قصّة الشّاب الّذي ذهب ليعرف ما هو الخوف

حكاية للأخوين غريم

كان لدى رجلٍ ولدان وكان الولدُ الأكبر ذكياً وقادراً على القيام بجميعِ الأعمالِ المُوكلة إليه في حين كان الولدُ الأصغر غبياً وغير قادرٍ على تعلم أوفهم أي شيء حتى اعتاد الناس أن يقولوا حالما يروه: ” ها هنا ولدٌ سيسبب مشكلةً أخرى لأبيه “. وهكذا كان على الولد الأكبر مسؤولية القيام بأي عمل تقتضيه الحاجة، إلا إذا طلب والده إحضار شيءٍ ما في الليل أوعند المساء وكان عليه المرور بساحة الكنيسة أوأي مكان مهيب آخر فكان جوابه دائماً: “أوه..لا أبي، لن أذهب إلى هناك أبداً إن ذلك يجعلني أرتجف” وكان ذلك طبعاً بسبب خوفه الشديد.

وأيضاً عندما كانت تروى القصص المخيفة حول النار في أنصاف الليالي وتتحرك شفاه المنصتين بالقول: “إن ذاك يجعلنا نرتجف” يجلس الولد الأصغر في ركن ما مع من تبقى منهم وهوغير قادر على فهم ما يعنون.

“هم يقولون دائماً (ذاك يجعلني أرتجف)  لكن ذلك لا يجعلني أرتجف. لا بد وأن ذلك من الأمور التي لا أعي منها شيئاً ولا أصل إلى فهمها وإتقانها” كان الولد الأصغر يحدث نفسه بذلك.

حدث بعد ذلك أن قال له والده ذات يوم: ” أصغِ إليّ أنت الجالس في الزاوية هناك. إنك تكبر وتزداد طولاً وعرضاً ويجب أن تتعلم شيئاً تكسب منه قوتك. انظر إلى أخيك كيف يعمل ويكسب بينما أنت هنا لا تكسب حتى ما يكفي لإطعامك الملح “.

“حسناً أبي، إنني راغبٌ بالفعل في تعلم شيءٍ ما، فإن كان ذلك ممكناً أرغب في أن أتعلم كيف أرتجف. أنا لا أستطيع فهم هذا الشيء ولا أعرف كيفية القيام به أبداً ”

ابتسم الأخ الأكبر لدى سماعه ذلك وقال في نفسه: “ربَّاه! كم هوأبله أخي هذا. لن يكون صالحاً لشيءٍ في حياته كلها، فعلى من يركب الحمار أن يرفع سقف باب الدار”.

تنهد الأب بأسى وأجاب: “سوف تتعلم كيف ترتجف بسهولة وسرعة لكن ذلك لن يطعمك خبزاً “.

جاء خادم الأبرشية بعد ذلك بفترةٍ وجيزة لزيارتهم واستمع إلى شكوى الأب بخصوص هذا الابن الأبله والذي يفشل في تعلم أومعرفة أي شيء.

“تصور!..عندما طرحت عليه مسألة تعلم شيئاً ما يكسب منه قوته، طالعني برغبته في أن يتعلم كيف يرتجف” قال الوالد.

“إذا كان الأمر كذلك فبإمكاني مساعدته في هذا الشأن. فقط أرسله إلي وسوف أصقله لك في الحال” قال خادم الأبرشية.

فرح الأب لذلك كثيراً وقال في نفسه: “لا بدّ وأن يتغير الولد مع ذلك ولوقليلاً”.

أخذه خادم الأبرشية إلى بيته وصار عليه أن يقرع الأجراس، وبعد يوم أويومين أيقظه خادم الأبرشية في منتصف الليل وطلب منه الصعود إلى أعلى البرج وقرع الجرس.

” سوف تتعلم في الحال ما هوالارتجاف ” قال خادم الأبرشية ذلك في قلبه وسبقه إلى هناك.

ما إن وصل الولد إلى قمة البرج واستدار وكان على وشك أن يمسك بالحبل المتدلي من الجرس حتى رأى شبحاً أبيضاً على الدرج في مقابل حجرة الأجراس تلك.

“من هناك” صاح.

لكن الشبح بقي صامتاً ولم يبدِ أية حركة.

“فلتجب أوترحل من هنا، إذ لا عمل لك هنا في هذا الوقت من الليل” صاح الولد.

بقي خادم الأبرشية واقفاً من دون حراك لكي يوهم الصبي بأنه شبح.

“ماذا تفعل هنا؟ تكلم إذا كنت رجلاً صالحاً وشهماً وإلا فإنني سأرميك إلى أسفل الدرج. صاح الولد مجدداً.

“هو لا يعني ما يقول بلا شك، إذ من غير المعقول أن يكون سيئاً لهذا الحد كما هي كلماته “. فكر خادم الأبرشية وبقي صامتاً كما لوأنه حجر.

ثم صاح به الفتى للمرة الثالثة، وعندما لم يسمع منه جواباً اندفع إليه ورمى به إلى الأسفل حتى عشر درجات حيث ظلَّ مقبعاً في زاويةٍ هناك. قرع الفتى الأجراس بعد ذلك وذهب إلى البيت حيث اندس في سريره ونام من دون ذكر أي شيءٍ عما حدث.

انتظرت زوجة خادم الأبرشية زوجها لوقتٍ طويل لكنه لم يعد إلى البيت. أقلقها الأمر كثيراً مما دفعها للذهاب إلى الفتى وإيقاظه.

“هل تعلم أين زوجي؟ لقد صعد إلى البرج قبل أن تفعل أنت ذلك..!” سألت الزوجة.

“لا، لا أعلم لكن كان هناك شخصٌ ما واقف في حجرة الأجراس في أعلى الدرج المقابل وطالما أنه لم يجبني على سؤالي ولم يذعن للذهاب فقد اعتبرت ذلك نذالةً منه ودفعته إلى أسفل الدرج. اذهبي إلى هناك وسترين فيما إذا كان هو. وإذا كان كذلك فأنا جد آسف لأمره” أجاب الفتى.

ذهبت المرأة في الحال إلى هناك ووجدت زوجها يئنُّ في الزاوية وقد كسرَ ساقه. حملت المرأةُ زوجها ونزلت به إلى الأسفل. ذهبت بعد ذلك إلى والد الفتى ونحيبها يملأ السماء: ” إن تعاسةً كبيرة حلت بي بسبب ولدك..لقد دفع زوجي إلى أسفل السلم وأدَّى ذلك إلى كسر ساقه. فلتأخذ هذا الفتى عديم الفائدة من بيتنا ” قالت الزوجة.

أصيب الوالد بالذعر لدى سماعه ذلك وهرع إلى ابنه موبخاً: “ما هذا بحق السماء! وأي فعلة نكراء تلك التي ارتكبتا! لا بد وأن الشيطان قد دخل رأسك وأوحى لك بهذه الأفعال”.

“فلتصغِ إليَّ يا أبي! إنني حقاً بريء. كان هنالك شخص ما يقف في الظلام كمن يضمر الشر ولم أكن أعلم من يكون؛ وقد طلبت منه ثلاثَ مراتٍ أن يتكلم أويغادر وقد وصلت في طلبي ذاك حدّ الرجاء” أجاب الفتى.

“لا يأتيني منك سوى السوء والبلاء، فلتغرب عن وجهي.. لا أريد أن أرى وجهك ثانيةً” قال الأب بعد تنهيدة أسى.

“حسناً أبي.. سأفعل كما تريد، لكن انتظر فقط حتى الصباح وعندئذٍ سأذهب لأتعلم كيف أرتجف وفي هذه الحال سيكون هناك شيءٌ ما يعينني على الحياة”.

“فلتتعلم ما تريد لم يعد يعنيني الأمر.هذه خمسون طَلَري[1] ..خذها ولتذهب في بلاد الله الواسعة؛ لكن لا تخبر أحداً من أين أتيت ومن هووالدك لأنك ستكون مصدر خزي لي” قال الوالد.

“حسناً أبي.. لك ذلك وإذا كان هذا كل ما تريد فسيكون من السهل علي أن أحفظ ذلك في قلبي ولا أبوح به لأحد”.

وعندما بزغ الفجر وضع الفتى الخمسين طَلَري في جيبه وانطلق على طول الطريق مردداً:

“فقط لوأستطيع أن أرتجف، فقط لوأستطيع أن أرتجف!”. وفي أثناء ذلك اقترب منه رجل وسمع ما كان يحدث به نفسه حيث قال له الرجل عندما وصلا إلى حيث أمكنهما رؤية المشنقة.

“انظر.. تلك هي الشجرة التي شنق وعُلِّقَ عليها سبعةُ رجال وهم يتعلمون الآن كيف يطيرون. كل ما عليك أن تجلس تحتها وتنتظر حتى يحل الليل وستتعلم كيف ترتجف في الحال”.

“إذا كان ذلك كل ما يتوجب علي فعله فإن الأمر في غاية السهولة، وإذا تعلمت كيف أرتجف بهذه السرعة التي تتحدث عنها فستحصل على الخمسين طَلَري التي أملكها.. عد إلي غداً في الصباح الباكر لأخذها إن حدث ذلك” أجاب الفتى.

ذهب الفتى بعد ذلك إلى المشنقة وجلس تحتها منتظراً هبوط الليل. وفي أثناء ذلك شعر بالبرد فأوقد ناراً ليتدفأ، لكن هبت ريح قوية عند منتصف الليل الأمر الذي جعله يشعر بالبرد رغم وجود النار؛ وصار المشنوقون يتحركون جيئةً وذهاباً مع هبوب الريح ويرتطمون ببعضهم البعض.

قال الفتى محدثاً نفسه: “أنت تشعر ببردٍ شديد وأنت قرب النار، فما هوحال هؤلاء المعلقين. لا بد وأنهم يتجمدون ويعانون الويل”.

إن شعوره بالشفقة عليهم دفعه إلى تسلُّق السُّلم، ثمَّ حلَّ عقدة الحبل حول أعناقهم الواحد تلوالآخر وقام بجمعهم حول النار؛ ثمَّ راح يحرك الأعواد ويعمل على إيقاد النار أكثر وأكثر لكي يتدفأ المساكين.

لكنهم جلسوا من دون حراك حتى أن النار وصلت إليهم وحرقت بعض أسمالهم. صاح بهم:

“فلتكونوا حذرين وإلا علقتكم في الأعلى من جديد”.

على كلِّ حال فإنَّ الموتى لم يسمعوه وإنما بقوا صامتين وتركوا ثيابهم تحترق. غضبَ الفتى لدى رؤيته ذلك وقال: “ما لم تكترثوا بأنفسكم فإنني عاجز عن المساعدة وأنا غير راغبٍ في أن أحترق معكم ” فقام من جديد وعلقهم كما كانوا الواحد تلوالآخر، ثمَّ جلس عند النار وغلبه النعاس فنام. جاء الرجل في اليوم التالي لأخذ الخمسين طَلَري وبادر الفتى بالسؤال: “هل تعرف الآن كيف ترتجف؟”.

“وكيف لي أن أعرف ذلك؟ هؤلاء الأشخاص في الأعلى لم يفتحوا أفواههم بكلمة وهم على درجةٍ من الغباء كادوا معها أن يحرقوا هذه الأسمال التي يرتدوها على أجسادهم” أجاب الفتى.

علم الرجل عندها أنه سوف لن يحصل على الخمسين طَلَري ذلك اليوم ومضى في طريقه قائلاً: “إنه لشخص ما صادفت مثله في حياتي كلها”.

وهكذا مضى الفتى في حال سبيله أيضاً وعاد يحدِّث نفسه بعبارة (آه لوأستطيع أن أرتجف! لوأنني فقط أستطيع أن أرتجف) حتى سمعه سائق عربة كان يسير وراءه. سأله سائق العربة: ” ومن تكون يا فتى؟ ”

“لا أعلم” أجاب.

– “ومن أين أتيت” سأل السائق مجدداً.

“لا أعلم”

– “من هووالدك؟”

“لست مضطراً على إخبارك بذلك”

– “ما الذي تردده بشكلٍ دائم وتدمدم به بين أسنانك؟”

“آه.. إنني أتمنى لوأستطيع أن أرتجف، لكن أحداً لا يستطيع أن يعلمني كيف أفعل ذلك”

– “فلتوقف دمدمتك السخيفة تلك وتعال معي لآخذك إلى مكانٍ ما تقضي فيه الليل”

ذهب الشاب مع سائق العربة حيث وصلا في المساء إلى نزلٍ للمسافرين فعرجا عليه لقضاء الليل.

وبينما كان الفتى داخلاً إلى غرفته كان يردد بصوتٍ مسموع: “آه لوأستطيع أن أرتجف! لوأنني فقط أستطيع أن أرتجف”.

سمع صاحب النزل ذلك فضحك وقال: “إذا كان هذا ما تسعى إليه، فإنك لواجدٌ فرصةً كبيرةً في هذا المكان.”

“فلتبقَى صامتاً! لقد فقد الكثير من المغامرين حياتهم للتووسيكون مدعاةً للأسى والخجل أن لا ترى هاتان العينان الجميلتان النور مجدداً ” قالت زوجة صاحب النزل مخاطبةً زوجها.

“سأتعلم هذا الشيء مهما بلغت صعوبته وأنا في الحقيقة أسافر لهذه الغاية بالذات”.

قال الفتى ذلك وألحَّ على صاحب الخان حتى أخبره الأخير بوجود قلعةٍ مسكونة بالقرب من هناك حيث يستطيع أي شخص أن يتعلم كيف يرتجف بسهولةٍ بالغة إذا استمرَّ على مراقبة ما فيها مدة ثلاث ليال؛ وقد وعد الملك بتزويج ابنته إلى من يغامر بذلك وهي من أجمل النساء اللواتي أشرقت عليهن الشمس. بالإضافة إلى ذلك يوجد في القلعة كنوز تحرسها الأرواح الشريرة ومن سيحصل عليها بأي حال سيصير غنياً بلا شك. وقد ذهب العديد من الرجال إلى داخل القلعة لكن أحداً منهم لم يعد حتى الآن.

ذهب الفتى في الصباح التالي إلى الملك وأخبره بنيته في الذهاب إلى القلعة ورؤية ما فيها مدة ثلاث ليال إن أذن له الملك بذلك.

نظر الملك إليه ويبدو أعجب به حيث قال له: “تستطيع أن تطلب ثلاثة أشياء لتأخذها معك إلى القلعة بشرط أن لا يكون فيها حياة أي جمادات”.

“إذا كان الأمر كذلك فأنا بحاجة إلى نار ومخرطة لِلَيِّ الأشياء ولوحُ فرمٍ مع السكين. أمر الملك بأخذ هذه الأشياء إلى القلعة خلال النهار، وعندما هبط الليل ذهب الفتى إلى القلعة وأشعل في إحدى غرفها ناراً وهاجة ووضع بالقرب منها لوح الفرم مع السكين وجلس بجانب المخرطة.

“فقط لو أستطيع أن أرتجف..لكنني لن أتعلم ذلك هنا أيضاً على ما يبدو”

في حوالي منتصف الليل كان الفتى يهمُّ بالقيام بتحريك الجمرات لتشتعل النار بشكلٍ أفضل، وأثناء نفخه للنار زحف شيءٌ ما فجأةً من إحدى الزوايا.

“مياو..مياو،  يا لبرودة الجو هنا!”

“أنتما أيها الهرَّان الغبيان! على ماذا تموءان؟ إذا كنتما تشعران بالبرد فاقتربا واجلسا بقرب النار لكي يدفأ جسماكما”.

ما إن قالَ الفتى ذلك حتى تحرَّك الهران بقفزةٍ واحدة رهيبة وجلسا كلٌ إلى أحد جانبيه وراحا يحدقان فيه بعيونٍ يتطاير منها الشرر.

وبعد فترةٍ وجيزة تدفأ فيها الهران جيداً فقالا:

“هل بإمكاننا لعب الورق يا رفيق الليل؟”

“ولمَ لا ” أجاب الفتى ” لكن دعوني أرى أولاً مخالبكما”.

مدَّ الهران مخالبهما.

“أوه..كم هي طويلة هذه المخالب! انتظرا عليَّ أولاً أن أقصها لكما”

قام الفتى بعد ذلك بربط الهرين من عنقيهما ووضعهما على لوح الفرم ثمَّ شدَّ وثاق أقدامهما.

“ها قد ألقيت نظرةً على أصابعكما، لكن أظن أنني فقدت القدرة على لعب الورق”.

ثمَّ ضربهما ضربة أودت بحياتيهما وقام برميهما في الماء.

حالما تخلص الفتى من الهرين وشرع بالجلوس ثانيةً فإذا بالعديد من القطط والكلاب السوداء تخرج من الزوايا والحفر وتقترب وهي تجرُّ سلاسلاً حمراء لاهبة.

اقتربت القطط والكلاب هذه من الفتى لدرجةٍ توقف معها عن تحريك العيدان وبدأت تصدر الأصوات المخيفة. أتت الحيوانات إلى النار مبعثرةً جمراتها في محاولةٍ منها لإخمادها.

راقب الفتى ذلك لبرهةٍ ولكن أخيراً وعندما ذهبوا في عملهم ذلك ما تجاوز قدرته على الصبر؛ حمل السكين التي بحوزته وصاح بهم: “إليكم عني أيتها الحيوانات الضارة”، وحمل عليهم بسكينه طعناً وتقطيعاً. هرب بعضهم أما البعض الآخر فقد كان مصيره القتل والرمي في بركة السمك.

قام لدى عودته بتهوية الجمرات لتشتعل ويتدفأ عليها، لكنه حالما جلس شعر بنعاس شديد لم يكن قادراً معه على إبقاء عينيه مفتوحتين. نظر حوله ورأى سريراً كبيراً في الزاوية.

“ذلك ما أحتاج إليه” قال ذلك واندسَّ في الفراش. لكن وفي اللحظة التي أغلق فيها جفنيه بدأ السرير بالاهتزاز من تلقاء ذاته وطار فوق القلعة.

“إنَّ ذلك حسنٌ، لكن لتمضِ بسرعةٍ أكبر”.

ثمَّ اندفع السرير على عجلاته كما لو أنَّ ستة أحصنة تجره، وكان يهتزُّ طلوعاً ونزولاً فوق الأرض المتعرجة؛ وفجأةً انقلب السرير رأساً على عقب وبدا لعينيه من الأسفل وكأنه جبل فكان أن رمى بالأغطية والمخدات في الهواء وخرج من السرير ثم قال: ” ليقم الآن بالقيادة من يرغب بذلك “. استلقى بعد ذلك قريباً من ناره ونام حتى الصباح.

جاء الملك في الصباح الباكر ورآه مستلقياً على الأرض فظنَّه ميتاً وبأن الأرواح الشريرة قامت بقتله فقال: “إنَّه لأمرٌ مؤسف..لقد كان شخصاً وسيم الطلعة!”

سمع الفتى ذلك فنهض وقال: “لم يصل الأمر إلى ذلك السوء بعد”.

أصيب الملك بالذهول لكنه شعر بالفرح أيضاً وسأله كيف أمضى ليلته هناك.

“لقد سارت الأمور على خير ما يرام، وعلى كل حال فقد انقضت ليلة وستمضي الليلتان الباقيتان على شاكلتها أيضاً”. ذهب بعد ذلك إلى صاحب الخان الذي نظر إليه بعينين جاحظتين وحدقتين اتسعتا لدى رؤيته وقال: “لم أكن لأتوقع قط أن أراك ثانيةً حياً ترزق! هل تعلمت كيف ترتجف؟”.

“لا..لم يحدث ذلك وكل هذه المحاولات تذهب عبثاً. فقط لو أن أحداً يخبرني كيف..!”

ذهب الفتى في الليلة التالية إلى القلعة، دخلها وجلسَ بجانب النار ثمَّ عاد إلى معزوفته القديمة: “فقط لو أستطيع أن أرتجف”. مع هبوط الليل سمع جَلَبةً وضجةً كبيرةً وصوتُ ارتطام. كان الصوتُ في البداية خافِتاً لكنه سرعان ما صار أعلى وأعلى. ساد الصمت بعد ذلك لفترةٍ وجيزة ولكن وأخيراً سمع صرخة عالية اقترنت بسقوط نصف رجل من المدخنة ليصير أمامه تماماً.

“مرحباً..هناك قطعة أخرى مني، إنه نصفي الآخر وهو صغير جداً”.

بدأت الضجة بعد ذلك مجدداً وكان هناك نباح وزئير وسقط النصف الآخر بنفس الطريقة.

“انتظرا..سأزيد اشتعال النار قليلاً لأجلكما” قال الفتى. حالما فعل الفتى ذلك ونظر حوله فإذا بالنصفين قد اتحدا وشكَّلا رجلاً واحداً مخيفاً يجلس مكان الفتى فوق المقعد.

“نحن لم نتفق على ذلك.. إن هذا المقعد خاصتي!” قال الفتى.

حاول الرجل إقصاء الفتى عن المكان بدفعه له بعيداً، لكن الفتى ما كان ليسمح له بذلك وإنما دفعه بدوره بكل قوته واستعاد مكانه مجدداً. تتابع سقوط الرجال بعد ذلك الواحد تلو الآخر وقد أحضروا معهم تسع أقدامٍ لرجالٍ موتى وجمجمتين ثم قاموا بتنصيب هذه الأقدام التسع من أجل لعبة الكريكت[2]. أراد الشاب أن يلعب معهم فقال: “هيه..أنصتوا لي! هل أستطيع مشاركتكم اللعب”.

“نعم تستطيع إذا كان بحوزتك نقود” أجابوا.

“نعم هناك ما يكفي من النقود”

“لكن كراتك ليست كروية تماماً”.

أخذ الولد الجماجم واستعمل المخرطة التي لديه لجعلها أكثر استدارة.

“والآن سوف تتدحرج كراتي بشكلٍ جيد”. وهكذا لعب معهم وخسر بعض النقود، ولكن ما إن دقت الساعة الثانية عشرة حتى اختفى كلُّ شيء من أمام ناظريه. استلقى الفتى بعد ذلك واستغرق في نومٍ هادئٍ وعميق.

جاء الملك في الصباح التالي ليرى ما حل بالفتى، وسأله حالما رآه: “كيف جرت الأمور هذه المرة؟”

“لقد كنت ألعب الكريكت، وقد خسرت أثناء ذلك نصف بنس”.

“ألم تتعلم الارتجاف بعد؟”.

“كنت سأكون سعيداً لو عرفت فقط ماذا تعنيه هذه الكلمة”.

جلسَ الفتى في الليلةِ الثالثة على مقعده وقال بحزنٍ وحسرة: “فقط لو أستطيع أن أرتجف”؛ وعند هبوط الليل دخل ستة رجال ومعهم نعش. قال الفتى عندئذٍ: “ها..ها إن ذلك بلا شك ابن عمي الذي مات منذ أيامٍ قلائل”. وقام بحثِّ ابن عمه على النهوض بحركةٍ من يده وقال: ” انهض..انهض يا ابن العم”.

وضع الرجال النعش على الأرض فقام وفتحه ووجد رجلاً ميتاً، لمس وجهه فإذا به بارداً كالجليد.

“لحظةً فقط..سأقومُ بتدفأتك قليلاً”. ثم ذهب إلى النار وقام بتدفأة يده أولاً ثمَّ وضعها على وجه الرجل الميت، لكنه بقي بارداً. أخرجه بعد ذلك من التابوت وأجلسه قرب النار فوق صدره وراح يفرك يديه علَّ الدم يجري فيهما مجدداً، لكن ذلك لم ينفع أيضاً ولم يأتِ بأي نتيجة. فكر الفتى بأنه: “يمكن لشخصين أن يدفئا بعضهما البعض إذا استلقيا متلاصقين معاً في السرير”. ثم قام بحمله إلى السرير، ألقى عليه الغطاء ثم اندس في جانبه. هكذا وبعد فترةٍ وجيزة صار الرجل الميت دافئاً أيضاً وأخذ يتحرك، فقال الفتى: “أترى يا ابن العم..ألم أقم بتدفأتك؟” على أي حال فقد نهض الرجل الميت وصاح به: “سأقوم بخنقك الآن”.

“ماذا؟! هل هذه هي الطريقة التي تشكرني بها؟ يجب أن تعاد إلى نعشك في الحال” ثم حمله وقذف به إلى داخل التابوت وأغلقه عليه. جاء الرجال الستة بعد ذلك وحملوه بعيداً.

“لا يمكنني أن أرتجف..ولن أتعلم ذلك مهما طال بي العمر”. قال الفتى ذلك بأسف بالغ.

ثم دخل بعد ذلك رجلٌ طويلٌ ومرعب وكان أطول شخص سبق للفتى أن رآه. لقد كان أيضاً عجوزاً ذا لحيةٍ طويلةٍ وبيضاء وصاح بالفتى قائلاً: “أنت أيها البائس..سوف تتعلم ما هو الارتجاف لأنك ستموت في الحال”.

“لا تكن متسرعاً، وإذا كنت سأموت فلدي ما أقوله في هذا الشأن”. أجاب الفتى.

“سأمسكك في الحال” قال الرجل الشرير.

“بهدوء..بهدوء لا تكن مغروراً في أقوالك، فأنا رجل أضاهيك قوةً وربما أتفوق عليك”.

“سوف نرى، وإذا كنت قوياً وتفوقني قوةً كما تقول فسأدعك وشأنك…تعال لنختبر ذلك وسنرى من منا الأقوى”. أخذه الرجل الشرير بعد ذلك عبر الممرات المظلمة إلى محل حدادة، ورفع فأساً وهوى به على السندان فقسمه نصفين،” أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك ” قال الفتى وذهب إلى السندان الآخر. وقف الرجل العجوز بالقرب منه ليراقب ولحيته تتدلى للأسفل. أمسك بالفأس وقصم السندان إلى قطعتين بضربة واحدة ثم استخدم الفأس ثانية لإحكام لحية العجوز وشدها وقال مخاطباً إياه: ” لقد أمسكت بك، وإنك أنت من سوف يموت الآن “. ثم أخذ قضيباً من الحديد وراح يضرب به الرجل الشرير حتى صار يئنُّ ويتوسل إليه بأن يتوقف وقال بأنه سيدله على كنزٍ ثمين. توقف الفتى عن ضربه له وسحب الفأس محرراً لحية الرجل العجوز الذي قاده إلى القلعة مجدداً وأراه في أحد الأقبية ثلاثة صناديق مليئةً بالذهب.

“واحد من هذه الصناديق للفقراء وآخر للملك والثالث لك أنت” قال العجوز.

دقَّت الساعة الثانية عشرة بعد ذلك مباشرةً، فاختفى شبح العجوز وترك الفتى في ظلامٍ دامس.

“ما زلت قادراً على تلمس طريقي للخروج من هنا ” ثم تلمَّس الجدران حتى وجد طريقه إلى الغرفة حيث نام بقرب ناره.

جاء الملك في الصباح التالي وقال إذ رآه: “لا بد وأنك تعلمت كيف ترتجف في هذه المرة”.

“لا وحق الله..لم يحدث ذلك. كان ابن عمي المتوفى هنا ثم جاء عجوزٌ ملتحٍ وأراني كمية كبيرة من النقود هناك في الأسفل؛ لكن أحداً لم يخبرني ما هو الارتجاف “. قال الملك بعد ذلك: “لقد نفذت الشرط وسوف أزوجك ابنتي”.

“إن ذلك جميلٌ جداً لكنني مازلت أجهل ما هو الارتجاف” قال الفتى.

تمَّ إخراج الذهب بعد ذلك وأُقيم حفلُ الزفاف ولكن وبرغم الحبِّ الشديد الذي كان الفتى يبادله زوجته وبرغم السعادة التي كان ينعم بها فقد استمر بالترديد: ” فقط لو أستطيع أن أرتجف، فقط لو أستطيع “؛ الأمر الذي أغضب زوجته في النهاية. قالت لها الخادمة التي تقوم بتحضير المائدة: “سأجد علاجاً له، وسيتعلم ما هو الارتجاف في الحال” ثم ذهبت إلى جدول الماء الذي يمر في الحديقة وملأت سطلاً من الماء والأسماك. وفي الليل وبينما كان الفتى نائماً كان دور زوجته يقتضي تعريته من ثيابه ثم إفراغ سطل الماء مع الأسماك عليه حيث تنتشر الأسماك الصغيرة من حوله. حالما تم ذلك، استيقظ الفتى وصاح: “أوه..ما الذي يجعلني أرتجف بهذا الشكل؟…ما الذي يجعلني أرتجف بهذا الشكل يا زوجتي العزيزة؟ آه! الآن..الآن قد عرفت ما هو الارتجاف!”.

******

[1] مسكوكة فضية قديمة كانت في النمسا خصوصاً (ومنه طلري ماريا تريزا)

[2] لعبة دحرجة الكرات (bowling). المترجم.

******

https://fairytalez.com/tale-youth-set-learn-fear/

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This