“خريفٌ يقفُ خلفَ النَّافذة” لريتشارد رايت 

صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط -إيطاليا، مجموعة مختارات شعرية لأحد أبرزِ علامات تجارب الهايكو الأميركيِّ الشَّاعر ريتشارد رايت، حملت عنوان: “خريفٌ يقفُ خلفَ النَّافذة”، اختارها وترجمها سامر أبو هوّاش. سبق ان ترجمت الشاعرة ريم غنايم لرايت كتاب “هايكو: هذا العالم الآخر”، صدر عن “دار مقام للنشر والتوزيع”.. ورواية “ابناء العم توم”، ترجمة عزت المحروسي عن الدار الاهلية، وغيرها.

وترجمة ابو هواش تأتي ضمن سلسلة مختارات الشعر الأميركي، وقد صدر منها سابقاً: “شمسٌ تدخلُ من النافذةِ، وتُوقِظُ رجلاً يسكبُ القهوةَ على رأسِهِ” لــ رَاسِلْ إدْسُن، و”النوم بعين واحدة مفتوحة” لـ مارك ستراند. وهي سلسلةٌ تسعى أن تكون «بلكوناً أو تراساً».

والنافل ان ريتشارد رايت انتمى الى الحزب الشيوعي لأنه وجد فيه حيزا للمساواة، وواضح من ذلك أن ريتشارد رايت كان (كاتباً ملتزماً) حسب تعبير الكاتب ميكائيل أندرسون في مقال في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 26 أغسطس 2001. كان الأدب بالنسبة له نوعاً من الاحتجاج، ولذا كان يؤمن بضرورة استخدام الكلمة كسلاح يدافع به الكاتب عن آرائه وأفكاره. وقد ساعده بطبيعة الحال على اعتناق هذا الموقف وضعه كزنجي في مجتمع يقوم على التفرقة العنصرية واستعلاء البيض على السود. كما كان لانضمامه للحزب الشيوعي أثره في تعميق هذه النظرة وذلك علاوة على مشاهداته الخاصة للفظائع التي يرتكبها البيض وبخاصة في الجنوب ضد السود وما يعرفه عن تاريخ العبيد في أميركا. وسرعان ما صار الحزب الشيوعي حجة المخابرات الاميركية للاضطهاد والقمع، وعلى هذا لجأ رايت الى باريس في خمسينيَّات القرن الماضي، وعاودَ رايت اكتشافَ الشِّعْر الذي مارسَهُ في بداية حياتِهِ الأدبيَّةِ في الثلاثينيَّات. لكنه، هذه المرَّة، لم يكن “شاعراً ثوريَّاً” مثلما كان يُوصَف الشُّعراء الاحتجاجيُّون على امتداد القرن الماضي، بل إنه اختار، عن قَصْد أو دون قَصْد، الشكلَ الشِّعْرِيَّ الأبعدَ عن السِّياسةِ والأيديولوجيا والحراكِ الاجتماعيِّ والغضبِ والثَّورة، وهو الهايكو، ذلك الشِّعْرُ الشديدُ التَّقشُّفِ القائمُ على البساطةِ القُصوى وتمثُّل الطَّبيعةِ أو البيئة المُحيطة، ووَصْف أدقِّ سَكَنَاتها، والمشغول بالفَرْد، أو على وجهِ الدِّقَّة بالذَّات الشَّاعرة، بوَصْفها جزءاً لا يُجتَزَأ من الطَّبيعة، عبرَ تجلِّي كلٍّ منهما مرآةً للأُخرى، ومَعبَرَاً منها وإليها.

وخلالَ إقامتِهِ في شُقَّة صغيرة على مقربة من فندقِ البيت Beat Hotel، الذي كان مركزَ لقاءِ بعض أبرزِ شُعراء حركة “البيت” من أمثال وليم بوروز وألن غينسبرغ وغريغوري كورسو، خلال أَوْجِ صُعُودِ تلك الحركة، التقى رايت الشَّاعرَ الجنوبَ أفريقيّ سينكلير بيلز (1930- 2000)، أحدَ الأسماءِ المُهمَلَة نسبيَّاً في تاريخ “حركة البيت”، ومن خلالِ نقاشاتِهِ مع بيلز تعرَّف رايت أكثرَ على شِعْر الهايكو، وفلسفةَ الزِّنْ (تلك التي تُعدُّ رافداً أساسيَّاً من روافدِ حركة البيت)، ولعلَّ تلك النِّقاشات أسهمَتْ في إعادةِ اكتشافِ رايت لشِعْر الهايكو انطلاقاً من اكتشافاتِهِ الأُخرى في ما يخصُّ الإِرْثَ الرُّوحانيَّ الأفريقيَّ.

وَجَدَ صاحبُ “أبناء العمِّ توم” و”الابن الأصلي” و”فتى أسود” و”اللَّا منتمي”، في فنِّ الهايكو ملاذاً له من إحباطاتِ الحياةِ المتراكمةِ وأعبائِها المتزايدة. ويضيف سامر أبو هواش في مقدمة الكتاب، إنّ ريتشارد رايت كتب قصائد هايكو بَلَغَ عددُها، خلال عام ونصف العام تقريباً، أربعة آلاف قصيدة، كان عليه، بعدئذٍ، أن يختزلَهَا إلى 817 قصيدة، شكَّلت مخطوطَ كتابه “ذلك العالَم الآخر” الذي لم يرَ النُّورَ كاملاً إلَّا عام 1998، أيْ بعد نحو أربعةِ عُقُودٍ من وفاةِ صاحبه المبكِّرةِ بأزمةٍ قلبيَّة عام 1960. لكن، يذهب بعض الدَّارسين لسيرة رايت إلى الإصرارِ على أنَّ موتَهُ بهذه الطريقة المفاجئة كان مُدبَّراً، لاسيَّما وأنه تلقَّى العديدَ من الاتِّصالاتِ الهاتفيَّةِ الغامضةِ قبلَ وفاته، كما أنه لم يكنْ يعاني من أيِّ مشكلاتٍ في القلب.

ريتشارد رايت قال فيه جيمس بولدوين عبارة قصيرة بليغة: “كان زنجياً وكاتباً أفلح في أن يثبت أن ذلك أمر ممكن”…
من الكتاب:
مثلُ صِنَارَة،
الظِّلُّ الطَّويلُ لزهرةِ عبَّادِ الشَّمس
يرتعشُ على سطحِ البُحيرة.

الشَّاطئُ ينسلُّ هارباً
من السَّفينةِ الكئيبة
في ضَبَابٍ خريفيٍّ.

أوراقٌ صُفْرٌ مُتعفِّنة
تفوحُ منها رائحة
الموتِ والأملِ معاً.

عن الشاعر:
ريتشارد ناثانيال رايت، شاعرٌ وروائيٌّ أميركيٌّ، ولد في المسيسيبي، في 4 سبتمبر (أيلول) 1908، لأبٍ مُزارعٍ وأُمٍّ مُدرِّسة، عاشَ في بدايةِ حياته فقيرًا مُعدمًا بعد وفاةِ أبيه وشلل أمّه في سنٍّ مبكّرة، أصدر كتباً عديدة في الشِّعر والرِّواية والرِّحلة والسِّيرة، ونقل طيلةَ مسيرته معاناة الأميركيين السود مع العنصرية. توفيَّ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1960، في باريس، وهو في الثانية والخمسين من العمر، ولكن كتاباته وأعماله الروائية لاتزال تلقى اهتمام النقّاد والأنثربولوجيين على السواء كما تخضع للتحليل والتقويم بحيث صدرت عنه في السنوات الأخيرة خمسة كتب على درجة كبيرة من الأهمية.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This