حوار مع الرّوائي العراقيّ المغترب محمّد سيف المفتي

محمد سيف المفتي كاتب روائي عراقي مقيم بالنرويج يعمل مترجما وعمل مديرا لمنتدى الثقافات عام 1998 – 2000، وعمل كعضو في مجلس بلدية ليدسفول 2004-2006، وهو مترجم، ومحاضر في التحاور بين الشعوب وتطوير التواصل والتطوير، التقيناه في أوسلو العاصمة وكان لنا معه  الحوار التالي.

هل لكم أن تتحدثوا الينا عن العلاقة الجدلية بين الغربة والابداع، لأنه يلحظ أن الغربة تؤجج في روح المبدع الحقيقي شعلة الإبداع الحقيقية فتظهرها للعلن بعد طول معاناة وكأنها خارجة من تنور الانفعالات والاشتياقات والمكابدات إلى حيز النتاج الإبداعي الملموس؟

هذا سؤال فلسفي من جهة وافتراضي من جهة أخرى، اسمح لي بداية أن أعرّف لك الغربة أو المنفى من وجهة نظري.

الغربة أو المنفى حالة صادقة دائما لا تعرف الكذب، وجادة لا تفهم المزاح، تقييمنا بلا أي مجاملة، صائبة على طول الطريق، مرآة ونحن عراة أمامها، ويرى الانسان معدنه الحقيقي فيها، هذه الحالة دافع للإبداع.

أدرك اليوم بعد تجربتي مع الاغتراب لأكثر من عقدين أن الإرادات العظمية لم تتمكن منها ولا حتى أقسى الدكتاتوريات في العالم، وتعلمت أن الإرادة والأمل هي صناعة ذاتية وأن الصبر والتحمل والإرادة هي عضلات تُدرب كبقية عضلات الجسم، الإنسان الذي يبكى ذكرياته  لن يعيش في النرويج ولن يعيش في بلاده، سيعيش حالة خيالية، خير مثال على ذلك هو اللاجئين من شيلي الذين وصلوا النرويج بشكل جماعي بعد الحرب في بلادهم، لم يفتحوا حقائبهم وبقى حلم العودة يراودهم، ولم يدخلوا معترك الحياة حتى تسنى لهم العودة واكتشفوا أن وطنهم قد تغير تماماً، الإبداع قرار شخصي وإيماني مطلق بـ”أن الحب والعطاء دون قيد أو شرط هو الحرية المطلقة”. هذه الحرية هي أساس الإبداع وهذه نفتقدها في بلداننا، بالمناسبة أنا لم اكتب إلا بعد أن حررتني الغربة من قيودي ومن القوانين الغير مكتوبة في بلادي.

  لكم رواية بعنوان “الجمال  العربية على الثلوج القطبية” هل لكم أن تتحدثوا عن أجواءها، وماذا تقصدون بالجمال في الثلوج القطبية، هل تقصدون انتشار الثقافة العربية في الشمال الأوروبي عبر كم اللاجئين المتدفق منذ السبعينيات من القرن المنصرم، أم أن العنوان يقصد شيئا آخر مختلف عما  يتوقع ظاهرياً؟

حدسك صحيح! الظاهر لا يعكس الباطن، الجمال العربية يمثلون المغتربين من بلاد الشمس إلى الاسكندنافية الباردة والمتجمدة، وهنا تبدأ معاناة التأقلم في هذا العالم الجديد.

هذه الصعوبات لا يدركها إلا من عايشها بروحه وعقله ودمه، ومعظم ما سردته في الرواية هو نتيجة تجارب شخصية وخبرات مكتسبة من الغير، لذلك لا يمكنني أن أقول أنها سيرة ذاتية، إلا أنه يمكن أن أقول أنها سيرة اللاجئ الذاتية.

محمد سيف المفتي ..  حضرت من حوالي سنتين ندوة ممتعة لكم في أوسلو تحدثتم فيها عن روايتكم “ظلمايا” واعتقد انكم عالجتم فيها موضوع الغربة، وموضوع الفوارق الطبقية بين قريتين بنفس الاسم “ظلمايا الفوقا” و”ظلمايا التحتا” هل لكم إنارة الرواية عبر حوارنا الحالي؟

ظالمايا رواية وضعت المجتمع الطبقي تحت المجهر، حاولت أن استجمع خبرتي من معظم دولنا التي تعاني من الفوارق الطبقية والظلم في توزيع الفرص بين الناس، وحاولت الدمج بين الواقعية التي تستحث الفكر على الإصلاح، ومن جانب آخر اسقطت الضوء على أسباب التطرف وشرعيته من وجهة نظر المظلوم، ناقشت الرواية الكثير من الجوانب السلبية جاء على لسان شخصيات ثانوية في الرواية.

كان من المهم بالنسبة لي إظهار دور رجل الدين بالتلاعب بمجريات حياتنا الخاصة، وكيف حرم رجل الدين دخول التلفاز إلى القرية قبل أن يشتري هو تلفازاً له، بالمناسبة هذا الفصل تم تمثيله في مسلسل عراقي دون استشارتي.

أهم اهداف الرواية هو تسليط الضوء على هوية العنف، إذ أصبحت هوياتنا ترتبط بحجم العائلة والعشيرة و حجم السلاح و سهولة استعماله، مع الأسف هذه فلسفة الإرهاب.

أصبت هدفي بالاسم الافتراضي فمعظم قراء الرواية قالوا بأن الرواية تتناول دولهم، إذ شبهت برام الله وغزة، وأهل المغرب قالوا هذه تازا العليا وتازا السفلى، وأثار استغرابي تشبيه العراقيين، إذ قالوا أنها تصف العلاقة بين المنطقة الخضراء وبقية العراق.

 يلحظ في المشهد الأدبي العربي الراهن سواء في الوطن أو المهجر كثرة النتاج الأدبي وبخاصة الرواية بحيث باتت الرواية الفن الأكثر سيادة وانتشارا عن الفنون الأخرى، هذه الظاهرة تحتاج إلى نقد مواكب لها، للأسف لا نجد ذلك النقد، ما رأيكم بهذه الملاحظة وما تأثير غياب النقد في المشهد الروائي الراهن؟

هذا سؤال يتعلق بحياتنا، بتاريخنا الحاضر وبحاجتنا إلى توثيق الفواجع التي نالت من بلداننا وهذه الاحداث هي نبع ودافع للكتابة، وبنفس الوقت حاجة إنسانية للتعامل مع جروح الانسان النفسية وهذا حق إنساني، الإشكالية في النقد من وجهة نظري البسيطة أرى أن هذه التجارب الكثيرة بحاجة إلى صقل ولكي يتم صقل هذه المواهب نحن بحاجة  إلى نقاد قادرين على رصد مواضع الضعف والقوة في فنون السرد وطرح  آليات جديدة تدفع الكاتب لتطوير قدراته، من المؤسف أيضا أن الناقد العربي يستعمل في نقده ما تطرحه المدرسة الغربية وعليه سنبقى منبهرين بالنتاج الغربي لأننا ننطلق في نقدنا في المجال الادبي العربي  من المنظار النقدي الغربي، في المحصلة النهائية نقيم الأعمال العربية بعيون الغرب.

فن الرواية الياباني لم يدخل العالمية إلا بعد أن استحدث أدوات نقدية من صنع المدرسة النقدية  اليابانية، المنطقة العربية بحاجة ماسة لتطوير المدرسة النقدية واستخدام نقد النقد وإلا فستبقى الرواية العربية في محيطها بعيداً عن العالمية.

كيف ترى المشهد الثقافي بالنرويج؟

المشهد غير واضح المعالم، هناك جهود فردية يشار لها بالبنان لأنها تتطلب جهودا غير اعتيادية، جلسات أدبية، اعمال مسرحية لا تفي بغرض نشر الثقافة العربية، وهناك بعض المنظمات التي لم ترتق بعد الى مستوى العمل المؤسساتي، حقيقة نحن بعيدين كل البعد عن فكر العمل المؤسساتي، الحوار بحد ذاته ثقافة يجب أن نتعلمها لأننا فعلا نفتقدها.

العمل الممنهج يخلق المستحيل، لو سألتني ما هو أعظم انجاز في حياتك؟ أجيبك دون تفكير منتدى الثقافات الذي تمكن من تغيير فكر مدينة سوندال سورا من مدينة رافضة لاستقبال اللاجئين إلى مدينة مستقبلة ومن الأحزاب التي طالبت بزيادة عدد اللاجئين الذين سيتم استقبالهم، هذا العمل كان مفتاح دخولي في الحياة السياسية، رغم كوني مستشاراً، إلا أنني سأبقى تلميذاً اتعلم في مدرسة الحياة ومن ذوي العلم طول العمر، هكذا أشعر أني على قيد الحياة، أتمنى أن أرى منتديات ترعى تخصصات مختلفة وتتمتع بروح الديمقراطية وبحوار حضاري بنّاء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This