيان الغاصب هو تجسيد للإرادة الإلهية وهو مكلف بتهيئة الظروف الملائمة لعودة المسيح المخلص، وعلى ترمب تسريع عجلة التاريخ لترضى عنه قلوب المؤمنين المتلهفة لتحقق النبوءات المسيحانية les prophéties messianiques  التوراتية في أقرب وقت ممكن. لم يكن الدين الإسلامي بمنأى عن التوظيف فمنذ نهاية الخلافة الراشدة القائمة على الشورى ومع بداية الملك العضوض القائم على التوريث والعسف والظلم، تعرض الدين إلى عملية توظيف من قبل السلطات الحاكمة لفرض شرعيتها المشكوك فيها، مثلما وظفه المعارضون لتلك السلط بغاية نزع الشرعية عنها. في تونس عملت الشعبوية على تزييف وعي المواطن  fausser la conscience du citoyen  وذلك بالإيهام بالقدرة على حل مشاكله هذه القدرة تحتاج إلى صلاحيات لا يمتلكها رئيس الجمهورية، هنا يحتاج الوهم بالقدرة والإستطاعة إلى مصداقية راح يبحث عنها في الموروث الديني فتتواتر على لسانه آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأقوال المأثورة عن الصحابة ولا سيما محاولته التشبه بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رسم له المخيال الجمعي السني صورة الحاكم العادل، القائم على شؤون رعيته في كل صغيرة وكبيرة، الساهر على أحوالها والذي أثرت عنه أقوال أصبحت مضرب الأمثال من قبيل: ” لو عثرت بغلة بالعراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر ” أو” متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار” أو”  إضرب إبن الأكرمين ” في الحادثة المعروفة بآستغلال النفوذ من قبل إبن والي مصر عمرو بن العاص بتعلة شرف النسب. أن تكون للرئيس زيارات ليلية ، في خرق فاضح للحجر الصحي، بدعوى تقديم مساعدات لعائلات محتاجة أمر لا يخلو من شعبوية مقيتة لا سيما حين يتم تصوير ذلك بغرض الترويج لصورة الرئيس من قبل رئاسة الجمهورية من ناحية ومن قبل صفحات في فضاء التواصل الاجتماعي مختصة في تمجيد الرئيس، ثم تبين أن الأمر ليس سياسة معتمدة وإنما هي ممارسات قائمة على إنتقائية في التعاطي مع بعض الملفات، ألن يسألك الله عما يحدث في الكامور، ألن يسألك الله عما يحدث في مناجم الفسفاط حيث ترتكب جرائم بحق الوطن، ثم لماذا هذا التعاطي مع رئيس حكومة تعلقت به شبهات فساد!!! أليس المقام هنا هو”  إضرب إبن الأكرمين ” رئيس الجمهورية هذا الذي قامت حملته الانتخابية على الطهورية وعلى نظافة اليد وعلى رفعة الأخلاق لم يهنىء شعبه بعيد الأضحى، لم يلبي دعوة مجلس النواب للحضور في عيد الجمهورية ومجلس النواب هو الذي شهد ميلاد النظام الجمهوري لأول مرة في تاريخ البلاد، ثم إن مسألة تردده  إلى بعض المساجد في الأحياء الشعبية ليتم تصويره وهو يؤدي الصلاة ثم يتم الترويج لتلك الصورة، شعبوية مفضوحة ومقيتة،  لو تأملنا حقيقة ما يحدث بين باردو وقرطاج، سندرك أن الصراع بينهما في أحد وجوهه صراع حول إمتلاك الرأسمال الرمزي  للدين في بلادنا، لذلك يزداد منسوب التشنج عند ما يتعلق الأمر بهذا المجال، فرئاسة الجمهورية وضعت نفسها في تنافس هدفه إفتكاك الحقل الديني le champ religieux  بالمعنى السوسيولوجي من حركة سياسية ذات مرجعية دينية لم تدعي يوما أنها الناطق الرسمي بآسم الإسلام أوهي وصية عليه، إلا أن الشعبوية تتلذذ بخلع الأبواب المفتوحة، فمسألة الهوية وطبيعة المجتمع التونسي قد حسمها الدستور ولم يعد للجدل حولها من معنى، فموقف الرئيس من مسألة “المساواة في الميراث” ورفضه لها والذي أعلنه في عيد المرأة الأخير، جعلته يتموقع على يمين حركة النهضة المحافظة مما أثار حفيظة القوى ” التقدمية ” وآعتبرته موقفا رجعيا وتعجبت أن يصدرذلك عن رجل قانون. تتعاضد في الشعبوية الصورة والخطاب، ليس لتغييب الحقيقة، بل لينسجا واقعا جديدا يغيب فيه المعنى ليحل محله شيء مصطنع، تعمل الدعاية الإعلامية على تثبيته وآستبطانه في وجدان المواطنين من ناحية، وعلى طمر المرجعية التي كان يستند إليها من ناحية أخرى، مما يقتضي حفرا أركيولوجيا بحثا عن حقيقة تم آغتيالها وردمها.

الخاتمة:

الشعبوية هي الإسم اللاتيني الذي يحيل على الديماغوجيا أكثر من إحالته على الديمقراطية، هي نداء لشعب مثالي/ متخيل وهي ثقافة الزعيم، وهي إستجداء للعواطف الرخيصة، كل ذلك يبعدنا عن الديمقراطية أشواطا فإذا هي تشويه وإنحراف عن جوهرها وعن مفهوم الذات الإنسانية وهنا يكمن خطرها ومع ذلك لا زلنا في تونس نراهن على قدرة الديمقراطية على ترويض جموح الخطاب الشعبوي بمجرد مروره على قسوة إمتحان الضرورة السياسية وإكراهاتها المرة. (آنظر نور الدين الختروشي، إئتلاف الكرامة في رحلة العبور الصعب، جريدة الرأي العام، العدد 172، 4 سبتمبر 2020، ص 4).

******

الهوامش والتّعليقات:

1 – معتز ممدوح : ” عصر ما بعد الحقيقة،  كيف تتلاعب السلطة بعقول الجماهير “، موقع إضاءات، 30 جوان 2018.

2  – نفس المرجع.

3 – ” ما بعد الحقيقة معيار قلب قيم الإعلام رأسا على عقب “، موقع العرب، 11 جانفي 2017.

4 – آنظر، جان بودريار…حين يضيع المعنى، جريدة الخليج- الملحق الثقافي، 19 ديسمبر 2016.

5 – بيار بستولوتي: “هل الشعبوية ديمقراطية”، ترجمة: رمضان بن رمضان، مجلة الحياة الثقافية، العدد 303، سبتمبر 2019.

6 – L’ obs , hors- série, ” Démocratie et populisme ”  N 95 , Mai- Juin, 2017,p 46.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This