الخلق والبعث في قصيدة “إلى الرّسّام عدلي رزق اللّه” للشّاعر أحمد عبد المعطي حجازي

“[…] نحن نجدّد لا لننشئ شيئا مختلفا، وإنّما لنعبّر عن حياة جديدة، عن رؤيا جديدة للعالم، وعن طريقة جديدة في التّصوّر والتّفكير.”[1] هكذا يتحدّث الشّاعر المصريّ أحمد عبد المعطي حجازي في حوار له مع مجلّة “أدب ونقد” المصريّة. إنّ هذه المقولة تحلينا إلى الموقف الّذي يتبنّاه الشّاعر من التّحديث أو عن التّجديد وهو الأمر الّذي يبرز خصوصا من خلال القول بأنّ التّجديد لا يعني إنشاء شيء مختلف، فمن هنا يمكننا أن نلاحظ أنّ هذا القول قد يعني فيما يعني العلاقة بين القديم والجديد، بين التّراث والحاضر، وهي من المواضيع الّتي اشتغل عليها الشّعر العربيّ الحديث، والفكر العربيّ عموما خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين. فمهما كان “تحطيم” أصنام الحاضر حاضرا وبقوّة في عمليّة التّجديد والثّورة على الشّعر العربيّ القديم، إلّا أنّ كلّ جديد إنّما هو نابع منهُ لا يستطيع الخروج الكاملَ عنهُ، ولهذا فالجديد هو تعبير جديد، طريقة جديدة، رؤيا جديدة، وليس شعرا جديدا بطريقة كاملة. إنّ الاختلاف هو اختلاف رؤى الشّاعر القديم عن رؤى الشّاعر الجديد، اختلاف عصر الشّاعر القديم عن عصر الشّاعر الجديد: هذا الاختلاف لن يتحدّد فقط من خلال شكل القصيدة ومضمونها، بل يتحدّد أيضا من خلال المؤثّرات الخارجيّة الّتي تدخل بنية القصيدة كي تحوّرها، فلا تصير القصيدة من حيث مبناها ومعناها خاضعة فقط لما ينتمي إلى بنية القصيدة الشّعريّة، وإنّما ينفتح الجنس الأدبيّ على الأجناس والعلوم الأخرى كلّها. ولربّما كان الشّعر من أكثر الآداب الّتي استطاعت أن تنصهر الفنون فيها، وليس بالجديد في تاريخ الشّعر التقاؤه بفنون أخرى، بل ربّما ارتبط مع فنون أخرى ارتباطا مباشرا. في العالم المعاصر، تفتح الفنون نوافذها على الفنون الأخرى، فكما تتداخل الأجناس الأدبيّة تتداخل الفنون فتستقي من بعضها البعض مواضيعها أو هي تكمل ما بدأته أخرى وهكذا دواليك، فلا وجود لفنّ بمعزل عن بقيّة الفنون: لم يعد الفصل بينها كما كان سابقا ممكنا ولم يعد كلّ فنّ مشكّلا لبنية لا تُختَرقُ.

هذا التّنوّع غير المنفصل عن بعضه البعض والّذي يتحرّك وفق مبدأ الجدليّة هو جزء من الحياة الجديدة، الحياة الحديثة أو المعاصرة الّتي يحاول الشّعراء العربُ أن يعبّروا عنها وأن يستغلّوا كلّ قطرة من الفنون والعلوم الأخرى كي يوظّفوها في قصائدهم فتكون القصيدة فسيفساء من مختلف الأفكار الّتي يصوغها الشّاعر حسب فكرة رئيسة يدافع عنها بطريقته الخاصّة، بطريقته الجديدة تصوّرا وتفكيرا حسب الشّاعر أحمد عبد المعطي حجازي في القول الّذي ذُكِرَ في مستهلّ هذا التّحليل. ينفتح الشّاعر على العالم عن طريق رؤيا يحاول فيها أن يكتشف غياهب المستقبل المجهول، هذه الرّؤيا هي الّتي تسمح لخيال الشّاعر بأن يحمل ما يحمل من صور كي يرسمها بالكلمات فتكونُ القصيدةُ. والصّورة قد تكون محاكاة كما يذهب إلى ذلك أرسطو في “فنّ الشّعر”. والصّورة قد تكون مستوحاة من صورة، وصور القصيدة قد تكون مستوحاة من شخص معيّن وهو ما نجد له أثرا في الشّعر العربيّ الحديث حيث نجد أسماء الأعلام في القصائد سواء للحديث حولهم أو لإهدائهم القصائد، وهو ما نجده في القصيدة الّتي نحاول تحليلها لأحمد عبد المعطي حجازي المعنونة بـ”إلى الرّسّام عدلي رزق اللّه”، وهي مقتطفة من ديوان الشّاعر “كائنات مملكة اللّيل”. وهذه القصيدة في الحقيقة هي الجزء الثّاني من عنوان أكبر هو “آيات من سورة اللّون”، حيث أهدى الشّاعر المصريّ القصيدة الأولى فيه إلى الرّسام سيف وانلي، أمّا هذه القصيدة فهي الثّانية وقد كبتها الشّاعر في 5 جانفي 1977 وقد ألقاها بمناسبة افتتاح الرّسّام لمعرضه بباريس. وفي هذه القصيدة يحاكي الشّاعر رسوم الرّسّام ويصنع منها آية تقوم على البعث: الموت ثمّ الحياة من جديد. فالشّاعر هنا يرسم ما هو صامت بطريقة متحرّكة، يرسم الصّور (ولو في حركتها) فيحوّلها ليسكبها في حركة شعريّة، فتنبعث الصّورة التّشكيليّة من خلال القصيدة.

إنّ العنوان في القصيدة العربيّة الحديثة هو المدخل الأوّل لقراءة القصيدة، وربّما نجد من خلال تحليلنا العنوان ما يكفي من مفاتيح تسمح لنا بقراءة متن القصيدة بطريقة أسهل، ومن خلال العنوان يمكن أن نبحث عن العلاقة بين الشّعر والفنّ التّشكيليّ.

العنوان هو إهداء، إهداء من الشّاعر أحمد عبد المعطي حجازي إلى صديقه الرّسّام عدلي رزق اللّه، وكانت هذه القصيدة بمناسبة معرض للرّسّام في باريس. عدلي رزق اللّه هو فنّان تشكيليّ مصريّ ولد سنة 1939 بأسيوط وتوفّي سنة 2010. يعتبر عدلي رزق اللّه من روّاد فنّ المائيّات، وله العديد من المعارض والجوائز. إنّ هذا يجعلنا نحاول البحث عن العلاقة بين الشّعر والفنّ التّشكيليّ. إنّ العلاقة بين الشّعر والفنّ التّشكيليّ ليست بحديثة العهد إذ توجد علاقة بينهما تضرب جذورها في القدم “ولعلّ أقدم ما نعرفه عن العلاقة بين الفنّ التّشكيليّ والشّعر هو عبارة سيمونيدس الكيوسي (من جزيرة كيوس في بلاد اليونان، وقد عاش حوالي سنة 556 إلى سنة 468 ق.م) الّتي يقول فيها، إنّ الشّعر صورة ناطقة أو رسم ناطق، وإنّ الرّسم أو فنّ التّصوير شعر صامت”[2]. وفي الحقيقة فإنّه يمكننا الحديث عن العلاقة بين هذين الفنّين من خلال المصطلحات المستعملة فقط ربّما، حيث نستعمل في النّقد مصطلحات من قبيل يصوّر/يرسم وهي في الأصل إنّما تدلّ من حيث المعاني والدّلالات الّتي تحملها على الرّسم، أو الفنّ التّشكيليّ. اعتبار الشّعر تصويرا ليسَ بالأمر الجديد في الشّعر العربيّ، فهنا نجد الجاحظ في الجزء الثّالث من كتاب الحيوان يقول: “فإنّما الشّعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير”. وربّما لم يخض الجاحظ غمار لفظة “تصوير” كي يبيّنا معناها إلّا أنّنا نجد ذلك عند بعض النّقّاد القدامى كما نجد هذا الأمر عند الفلاسفة العرب أيضا حيث أنّ الصّورة ترتبط بالخيال، والخيال إنّما هو المشترك في الفنون جمعاء وإذا عدنا إلى كتاب جابر عصفور (الصّورة الفنّية في التّراث النّقديّ والبلاغيّ عند العرب) نجد أنّ الخيال في الاستخدام اللّغويّ المعاصر يمثّل القدرة على تكوين صورة ذهنيّة لأشياء غابت عن متناول الحسّ، وهو في المصطلح النّقديّ المعاصر القدرة على إيجاد التّناغم والتّوافق بين العناصر المتباعدة والمتنافرة داخل التّجربة، فـ”الصّورة هي أداة الخيال، ووسيلته، ومادّته الهامّة الّتي يمارس بها، ومن خلالها، فعاليته ونشاطه”.[3] وفي الصّورة يندمج الخيال بالواقع، فالصوّرة قد تكون المنطقة الوسط بين الواقع والخيال، فهي الحالة النّفسيّة الّتي تُخلَقُ في نفس الشّاعر. فالخيال هو تأمّل في الواقع، والصّورة ما هي إلّا “تجسيد” لهذا الخيال وإنزاله من العالم المجرّد إلى العالم الحسّيّ. هذا هو ما يشترك فيه الشّعر مع الفنّ التّشكيليّ، وبالتّالي فإنّ عودة الشّاعر أحمد عبد المعطي حجازي إلى صديقه الرّسّام عدلي رزق اللّه ليس من فراغ، حيث يتشكّل إيقاع الصّورة الشّعريّة وفقَ ألوان الصّورة التّشكيليّة، فالشّاعر يرسم بالألفاظ كما يرسم الرّسّام بالألوان. يحاكي الشّاعر الصّور الموجودة في اللّوحات، ويحاول أن يطوّع اللّغة كي تصيرها: هو يحاول اعتماد الخيالِ/هذا المشترك بين الفنّانين جميعهم.

هذا الاعتماد على الصّورة التّشكيليّة يبرز منذ بداية القصيدة، حيث نستشفّ من خلال الأبيات الثّلاث الأولى منها صورة الرّسّام وهو يرسم، حيث الصّحو هو البياض وحيث الظّلّ هو السّواد وحيث النّدى هو الماء، فتختلط هذه المكوّنات بعضها ببعض وتنصهر ويحتوي كلّ منها الآخر لتشكّل في نهاية المطاف صورة يحاول الفنّان أن يبلغها، فنجد تداعيا للقطرات الّتي تندمج في ريشة الرّسّام، وتأخذ صورتها في قصيدة الشّاعر. وهذه الأبيات إنّما يكرّرها حجازي في بداية كلّ مقطع، فهي البداية وهي البدء، مثلما يرسم الرّسّام لوحته، نقطة بداية القصيدة هي نقطة بداية الرّسم: الشّاعر يتحضّر هو الآخر لرسم صورته الّتي تنصهر فيها الألوان مع النّدى/الماء. هذه البداية الّتي تتجسّد في الأبيات السّتّ التّالية حيث يحضر التّناصّ مع العهد القديم (أو إنجيل يوحنّا) فالأمر (قل، اجرح) الّذي قد يدلّ على فعل الخلق، هذا الخلق الإلهيّ حيث يقول الفنّان للشّيء كن فيكون أو يصير، هنا حيث اللّون هو البدء فهو خلق جديد وهو منسجم مع سفر التّكوين حيث تصبح القصيدة هي عهد الصّورة، هذا العهد الّذي يشترك فيه الشّاعر والرّسّام مع القارئ أو المشاهد، قارئ اللّوحة ومشاهد القصيدة. وعمليّة الخلق هذه إنّما هي مستمرّة، أبديّة، أزليّة حيث أنّها كانت في البدء وسوف “تكون غدا” فيشترك الفعل الماضي مع حضور المستقبل في رسم هذا الزّمان المطلق الّذي يحتلّه اللّون. وضمير المخاطب إنّما يدلّ على الإطلاق أيضا، حيث أنّ هذا الخطاب موجّه للجميع، هو كالنّصّ المقدّس أو هو آية من سورة اللّون مثلما هو العنوان الأكبر حيث تحتلّ هذه القصيدة فيه موضع الآية الثّانية. اللّونُ أبديّ يرتسمُ على اللّوحة وكلّما امتلأ اللّون بنفسه إلّا سالَ على اللّوحةِ فيسيل منهُ دمُ خالق الصّورة، فالرّسّام يرسم اللّوحة بدمه. هذان المقطعان (الأوّل يمسح الأسطر الثّلاث الأولى، والثّاني يمسح الأسطر السّتّ الّتي تليها) هما التّمهيد للصّورة: الفعلُ الّذي يقوم به الفنّان قبل أن يخوض غمار نحت صورته، هذه الصّورة الّتي لم تخرج عن نطاق المقدّس حيث هي تعبير عن البعث. المنادى في هذه الصّورة هم غرباء، وهم قد يمثّلون زائرين لبلاد الشّاعر أرادوا العبث فيها أو أرادوا سلبها آثارها وتاريخها ولهذا فإنّ الغناء الموجّه إليهم سيكون رتيبا، هو ثابت مستقرّ لا يتحرّك وربّما يبرز ذلك من خلال تكرا تفعيلة فعولن في البيت الثّاني عشر (غناء رتيبا)، حيث التّفعيلة نفسها تدلّ على الاستقرار والثّبات، فلا حركة سوى حركة القصيدة في ذاتها. وهنا نجد أنّنا أمام ضميرين متقابلين: ضمير المخاطبين (أنتم) وضمير المتكلّمين (نحن) وهذا تجسيد للصّراع بين مدارين حول قطب واحد الّذي يحيل إليه الشّاعر عن طريق التّشبيه: هذا القمرُ الّذي يضيء ليلَ العرب هو نفسه المفعم بالظّلمة وهكذا يحمل ضدّه في ذاته، قطب مليء بالتّناقضات (الأبيض، الأسود/اللؤلؤ، المعتّم)، والتّناقضات في الصّورة إنّما تحيل إلى احتوائها كلّ الأشياء فاللّؤلؤ أبيض والعتمة إنّما هي السّواد، وهو ما نجده في اللّوحات حيث تحتلّ الألوان جميعها موقعا في الصّورة الواحدة، وربّما هذا من المظاهر الحداثيّة (أو ما بعد الحداثيّة) حيث هي تجسيد للواقع المتناقض، الواقع الّذي يجمع بين كلّ الأشياء. ويواصل الشّاعر تعداد الألوان في السّطر الموالي حيث يكون الغناء ملازما للصّورة (الموسيقى من الفنون الأخرى الّتي تتداخل مع الشّعر حيث أنّ الشّعر يحمل وزنا وفي الحضارة العربيّة يقترن الشّعر بالموسيقى والتّلحين وربّما الدّليل الأبرز على ذلك الموشّحات) فيكرّر حجازي فعل (سنغنّي) وبهذا التّكرار يربط الشّاعر بين تفاصيل الصّورة حيث يبيّن أنّها متلاصقة تملك خيطا ناظما تسير وفقه، ويسمُ الغناء هذه المرّة باللّون الأخضر والأخضرُ هو الدّليل على الخصوبة وعلى الحياة، الأخضرُ الّذي يلازم الشّاعر منذ بدايته في الرّيف حيث يمثّل لهُ البداية. إلّا أنّ هذه الحياة، وهذا الغناء المشبع بالاخضرار ليسَ سوى تمهيد للاستدراك الّذي يقيمه الشّاعر فيما بعد ليتغيّر المعجم المستعمل من معجم الحياة والطّبيعة الغنّاء (الغناء، القمر، اللّؤلؤ، الخضر) إلى معجم الحرب (قنابل موقوتة، تنفجر، الدّفن)، ويواصل الشّاعر استدعاءه زمن المستقبل دلالة على استمرار الفعل ودورانه وأبديّته المستمرّة منذ القدم، فيستدعي بذلك أيضا التّراث المصريّ (أسلافنا) حيث الموت فيه دليل على الحياة الجديدة، فالمومياء باقية إلى الآن وتعود إلى الحياة (حسب بعض المعتقدات ربّما، منها تلك الّتي تتعلّق باللّعنة) فاللّعنة ستصيب العدوّ إذا ما فتحوا هذه الأخشاب الّتي يرقد فيها الفراعنة وتنبعث مثلما هو الحال مع المسيح والّذي يرمز إليه الشّاعر بالخبز والماء فيحيلنا على العشاء الأخير للمسيح (ولوحة العشاء الأخير)، هذا البعث الّذي تتّسم به الموميات أيضا حيث يعودون إلى الحياة مرّة أخرى من وسط الأهرامات.

هذا الانبعاث والعودة إلى الحياة من جديد يبرز فيما بعد أيضا حيث يستعمل الشّاعر الأسلوب الإنشائيّ متوخّيا في ذلك الاستفهام الّذي يؤكّد به مرّة أخرى استمرار الحياة وأبديّتها، أبديّة الصّورة على الأقلّ. والمعجم يعود مرّة أخرى دالّا على الحياة (وردة، فم، ورقات، قبّرة، برعم، نهد، تتنفّس)، فالشّاعر يتساءل عمّا يصيبه، وما يصيبه هو الانبعاث من جديد. فليس يتساءل حقّا عن ماهية ما يعيده ثانية (وردة أم فم) للحياة (صدري، الصّدر الّذي يدلّ على مكان القلب والرّئتين، ومن هنا يأتي فعل تتنفّس). هذا الخصب الّذي يبرز من خلال التّساؤل الثّاني عن النّهد، نهد الورقات ربّما إذ الكتابة هي الحياة وهي تأريخ وذاكرة لا تنتهي، حيث التّنفّس دليل على الصّعود والنّزول، دليل على الحركة والبرعمُ هو الدّليل على البداية وعلى الطّبيعة المتجدّدة الّتي لا تنتهي. والشّاعر يستعمل في هذا الجزء من الوحدة ضمير المتكلّم (أنا) باعتباره الجزء من هذا الكلّ الّذي كان يصوّره في البداية. فالشّاعر في الصّورة الأولى يقيم لوحة بالألفاظ يستغلّ فيها الألوان المحيلة على الفنّ التّشكيليّ حيث هي محاكاة لرسوم عدلي رزق اللّه المُهداة له هذه القصيدة. وهو يصوّر لنا كيفَ أنّ اللّوحة كما القصيدة إنّما هي انبعاث جديد للحياة، وهي استمرار للأبد.

الجزء التّالي من القصيدة هو صورة ثانية، ويبرز ذلك من خلال تكرار حجازي للمقطع الأوّل من القصيدة:

قطرتان من الصّحو

في قطرتين من الظّل

في قطرة من ندى

فالشّاعر هنا يأخذ مرّة أخرى ريشته كي يرسم صورة أخرى، أو هو يستكمل الصّورة الأولى ويثبّت معانيها. هذا المقطع المكرّر الّذي يحيل إلى الكيفيّة الّتي يبني بها المزارعون بيوتهم، و(يزرعون) هنا إنّما كي تدلّ على الرّيف الّذي نشأ فيه الشّاعر والّذي يحنّ إليه في كلّ مرحلة تلته من الذّهاب إلى القاهرة ثمّ الذّهاب إلى باريس. فالبيوت هناك كالنّبات تماما (الكرنب) تنمو وهي رسم في المكان القافر ربّما، حيث كلّ شيء ممكن (نلوّن كما نشتهي). ولا يخفى استعمال الشّاعر للألوان مرّة أخرى وتكراره للّون الأخضر في هذه الوحدة أيضا، اللّون الأخضر المستمدّ هذه المرّة من نبات الكرنب، وكذا هو الأصفر أيضا حيث تجتمع الألوان في صورة واحدة مرّة أخرى لترسم خيال الشّاعر في القصيدة: البيت مثل النّبات، ينمو، والنّاس هم الّذين يخلقون هذه البيوت كما يشاؤون، فالعمليّة هي خلق من جديد، يحاكي بها الشّاعر ألوان الأشياء الخارجيّة (الطّحلب، المعدن) حيث الطّبيعة حيّة (بفعل فاعل) فالنّاس هم من يعطون للحياةِ الحياةَ مثلما يصوّر الفنّانُ هذه الحياةَ من خلال لوحته أو قصيدته، فهو يبثُّها في الألفاظ ومن خلال الألفاظ. هذه القدرة على خلق الأشياء تبرز من خلال تداعي الأفعال الّذي يقيمه الشّاعر في الوحدة بادئا بالأمر المفيد للالتماس (تعالوا) لتكون الأفعال التّالية له (نلوّن، نشعل) مرتبطة به وهي أفعال تدلّ على الحركة كما تدلّ على التّأجّج الّذي باستطاعة الجميع خلقه في الأشياء. فعمليّة الخلق كما أشرنا مستمرّة منذ الوحدة الأولى، الحياة المتجدّدة والمستمرّة، الأبديّة. والشّاعر يدعو النّاس كي يجدّدوا هذه الحياة مثلما هم يشتهون، ويستعمل لذلك تشبيها مسترجعا به حدثَ إشعال الصّواريخ في ليلة المولد النّبويّ، حيث ترتسم الفرحة والبهجة في نفوس الجميع، وحيث تصير هذه الصّواريخ لا مجرّد ألعاب احتفاليّة، هذا الاحتفال الّذي يبرز من خلال الإيقاع المتسارع في القصيدة ومن خلال تداعي الأفعال، بل تصير حاملة لمن أشعلها فيصيرون هم المُنبتَ للأرضِ حيث يتحوّلون مطرا يسقط كي يسقي الأرض، ويصيرون هم الخالق لقوس قزح بكلّ الألوان الّتي يحملها، ويصيرون هم الأشجار: يصيرون الأرضَ. والمعجم المستعمل في الأسطر هذه دالّ على الحياة (تطير، مطرا قزحيّا، تزرعنا شجرا) ودلالاتها هي دورة الحياة المستديمة فهي عمليّة تحوّل، تحوّل يصيّرُ الأرض زاخرة بالحياة.

وكما هو الحال في الصّورة الأولى، فالشّاعر يستخدم أسلوبا إنشائيّا هنا أيضا هو الأمر (فتعالوا) وهو رجاء من الشّاعر ربّما لإضفاء معنى على هذا السّكون وعلى هذه الحياة، ويسترجع مرّة أخرى الأهرامات حيث يستعير لها الرّحم، يصير الهرم خصبا قابلا لأن يَلِدَ مَنْ ولدوه. فهذه الصّورة هي استكمال للّتي قبلها من حيث المعاني ومن حيث الصّورة في حدّ ذاتها حيث لم يتخلّ الشّاعر عن استعمال التّراث الفرعونيّ الّذي يدلّ على الحضارة المترسّخة في القدم لبلاده والّتي ستظلّ مقاومة لأعدائها من خلالها، فالهرمُ وهو الدّالّ على انبثاق الحياة هنا لن يكفّ عن الولادة، الولادة الّتي هي نتيجة للخصوبة.

ويستمرّ معنى الانبعاث من الموت في الصّورة الثّالثة الّتي يستهلّها الشّاعر مرّة أخرى بالمقطع الّذي ابتدأ به النّصّ، وهو كما أشرنا التّمهيد أو وقفة البداية الّتي يجريها الرّسّام كي يمسك ريشته ويطبع أثرهَا على اللّوحة. فالرّيشة في حركة متتابعة للّون الّذي تجريه، تركبُ الرّيحَ كي تمسكه وتواصلَ رسمهُ. وهي الأداة الّتي يستغلّها الرّسّامُ كي لا ينفلتَ اللّونُ منهُ فهي تلتقطه إذا ما سقطَ، أو إذا كاد أن يسقط. والصّورة لا تنبعث دون مرجع لها، وهو ما أشرنا إليه حينَ ذكرنا أنّ الخيال يعتمد على الواقع حيثُ لا يكون دونه، فالرّسمُ كالقصيدة إنّما يعود إلى التّجربة الّتي يخوضها الفنّان في حياته: الحربُ (مسامير أحذية الجند) والذّكريات (الذّكريات السّحيقة) هما منبعان للصّورة الّتي يحاول أن يشكّلها الشّاعر، هذه الصّورة الّتي لا يقتصر بعدها المكانيّ على بلاد الشّاعر، بل هي تذكير بحرب لبنان البلدُ الّذي يُرمز إليه بالأرز، حيث الشّاعر يصوّر المأساة الّتي عاشها العالم العربيّ ككلّ وهنا يبرز البعد القوميّ للشّاعر وأنّه لم يتخلّ عن المرجع ولم يتخلّ عن القضيّة الّتي يحاول الدّفاع عنها، لكن سدى. فريشة الرّسّام كما هو قلم الشّاعر يغوص في كلّ الأشياء حتّى يمتصّ (تشتفّ) منها كلّ ما فيها ليصوّرها في لوحته أو قصيدته، هي تجميع للأشلاء. وهذا التّجميع والتّقطيع الّذي يركن إليه الكاتب (شذرة شذرة/ نسغا فنسغا/حزمة حزمة) ربّما يذكّرنا بأسطورة أويزريس حيث تجمع إيزييس أشلاءه في محاولة لبعثه للحياة من جديد، هو جمع للتّشظّي وإعادة إحياء ما مات في الواقع من خلال النّصّ المكتوب والمقروء. فالشّاعر يستعمل أسطورة (أسطورة محلّية) كي يثبّت المعنى الّذي وجدناه منذُ بداية القصيدة ألا وهو الانبعاث حيث استغلّ الشّاعر أكثر من أسطورة لإبراز هذا المعنى. وربّما ما يزيد تأكيدا على أنّ الشّاعر إنّما يركن إلى هذه الأسطورة هما البيتان الثّاني والخمسين والثّالث والخمسين، حيث أنّ أوزيريس في نهاية المطاف لا يعود إلّا في العالم السّفليّ ولكنّه يعود دون أن يعود تجميع كامل أشلائه الملقاة في النّهر. يستعمل الشّاعرُ السّردَ فكأنّنا به ينقل إلينا الحدثَ كاملا (تدخل، تشتفّ، تجمع، تدعوه) ويقيم هذه الأفعال في خطّ زمنيّ واحد هو استمرار للزّمن الأوّل في القصيدة. إنّ الأسطورة هي نفسها: الإنسان، حيث هو القادرُ على خلق الأشياء وعلى إعادة نفسه للحياة رغم المحاولات الفاشلة الّتي يتّسم بها، ورغم المحاولات الفاشلة الّتي عاشها الشّاعر من خلال تجربته ودفاعه عن القضايا الّتي يؤمن بها. وكي تنجح هذه المحاولات لا بدّ من وجود ما ينقصها، تفصيل آخر في اللّوحة كي تكون مكتملة: إشباع اللّون باللّون ذاته، أو إعطاء اللّون روحه وهي العمليّة الّتي تشبه ما يحدث للنّبات كي ينمو (حبّ اللّقاح) هذا الحبّ الّذي لا يُرى حينَ يُرسمُ به، هو الدّم الّذي يسكبه الرّسّام في الألوان حين يرسم، دمه. هكذا تكون اللّوحة/القصيدة إعادة الحياة مرّة أخرى، عمليّة إنعاش للواقع المتشظّي والقابع في الموت، حيث يترك الفنّانُ من روحه ما يجعل في قطعته الفنّيّة، مهما كانت، انبعاثا للحياة. ويستخدم حجازي للتّدليل على صعوبة عمليّة الخلق التّشابيه الّتي تفضي إلى حضور الشّيء في غيابه (السّطران السّادس والخمسين والسّابع والخمسين). هكذا تكون عمليّة الخلق من العدم وهو ما يبرزه الشّاعر من خلال استغلاله للنّصّ القرآنيّ (الطّين/النّطفة)، وفعل الأمر في السّطر الثّامن والخمسين إنّما تكرار لفعل الأمر نفسه في “قل هو اللّون” حيث اللّون هو الطّين الّذي يستعمله الرّسّام كي يرسم صورته، هذا التّكرار الّذي يستمرّ في علاقة بفعل الأمر “قل” للتّأكيد على أنّ الفنّان إنّما هو أيضا خالق، والاستدراك الّذي يدلّ على أنّ الفنّان يخلق من الأشياء شيئا واحدا في نهاية المطاف، فكلّ الأشياء تندمج وتنصهر بعضها في بعض لتصير لوحة أو قصيدة. الخلق المصوّر بالطّين والماء وهو ما يحلينا إلى أسطورة خلق الإنسان في الدّيانات. هذه التّناصّ الدّينيّ الّذي يقيمه الشّاعر إلى نهاية القصيدة، ويتحوّل في الخطاب من التّوجّه إلى المطلق نحو التّوجّه إلى ضمير المخاطبة أنتِ، ربّما يخاطب اللّوحة، أو القصيدة، باعتبارها أرضيّة خصبة للتّشكّل والخلق، فهي نخلة والنّخلة قد تحيلنا على صورة مريم العذراء، فعمليّة الخلق هي كذلك، ينحت منها الشّاعر قصيدته من خلال خنجره الّذي هو قلمه مستمرّا في استعمال المعجم القرآنيّ مرّة أخرى (التّرائب، الذّوائب)، فالشّاعر هو المحوّل للطّين والماء إلى جسد هنا، هو الخالق، وهو الّذي يُعطي إلى الأشياء الحياة مرّة أخرى بعد أن فقدتها.

تنغلق القصيدة بمقطع مكرّر من بداية القصيدة (قُل هو اللّون…)، وهو استمرار لتداعي فعل الأمر نفسه (قل)، حيث يصير اللّونُ كما أشرنا هو الطّين وهو الماءُ، هو الوسيلةُ الّتي يتوخّاها الرّسّام كي يخلق الصّورة الّتي يسعى إلى خلقها. وتكرار هذا المقطع مرّة ثانية إنّما يحيلنا إلى أنّ الزّمن في القصيدة دائريّ منغلق وهو زمن يعمد أحمد عبد المعطي حجازيّ إلى استعماله في بعض قصائده، هذه الدّائرة/الزّمن المنغلق الّذي يعجّ بالحركة في وسطه (متن القصيدة)، الزّمن الّذي يحيل إلى الزّمن الّذي تحدّث عنه هايدغر.

حاول الشّاعر من خلال القصيدة أن يبرز أنّ اللّوحة وهي ثابتة، فهي متحرّكة في ثباتها، تأخذ إلى عوالم أخرى، وترسم صورا متعدّدة للواقع الّذي يحتلّ الخيال فيجسّده (بدا جسدا/ارتدى جسدا) الفنّان في قطعته الفنّيّة، وهو الأمر الّذي يشترك فيه الشّعر مع الفنّ التّشكيليّ، حيث هذا التّلاقي يبرز في القصيدة من خلال استعمال حجازي للألوان وللمعجم الدّالّ على الرّسم.

هذه القصيدة، إن شئنا، هي الآية الثّانية من سورة اللّون كما وسمها أحمد عبد المعطي حجازي. حاول من خلالها أن يرسم صورة للفنّ باعتباره مشكّلا آخر للحياة، وباعتبار الفنّان خالقا لعمله الفنّي سواء كان ذلك قصيدة أو لوحة تشكيليّة، ولهذا فإنّ القصيدة مهداة إلى الرّسّام عدلي رزق اللّه. الفنّ هو خلق الأشياء، وهو بعث الحياة في الواقع المنبوذ من جديد، ويبرز هذا من خلال معجم الخصوبة الّذي اعتمده الشّاعر في كامل قصيدته إضافة إلى الأساطير الّتي تدلّ على البعث والخلق (المسيح، الخلق في القرآن، أوزيريس) والأساطير الّتي تدلّ على الخصوبة (أوزيريس، كما يشير إلى ذلك فريزر في كتابه الغصن الذّهبيّ). هكذا تصير القصيدة لوحة أخرى، ليست محاكاة بمفهوم أرسطو للطّبيعة، وإنّما هي خلق وإنشاء.

يبقى هذا التّحليل مجرّد محاولة في قراءة القصيدة، وهو ككلّ تحليل آخر منقوص إلى أن يكتمل ولن يكتمل، كأشلاء أوزيريس، حيث القصيدة نصّ مفتوح دائما وأبدا، كالزّئبق كلّما مسكناه انفلت مرّة أخرى.

******

[1]- فرج (نبيل): “حوار العدد مع الشّاعر أحمد عبد المعطي حجازي”، أدب ونقد، مصر، العدد رقم 17، نوفمبر 1985.

[2]– عبيد (كلود): جماليّة الصّورة في جدليّة العلاقة بين الفنّ التّشكيليّ والشّعر، مجد المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، بيروت 2010، الصّفحة 11.

[3] – عصفور (جابر): الصّورة الفنّيّة في التّراث النّقديّ والبلاغيّ عند العرب، المركز الثّقافيّ العربيّ، الطّبعة الثّالثة، بيروت 1992، الصّفحة 14.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This