رواية “لوكاندة بير الوطاويط”.. البوليسيّة والفانتازيا / عارف حمزة

يُمكن تصنيف الرواية الجديدة “لوكاندة بير الوطاويط”، الصادرة مؤخرًا عن دار الشروق المصريّة، للروائي المصري أحمد مراد، في صنف الروايات البوليسيّة، التي لا يكتبها الكثير من الروائيين في العالم العربي ضمن الشروط الصارمة لهذا الصنف.
فالرواية، التي تجري في مائتي صفحة تقريبًا، تتحدّث عن جرائم قتل متسلسلة ووحشيّة وغامضة، وكذلك عن محقق، أو تحرّ خاص، يتمّ توظيفه، سواء من السلطة أو من أقارب الضحايا، لكشف ذلك القاتل.

استدراج القارئ
الرواية لا تجري في الوقت الحالي المعاصر، بل في عام 1865، حيث تم تقديم الرواية على أنّ مادتها عبارة عن يوميّات وُجدت بالمصادفة، (أثناء ترميم “لوكاندة بير الوطاويط” المجاورة لمسجد “أحمد ابن طولون” بحي “السيدة زينب”، تم العثور على يوميات تعود إلى سنة 1865م، مدفونة وراء حائط الغرفة رقم سبعة بالطابق الثالث بمبنى اللوكاندة، ومحفوظة بشكل جيد).
ربّما هذا التقديم عبارة عن حيلة روائيّة استخدمها مراد لاستدراج قرّائه، الذين تزداد نسبتهم بشكل مثير، خاصة إذا عرفنا أنّ الرواية الثالثة لمراد (1978) كانت الأكثر مبيعًا في معرض القاهرة الدولي لعام 2013، قبل أن تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في عام 2014.
ولكن هذه الملاحظة ترد كذلك في الرواية نفسها؛ حيث يكتب بطل الرواية “سليمان السيوفي” يوميات للحكيم، الذي ربما يقصد به الله طمعًا في النبوّة!، ويورد ذلك في الصفحة 129 من الرواية بقوله: “ولتكن تلك اليوميات، التي طلبتَ مني كتابتها، وثيقة تاريخيّة، وسجلًا أمينًا لما حدث في المعركة الأرضيّة القمريّة بين العبد لله والهجين، والتي دارت رحاها بدءًا من سنة 1865”.

النبي سليمان
هذا المقطع يشرح ما جرت عليه الرواية البوليسيّة التاريخيّة بين المصوّر والمحقّق ومُكلّم الحيوانات والجثث “سليمان السيوفي”، وبين “الهجين” الذي هو كائن غير أرضيّ، يسكن القمر بعد انفجار كوكبه، ويتحيّن الفرصة لقتل السيوفي نفسه. وعندما تحدث حوادث القتل المتتالية يظن السيوفي أنّ القاتل هو الهجين القمريّ الذي يتوعّده.
خلال جريان الرواية، التي تبدأ مع وصية السيوفي في مفتتح القسم 35 من اليوميات والتي كُتبت قبل أن ينتحر، نجد أن السيوفي هو شخص مجذوب، أي من الصوفيّة التي تبذل دنياها من أجل آخرتها، وكذلك من المجانين الذين يُلفتون الأنظار بكراماتهم. ولكن سليمان السيوفي يحاول أن يكسب من اسمه نصيبًا؛ في أن يصبح مثل النبي سليمان ذي الملك العظيم، والقدرة الربّانيّة النادرة في فهم ومخاطبة الحيوانات.
بسبب هذا الاسم، وهذه الفكرة لدى سليمان، نجد توريدًا لبعض الأنبياء وقصصهم ومحنهم خلال أطوار حياة سليمان نفسه. الذي لا يملّ من انتظار الوحي لتنصيبه نبيًّا في زمن جاء بعد زمن انتهاء النبوّة.

رواية “لوكاندة بير الوطاويط” تبدو شفويّة في كثير من الأحيان، ومرّات
يشعر أحدنا بأنّها حكاية متسلسلة من حكواتي في مقهى. رواية
بوليسيّة تحتفظ بوحشيّتها وخفّتها في نفس الوقت.

قبل أن يُنهي سليمان حياته بلحظات تأتيه زيارة من “داغر بك”، الذي التهمَ تمساح فخذه ووركه في زمن مضى، ليكلّفه بالتحقيق في مقتل أحد الباشوات. وهكذا يؤجّل سليمان انتحاره لما بعد كشف تفاصيل الجريمة الوحشيّة، ولكن هذا التأجيل سيتأجّل مرارًا، لأنّه يكتشف أن هناك قائمة بالقتل، بعد أن يُقابله القاتل “المشاعلي” في إحدى مرّات تحقيقه في الجريمة، ويكاد القاتل يقتل سليمان، ولكنّه يتركه يعيش، بعد أن يعده بأنه سيكون المقتول بعد انتهاء قتل الأشخاص السبعة في قائمته.

مذبحة القلعة
كل الشخصيات التي في القائمة هي شخصيّات ثرية جدًا، ولها وزنها في الدولة. ومع توالي الأحداث، ومن خلال تحقيق سليمان الذكي، نكتشف أن آباء الشخصيات كانوا من المقربين جدًا من الوالي “محمد علي باشا”، وكانوا وراء الفكرة الجهنميّة في قتل المماليك وأمرائهم، ونسائهم وأطفالهم، في المذبحة الشهيرة باسم مذبحة القلعة. حيث أساليب الحرق والقطع وثقب رأس الضحيّة “بالخنافس تحت قدْرٍ مُحكم، دسّ السيانيد في التبغ، وقطع الرأس بسيف ثم تعليقه في باب القلعة” (صفحة 123) تدلّ على طرق المماليك في القتل.
لن يكون “المشاعلي” هو أحد أبناء المماليك الناجين، بل له قصة أخرى تتطلب الثأر، ولكنه لن يستطيع قتل السيوفي، الذي يكشفه من خلال تحقيقاته.

رواية سينمائيّة
استفاد أحمد مراد من دراسته للسينما، وهو كان الأول على دفعته في القسم ونالت أفلام له جوائز متعدّدة، في هيكلة هذه الراوية. فهي تتخفّف كثيرًا من الوصف والشاعريّة، وعوّضها بأشياء أخرى كالأمثال الشعبيّة والقصص والشخصيّات الثانويّة التي جعلت هذا العمل خفيفًا على القارئ ومثيرًا في ذات الوقت.
البناء هذا جعل العمل وكأنّه أقرب لسيناريو سينمائيّ؛ ويُوضّح ذلك الإثارة التي تجعل القارئ يريد لو يُنهي العمل في مشاهدة أو قراءة واحدة، وهو ما يُحسب لصالح هذا العمل.
كما أنّ لغة العمل هي أقرب للمزاج الشعبي، مع الأمثال الشعبيّة والشتائم العاميّة التي تُعطي نكهة جيّدة للعمل. ولكنّها لغة هذا الزمان، وليست لغة الكتب التي كُتبت في ذلك القرن. إلا إذا كان هناك إصرار على أنّ العاميّة المصريّة كانت سائدة في ذلك الوقت.

الوحشيّة
سليمان السيوفي يبدو شخصًا يُعاني من الاختلال العقليّ، مع تربيته ذبابة تكبر وتكبر حتى يضطر لسجنها في الغرفة المجاورة لغرفته. الذبابة تدعى “عنتر” وينتهي مصيرها في دار للمجذوبين المكفوفين ككبير لهم!.
كما أن السيوفي يكتب لنا عن قتله لأمه، ودفنها ضمن جدار غرفته في اللوكاندة، بينما هي تظل على قيد الحياة، ولو في جملة واحدة من الرواية، وتشتكي من عقوقه تجاهها.
هذا الاختلال يجعل الفانتازيا تتسرّب إلى جسد العمل هنا وهناك، لتحكي لنا قصصًا هامشيّة لا تُثقل على العمل، بل تزيده استرسالًا.
مراد ينجح في زرع الرعب داخل قارئه؛ وهو يسرد عليه وحشيّة القاتل تجاه ضحاياه، والتنكيل بهم بشكل غريب. بينما السيوفي نفسه يُعاني من ثعابين تجري داخل دمه وتأكله من الداخل! وكذلك لا ينقطع الخيط عندما يشرح مراد شغل بطله في التصوير وإظهار الصور وتشريح جثث الضحايا ومعاناته الشديدة من اقتراب تنكيل الهجين به.
رواية “لوكاندة بير الوطاويط” تبدو شفويّة في كثير من الأحيان، ومرّات يشعر أحدنا بأنّها حكاية متسلسلة من حكواتي في مقهى. رواية بوليسيّة تحتفظ بوحشيّتها وخفّتها في نفس الوقت.

عنوان الكتاب: لوكاندة بير الوطاويط المؤلف: أحمد مرادشارك هذا المقال

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This