مع المفكّر المغربي “سعيد ناشيد”: الفنون الجميلة ضروريّة لأجل تجديد الخبرة الدينيّة في أبعادها الرّوحيّة

يمكن أن نضع الباحث والمفكّر “سعيد ناشيد” في المغرب إلى جانب  “محمد سبيلا” و”عبد السلام بنعبد العالي” وكلّ الكتّاب المغاربة الذين تميّزوا بموهبة كتابة المقال المكثّف والمثير فكرة وأسلوبا واختلفوا عن أساتذتهم من أصحاب الأطروحات والمشاريع الكبرى على غرار “الجابري” و”العروي” و”طه عبد الرحمان” بمثابرتهم شبه اليومية في مقاومة كلّ مظاهر التشدّد والتطرّف أينما تجلّت في الحياة العامة واليومية للمغاربة ولكل العرب والمسلمين في العالم . نشر “ناشيد” سنة 2010 عن دار الطليعة مؤلّفه الأوّل “الاختيار العلماني وأسطورة النموذج” ثم تتالت أعماله فكانت “قلق في العقيدة” و”الحداثة والقرآن” و”التداوي بالفلسفة” و”الطمأنينة الفلسفية”.  وباعتبار ظروف الوباء العالمي واستحالة إجراء الحوار بشكل مباشر فقد تمّ تحريره عبر البريد الإلكتروني، حيث أرسلت له خمسة أسئلة أجاب عنها مشكورا فكان هذا الحوار:

1/ أظنّ أنّك من المفكّرين الذين يسعون لملء ما تحسبه فراغا روحيا في حياة العلمانيين والعقلانيين والمادّيين العرب على اختلاف توجّهاتهم وفيما نشرته مؤخّرا محاولات “غامضة” (بمعنى غير صريحة) لصياغة روحانية خاصّة يمكن أن تناسب الأفق الانساني لما بعد الدّين الذي نعيشه بشكل واع أو غير واع. وإذا كان الفلاسفة الذين تستند إليهم في البحث عن الطمأنينة والعزاء الفلسفيين في الغرب هم من تعبيرات الحداثة وما بعدها ومن المفكّرين في أزمتها فأي معنى لهذا المشروع الذي تسعى إليه في محيط عربي/اسلامي لعلّ البطالة والفقر هي مشاكله الوجودية والميتافيزيقية الحقيقية وما الأزمة الدّينية سوى ظاهرها المزيّف؟

ليس الوضع الاجتماعي سابقا عن الوعي الاجتماعي، أو محددا له بالضرورة، كما جرى اعتقاد الماركسيين الكلاسيكيين، وحجّتي كالآتي:

بين فعل الاضطهاد ورد الفعل ضد الاضطهاد هناك مسافة يحتلها فعل التأويل. كيف؟ لا يكفي أن تكون فقيراً أو مضطهَداً حتى تتحرّك في هذا الاتجاه أو ذاك، بل سيكون المحدد الأساسي لحركتك هو فهمك وتأويلك لمعاناتك. إن فكرة الاستلاب لدى ماركس ليست بالمسألة الهينة في آخر التحليل، مثلا، حين يعتقد العامل الجزائري الذي يعيش في فرنسا بأنه فقير بسبب كونه مسلما اسمه محمد فالنتيجة على الأرجح أن يرى في جاره جاك الذي قد يكون فقيرا مثله أو أشدّ فقراً، عدوا يستحق الكراهية والحقد، سواء في السر أم العلن، وحين يعتقد السوري المقهور بأنه يعاني بسبب كونه سنيا اسمه عمر فسرعان ما قد يرى في زميله عليّ الذي قد يكون مقهورا مثله أو أشدّ قهرا، عدوا أساسيا يستحق البغض والضغينة. ذلك بالضبط ما يحدث حين يخضع الوعي للتزييف، فتنقلب صور الواقع رأساً على عقب، وعلى المنوال نفسه نفهم كيف تبدو شوارع جنيف أو ستوكهولم للكثيرين كأنها دار حرب، في حين تبدو أنقاض الموصل أو الرقة في المقابل كأنها دار سلام ! كما يكفي أن يكون مالك مصنع الأسلحة في واشنطن مسلما حتى يصبح أجدر بالولاء من بستاني قبطي في القاهرة. لذلك، بوسعي التأكيد على ما يلي، إذا لم نعمل على إصلاح العقل فسنبقى ندور في حلقة مفرغة طالما الوعي مقلوب والتأويل فاسد. مشكلة العقل عندنا أنه معطل كما يقال، أو مستقيل بالأحرى، وهذا صحيح، لكن الصحيح أيضا أن العقل عندما ينام –كما تقول إحدى لوحات غويا- تستيقظ الأشباح. ما الأشباح؟ إنها الانفعالات السلبية، والتي هي الأهواء الحزينة بلغة سبينوزا، وغرائز الانحطاط بلغة نيتشه، ودوافع الموت (الثاناثوس) بلغة فرويد، مثل ماذا؟ مثل الكراهية والحقد والغيرة والحسد والكسل وغيرها، وهي بمثابة شرارات وجدانية لاشتعال الفتن السياسية والدينية. والحال كذلك ليس مستغربا أن يكون تاريخنا تاريخ فتن وفق تصريح المتن الحديثي، ووفق تأكيد التجربة التاريخية.

2/ للفكر اليميني الرجعي الاسلامي آلته الدعائية الضخمة ورموزه وأنت من بين الأسماء المعارضة له ومشغول ومثابر في نقده بشكل يومي ألا ترى أن الإلحاح على الأزمة الجذرية للإسلام في ذاته كدين (ما كرّره ماكرون في خطابه) إنما يرضي نرجسية اللائكية الفرنسية المتعالية والمنغلقة وغير المتواضعة أو القادرة على إبداء شيء من التسامح والتفهم لحساسية وهشاشة مواطنيها من ذوي الدّيانة الاسلامية من دافعي الضرائب الذين تركوا لعزلتهم ولآلة الدّعاية الوهابية التي انغرست في فرنسا بتواطؤ من الدولة الفرنسية ذاتها وتحقيقا لمصالحها؟

أزمة الإسلام هي صيغة تعبيرية ضمن صيغ عديدة تشير إلى أزمة العقل الإسلامي، أزمة الوعي الإسلامي، أزمة الخطاب الديني المتداول بين المسلمين والذي يؤثث رؤيتهم إلى العالم، أزمة مفاهيم قروسطية لا تزال توجه العقول والأفعال وردود الأفعال، وتعود أصولها إلى عالم التوسعات الإمبراطورية، عالم الغزوات، والسبي، والغنيمة، ودار الحرب ودار الإسلام، والولاء والبراء، والجماعة، والفرقة الناجية، والبيعة، وما إلى ذلك من مفاهيم تجعل العقل الإسلامي في حالة خصام ليس فقط مع العالم المعاصر، بل أيضا مع الدولة الوطنية، التي تحتاج إلى مفاهيم حديثة، ولذلك ليس مستغربا أن تنعتها جميع فصائل الإسلام السياسي بالطاغوت، سواء في السر أو العلن.

كان غاستون باشلار يردد بأن تاريخ العلم هو تاريخ أزمات العلم. ومقصود القول إن الأزمة لتمثل عاملا إيجابيا لأجل تحقيق التطور المنشود. لكن هناك شرطا إضافيا بالغ الأهمية، إذ لا يكفي أن توجد الأزمة، بل يجب امتلاك القدرة على الاعتراف بها. معضلتنا هي الإنكار. ذلك أن الداء فينا والإنكار داء آخر.

بدل أن نعترف بوجود أزمة حضارية تشمل مظاهر التدين وتصورات اللاهوت وأنساق السياسة والسلوك الاجتماعي، وانطلاقا من جرأة الاعتراف نعمل على تطوير منظومة الفكر الإسلامي بأسرها، سواء في جوانب الفقه أم القيم، فإننا لا نزال مصرين على الإنكار، وعندما تنفجر جريمة هنا أو هناك، عندما تشتعل فتنة هنا أو هناك، نكتفي بترديد عبارة “هؤلاء لا يمثلون الإسلام”، ما يعني التنصل من المسؤولية، وانعدام المروءة.

3/ طالب عدد من المفكّرين التونسيين مثل “فتحي بن سلامة” و”هشام جعيط” و”عبد الوهاب المؤدّب” الغرب الأوروبي خلال الأزمات التي ضاعفت من الإسلاموفوبيا إلى بناء رؤية أكثر تفهّما لحساسية الوضع العربي الاسلامي في علاقته بهويته ودينه وتجنّب الاستفزاز المباشر والرديء الذي لا يغذّي سوى اليمين وأطروحاتهم الرّافضة للمهاجرين عموما. ألا ترى أن إعلان “ماكرون” بأن حرية التعبير في فرنسا مهدّدة على إثر العمل الارهابي الأخير هو تكريس لنزعة المكابرة والتعالي لدى فرنسا كقوة استعمارية تتدخّل في ليبيا وسوريا ولبنان وفي بلدان عربية أخرى، ألم يكن أفضل أن يقول أن ثقافة التسامح والاحترام وقبول الآخر والتنوّع هي المهدّدة لأن حرية التعبير اليوم صارت واقعا بفضل تكنولوجيات الإعلام والمنتديات الاجتماعية وغيرها في كلّ العالم؟

ملاحظتان أساسيتان:

أولا، عبارة “يجب تجنب استفزاز المسلمين”، قد تبدو من حيث الرؤية المبدئية كأنها مطلب أخلاقي مبرر، لا سيما داخل المجتمعات التي يمثل فيها المسلمون أقلية قليلة العدد، ولا سيما أيضا حين يتم توجيه الخطاب إلى الأكثرية غير المسلمة، وبحيث يبدو الأمر كأنه من باب حفظ حقوق الأقليات المعرضة للهشاشة. مبدئيا تبدو العبارة مقبولة بالفعل، غير أنها ضمن السياق التداولي السائد في أوساط المسلمين تثير مشاكل بالغة الخطورة. مثلا، معظم المسلمين يعتبرون الإفطار العلني في رمضان استفزازا لمشاعرهم، ومن ثم يحرصون على معاقبة المفطرين، لا سيما داخل المجتمعات والتجمعات ذات الغالبية المسلمة. مثال آخر، كثير من المسلمين يرون في التنورة استفزازا لمشاعرهم، وبهذا النحو تبدو المرأة المرتدية للتنورة كما لو أنها “مذنبة” في حق مجتمع “الفحول”. مثال ثالث، كثير من المسلمين يعتبرون التماثيل استفزازا لمشاعرهم، ومن ثمة يفضلون تغطيتها أو غض البصر حين لا يكون هدمها ممكنا، كما أن بعضهم يعتبر الموسيقى استفزازا لمشاعره، ومن ثمة يجب منعها، أو منع تعليمها، أو اجتنابها حين لا يكون منعها ممكنا. لكن، أين المشكلة؟ أليس من حق كل مجتمع أن يعيش وفق معاييره الخاصة كما يدّعي أنصار “النسبية الثقافية”؟ المشكلة هنا أن مفاهيم العدالة تنقلب رأسا على عقب، فتصبح المغتصَبة أو المتحرّش بها هي المذنبة ابتداء، ويصبح المعتدى عليه في نهار رمضان بسبب جرعة ماء هو المذنب ابتداء، وفي النهاية يتم تحميل الضحية وزر الجناية، وهذا ظلم كبير لا تقبله شرائع الأرض ولا السماء، بيد أنه مرض شائع في مجتمعاتنا. هذا كله دون أن ننسى أن لوم الضحية هو أيضا آلية نفسية لاجتناب الشعور بالذنب حين لا نستطيع إيقاف الجريمة.

ثانيا، أزمة مسلمي الضواحي، لا سيما منهم الجيل الثالث والرابع من أبناء المهاجرين، هي أزمة مشاعر الاجتثاث الهووي حين تلتقي بنوع من الإسلام ألاجتثاثي الذي يبشر بالأمة الافتراضية، “أمة محمد”، “أمة لا إله إلا الله”، دون أي مرجعية جغرافية، وبالتالي يتخذ الأمر شكل عنف افتراضي معولم بدون خلفية ترابية، خلاف سائر أشكال العنف في التاريخ التي كانت تمتلك خلفية مكانية، جغرافية، وترابية. لذلك أرى أن تغذية الهوية المرجعية سيكون سبيلا من سبل مكافحة التطرف في ضواحي المدن الغربية. وبهذا المعنى أيضا قد يكون قرار الرئيس الفرنسي ماكرون الرامي إلى تدريس لغات “الأصل”، على رأسها العربية، قرارا حكيما، رغم سوء الفهم، طالما من شأنه أن يقلص من مشاعر الاجتثاث الوجودي لدى أبناء المهاجرين. ثم أن أهمية اللغة العربية تتجلى في أن العامل الأساسي للتطرف يكمن في الجهل بالتاريخ الفعلي للإسلام. لذلك يكفي أن يقرأ المرء تاريخ الطبري مثلا حتى يدرك أن الصحابة والتابعين وسائر الأسلاف أبعد ما يكونون عن الملائكة كما يتصورهم “الجهل المقدس”. هذا فضلا عن أن الانفتاح على روائع الإنتاج الأدبي والشعري والعاطفي باللغة العربية يساهم في انتقال مركز ثقل علاقة المسلم باللغة العربية من مستوى القداسة التي تشل العقل والوجدان إلى مستوى الجمال الذي يفتح العقل والوجدان، غير أن المنهاج التعليمي سيكون حاسما بكل المقاييس، وهذا ما يجب الانتباه إليه.

4/  تسعى في مؤلّفاتك الأخيرة لبلورة فلسفة روحية خاصّة يمكن أن تجمع المؤمن وغير المؤمن، المتدّين وغير المتدّين طالما أنهما يواجهان الوضع الوجودي الدرامي ذاته للحياة، فهل تعتقد أن هذا الأفق يمكن أن يكون موحّدا وجامعا ومغذي لقيم الاختلاف والحوار أم سيتعرّض كغيره من الدعوات القديمة إلى تهم التشكيك في نواياه واحتمال ان يحطّم الدّين ويصنع الفتن ويضاعف من أزمة الناس الروحية بدل أن يكون شفاء لها وحلاّ؟

حضارتنا مريضة، وبالفعل هناك ما يسمى بأمراض الحضارة. يتعلق الأمر بالأمراض التي عادة ما تصيب الحضارات، فتقودها إلى الخمول والذبول، وإلى الأفول في النهاية. ومثلما هو حال الأمراض كافة تحتاج أمراض الحضارة بدورها إلى أطباء أكفاء. من هم أطباء الحضارة؟ إنهم الفلاسفة على وجه التحديد. ذلك هو رأي نيتشه الذي مارس بنفسه دور طبيب الحضارة. هنا بالذات يكمن الخيط الرابط بين الفلسفة والإصلاح الديني.

ما الذي يمكن أن يفعله طب الحضارة عندنا؟

بعد التنكيل بابن رشد حيا ثم ميتا، وإحراق مخطوطاته، وإقصائه من التراث نهائيا، ما الذي حدث؟ سقطت الأندلس، ثم أخذت الحضارة الإسلامية في التهاوي والذبول. هذا كله معروف، لكن الكثيرين ينسون أن عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف. بهذا المعنى لا يكمن الحل في العودة إلى اللحظة الرشدية كما يظن البعض؛ فلقد جرت مياه كثيرة في مجرى الزمن، ورغم تخلف المسلمين اليوم عن ركب الحضارة إلا أنهم لا يعيشون في مستوى اللحظة الرشدية. لعلنا متخلفون عن مستوى الحضارة المعاصرة، بيد أننا لسنا متخلفين عن مستوى حضارتنا القديمة. بالفعل يبقى التراث الفلسفي مهما في كل لحظاته، اللحظة اليونانية، والرومانية، والإسلامية، والمسيحية، والحديثة، والمعاصرة، إلخ، غير أنه لا يحضر كما كان، بل يحضر وفق متطلبات الوعي الراهن، وبما يناسب العلم الحديث والأخلاق المعاصرة، وإلا فلن يحضر إلا في شكل فصام في الحضارة. لا تنمو الشجرة في مستوى الفروع فقط، بل تنمو أيضا في مستوى الجذور، كذلك هو تاريخ الفلسفة باعتباره تاريخ نمو العقل الإنساني في مستوى الفروع والجذور معا. إن كانت جمهورية أفلاطون تمثل إحدى الجذور الأساسية للفلسفة السياسية فإننا لا نستطيع أن نقرأها كما قرأها القدماء في عالم الآلهة والعبيد والحرف البدائية، فتلك الجذور قد نمت بدورها وتطورت بنحو كبير، وهي لم تعد كما كانت بأي حال من الأحوال.

مطلوب –وهذا ما أحاول المساهمة فيه- إعادة صياغة تاريخ الفلسفة بنحو يفيد في علاج حضارتنا المريضة والمصابة بداء الفصام. وهو المرض الذي يطال الكينونة والغرائز والروح، ويظهر باديا للعيان في كل المستويات، اللهم من ينكرون ذلك، وهم كثيرون للأسف الشديد.

أومن بأن البعد الروحي لدينا مريض بالفعل، لكن بدل إقصائه أو بتره أو إنكاره، فالمطلوب مداواته طالما يظل بعدا أساسيا من أبعاد الإنسان بصرف النظر عن قناعاته الدينية.

سواء قررنا أن نترحم بقراءة الفاتحة، أو بدقيقة صمت، فإن البعد الروحي هو نفسه من حيث علاقة الإنسان بمشاعر الفقد والغياب والفناء. كما أننا سواء تعبدنا بواسطة الموسيقى أو الابتهال أو الغناء أو التلاوة أو التأمل أو الصمت فإن البعد الروحي يظل هو نفسه في علاقة الإنسان بالمطلق واللاّمتناهي والشرط الدراماتيكي للوضع الإنساني، وذلك باختلاف مظاهره وتجلياته.

لعلي مقتنع بأن الفنون الجميلة ضرورية لأجل تجديد الخبرة الدينية في أبعادها الروحية، لكن المطلب إياه تعيقه رؤية فقهية مهيمنة على المسلمين، ومعادية في جوهرها للفنون الجميلة ولو بدرجات متفاوتة، من هنا نؤكد الحاجة إلى الإصلاح الديني، وهنا أيضا يكمن الدور العلاجي للفلسفة كما قلتُ مرارا.

5/ تعيش تونس تجربة غير مسبوقة عربيا تتمثل في مشاركة قوية لممثل الإسلام السياسي “النهضة” في صياغة الدستور وإدارة السلطة في مرحلة الانتقال الدّيمقراطي وقد أظهر تجاوبا مع مبدأ انتقال السلطة وقبول مبادئ تجريم التكفير وإقرار حرية الضمير والمساواة في الدستور وأظهر رفضا لمبدأ المساواة في الميراث، فهل ترى في هذه التجربة أفقا وفرصة تاريخية لتحرير الإسلام السياسي من الإيديولوجيا الإخوانية وتحويله إلى مجرد حزب مدني محافظ على غرار الأحزاب الشبيهة في أوروبا أم هي مجرد تكتيك من قبل هذا الحزب/الطائفة كما يقول خصومه لأجل التمكن من الدولة ومفاصلها وتنفيذ مشروعه الإخواني على المدى البعيد مستعينا بحلفاء اقليميين “تركيا وقطر”؟

يكمن الرهان التونسي اليوم في محاولة التخلص من سطوة الإسلام الإيديولوجي دون التفريط في الديمقراطية الفتية، بل بالموازاة مع تطويرها وترسيخ الحريات الفردية وحقوق الإنسان، وهو رهان عسير بلا شك، يندرج ضمن ما يمكننا أن نصطلح عليه الانتقال السلمي من القدامة إلى الحداثة. وهو ما سيكون في حال نجاحه إنجازا ملهما وعظيما بالنظر إلى تجارب الانتقال خلال القرنين الماضيين التي لم تخل من عنف وحروب أهلية. يحتاج الأسلوب التونسي إلى نفس طويل إذن، وإلى قدر كبير من الحكمة والتعقل والقدرة على التحمل، مع الرفع من منسوب اليقظة الذي أبدته النخب الثقافية منذ نجاح ثورة الياسمين لأجل الحفاظ على المكتسبات الحداثية وتطويرها ضمن مناخ ديمقراطي ناشئ.

لكني في مستوى التقييم الإجمالي لأداء الإسلام السياسي في تونس، أتبنى مبدأ مرجعيا واضحا، بوسعي أن أبسطه على النحو التالي:

كل حزب سياسي يفكر بمنطق أن السياسة صراع بين الخير والشر هو مشروع حزب فاشي في المستقبل حين يتمكن من الحكم، أكان ماركسيا أم إسلاميا أم غير ذلك. لقد فشل حزب النهضة في فرض معاييره الأخلاقية والثقافية على المجتمع التونسي، تلك المعايير المبثوثة في كتابات وخطابات الشيخ الغنوشي ورفاقه في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ورغم أن الترويكا فتحت الباب على مصراعيه أمام شيوخ الوهابية لإلقاء محاضرات مثيرة في تونس، ورغم أن قواعد الإسلام السياسي كافحت طويلا وبكل الوسائل الممكنة لأجل شيطنة الإرث البورقيبي، إلا أن هدف التمكين لم يتحقق، كما لم يتحقق الإجهاز على مكتسبات المرأة التونسية، لكن الفضل كله يعود إلى قوة السلطة المضادة المتمثلة في الحركة النسائية، المجتمع المدني، الطبقة المتوسطة، النخبة الثقافية، وبالجملة الإرث البورقيبي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This