تفضّل، لا وجود إلا للأشياء التي نستطيعها / ماريكه لوكاس رينيفيلد ماريكه لوكاس رينيفيلد

ماريكه لوكاس رينيفيلد، شاعرة وروائية هولندية من مواليد 1991، كانت أول كاتب من بلدها تفوز بجائزة البوكر الدولية في فئة أفضل رواية أجنبية مترجمة إلى الإنكليزية عن روايتها الأولى “إزعاج المساء” لعام 2020، وقاسمتها الجائزة مترجمتها إلى الإنكليزية ميشيل هاتشيسون.
نشأت رينيفيلد في عائلة من الفلاحين شمال برابانت، واستوحت روايتها الأولى من حادث وفاة شقيقها حين كانت في الثالثة من عمرها، وهي الرواية التي كتبتها خلال ست سنوات، ونشرت للمرة الأولى أواخر عام 2019، لكنها بدأت مشوارها الأدبي بكتابة الشعر، فأصدرت مجموعتها الشعرية الأولى تحت عنوان “صوف العجل” عام 2015، والتي نالت عنها جائزة C. Buddingh لأفضل ظهور شعري أول في اللغة الهولندية. وفي عام 2019 أصدرت مجموعتها الشعرية الثانية تحت عنوان “كابوس الشبح”، وقبل أسابيع أصدرت رينيفيلد روايتها الثانية “مفضلتي العزيزة”، والتي يمكن اعتبارها الجزء الثاني من روايتها الأولى “إزعاج المساء”. تعمل ماريكه حاليا في مزرعة للحيوانات، حيث ترعى الأبقار والمواشي وتتفرغ للكتابة.

(ترجمة وتقديم: عماد فؤاد)
الغرز

هل تذكر تلك المرّة التي حوّلنا فيها أصابعنا إلى مسدّسات، حين اختبأنا خلف حاويات القمامة معلنين الحرب أحدنا ضد الآخر حتى رفعوا الحاويات، نفخنا دخان سبّابتينا، وقلنا: من يمت أربعًا يحكم عليه بعقاب أو مهمة، في جلسة المفاوضات لاحقًا أريتني ثقوب الرصاص المصنوعة بقلم الحبر، والاستسلام في راحة يدك المتسخة، هل تذكر حين استيقظت مرتعبًا من العتمة التي تغزو غرفتك دومًا لتسرق النور، وكيف صلّيت على حافة الفراش متمنيًا أن يرقد العالم بسلام كما يرقد جدّنا في قبره، الكرة الأرضية قرب سريرك مصنوعة من الماء، فقط لو قمت بتدويرها بقوة، وأنت تفكر أن كل شرير عليها سيغرق.
لم يوقظوك لأجل الرجل الذي يرتدي تاج سانتا كلاوس بل من أجل باريس، حيث غرست دبوسًا لتتذكر أين عثرت أمك على أبيك وفكروا في تكوينك، كيف كان كل هذا سيتغير لو تجاوز أحدهما الحدود التي تشبه غرز الخياطة في اللحم لتحافظ على صحة البلاد، أعطتك أمك منديلًا مليئًا بالجوز، فبلعتها كما لو كانت طلقات تنزلق عبر حلقك إلى معدتك، قال أحدهم إنها الحرب، فشعرت برغبتك في حك سبّابتك ولم تفهم لماذا تغيّر المقعد فجأة ولماذا حملوك بشكل مغاير، فهل هذا ما تفعله الحرب بك؟ هل تحمل الحرب جسمك أيضًا بشكل مختلف، فوق الجماهير أم بينهم، هل تظهرك أم تخفيك؟ قال جدك ذات مرة إن الحرب تبدأ فقط عندما لا تصبح الكوارث ضرورية، إذا لزم الأمر ستستيقظ غدًا في عالم مختلف، كما ستصبح شخصًا آخر تمامًا، وسوف تكون الأفكار قابلة للطي كاليدين، اللتين ترفعهما في صلاتك وتقود بهما دراجتك مسرعًا غير آبه بالريح التي تضربك من كل اتجاه. كل الأحبّاء سيموتون سجناء أنفسهم، ولسنا بحاجة إلى أسلحة، لا، نقول: يجب أن نتحدّث، وسيكون كل شيء على ما يرام. غدًا سنلقي نظرة على الغرز ونرى كيف يتم التحامها.
الرواية الأحدث لرينيفيلد.. مفضلتي العزيزة
مؤشّر الشّمس السابع
والشّمس، أم الملاعين، عندما تُسلط كلّ يوم من كوّة السقف على رأسك كالآباء الغاضبين، لن تؤهّلك كريمات الوقاية من الشمس ذات المزايا العديدة إلى الانتصار في هذه الحرب، عليك أن تضاعف من حذرك فقط عندما يبدأ العدو في الهمس، والشمس تهمس: عزيزي إنسان اللبن الرائب، إلى أين تذهب شاحبًا هكذا، لا تغلق كوّة السقف فوق رأسك كأنها قلنسوة سترتك، إن كنت أنا البداية والنهاية، فأنت كل شيء بينهما. فكّر في جذور حديقتك التي رعيتها لأجلك حتى تتمكّن من إطعام أرانبك الفلمنكية العملاقة، فكّر في المرّات التي وقفت فيها أثناء دروس السباحة بركبتين مرتعشتين أمام “حارة” البداية لأنك لا تتقن طريقة “الزحف الأمامي” إلا في السرير، فكّر في قفزاتك الغريبة فجأة كما لو كنت ضفدعًا، فكّر في انبعاثي من خلف سحابة، أضع يدي على كتفك وأقول: تفضّل، لا وجود إلا للأشياء التي نستطيعها فقط، حتى المياه قمت بتدفئتها لأجلك. ألم أفعل؟ فكّر في اثنين وعشرين كيلومترًا تقطعها كل يوم إلى المدرسة، والأمطار الغزيرة التي تتخلّلها، فكر في بلل حافظة أوراقك الجديدة التي تحمل صورة “بيرت” و”إرني” (*)، وكيف أعدتها إليك مجفّفة من جديد، أنا حارسة الكون، لا شيء يفرّ مني. سمعت أيضًا أنك تفضّل إطلاق النار عليّ في السماء باستخدام بندقية عمّك، أرى أنك أصبحت أكثر شحوبًا، أبيض تمامًا كنورس، فيما مؤشّر الشمس يضمن لك البقاء في المنزل، أو الخروج محميًا بقبّعة ونظّارات شمسية تعتم صداقتنا خلف زجاجتين، أوه عزيزي إنسان اللبن الرائب، كم أفتقدك. هل تعلم أنه لا حياة دوني، الكرة الأرضية مجرد كتلة طينية جافة، حتى نبتتك المفضّلة ستموت.

(*) “بيرت” و”إرني” مسلسل هولندي شهير للأطفال.
المجموعة الشعرية الأولى لرينيفيلد: صوف العجل
الشيخوخة
في أيام الآحاد أسمح لمجلة Libelle بالتحرر من البلاستيك كما أتحرر من ملابسي المدرسية، على طاولة المطبخ علبة من رقائق الذرة، الكلمات الوحيدة غير المحلاة التي أهضمها، حليب بارد متناثر على الحواف: لم يثبت بعد أن المعدة الممتلئة توازن القلب المثقل أو أن الأفوكادو له رأي ملموس في تقرير حقه في الوجود، هل العقل والمادة بقرتان شبقتان تلتقيان لتخصب إحداهما الأخرى، أم يشبه الأمر الأرنب السمين الذي غطّيته بأصغر ما لديّ كي يتمكن من اللحاق بموته وهو راقد على المائدة؟ تتخلّص أمي من أوراقها داخلي كشجرة أسرع من المجلة، لم تتوقف عن ذلك إلا عندما وقفت أمامها ذات يوم وقلت: أنا أتواصل مع قرائي والمشاركة في الردود متاحة. صار جسدي وأنا أحدثها كأنه منخل لا تنفذ منه إلا الأفكار الناعمة فيما تتجمع الأفكار الكبيرة الثقيلة داخلي، أجابت أمي قائلة إن هناك جرارات تسحقني كما لو كنت أرنبًا، ولم يعد يفرق معها شيء إن رأت غدا عيوني ميتة ومن زجاج على حافة الطريق. نادت كبار السن الذين نالوا أفضل المقاعد ليطلوا على المشهد، المسافة المطمئنة التي يجب أن تمتد كل يوم أثناء التأمل: الكاتب الموجود داخلك يجعل إنسانيتك مريضة، كل ما تقولينه منقح جدًا حتى يمكن جمعه لاحقًا في كتاب، قالتها وهي تنظر بانتباه إلى الأرنب المتجمّد على المائدة كما لو كانت أتمت عبورها بالفعل، يقولون إن رقائق الذرة اخترعت لتمكّن الأطفال من العثور على المحبة، ليس في أنفسهم، بل في الآخر:
لا تتحركي فوق دميتك المفضلة، فالفتيات لم يوجدن للتفكير لكن للمناقشة. لوّحت أمي وهي تودع الشيوخ ونسيت الحافة، حيث يتعين عليك غالبًا أن تنسى الحافة حين يجرفك المنحنى، وأعطتني Libelle بعين مركزة على التفاصيل وسألتني أن أشكر المستمعين والأشياء.

ليس أنت، بل البيت
غلاف الترجمة الإنكليزية لرواية إزعاج المساء
أفكر في الأبواب التي تغلق بشدة عندما يغادر البيت شخص ما لآخر مرة، في زوايا الغرف التي هي في الحقيقة آباط تنشر عرق الخوف، كمواسير تسرّب المياه. ليس هناك ما يدعو للقلق، فهي النوافذ ترتجف عندما يغادر شخص ما، وحده الحزن قابل لمقارنته بإخراجك القمامة دون أن يراك أحد ومع ذلك تجدها في الشارع صباح الإثنين، بعض الأشياء تفعلها وحدك في الفراش فقط عندما يصبح الليل شراعًا تنهار منه النجوم لتسقط على السطح رنانة كالألعاب النارية.
ثمة في البعيد مصنعان يدخنان معًا حين انغلق الباب خلفك، تعلقتُ خارج النافذة والمصنعان آمنان هناك تحت مظلة من السحب الرمادية وأنا أناديك بينما كانا يشعلان سيجارة أخرى، يتحدثان عنا، المدخنون يضعون أنفسهم دائمًا في الضباب ليتمكّنوا من رؤية الآخرين، صرخت فيك حتى تمزّق ورق الحائط عن الجدران، سنتهاتف حتى لو قطعوا الخطوط كما يقطعون أحبالنا السرية، سنستمر في إرسال رسائل مضمخة بالعطر وبقع الحبر كأضداد لإخفاء محبّتنا، سنرمي رسائلنا في زجاجات مملوءة بالأفكار والمخاوف لنستطيع إبقاء رؤوسنا فوق المياه. ووضع البيت على بطاقة بريدية.
# إحدى قصائد الشاعرة المصورة في المزرعة التي تعمل فيها:
المترجم: عماد فؤادشارك هذا المقال

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This