الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناهج (ج1)

شغلت القضايا والإشكاليات المعاصرة المعنية بالجندر (Gender) والديانات التوحيدية، موقعاً مهماً عند الحركات النسوية والمتخصصين والمتخصصات في تحليل أحوال النساء وأدوارهن في المنظومة الدينية. تطورت الإصدارات، كماً ونوعاً، في هذا الحقل المعرفي، فظهرت فرضيات ونتائج جديدة اتخذ -بعضها – مسارين: الأول: اعتبر أن الأبوية الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام أقصت المرأة عن تاريخ المقدس وجعلتها في الهامش، بعد أن كانت في المركز والمتن قبل التوحيد؛ والثاني: أن تأويل النص الديني إستناداً إلى المناهج الحديثة، بإمكانه تحقيق المساواة بين الجنسين التي عطلتها الغلبة البطريركية أو القراءة الذكورية[1].

ظهرت النقاشات العلمية الجادة حول المسلمات ومواقعهن في الدين، بشكل متأخر، إذا ما قورنت باليهودية والمسيحية؛ مع إدراكنا أن الوعي المعرفي النسوي الإسلامي[2]، سبق حركة الإنتاج البحثي والأكاديمي. يمكن اعتبار العالِمة الأمريكية نابيا أبوت (Nabia Abbott) (1897-1981) -المولودة في ماردين إبان السلطنة العثمانية- أول من قدمت الدراسات العلمية الحديثة[3] حول الجندر والإسلام، فنشرت كتباً عدة في اللغة الإنجليزية أبرزها اثنان: (Aishah: The Beloved of Mohammed) “عائشة حبيبة محمد” الصادر عام 1942 –لم ينقل بعد إلى العربية- (Two Queens of Baghdad: Mother and Wife of Harun al-Rashid) (1946) “ملكتان من بغداد: الأم والزوجة في حريم الرشيد”[4]. على مستوى تأويل النص الديني وحق النساء في الاجتهاد، كانت اللبنانية نظيرة زين الدين (1908-1976) السبّاقة في التاريخ المعاصر في دعوة هذه؛ إذ سبقت المطالب التي ترفعها المنضويات في الحركة النسوية الإسلامية التي من بين رائداتها: آمنة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن، فهي أول امرأة قدمت تفسيراً منهجياً نسائياً للقرآن (في المدى التاريخي الطويل)؛ وأكدت المساواة القرآنية بين الذكر والأنثى، فدرست هذه القضية الحيوية مشروعاً فكرياً في كتابها “السفور والحجاب”[5] الذي أثار حين صدوره عام 1928 ردود فعل سلبية من قبل رجال دين بسبب ما تضمنه، فوضعت “الفتاة والشيوخ” رداً على مهاجمي كتابها الأول، وعلى رأسهم الشيخ مصطفى الغلاييني صاحب “نظرات في كتاب السفور والحجاب”. يسجل أن عالِمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940-2015)[6] من الرائدات العربيات في زعزعة الصورة المستقرة عن النساء في العقل الإسلامي الجمعي؛ تميز مشروعها الفكري/ البحثي بالمنهجية الدقيقة في إبراز “الأنثوي المغمور” في التاريخ والمصادر والتراث والذاكرات.

شكلت كتابات الأكاديمية والباحثة المصرية الأمريكية ليلى أحمد علامة فارقة في الدراسات النسوية. يعد (Women and Gender in Islam: Historical Roots of a Modern Debate) (1992) “المرأة والجُنوسة[7] في الإسلام: الجذور التاريخية لنقاش حديث[8] من أهم أعمالها، فهو الكتاب الذي حددت فيه رؤيتها وأدواتها المنهجية في دراسة التحولات التي أدخلها الإسلام على العلاقات بين الجنسين وتأكيده للنظام الأبوي، وقد سبقته بنشر دراسات متسقة معرفياً، خصوصاً أوضاع المرأة في الإسلام المبكر إبان الدعوة المحمدية، نذكر منها: (Women and the Advent of Islam)[9] (1986) “المرأة ومجيء الإسلام”، ونفترض أن هذه الدراسة شكلت الحقل أو الطبقة المعرفية الأولى التي انطلقت منها، الأستاذة في “كلية اللاهوت في جامعة هارفرد” (Harvard Divinity School)، في التأسيس لكتابها المذكور أعلاه، كما أن الدراسة التي نشرتها في مجلة (Feminist Studies) الأمريكية عام 1982 المعنونة: (Western Ethnocentrism and Perceptions of the Harem) “المركزية العرقية الغربية وتصورات الحريم”[10] –بالإضافة إلى مساهمات أخرى- أسست لنقاشها المنهجي  للدراسات الاستشراقية والغربية المعاصرة، التي تناولت المسلمات، لا سيما “الحجاب” الذي أفردت له كتاباً صدر في الإنجليزية عام 2011 (A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America)[11]ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أميركا“، لم يتم تعريبه إلى الآن.

تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية ونقدية لأبرز طروحات ليلى أحمد[12] حول الدور الذي اضطلع به الإسلام في تحديد المواقع الجديدة للنساء في نظام السلطة والجندر؛ والسجالات الدائرة حول الحجاب في الأدبيات الاستشراقية والغربية المعاصرة، مع إبراز تعددية المناهج التي اعتمدت عليها. تأتي الدراسة في محورين أساسيين: أولاً: المرأة في تاريخ الإسلام من الحقبة المبكّرة إلى العصر العباسي؛ ثانياً: الحجاب في الإسلام: الصراع والاستيهامات الاستعمارية.

أولاً: المرأة في الإسلام من الحقبة المبكّرة إلى العصر العباسي

  1. في المنهج

يُدرج بعض الدارسين ليلى أحمد في “النسوية الإسلامية” (Islamic feminism)[13] نظراً لاشتغالها على حقل الإسلام والجندر، غير أن القراءة الواعية لأطروحاتها والإشكاليات التي أثارتها، تبرهن على الخطأ المنهجي الكبير الذي وقع به باحثون/ باحثات، بعدّها إحدى المنضويات في هذه الحركة. لم تسع أحمد في كتابها الأساسي “المرأة والجنوسة في الإسلام: الجذور التاريخية لقضية جدلية حديثة”[14] إلى تبرئة “الإسلام الأبوي” من مقولة اضطهاد النساء، إذ عملت على إظهار المؤثرات التي تركها الدين الجديد في محيطه التاريخي على المرأة، وأنه ساعد على توطيد النظام البطريركي[15] في زمن عرفت فيه مناطق في شبه الجزيرة العربية وجوداً وآثاراً للنظام الأمومي.

استخدمت أحمد مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة، لا سيما المنهج التاريخي والنقدي في دراسة مواقع النساء في الإسلام تحديداً في حقبة الإسلام المبكر، سواء في كتابها الأساسي أو الدراسات الأخرى، وهي لم تطالب بأسلمة مصطلحات تستعار من الفكر النسوي الغربي كـ”أسلمة التمكين” و”أسلمة الجندر” و”جهاد الجندر“، كما فعلت رائدات النسوية الإسلامية، أمثال: آمنة ودود، ورفعت حسن، وعزيزة الهبري، وغيرهن، ولا تدعو إلى “إسلام نسوي“، بل إنها تعمل على ثلاثة موضوعات أساسية: الأول: وضع جذور النظام الأبوي والسلطة المتحيزة ضد النساء في الإسلام داخل الثقافات السائدة في المنطقة ومحيط شبه الجزيرة العربية، إبان الدعوة المحمدية، في بلاد الرافدين وفي الثقافتين الهيلينية والمسيحية؛ الثاني: تغيير الإسلام لأسس العلاقة بين الجنسين (الزواج، الطلاق، الميراث، الحجاب، العلاقات الجنسية، تعدد الزوجات) من خلال تحويل حقوق المرأة الجنسانية وأبنائها من سياق المرأة وقبيلتها إلى مجال الرجل[16]؛ الثالث وهو الأهم: التمييز بين صوتين مميزين في إطار الإسلام وصورتين متنافرتين ومتنافستين من حيث الجندر: القواعد أو الرؤية البراغماتية الفقهية/ الأبوية والرؤية الأخلاقية الصوفية.

اعتمدت أحمد على المناهج النقدية: التحليل التاريخي والتفكيك ونقد المصادر. كتبت “المرأة والجنوسة في الإسلام” في مدار الكتابة النقدية النسوية؛ واستعانت بأدوات النسوية ما بعد الكولونيالة في دراستها للحجاب والرؤية الاستشراقية والغربية المعاصرة تجاه النساء في الإسلام، والتي سندرسها في المحور الثاني من الدراسة.

  1. الإسلام والنساء: الخطابات والتغيرات المؤسِّسة

استعارت أحمد مصطلح ” الجندر” من حقل المصطلحات الغربية، الناشئ مع التطور اللافت الذي طرأ على حقل الدراسات الاجتماعية والإنسانية؛ خلال بلوغ الموجة النسوية الثانية أوجها. “فبحلول سبعينيات القرن العشرين، نجحت عالِمة الاجتماع البريطانية آن أوكلي (Ann Oakley) في إدخال مصطلح (Gender) للمرة الأولى في حقل الدراسات الاجتماعية في دراستها الشهيرة المعنونة: (Sex, Gender and Society)[17]. أرادت أوكلي أن تستخدم كلمة (Gender) مُعادلاً موضوعياً (…) لاصطلاح (Sex) بوصفه تحديداً بيولوجياً في سياق العلوم الطبيعية. ومن ثم فإن “الجندر/ Gender” تُعنى ببحث مكانة الرجل والمرأة ودورهما في المجتمع، بصرف النظر عن الاختلافات البيولوجية بينهما. أو بعبارة أخرى: تتعلق الجنوسة [الجندر] بدراسة السلوك الاجتماعي للرجل والمرأة من منطلق الكينونة الإنسانية؛ ودراسة سلوك النساء وتصرفاتهن وفق الضوابط الاجتماعية في سياق مجتمع ما، فضلاً عن الأفكار النمطية التي تحظى بالقبول العام في المجتمع، مراعية ومستوعبةً الأنوثة بوصفها عنصراً أولياً، وفي الوقت ذاته تُعنى الجنوسة [الجندر] بدراسة الكيفية التي يمارس بها الرجل دوره الاجتماعي، المُعرَّف والقائم بدوره على رموز نمطية مجتمعية ذات أبعاد أخرى، تأخذ بعين الاعتبار الذكورة عنصراً أولياً، أي إنه يمكن القول: إن المنظور الجنوسي [الجندري] في التحليل الأخير، ليس سوى تحليل للانعكاس الاجتماعي الحضاري لظاهرة بيولوجية بحتة. سرعان ما اعتُمد المصطلح من قبل الباحثات النسويات اللائي أردن نفي الحتمية البيولوجية. ومن ثم تقاطعت النسوية مع الاستشراق الحديث، فاستلهمته بدلالاته، وكانت الجنوسة [الجندر] في السياق الإسلامي موضوعاً لدراسات بعض الناشطات النسويات أمثال: جوديت توكر (Judith E. Tucker)[18]، وباربرا ستواسر (Barbara Stowasser)[19] (…) كما أصبح موضوعاً للباحثات النسويات المشرقيات أمثال: ليلى أحمد وفاطمة المرنيسي”[20].

تقدم أحمد قراءة تاريخية مبنية على المنهج النقدي في تفسيرها للتحولات الاجتماعية والثقافية التي أدخلها الإسلام على العلاقات بين الجنسين، متأثراً بثقافات بلاد ما بين النهرين والحضارة الفارسية والديانات السابقة عليه: الزرادشتية واليهودية والمسيحية. ترى أن تبادل الممارسات بين الثقافات المختلفة؛ من ضمنها نظام “الحريم” وعزل النساء، أثر في الإسلام وفي التأسيس للحجاب والحريم الإسلاميين: “شهدت القرون الأولى للمسيحية تحول مفهوم عزل النساء –وهو ما كان يتحقق معمارياً من خلال إنشاء مبانٍ أو مناطق خاصة بسكنى النساء فحسب، يحرسها الغلمان- وكذلك مفاهيم الحجاب واحتجاب النساء لتصبح من أبرز معالم حياة الطبقة العليا في كل من بلاد فارس والعراق ومنطقة الشرق الأوسط[21] البحر متوسطية. وقد كانت هذه المواقف والممارسات تجاه المرأة قائمة في السواحل الشمالية للبحر المتوسط –في المجتمع البيزنطي على سبيل المثال- بالقدر نفسه الموجود في السواحل الجنوبية. وإذا كانت تلك الممارسات قد انتشرت في العصور المسيحية الأولى، فإنها لم تنبع فقط من بلاد فارس. وإنما تبدو كما لو كانت تعبر عن توافق بين المواقف والممارسات المتشابهة التي ولدت داخل الثقافات الأبوية المتنوعة في المنطقة. فقد ساهمت كل ثقافة من ثقافات المنطقة في إيجاد الممارسات التي تتحكم في النساء وتحجمهن، كما قامت بالاستعانة بممارسات المناطق المجاورة والخاصة بالسلطة الإنجابية، بما في ذلك ثقافة بلاد الرافدين والثقافة الفارسية والهيلينية والمسيحية ثم الإسلامية”[22].

نجحت أحمد في الضرب على أوتار كثيرة عندما عادت إلى الأعراف المتعلقة ببعض ثقافات المنطقة، للبحث عن الأصل الثقافي للإسلام الذي جاء في القرن السابع الميلادي[23]، ليتخذ “شكل الديانات القائمة على الوحدانية مثل اليهودية والمسيحية، بل وفي صورة جديدة لهاتين الديانتين. كانت المنطقة إبان غزوات المسلمين واقعة تحت سيادة الكنيسة المسيحية التي كانت -إلى حد كبير- قد قننت وبررت التحيز ضد المرأة، اعتماداً على قصص الكتاب المقدس، تلك القصص التي اعترف بها الإسلام علانية أو أقرها بصورة غير مباشرة على أنها صادرة عن الوحي الإلهي. وهكذا استوعب الدين الجديد تلقائياً التحيز ضد المرأة الذي كان قائماً بالفعل في صورة مقدسة، ليصبح جزءاً من عالمه الاجتماعي والديني الذي ما لبث أن اتخذ بدوره صيغة كتابية مقدسة”[24].

تناولت أحمد في منهجها النسوي التاريخي النقدي، الخطابات المؤسسة لمواقع المرأة ووضعيتها الجديدة مع نشأة الإسلام، في مسائل وأد البنات والزواج والطلاق والحجاب والعلاقات الجنسية والميراث. وعبر استعادة تاريخية لما كانت عليه النساء في ما يطلق عليه “العصر الجاهلي” –نفضل استخدام تحقيب تاريخي محايد ثقافياً ودينياً هو “العرب قبل الإسلام” (Pre-Islamic)– تلاحظ الكاتبة أن “الآراء التي يتبناها بعض الباحثين المسلمين وقولهن بأن تحريم الإسلام وأد البنات، يؤكد موقف الإسلام من تحسين وضع النساء في المجالات كافة؛ هو رأي يبدو على درجة من التبسيط وعدم الدقة. حيث يتضح لنا أن مكانة النساء كانت تختلف تبعاً لاختلاف المجتمعات في المنطقة العربية، إضافة إلى ذلك نجد أنه على الرغم من أن ممارسات الزواج الجاهلية لا تعني بالضرورة تزايد سلطة النساء أو غياب التحيز ضد المرأة، فإنها في الوقت نفسه تتناسب مع تمتع المرأة بقدر أكبر من الاستقلال الجنسي عمّا كان متاحاً في ظل الإسلام، كما تتناسب مع اتساع نطاق الأنشطة المتاحة للمرأة من خلال قيام النساء بالمساهمة الفاعلة وأدوار الزعامة والقيادة في المجتمع، بما في ذلك المجالان الحربي والديني. وقد تقلص هذا الاستقلال وتلك المساهمات مع نشأة الإسلام، خصوصاً بفعل مؤسسة الزواج الأبوي بوصفه الزواج الشرعي الوحيد، وما تبع ذلك من تحولات اجتماعية لاحقة”[25].

تعتبر أحمد أن انتقال محمد من الزواج الأحادي مع خديجة إلى الزواج المتعدد بعد وفاتها، “يحمل معالم التغيرات التي سرعان ما لحقت أوضاع النساء في المنطقة العربية الإسلامية. إن طبيعة المجتمع الجاهلي وعاداته –وليس الإسلام– هي التي وجهت تصرفاتها [أي خديجة] وحددت معالم حياتها، واستقلالها الاقتصادي وعرضها الزواج على محمد دون وصي من الرجال يقوم بدور الوساطة، وزواجها برجل يصغرها بسنوات عديدة، وبقاءها الزوجة الأولى والوحيدة لزوجها في حياتها، إنما تعكس كلها معاً ممارسات الجاهلية لا الإسلام”[26]. وتخلص أحمد في تحليلها إلى “أن الفارق بين حياة كل من خديجة وعائشة –وخصوصاً من حيث الاستقلال وحرية التصرف- كان إرهاصاً بالتغيرات التي سيفرضها الإسلام على المرأة العربية. إلاّ أن عائشة كانت تعيش في مرحلة انتقالية، ومن هنا تعكس حياتها بعض المظاهر الجاهلية بجانب الممارسات الإسلامية. إن احتلالها القصير لموقع الزعامة السياسية بعد وفاة زوجها يعود بجذوره -بلا شك- إلى ما كان معروفاً بين أسلافها وهو ما يتضح أيضاً في المكانة والسلطة التي منحها المجتمع إياها. ومع ذلك تراجع المجتمع باطراد شديد في العصر الإسلامي عن تقبل قيام النساء بأدوار السيادة والمساهمة في قضايا المجتمع الأساسية”[27].

تنحو وجهات نظر أخرى، في تفسيرها لنظام العزل/ الحجاب وتعدد زوجات النبي بعد وفاة خديجة، باتجاه العامل النفسي “المتصل برغبة الرسول وبعلاقاته بالنساء، وقد بيّنه منصور فهمي [الباحث المصري وأستاذ الفلسفة] منذ بداية القرن الماضي، وبجرأة نادرة. فقد تحدث عن “نوبات الغيرة” التي كانت تصيب النبي، وتحدث عن دور هذه الغيرة في تشريع الرسول للآخرين واستثناء نفسه من التشريع، من ذلك تحريمه نساءه على الرجال من بعده في آية الحجاب نفسها. بيَّن المحلِّل النفساني فتحي بن سلامة تغيّر نوعية علاقات الرسول بالنساء بعد وفاة خديجة، وتغيّر “اقتصاده الليبيدي” (Économie Libidinale) وانتقاله “من موقع تماهٍ أنثوي ينبي على استقبال الآخر إلى موقف قضيبي متماشٍ مع المؤسسة السياسية لمدينة الله“. ليس بين العاملين التاريخي البنيوي والعامل النفسي تعارض، فطبيعة علاقة الرسول بالنساء هي التي جعلته يذكر بضرورة مراعاة الحجاب، ويلح عليه، ويسبغ عليه طابعاً دينياً”[28].

لا تخفي أحمد الصعوبة التي تواجهها حين تعود إلى حقبة “ما قبل الإسلام” في تناولها للعلاقات بين الجنسين والأنظمة الاجتماعية السائدة، فثمة “حيرة معرفية” تصيب الباحثين بشأن دعائم وإمكانات النظامين الأبوي والأمومي. “إن الصعوبة الحقيقية في التفسير، في هذه المسافة الزمنية البعيدة، لفهم ما حدث بالضبط في هذا المجتمع، (قبل الإسلام) خصوصاً بالنظر إلى الطبيعة المحيرة والمخالفة للأدلة المتاحة، ربما هي أيضاً سبب لإهمال الموضوع على الرغم من أهميته الواضحة. على أساس هذه الأدلة، على سبيل المثال (لإعطاء فكرة عن مدى تعقيدها ومدى إثارتها للجدل والنقاش)، خلص أحد الباحثين[29] إلى أن المجتمع الجاهلي كان أمومياً، وقام الإسلام بإزاحته لإنشاء نظام أبوي. طرح أحد الباحثين المتخصصين في الإسلام رأياً مختلفاً عن هذه النظرية: جمع الأدلة على ممارسة عرفت ما قبل الإسلام للزواج المتعلق بالعيش مع قبيلة الزوجة (Uxorilocal Marriage) حيث ساد في بعض أجزاء الجزيرة العربية، وهو لا يقترح أن المجتمع كان أمومياً، ولكن النظام الأبوي لم يكن غالباً، وكان المجتمع في طور التغيير في وقت قريب من ولادة محمد. لقد وقع الانتقال من نسب الولد إلى أمه (Matrilineal) إلى نسبه إلى أبيه (Patrilineal)؛ وهو التغير الذي جاء الإسلام فأكده”[30].

ثمة خلاصة لا نوافق أحمد عليها في إطار تحليلها لموقع خديجة بنت خويلد في الفترة الإسلامية المؤسِّسة، فهي تتجه إلى إعطاء الأولوية لعائشة (الزوجة الحبيبة) لسببين: الأول: أنها أول امرأة في الإسلام[31]؛ والثاني: فاعليتها في إدارة الدين وتفسيره: محدثةً وفقيهةً ورجلة رأي. إن النقطة التي نحاجّ أحمد فيها أن موقع خديجة في حياة محمد الدينية والزوجية يأخذ مركزية مهمة، فهي لم تكن تلك المرأة الداعمة مادياً والحاضنة نفسياً فحسب، لقد رافقته في أصعب مراحل الدعوة منذ اختلائه في غار حراء، وعرفت معه مرحلة انقطاع الآيات عنه، وهي أصعب أزمة عرفها، حيث عاش فترة عصيبة. إن دور خديجة –الطاهرة كما لقبت قبل الإسلام- على أهمية كبيرة في المحيط الديني البيتي والعاطفي المرافق لبداية دعوة محمد؛ فهي بفطرتها الإيمانية وتساؤلاتها العقائدية، احتضنت الرسول، ورسخت علاقته بالوحي المُنزل، ولمّا سمعت خديجة حادثة النبي المنتظر في تجارته إلى الشام، أبلغتها لورقة بن نوفل الذي قال: “لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي يُنتظر هذا زمانه”[32]. يذكر ابن هشام في السيرة النبوية نظم ابن عم خديجة لشعر يكشف فيه عن شوقه لملاقاة النبي المنتظر.

تخلص سلوى بالحاج صالح إلى أن حديث “ورقة بهذه الطريقة الحميمة عن خديجة ومحمد يؤكد أنه كان على صلة بهما، وإننا نرجح أن صلاتهم خلال الفترة التي سبقت البعثة، كانت متينة وكان محورها عقائدياً بالنظر إلى نوعية اهتمامات ورقة ثم ما سيصبح عليه محمد في فترة لاحقة”. وتتابع صالح تفسيرها لمركزية خديجة في الوحي فتقول: “إن كتب التاريخ تكتفي بذكر أن محمداً كان كثير التأمل، وكانت له خلوات في غار حراء، وكانت خديجة تساعده، وبالنظر إلى ما نعرفه عنها من قوة شخصية، بل ومن تبعية محمد لها، فلا نخاله يتغيب للتأمل دون أن تكون سنداً له. كان يعيش من مالها في غار حراء ويُطعم المساكين، وهي ترعى أولادهما. وبالنظر إلى ما عرف به محمد من ميل إلى العزلة، وهو ما يجعله ذا علاقات قليلة مع المجتمع، فالأرجح أن كل شيء كان يقع في الداخل، أي في بيت خديجة، وأن حواراً مستمراً بينهما كان قائماً”[33]. لا يسعفنا صمت المصادر كثيراً في الإجابة عن سؤال إشكالي نطرحه لفهم السياق الديني المرافق لبدايات البعثة: هل كانت خديجة “نصرانية” أو تأثرت بها وأثرت بمحمد بحكم علاقتهما بورقة؟ يرى المؤرخ التونسي هشام جعيط أنه “لا بد من وجود مثل هذه التأثيرات… ولا مناص من هذه الفرضية[34] إذ لا يمكن فهم تأثيرات مسيحية الشام على الرسول لو لم تجد صدى مسبقاً في النفس. لقد حصل على الأرجح بثّ قسط من المعرفة انفتح على الروحانيات لدى محمد قبل مرحلة الشام”[35]. لكن ليس ضمن مقولة انبثاق الإسلام من المسيحية فـــ”المسألة تقف عند حوار بين رجلين اثنين يؤمنان بالله ليس أكثر”[36].

يضعنا “المرأة والجنوسة في الإسلام” أمام تاريخين منقطعين/ متصلين في تحديدهما لأوضاع النساء وأدوارهن. طبقت أحمد المنهجية التاريخية النقدية المقارنة، على قضايا شائكة مثل تعدد زوجات محمد والحجاب وعزل النساء والعلاقات الجنسية. في الحجاب والاحتجاب، من منظور تاريخي/ مؤسسي، ترى أنه كان “خاصية تتمسك بها زوجات محمد طوال حياته، كما أن عبارة “اتخذت الحجابتستخدم في الأحاديث بمعنى أن المرأة المعنية تزوجت محمداً، مما يشير إلى أنه في فترة تواتر الأحاديث بعد وفاة محمد، كان الحجاب والاحتجاب يتعلق بزوجات محمد فقط، وليس من المعروف كيف امتدت تلك العادة لتنتشر في بقية المجتمع. ولعل شيوع الحجاب يرجع إلى انتصارات المسلمين في المناطق المجاورة؛ حيث كان الحجاب سائداً بين الطبقات العليا، وإلى تزايد الثروات وما صاحبه من ارتفاع في مستوى معيشة العرب ومكانتهم، بجانب اتخاذ زوجات محمد أنموذجاً يُحتذى”[37].

تلفت أحمد إلى أن مجيء الإسلام، بما حمله من تغيرات وفرضه من قيود على النساء، كان “مصدر كدر“، “فما من شك أن بعض نساء العرب –لا الكاهنات فحسب[38]– قد فهمن القيود التي فرضها الدين الجديد على النساء وتحديده لأوجه استقلالهن، ولم يتقبلن هذا الدين في بداية تأسيس الدولة الإسلامية. ولعل وفاة محمد كانت مناسبة للاحتفال، وكذلك اعتبرن نهاية عقيدته أملاً منشوداً، وهناك دلائل تشير إلى تحول الإسلام إلى مصدر كدر، فحين سُئِلت سكينة حفيدة فاطمة ابنة محمد عن سبب شخصيتها المرحة، بينما شقيقتها فاطمة تميل إلى الهيبة، ردت قائلة: إن ذلك يرجع إلى كونها مسماة على اسم إحدى جداتها ممن عشن قبل الإسلام في حين سُمِّيت فاطمة على اسم جدتهما المسلمة”[39].

على نقيض ما خلصت إليه بعض الباحثات في مجال الإسلام والجندر، إلى أن “الإسلام المحمدي” كرس المساواة بين النساء والرجال، بينما “النزعة الأبوية العمرية[40] (نسبة للخليفة الراشدي عمر بن الخطاب) وتأثيرها اللاحق في “الإسلام الفقهي“، عطلتها لصالح “المركزية الذكورية” (Androcentrisme)؛ تتجه أحمد إلى القول: إن الدين الجديد قام “بتغيير أسس العلاقة بين الجنسين من خلال تحويل حقوق المرأة الجنسانية وأبنائها من سياق المرأة وقبيلتها إلى مجال الرجل، وما تبعه من تحديد التعريف الجديد للزواج، بناءً على حق امتلاك الرجل. وقد جاء في إطار هذا النظام الجديد حق الرجل في التحكم في النساء وحرمانهن من التعامل مع الرجال الآخرين، وهكذا تمّ تمهيد الطريق أمام القيود التي تلت ذلك وهي: استبعاد النساء من الأنشطة الاجتماعية التي قد تؤدي إلى تعامل المرأة مع رجال غير الذين يمتلكون حقوقاً جنسية عليهن، وعزل النساء وحجبهن الذي ما لبث أن تحول إلى ظاهرة سائدة وتأسيس آليات داخلية للتحكم مثل تثبيت الفكرة حول تبعية المرأة بوصفها واجباً مفروضاً عليها. وبذلك تمّ تهيئة المناخ للمجتمع العربي، لتقع المرأة العربية محاصرة في الدائرة التي تضم أخواتها من النساء في منطقة البحر المتوسط من الشرق الأوسط”[41].

إن التحليل الأهم –من وجهة نظرنا– في خلاصات أحمد قولها بـــ”وجود صوتين مميزين في إطار الإسلام وصورتين متنافرتين ومتنافستين من حيث الجنوسة [الجندر]، حيث يعبر أحد هذين الصوتين عن نفسه في القواعد البراغماتية التي يقوم عليها المجتمع، والصوت الآخر يتبدّى من خلال التعبير عن الرؤية الأخلاقية. فحتى عندما قام الإسلام بتأسيس الزواج بناء على تراتبية جنسية، أكد الصوت الأخلاقي –ذلك الصوت الذي لا يكاد يسمعه الحكّام وواضعو القوانين- باستمرار أهمية البعدين الروحي والأخلاقي للوجود والمساواة بين الأفراد كافة. وقد تمّ إفراد مساحة واسعة للصوت الأول في الفكر السياسي والقانوني [الشريعة الإسلامية] الذي يكوِّن جوانب الفهم العملي للإسلام، إلاّ أن الصوت الثاني لم يترك أثراً يذكر في التراث السياسي والقانوني للإسلام، على الرغم من أن هذا الصوت هو الجانب الذي يقبله عامة المسلمين والمسلمات ممن لا يعرفون التفاصيل الدقيقة للتراث القانوني الإسلامي. إن الوجود الواضح للمساواة الأخلاقية في الإسلام هو الذي يفسر تأكيد النساء المسلمات، عدم وجود تحيز لجنس ضد آخر في الإسلام. فعند قراءتها للنص المقدس تسمع المرأة المسلمة وتقرأ رسالة مختلفة حقاً عمّا يقدمه واضعو الإسلام التقليدي المتحيز للرجال والقائمون على تطبيقه”[42]. من الأمثلة التي تبرزها الكاتبة حول هذه الثنائية، حيث نفضل أن نطلق عليها “ثنائية القراءات” ضمن تعدد أوسع، موقف الصوفية والخوارج والقرامطة من تعدد الزوجات والحجاب ونظام العلاقات الجنسية، فتقول: “إن الجدل الذي يدور حول أي من الصوتين هو الأصح، وطبيعة العقيدة والمجتمع التي عُنِيَ محمد بتأسيسها، هو جدل يدور عبر التاريخ، بدأ بعد وفاة محمد بفترة قصيرة. كان هذا الجدل في بدايته شديداً واستمر على ذلك خلال عصر الغزوات العربية وحتى نهاية العصر العباسي (750-1258) على وجه التحديد. كانت توجد منذ البداية مجموعة ممن كانوا يركزون على الجانب الأخلاقي والروحي بوصفه أساس رسالة الإسلام، وأن القواعد التي وضعها محمد بما في ذلك ممارساته الشخصية، هي مجرد جوانب عابرة من الإسلام، لا تتعلق سوى بذلك المجتمع في لحظته التاريخية الماضية، وأن تلك القواعد والممارسات لم تكن أبداً ملزمة للمجتمع المسلم. كان الصوفيون والخوارج والقرامطة ضمن الفئات التي اتخذت ذلك الموقف إلى حد ما، واختلفت آراؤهم بشأن النساء والقواعد والمبادئ الخاصة بالمرأة بصورة بالغة الأهمية عن تلك التي تضعها المؤسسة الإسلامية في موضع الصدارة، رأوا أن القوانين المطبقة في المجتمع الإسلامي الأول، لا تسري بالضرورة على المجتمعات التالية. رفض الخوارج والقرامطة -على سبيل المثال- الممارسات المرتبطة بامتلاك الجواري وزواج البنات ممن في التاسعة والعاشرة من العمر، كما منع القرامطة تعدد الزوجات وألغوا الحجاب، وفوق هذا وذاك تحدى الفكر الصوفي تصور المؤسسة الإسلامية للجنوسة، وهو ما يشير إليه إباحتهم للنساء التفرغ للعمل الروحي[43]، ليؤكد أن الجانب الروحي يفوق الجوانب البيولوجية. ومع ذلك نلاحظ أنه على مدار التاريخ لم تكن السلطة في يد الفئة التي تركز على الأبعاد الأخلاقية والروحية للدين. ولم تستمع السلطة القانونية والسياسية الدينية في الفترة العباسية تحديداً سوى إلى الصوت الرجولي للإسلام، وهي الفترة التي شهدت تبلور التراث القانوني والتفسيري الذي علق بالإسلام منذ ذلك الحين محدداً معالمه”[44].

نقرأ ما تقدمت به أحمد -كما أشرنا سابقاً- ضمن ثنائية القراءات، ونرى في تحليلنا أن “الصوت الأخلاقي” لا ترجعه أو تربطه بمحمد، إنما تنظر إليه بوصفه انشقاقاً أو قراءة مغايرة ضمن قراءات أخرى أكثر أبوية، وهي تخالف حتى سلوك الرسول الذي لم يقتصد في زيجاته بعد وفاة خديجة، والذي تظهره المصادر الإسلامية، أنه كان شديد الغيرة على زوجاته؛ غيرة واكبت آيات التنزيل وأتت استجابة لطلباته، وهذا لا ينفي انفتاحه على النساء وتساؤلاتهن.

إن التحولات الاجتماعية والتاريخية بعد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، كان لها تأثيرات وتداعيات بالغة على حياة النساء، “تقلصت الأدوار العامة للنساء بطريقة كبيرة، إلاّ أنها لم تختف تماماً بأي حال من الأحوال. وتشير الدراسات والبحوث الحديثة إلى أن التحول المتزايد الذي طرأ على العلوم الدينية، بدءاً من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، لتصبح مجالاً خاصاً بالرجال، هو تحول أدى إلى التهميش المتزايد للنساء بعيداً عن المشاركة في إنتاج وتلقي التعليم الديني بأنواعه كافة. وكنتيجة طبيعية للسلوك العام القائم على الأدب والتحفظ الذي يفرضه القرآن على الرجال والنساء على حد سواء، بدأ تأكيد مبدأ عزل النساء خلال العصر العباسي [الذي شهد مأسسة الحجاب] ويرجع ذلك إلى التأثر بالفرس الذين عزلوا النساء المنتميات إلى الطبقات العليا. ومع استقرار المسلمين خلال القرنين الأول والثاني للإسلام وسيطرتهم على الأراضي الفارسية والبيزنطية تبنوا عادات وممارسات هذه الشعوب، ممثلة في عزل وتحجيب نساء النخبة، وهي ممارسات كانت مؤشراً لرغبتهم في الرفعة والارتقاء الاجتماعيين”[45].

إن القراءة الهادئة لخلاصات ليلى أحمد في حقبة الإسلام المبكر وحتى العصر العباسي، تبين أنها لا تتبنى الدعوات والنتائج التي خرجت بها الحركة النسوية الإسلامية، وذلك استناداً إلى الملاحظات الآتية: أولاً: لم تأتِ إلى دراسة الإسلام الجندر من باب الدراسات الإسلامية أو الدينية/ الفقهية، بل من حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ ثانياً: لا تدعو إلى المفاهيم والمصطلحات التي ترفعها النسوية الإسلامية الداعية للمواءمة بين الإسلام النسوي وأدوات النسوية الغربية؛ ثالثاً: صحيح أنها في بعض أفكارها تشير إلى المساواة القرآنية/ الأخلاقية، إلاّ أن هذه القراءة ندرجها في فهمها التأويلي للتاريخ الثائر حتى على سلوك السيرة النبوية؛ رابعاً: الخطاب والمناهج النقدية المستخدمة من قبل الكاتبة تبرهن على قيامها بـــ”ثورة تفسيرية ناعمة” للتحولات/ الإصلاحات الإسلامية المؤكدة للنظام الأبوي الذي غيَّر أسس العلاقات بين الجنسين ومن ضمنها “اقتصاد المتعة الجنسية وأنظمته“.

******

[1] من المهم الإشارة إلى أن الإبراهيميات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، تختلف رؤيتها الدينية تجاه النساء، فالنص التوراتي ينبني على بنى نصية/ أبوية صارمة، وتصارع النسوية اليهودية من أجل الحد من الطابع النصي البطريركي في مجالات مختلفة، وفي المسيحية فإن الأبوية الدينية أكثر رسوخاً في مواقف بولس الرسول من المرأة، على النقيض التام من إعلاء السيد المسيح للنساء، أما في الإسلام فتكشف الكثير من الآيات عن المساواة، وترى المشتغلات في النسوية الإسلامية أن القرآن لا يقيم تمييزاً أنطولوجياً بين الرجل والمرأة، فهو يمكن أن يُحيل على وظائف لكنه لا يؤسس لتراتبية ماهوية بين الجنسين. نرى أن اليهودية لا سيما على مستوى الشريعة أثرت في آباء الكنيسة والشريعة الإسلامية، وتبعاً لذلك نميز بين النص وتفسيره، مع إدراكنا أنه من الصعب -أحياناً كثيرة- تحريره من طابعه المعادي للنساء، إذا كانت الطبقات الأبوية أصيلة فيه. 

[2]– نفترض أن الوعي المعرفي النسوي للمسلمات يعود إلى حقبة الإسلام المبكّر، يتضح ذلك من خلال جدلية العلاقة بين النص المقدس والتاريخ، حيث كان للمرأة فيه موقعٌ وفعلٌ تفسيريٌ وتأويليٌ، بدءاً بالسؤال التاريخي التدشيني الذي أطلقته أم سلمة زوجة محمد: “ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟” فأنزل الله آيته، التي تلاها الرسول في الجامع {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (سورة الأحزاب/ الآية 35). تعد عائشة التي جمعت إلى جانب نقل الأحاديث وحفظ القرآن وتفسيره، من المنتسبات إلى مدرسة الرأي، فهي لم تبادر بالأخذ من كل ما ينقل لمجرد أنه مروي ومنقول، ويدرجها التراجمة في طبقات الفقهاء. ما نسعى إلى قوله هنا أن الوعي النسوي بالنص الديني ومساءلته ودور النساء فيه لا يعود إلى التاريخ الحديث والمعاصر، فقد سجل أسبقيات تاريخية؛ وإن انقطع أحياناً عن مساره.

[3]– من المفيد التوضيح هنا أن كتابة تاريخ المرأة في الإسلام (التراجم والسير) التي بدأت مع الأديبة والشاعرة اللبنانية زينب فواز (1844-1914) صاحبة “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور“؛ تختلف عن الدراسات الحديثة، التي استخدمت مناهج العلوم الاجتماعية والنقد لفهم النصوص وتفسيرها، لذا رأينا أن أبوت هي أول من افتتح الدراسات العلمية النقدية حول الإسلام والجندر/ الجنوسة.

[4] – عُرِّب الكتاب تحت هذا العنوان: المرأة والسياسة في الإسلام مع دراسة نموذجين من العصر العباسي: الخيزران أم الرشيد وزبيدة زوجته، ترجمة وتحقيق: عمر أبو نصر، طبعة دار ومكتبة بيبليون، جبيل – لبنان، 2009.

[5]– انظر: زين الدين، نظيرة: السفور والحجاب، محاضرات ونظرات مرماها تحرير المرأة والتجدد الاجتماعي في العالم الإسلامي، دار المدى، دمشق، الطبعة الثانية، 1998. انظر أيضاً: الجوهري، عايدة: رمزية الحجاب مفاهيم ودلالات، مركز دراسات الوحدة، العربية بيروت، الطبعة الأولى، 2007.

[6] – أصدرت المرنيسي عام 1982 كتاباً بالفرنسية حمل عنوان (La Femme dans l’inconscient Musulman) “المرأة في اللاوعي المسلم” –لم ينقل بعد إلى العربية- وقَّعته باسمٍ مستعار هو “فتنة آية صباح”. حمّلت خلاصات العمل التراث وزر تهميش المرأة، كنتيجة لنظام عبادي يقضي بخضوع الرجل للخالق والمرأة للرجل. وتكشف المرنيسي النقاب عن تنوع الخطاب الفقهي، مقارنة بالخطاب الأيروسي السائد في القرن السادس عشر مع ما سمته الخطاب الأرثوذكسي الممثل بالنصوص الأصلية وبعض النصوص الفقهية المتشددة.

[7]– ثمة اختلاف بين الترجمات العربية في ما يتعلق بمصطلح (Gender) فالبعض ينقله كما هو “الجندر” والبعض الآخر يترجمه بـــ”الجنوسة” وهناك أيضاً “النوع الاجتماعي” و”الهوية الجنسية” الذي نحته الكاتب المصري جابر عصفور. هذه التعددية الترجمية للكثير من المصطلحات الغربية على “صلة بسياقٍ معرفي وفكري أوسع يمكن تأطيره في إطار من موضوع “النظرية المهاجرة” أو “المرتحلة” أو “المسافرة” أو “النازحة” (Traveling Theory) تبعاً لـ”صراع الترجمات”. وهو الموضوع الذي كان إدوارد سعيد نفسه قد خصَّه بمقال شهير، حمل العنوان نفسه، ونشره أوّل مرة عام 1982 وبعد ذلك ضمّه إلى مقالات “العالم والنص والناقد” الذي ظهر في العام نفسه. ولكي ترقى النظرية إلى مصاف النظرية المهاجرة لا بدّ من أن تخضع لدروس تجربة الثقافة المتقبِّلة للنظرية، وبخاصّة من ناحية ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (Pierre Bourdieu)  بـ”عمليات الانتقاء والتبيئة” و”نزع الطابع القومي عن النصوص”. انظر: بن الوليد، يحيى، “الجندر في المقاربة الـنِّسوية العربية المعاصرة: نقاط انطلاق وخطوط تطوّر“، معهد العالم للدراسات، 19 أغسطس (آب) 2016، على الرابط التالي:

http://alaalam.org/ar/society-and-culture-ar/item/369-587190816

اعتمدنا في هذه الدراسة على مصطلح “الجندر” لأنه الأكثر تداولاً والأقرب إلى الفهم لدى المشتغلين في هذا الحقل. قد يلاحظ القارئ ورود مصطلح “الجنوسة” في مواقع عدة داخل النص، وقد أبقينا عليه كونه استند إلى اقتباسات من نصوص ومراجع، كما أن الكتاب الأساسي للأكاديمية ليلى أحمد المترجم إلى العربية اعتمد مصطلح “الجنوسة”.

[8]– نقل إلى لغة الضاد تحت هذا العنوان: المرأة والجنوسة في الإسلام: الجذور التاريخية لقضية جدلية حديثة، ترجمة: منى إبراهيم، هالة كمال، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999، (303 صفحات). سنعتمد في دراستنا على النص المترجم.

[9]– Ahmed, Leila, “Women and the Advent of Islam”, The University of Chicago Press, Vol. 11, No. 4 (Summer, 1986), pp. 665-691.

نشير إلى دراسات أخرى لها في هذا المجال في حقبة الإسلام المبكر:

The Women of Islam“. Transition 83 (2000) (78-97 (.

Early Islam and the Position of Women: The Problem of Interpretation.” In Women in Middle Eastern History: Shifting Boundaries in Sex and Gender, edited by KEDDIE NIKKI R. and Baron Beth, 58-73. Yale University Press, 1991.

[10]– Ahmed, Leila, “Western Ethnocentrism and Perceptions of the Harem.” Feminist Studies 8.3 (Autumn, 1982): 521-534.

[11]– Ahmed, Leila, A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America. New Haven. Yale University Press (2011) (360 pages).

نشرت دراسة حول الحجاب عام 2005:

“The Veil Debate Again: A View from America in the Early Twenty-first Century“. On Shifting Ground: Muslim Women in the Global Era. Ed. Fereshteh Nouraie-Simone. New York: Feminist Press at the City University of New York, 2005.

[12] – ولدت ليلى أحمد عام 1940 في القاهرة، حيث كان والدها ينتمى إلى الطبقة المتوسطة في مصر، أما والدتها فكانت من الطبقة العليا التركية. تشكلت طفولتها ما بين القيم المصرية الإسلامية والاتجاهات الليبرالية الأرستقراطية التي وُجدَت في الدولة المصرية آنذاك. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج في الستينيات، وانتقلت إلى الولايات المتحدة لتقوم بالتدريس والكتابة. وهناك تقلدت منصب أستاذة الدراسات النسائية والدراسات الشرقية المتقاربة في جامعة ماساتْشُوسَتْس في أَمْهُرْسْت (University of Massachusetts Amherst) عام 1981. أصبحت أستاذة في الدراسات النسائية والعلوم الدينية كلية اللاهوت في جامعة هارفارد عام 1999 حيث تقوم بالتدريس فيها حتى اليوم. نشرت سيرتها الذاتية ( A Border Passage: From Cairo to America)  “ممر الحدود: من القاهرة إلى أميركا” عام 1999؛ مزجت فيها بين مسيرتها العائلية والأكاديمية في الوطن والغرب، وانطباعاتها الثقافية ومواقفها السياسية عن مصر، لا سيما إبان الفترة الناصرية. انطر:

A Border Passage: From Cairo to America, Farrar, Straus and Giroux, 1999, (307 pages).

نحيل هنا على قراءة نقدية لمذكراتها:

Aouadi, Leila, “The Politics of Location and Sexuality in Leila Ahmed’s and Nawal El Saadawi’s Life Narratives”, International Studies Interdisciplinary Political and Cultural Journal, Vol. 16, No. 1/2014.

نشرت أحمد إلى جانب كتبها الثلاثة الأساسية دراسات ومقالات نذكر منها:

  • Feminism and Feminist Movements in the Middle East, a Preliminary Exploration: Turkey, Egypt, Algeria, People’s Democratic Republic of Yemen” Women’s Studies International Forum, Volume 5, Issue 2, 1982, Pages 153-168.
  • Feminism and Cross-Cultural Inquiry: The terms of discourse in Islam” In Coming to Terms: Feminism, Theory and Politics. Ed. Elizabeth Weed. New York: Routledge, 1989, 143-151.
  • The Discourse of the Veil” in: Postcolonialisms An Anthology of Cultural Theory and Criticism ed. Gaurav Desai and Supriya Nair. New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 2005, 315-338.
  • Women in the rise of Islam.” The new Voices of Islam: Rethinking Politics and Modernity: A Reader. Ed. Mehran Kamrava. Berkeley, CA: University of California Press, 2006. 177-200.

 

[13] – لن ندخل في الظروف والعوامل المؤدية إلى نشأة هذا المصطلح ومناهجه والمنضويات فيه من النسويات، لكننا نشير إلى أن الاعتراضات المرافقة لنشأته تمثلت في رفض النسويات العلمانيات للمزج بين الإسلام والنسوية لاختلاف السجلين، للمزيد نحيل على: قرامي، آمال، “النسوية الإسلامية: حركة نسوية جديدة أم استراتيجيا نسائية لنيل الحقوق، في: النسوية العربية: رؤية نقدية، مجموعة باحثين، مركز دراسات الوحدة العربية، تجمع الباحثات اللبنانيات، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ص32 وما بعدها.

[14]– نعتمد على النص المترجم إلى العربية.

[15]– خلصت باحثات في الدراسات النسوية والاجتماعية إلى أن النظام الأبوي/ البطريركي تأسس مع نشوء المجتمعات الحضرية ونشأة نظام الدولة – المدينة، فالأدلة التاريخية الأثرية تشير إلى علو مكانة النساء في المراحل التاريخية السابقة، وتشير الاكتشافات الأثرية إلى قيام ثقافات الشرق الأوسط بتقديس الإلهة – الأم في العصر الحجري الحديث وحتى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد في بعض المناطق. من أهم النظريات المطروحة ضمن هذا التفسير ما تقدمه المؤرخة النمساوية الأميركية غيردا ليرنر (Gerda Lerner) (1920-2013) صاحبة (The Creation of Patriarchy) حيث رأت أن أهمية زيادة السكان وتوفير القوى العاملة في المجتمعات الأولى، أدت إلى سرقة النساء اللاتي كانت جنسانيتهن وقدراتهن الإنجابية هي مصدر الملكية الأول الذي تنافست عليه القبائل، ومن هنا نشأت الثقافات المحاربة المساندة لقيم السيادة الذكورية. انظر: أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة في الإسلام، مرجع سابق، ص16. انظر:

Lerner, Gerda, The Creation of Patriarchy, Oxford University Press, first published 1986, (318 pages).

[16]– أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة في الإسلام، مرجع سابق، ص67.

[17]– Oakley, Ann (1993) [1972]. Sex, gender and society. Alder shot: Arena, published in association with New Society.

[18]– نحيل على كتابها: نساء مصر في القرن التاسع عشر، ترجمة: هالة كمال، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2008. نشرت توكر، أستاذة التاريخ في جامعة جورجتاون كتاب (Women, Family, and Gender in Islamic Law) عام 2008.

[19]– مديرة مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون.

[20]– العدوي، أحمد عبدالمنعم، “تقاطعات النسوية والاستشراق، قراءة تاريخ المجتمعات الإسلامية قبل الحداثة من منظور جنوسي: إشكالات منهجية ورؤى نقدية، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد (26/3) العدد (103) ربيع 2018، ص298-299.

[21]– استخدمت ليلى أحمد كثيراً مصطلح الشرق الأوسط في كتابها، وهو مصطلح جديد ظهر في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان من الأجدى منهجياً العودة إلى المصطلحات والتقسيمات الجغرافية السائدة والمتداولة في الحقب الزمنية التي غطتها الكاتبة.

[22] – أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة في الإسلام، مرجع سابق، ص23.

[23]– عبود، حسن، “الخطابات المتباينة للنسوية والإسلام والخوف من الازدواجية في المعايير”، في: النساء في الخطاب العربي المعاصر، مجموعة باحثين، تجمع باحثات لبنانيات، الكتاب التاسع: 2003-2004، ص368.

[24]– المرأة والجنوسة في الإسلام، مرجع سابق، ص43.

[25]– نفسه، ص46.

[26] – نفسه، ص46.

[27]– نفسه، ص47.

[28]– بن سلامة، رجاء، بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث، دار بترا للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 2005، ص61-62. انظر نقلاً عن رجاء بن سلامة: منصور، فهمي، أحوال المرأة في الإسلام، منشورات الجمل، كولونيا، 1997. انظر أيضاً:

Benslama, Fethi, « Le Voile de L’Islam », Intersignes, No 11- 12, printemps 1998, p 66.

[29]– في كتابها “المرأة والجنوسة في الإسلام” تسمي ليلى أحمد الباحِثَين، الأول: هو المستشرق الإسكتلندي وليم روبرتسون سميث (William Robertson Smith) صاحب النظرية الأولى، والثاني: المستشرق البريطاني مونتغمري وات (Montgomery Watt) صاحب النظرية الثانية، راجع الصفحة (47).

[30]– Ahmed, Leila, Women and the Advent of Islam, The University of Chicago Press, Signs, Vol. 11, No. 4 (Summer, 1986), p 667.

[31]– Ibid, p 665.

[32]– انظر: ابن هشام: السيرة النبوية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت، الجزء الأول، ص203.

[33] – العايب، سلوى بالحاج صالح: دثريني يا خديجة، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2011 ، ص73.

[34]– أي فرضية التأثر بالمسيحية وليس الحسم بنصرانية خديجة.

 [35]- جعيط، هشام، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، في السيرة النبوية (2)، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص154.

[36] – المرجع السابق، ص154.

[37]– المرأة والجنوسة في الإسلام، مرجع سابق، ص60.

[38]– تشير أحمد في كتابها إلى مسألة لافتة في ما يتعلق بالعلاقة الصدامية بين محمد ونبوة النساء، التي تشي بالتوتر الأصيل بين الديانات الإبراهيمية ودور المرأة في إدارة المقدس وإنتاجه وتفسيره، فتلاحظ أن التمرد النسائي على محمد في سياقه النُبُوئِيّ (تَنَبّئِيّ) ( Prophetic)؛ كما فعلت سلمى بنت مالك وسجاح بنت عوس في شبه الجزيرة العربية، وبعض النساء في حضرموت، أتى ضمن حركة تمرد وثورة على ما جاء به الإسلام من قيود على النساء، بحيث إن ست نساء من قبائل كندة وحضرموت احتفلن بوفاة محمد (صبغن شعرهن بالحناء ودققن على الدفوف)، وقد نظرت إليهن المصادر الإسلامية بوصفهن “عاهرات”، الحركة هذه دفعت أبا بكر لإرسال قائده المدعو المهاجر بصحبة الخيال والرجال لمواجهة هؤلا النساء. وتتساءل أحمد: “ما الذي جعل من معارضة العاهرات مصدر تهديد للإسلام بالدرجة التي تدعو إلى إرسال قوات من الجيش لمواجهتهن؟ لقد كانت ثلاث من المذكورة أسماؤهن من طبقة النبلاء، بينما انتمت أربع من الأخريات إلى العشيرة الحاكمة من قبيلة كندة. وتشير مكانتهن وكذلك مساندة الرجال لهن إلى كونهن كاهنات لا عاهرات، أما الرقص والغناء فلم يكن مجرد تعبير عن فرحتهن الخاصة، وإنما أسلوباً تقليدياً يستهدف دعوة قبائلهن للتخلص من قيود الدين الجديد” المرجع نفسه، ص64–65.

[39]– المرجع السابق، ص65.

[40]– ترجع أحمد البدايات التاريخية لتأسيس معظم المؤسسات الإسلامية إلى فترة حكم الخليفة عمر بن الخطاب، حيث أصدر الكثير من المراسيم والقرارات الدينية والمدنية والجزائية، بما في ذلك الرجم كعقوبة للزنا. وقد كان عمر قاسياً تجاه النساء، وكان شديد العصبية ويقوم بالاعتداء الجسدي على زوجاته، وسعى إلى حبس النساء في بيوتهن ومنعهن من ممارسة الصلاة في المساجد*، وحين فشل في تحقيق ذلك أسس فكرة الفصل بين الجنسين في الصلاة مع تخصيص إمام خاص لكل منهما، واختار إماماً من الرجال ليؤم النساء في خروج آخر عمّا كان مألوفاً. فمن المعروف أن محمداً قد عيّن أم ورقة لتؤم أهل بيتها من الرجال والنساء، وإلى ذلك قامت عائشة وأم سلمة بدور إمامة النساء بعد وفاة الرسول. وبخلاف ما كان على عهد محمد منع عمر زوجات النبي من التوجه إلى الحج، لكن الخليفة الثالث عثمان سمح لزوجات محمد بالتوجه إلى الحج. المرجع نفسه، ص65-66.

[41]– نفسه، ص67.

[42]– نفسه، ص70-71.

[43]– لم يمنع الإسلام التقليدي أو الإسلام الرسمي النساء من تولي الأدوار الدينية في الحديث والإفتاء والدعوة والفقه، باستثناء منعهم لها من إمامة الرجال على خلاف ما ذهب إليه المتصوف الأكبري ابن عربي وأبو ثور والمزني.

[44]– أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، مرجع سابق، ص71.

[45]– انظر: موسوعة النساء والثقافات الإسلامية: المجلد الأول؛ المنهجيات والمنظومات والمصادر، مجموعة باحثين، تحرير: سعادة جوزيف، دار بريل بالتعاون مع مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، ص101. انظر أيضاً: أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، الفصل الخامس: تطور الخطابات المؤسِّسة، والفصل السادس: إسلام العصور الوسطى، ص85 وما بعدها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This