الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناهج (ج2)

ثانياً: الحجاب في الإسلام: الصراع والاستيهامات الاستعمارية

  1. في المنهج

تبنت ليلى أحمد في دراستها “الحجاب الإسلامي من منظور استعماري“، منهج “النسوية ما بعد الكولونيالية” وخرجت بنتائج جديدة، لا سيما في نقدها للأديب المصري قاسم أمين (1863-1908) وأفكاره في “تحرير المرأة” (1899) وذلك في ضوء إرهاصاته “الاستعمارية” كما بيَّنت في كتابها “المرأة والجنوسة والإسلام”، وطورت تحليلها في (A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America) “ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أميركا”.

يتناول مفهوم “ما بعد الكولونيالية” (Postcolonialism)[46] آثار الاستعمار على الثقافات والمجتمعات. ولمصطلح “ما بعد الكولونيالي” -بحسب استخدام المؤرخين له في الأصل عقب الحرب العالمية الثانية في سياقات مثل “دولة ما بعد الكولونيالية”- معنى تاريخي تسلسلي واضح، إذ يشير إلى فترة ما بعد الاستقلال. على أية حال فقد استخدم النقّاد الأدبيون هذا المصطلح بداية في أواخر السبعينيات لمناقشة الآثار الثقافية المتعددة للاستعمار. وعلى الرغم من أن دراسة قوة التمثيل المسيطرة داخل المجتمعات المستعمرَة، انطلقت في أواخر السبعينيات من أعمال إدوارد سعيد مثل كتاب “الاستشراق”، وأفضت إلى تشكل ما عُرف لاحقاً باسم نظرية الخطاب الكولونيالي في أعمال نقّاد مثل هومي بابا (H. Bhabha) وغايتري سبيفاك (G. Spivak)؛ فالمصطلح الفعلي “ما بعد الكولونيالي”، لم يوظف في تلك الدراسات الأولى حول قوة الخطاب الكولونيالي في تشكيل الرأي والسياسات في المستعمرات. على سبيل المثال استخدمت سبيفاك مصطلح “ما بعد الكولونيالي” لأول مرة في مجموعة المقابلات الشخصية والكتابات المجمعة، والتي نُشرت عام 1990 تحت عنوان “الناقد ما بعد الكولونيالي”. وعلى الرغم من أن دراسة تأثيرات التمثيل الكولونيالي كانت محورية في أعمال هؤلاء النقاد، فإن مصطلح “ما بعد الكولونيالي” -في حد ذاته- استخدم في البداية للإشارة إلى أشكال التفاعل الثقافي داخل المجتمعات الكولونيالية في الدوائر الأدبية[47].

يمكن تعريف خطاب “ما بعد الكولونيالية” وأدواته المنهجية بأنه “خطاب نقدي ينحو إلى تفكيك الخطاب الاستعماري، وإعادة النظر في تاريخ آداب المستعمرات التي واجهت الاستعمار الأوروبي. إن الهدف الأول لخطاب ما بعد الإمبريالية بجهوده الكبيرة هو إعادة كتابة تاريخ الحضارة الاستعمارية من وجهة نظر من استُعمِروا (…) إن نظرية ما بعد الكولونيالية، هي في الحقيقة قراءة للفكر الغربي في تعامله مع الشرق، من خلال مقاربة نقدية بأبعادها الثقافية والسياسية والتاريخية[48].

أنتجت “الدراسات ما بعد الكولونيالية” ما يطلق عليه المتخصصون “دراسات التابع” (Subaltern Studies)؛ وهو ميدان معرفي يناقش مؤثرات الاستعمار في الثقافات والشعوب التي عانت من الحكم الكولونيالي. تبلور في ثمانينيات القرن المنصرم على يد مجموعة من الباحثين الهنود، وفي مقدمهم المفكر الهندي راناجيت غوها (Ranajit Guha)؛ أحد رواد “دراسات التابع”. وبدءاً من منتصف التسعينيات دخلت “دراسات التابع” الدراسات النسوية والأفريقية والأميركية اللاتينية –ولاحقاً العربية وإن لم تأتِ بمستوى التنظير نفسه- ما جعلها مقاربة للتاريخ قائمة بحد ذاتها ولا تقتصر على منطقة جغرافية محددة[49].

أفادت أحمد من هذا المنهج من خلال: أولاً: نقد الخطاب الجديد للحجاب في مصر المرتبط بالوجود الاستعماري البريطاني تحديداً تقارير اللورد كرومر (1841-1917)؛ ثانياً: نقد أفكار قاسم أمين ومواقفه من الحجاب المبنية أصلاً على التأثر بالمواقف الاستعمارية، ثالثاً: نقد الخطاب الغربي المعاصر تجاه الحجاب المتأثر بالرؤى الاستشراقية والصور النمطية عن الإسلام والمسلمات.

  1. الصراع على الحجاب: التقاطعات بين الخطابين الاستعماري والحركي

تفجر الجدل حول الحجاب في مصر نهاية القرن التاسع عشر، مشعلاً الخلاف داخل المجتمع، وأشار إلى ظهور خطاب جديد قيد التشكل إبان السيطرة الاستعمارية، يمكن النظر إليه بوصفه خطاباً مؤسِّساً. “وقد تكرر تفجر موضوع المرأة والحجاب (…) على امتداد القرن العشرين” في دول عربية وإسلامية وأوروبية “ودائماً ما يحمّل الجدل بمسائل أخرى مثل الثقافة والقومية والقيم الغربية ضد القيم الأصلية، وقد تم ربط هذا الجدل بخطاب المرأة في لحظة حرجة مرت بمصر، أواخر القرن التاسع عشر” في ظل “السيطرة الاستعمارية والكفاح ضدها وانقسام الطبقات حول هذا الكفاح”[50].

نظر الخطاب الاستعماري إلى الحجاب كمظهر من مظاهر القهر بين المسلمين، وساد هذا الموقف لدى الأوروبيين في القرن الثامن عشر. إن فكرة “الحجاب القهر” اتخذت بعداً جديداً وأهمية في القرن التاسع عشر[51]، وكما تبرهن أحمد، جعل المستعمِرون هذا الاهتمام الجديد، جزءاً من تسويغهم لغزو الشرق الأوسط واستعماره. شعر الأوروبيون بالإرباك بسبب النساء المحجبات: كان هؤلاء الأوروبيون يعرفون أن النساء يراقبنهم، على حين لا يراهن أحد. وقد أتاح ذلك للنساء قدراً من السلطة عليهم، وكان ذلك قلباً للعلاقة المتوقعة بين الأعلى والأدنى، “أن تَرى ولا تُرى[52].

تُدرج أحمد كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين في “الخطاب الاستعماري/ الكولونيالي” بعد أن أصبحت الثقافة جزءاً من الصراع على الحجاب والنساء؛ تمسك الأديب المصري “بهذين الموضوعين كمدخل للتحول الثقافي والاجتماعي، مفهوماً فقط بالرجوع إلى أفكار تمّ استيرادها من مجتمع المُستعمِر إلى الموقف المحلي (…) وقد كانت ممارسات الإسلام التي تقتصر عليه فيما يختص بالمرأة، تشكل دائماً جزءاً من القصة الغربية عن الآخروية (Otherness) الجوهرية ودونية الإسلام”[53].

بموازاة الخطاب الاستعماري حول الحجاب والمرأة؛ المؤسَّس في الأدبيات الاستشراقية وأدب الرحلات ، على “العين المتلصصة” أو ما يمكن أن نطلق عليه “عين الرغبة القضيبية[54]، لسبر خفايا “إمبراطورية الحريم الغامض”، انضمت لغة الحركة النسوية التي ازدهرت بشدة في القرن التاسع عشر إلى الخطاب الاستعماري. وصمت أحمد ذلك الشكل الأوَّلي للخطاب النسوي، الذي عمل على ربط التقدم الثقافي بمكانة المرأة، وربط رقي المرأة بالتخلي عن الثقافة المحلية لصالح الأعراف الغربية، بــ“النسوية الاستعمارية” (Colonial Feminism). فأضحت مظاهر الثقافة الشرقية –وخصوصاً الحجاب- هدفاً رئيساً للنسوية الاستعمارية، الذي نظرت إليه بوصفه “رمزاً بصرياً لثقافة شرقية رجعية وقمعية[55].

تنقد أحمد معايير “الأنوثة الفيكتورية” في مواقف كرومر الذكورية الاستعمارية، الذي اعتبر أن “الأسباب التي جعلت الإسلام نظاماً اجتماعياً فاشلاً تماماً متعددة” ومع ذلك، فهو يؤكد أن أول وأهم الأسباب هو معاملته للنساء. وقد كتب يقول: إنه بينما تعلم المسيحية احترام المرأة، ويعلي الرجال الأوروبيون من شأنها، بدافع من تعاليم دينهم، فإن الإسلام يحقرهن، ولهذا التحقير الذي يبدو أوضح ما يبدو في ممارسات الحجاب والتفرقة، تعود دونية الرجال المسلمين التي يمكن التدليل عليها”[56]. (…) فبالنسبة للتبشيريين، كما هو الحال بالنسبة لكرومر، تعد المرأة مفتاحاً لتحويل المجتمعات الإسلامية المتخلفة إلى مجتمعات مسيحية متحضرة”[57].

إن الإمبريالية والجندر بمعاييرها الثقافية والدينية والعرقية، تبني إحدى مسلَّماتها على مركزية الذات الأوروبية، التي تريد تحرير العالم من الشوائب والثقافات القديمة، وقد شكل “نزع الحجاب” –وما زال- خطاباً تحريرياً تبشيرياً يتأسس على “المعرفة/ السلطة” بالمعنى الذي ناقشه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault) (1926-1984)، خصوصاً إذا ما فهمنا نظريته في ضوء تمثلات ومجازات ومقاومات “الحجاب” –فحيث توجد مقاومة توجد رغبة- في الحالة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي (1830-1960).

تقدم الباحثة والأكاديمية التركية ميدا ييغينوغلو (Meyda Yeğenoğlu)، تحليلاً حصيفاً حول “رغبة الذات الاستعمارية والحجاب”، فتقول: “إن رغبة الذات الاستعمارية في السيطرة والهيمنة على البلاد الأجنبية، ليست مستقلة عن رغبتها الرؤيوية، عن رغبتها في الاختراق، من خلال عينها المراقبة، لما يوجد خلف الحجاب. إن اللامرئية التي يؤمنها الحجاب لأجل الآخر الاستعماري، هي في الوقت نفسه النقطة التي تمفصل عندها الرغبة والأرض التي يزاح عليها الدافع الرؤيوي للذات، لأن ثمة دائماً تهديداً برد نظرة الآخر. على حد تعبير [ فرانز] فانون [Fanon] “كانت الرغبة المسعورة للمستعمِر في رفع الحجاب عن المرأة الجزائرية، هي رهانه على كسب معركة الحجاب”. في هذه المعركة كان المحتل منكباً على رفع الحجاب عن الجزائر لأن في ذلك إرادة جعل هذه المرأة ضمن متناوله، وجعلها موضوعاً ممكناً للتملك (…) ووفقاً لفانون، بما أن الحجاب يسمح للمرأة “أن تَرى من دون أن تُرى” فإنه يمنع الرد بالمثل، ويعني ضمناً أن المرأة لا تقدم نفسها على أنها متاحة للرؤية”[58].

إن نقد ليلى أحمد لقاسم أمين يأتي من وقوعه في “الفخ الاستعماري“، “فقاسم أمين الأبوي حتى النخاع ينادي في الواقع، في دعوته لتحرير المرأة بتحول المجتمع الإسلامي حسب الأنموذج الأوروبي، وبإحلال الهيمنة الذكورية بالأسلوب الغربي محل الهيمنة الذكورية على الطراز الإسلامي غير المألوف، وهكذا نجد أن فتح رداء الدعوة لتحرير المرأة، وقام بهجمة تعيد في أصولها إنتاج هجوم المستعمر على مجتمع وثقافة أهل البلاد الأصليين (…) فبالنسبة له كما هو الحال بالنسبة للمستعمِرين، يرمز الحجاب وعدم الاختلاط إلى تخلف ودونية المجتمعات الإسلامية (…) وهكذا يمثل كتابه إعادة صوغ للنظرية الاستعمارية التي تقول بدونية أهل البلاد والمسلمين وتفوق الأوروبي ولكن بصوت أحد أبناء البلاد (…) لقد شكل مؤشراً “إلى دخول الخطاب الاستعماري عن المرأة والإسلام في التيار الرئيسي للخطاب العربي”[59] الذي تولد عنه خطاب عربي مقاوم لخطاب الاستعمار.

تناقش أحمد ظاهرة عودة الحجاب إلى العالم العربي في السبعينيات -بعد اضمحلاله وعدم مرئيته في الفضاء العام– فتضعها ضمن عوامل عدة، يتقدمها عامل “انفجار الأصوليات الإسلامية“، واختراقها للمجتمعات العربية خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين التي وظفت “مرئية الحجاب” في أجندتها السياسية والدينية. ففي كتابها “ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أميركا” تقدم سردًا مهماً حول عودة ظهور الحجاب في مصر، والولايات المتحدة خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقد جمعت بين تجربتها الشخصية والتحولات الاجتماعية والدينية والسياسية التي شهدتها مصر، لتخرج بنتائج دقيقة لأنظمة المعنى المرتبطة بالحجاب. وتتحدث عن تجدد موازٍ للحجاب في المدن الأمريكية مع بداية هذا القرن والذي نتج عن انتشار الإسلاميين، وشبكة من المهاجرين المسلمين مثل “الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية” (ISNA).

إن انكسار المشروع القومي والناصري وإطلاق الرئيس المصري أنور السادات يد الجماعات الإسلامية، وفشل مشروعات التنمية والتحديث وبناء الدولة الحديثة، وتعثر الإصلاح الديني، أدت كلها -مع عوامل أخرى- إلى صعود أنماط من “التدين الخشن”، وشكل الحجاب والمرأة حلقة من حلقات الصراع على الدين، بين “الإسلام التقليدي” و”الإسلام الحركي”، فقاتل الطرفان على أجساد النساء وعزلهن.

لم يقم “إسلام المؤسسات” كما تصنفه أحمد بتطوير خطابه، “فإن هذا الإسلام غير المتسامح مع أي فهم للدين عدا فهمه هو، وهو فهم سلطوي، ذكوري متعصب وعدائي للمرأة، كان وما زال هو النسخة المعترف بها للإسلام، إسلام الأقوياء سياسياً[60]. غير أن الخطاب الأخطر ما أسس له “الحركيون الراديكاليون” في الإسلام السياسي، بعد استيلائهم على السلطة –كما هو الحال في الأنموذج الإيراني- حيث فرضوا قيوداً صارمة على حركة النساء في حالات عدة، خصوصاً الدول التي تطبق أنظمة صارمة للشريعة الإسلامية، بدءاً من سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم وذلك بموازاة “تضخم الأنا الدينية“؛ “لقد زاد ذم النساء بنسة تتناسب مباشرة مع انتشار التصريحات الممجدة للذات في النظام الإسلامي”[61].

إن صعود الإسلاموية هو أهم تحليلات أحمد حول ظاهرة “عودة الحجاب”، فقد تحولت في غضون أربعة أو خمسة عقود من “الهامش” إلى الشكل “المهيمن” للإسلام داخل الغرب، كما في أي مكان آخر. هذا التحول، كما تصفه، يؤثر في انتشار النمط الإسلامي للحجاب، الذي بدأ باعتباره “ظاهرة هامشية داخل الحرم الجامعي” في مصر[62]، ليتحول لاحقاً إلى “ثورة هادئة” في المجتمعات الإسلامية وكذلك في أمريكا الشمالية من خلال “الهجرة الإسلاموية” ونشاط النساء اللاحق فيما يتعلق بحقوق المرأة والجنوسة [الجندر][63].

تتناول أحمد التوظيفات الاستعمارية المعاصرة للحجاب، تحديداً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وبداية الحرب على أفغانستان بوقت قصير “حيث سُلِّطت الكثير من الأضواء على موضوع “المرأة في الإسلام” في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، ليصبح ذا أهمية قومية في خطاب لورا بوش وشيري بلير، اللتين رفعتا لواء تحرير النساء المحجبات. “ومن الطبيعي ألا تكون استراتيجية توظيف الصراع من أجل إنهاء اضطهاد المرأة كتبرير للحرب والسيطرة، سوى خدعة، طالما استخدمها الإمبرياليون البريطانيون والفرنسيون بشكل خاص في الماضي ضد المسلمين والهندوس ومن أرادوا. إنه بالتحديد ذلك الخطاب، التي وصفته غاياتري سبيفاك في جملتها الشهيرة: “الرجال البيض ينقذون نساء سمر من رجال سمر البشرة”. من يعرف تاريخ الإمبريالية، تفاجأ من توظيف هذه الخدعة القديمة مجدداً، والمفاجأة الأكبر أنها نجحت بالفعل. وسرعان ما أصبح ذلك توافقاً عاماً أن قواتنا موجودة في أفغانستان من أجل حماية النساء هناك من فظاعات طالبان، وهي أعمال تنسب إلى الإسلام”[64].

الخاتمة

تواجه دراسات الإسلام والجندر، السلطة الدينية الأبوية وتتحدى الحدود الفقهية التقليدية. لا يزال هذا الحقل المعرفي يجذب اهتمام الجامعات والصروح الأكاديمية، خصوصاً في الغرب، حيث عملت ودرَّست ليلى أحمد. لا ترتبط هذه الجاذبية بفهم الأنساق العامة والرمزية بين الدين الإسلامي والنساء فحسب؛ فقد تطور الوعي الأكاديمي والعلمي حول أهمية تحليل ودراسة موقع المرأة في الديانات الأخرى، دون أن يقتصر على الأرومة الإبراهيمية، خصوصاً أن ” الهرمينوطيقا الدينية” أتاحت للمشتغلات بها التوصل إلى خلاصات تخالف التفسير الكلاسيكي الذي يتجه -غالباً– إلى تحجيم الحضور النسائي وفاعليته في الدين والمقدس.

ركزت أحمد القادمة من الثقافات البعيدة عن الحاضرة الغربية، على قضايا تلقى اهتماماً ملحوظاً في المؤسسات الجامعية والثقافية الأمريكية والأوروبية، ولا شك أنها صححت العديد من المفاهيم والرؤى النمطية السائدة عن حَيَوات وفضاءات المسلمات، في عملها على الدراسات النسوية ما بعد الكولونيالية، وكذلك اشتغالها، بشكل دقيق، على أحوال النساء في حقبة الإسلام المبكر، تحديداً إبان الدعوة المحمدية –وهي فترة زمنية بعيدة وكاشفة– مستخدمةً مناهج عدة أتاحت لها طرح خلاصات جديدة، اتخذت مسارين: أولاً: تأثير الدين الجديد في العلاقات بين الجنسين لصالح المنظومة الأبوية وبقايا النظام الأمومي؛ ثانياً: التمييز بين الصوت البراغماتي (الفقهي/ الأبوي) والصوت الأخلاقي (الصوفي والقرمطي/ المساواتي) اللذين طبعا تاريخ الإسلام، وما زال الصراع قائماً بينهما.

إن الأفكار التي طبعت أدب الرحلات والاستشراق حول “نساء الآخر- المسلم” –كما درستها أحمد -، تتطلب بذل المزيد من الجهود، على مستوى التحليل والتفكيك وإعادة البناء، ضمن المناهج المتعددة التخصصات، التي تأخذ في الاعتبار “نرجسية الهوية الثقافية” و”ثنائية الهامش والمركز“؛ وأظن أن العمل هنا ضروري ومطلوب لتكثيف الفهم والقراءات الواعية حول سياسات الموقع والجندر والدين والثقافة والاستعمار.

******

[46]– أفضى كتاب “الاستشراق” (1978) للمنظِّر الأدبي والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003) إلى توليد الدراسات النسوية والنقاشات المتعلقة بها في دراسات الشرق الأوسط، وفي مناطق أخرى تذهب أبعد من وراء هذا الحقل.

[47]دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، بيل أشكروفت، جاريث جريفيث، هيلين تيفين، ترجمة: أحمد الروبي، أيمن حلمي، عاطف عثمان، تقديم: كرمى سامي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص282-283.

 [48]- ثقافة الهند، المجلد (65)، العدد (1)، 2014، ص36.

[49]– راجع: جلولي، العيد، “الأبعاد المفاهيمية لنظرية ما بعد الكولونيالية”، شبكة رواد المعرفة، 17 آب (أغسطس) 2012، على الرابط التالي:

 

http://rooad.net/news-493.html

[50] – أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، مرجع سابق، ص140.

[51]– بولوك، كاثرين، نظرة الغرب إلى الحجاب: دراسة ميدانية موضوعية، ترجمة: شكري مجاهد، العبيكان، الرياض، كلمة، أبو ظبي، الطبعة الثانية، 2011، ص61. لا نخفي أننا كنا حذرين جداً في التعامل مع هذا المرجع بسبب نزعته الدفاعية التبشيرية، فالكاتبة كاثرين بولوك (Katherine Bullock) المحاضرة في قسم العلوم السياسية في جامعة تورنتو، والتي اعتنقت الإسلام عام 1994، تبتعد عن المنهج العلمي المحايد في دراسة الظاهرة، وتقع أحياناً كثيرة في “فخ الذاتية“، وعموماً يعمل الإسلاميون المعاصرون والفقه التقليدي على الإفادة من خطاب كهذا لثبيت أفكارهم الأبوية/ البطريركية، ولكن هذا لا ينفي توافر بعض الأفكار الجيدة في كتاب بولوك، وذكرها لعدد من المراجع يمكن للباحث/ ثة الإفادة منها.

[52] – انظر: ييغينوغلو، ميدا، استيهامات استعمارية: نحو قراءة نسوية للاستشراق، ترجمة: عدنان حسن، دار التنوير للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، 2012، ص70.

[53]– أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، مرجع سابق، ص160. من أجل فهم أعمق للدراسات حول الجنوسة والإمبريالية كما درستها الكاتبات والباحثات العربيات اللواتي كتبن في الإنجليزية، نحيل على:

Nassauer, Luisa Kristina, Beyond Borders: Representations of Gender in Post-Colonial Arab Literature in English, Doctoral dissertation, University of Konstanz, 2018.

[54]يعتبر المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان “أن كل عين هي عين شريرة أكثر منها خيرة”.

[55]– العدوي، أحمد عبدالمنعم، تقاطعات النسوية والاستشراق، مرجع سابق، ص303. انظر أيضاً للمزيد من التفاصيل: تحليل ليلى أحمد في الفصل الثامن من كتابها ص160 وما بعدها.

[56]– أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، مرجع سابق، ص164.

[57]– نفسه، ص166.

[58] – ييغينوغلو، ميدا، استيهامات استعمارية: نحو قراءة نسوية للاستشراق، مرجع سابق، ص105-106.

[59]– أحمد، ليلى، المرأة والجنوسة والإسلام، مرجع سابق، ص175-177.

[60]– نفسه، ص243.

[61]– نفسه، ص251.

[62]– يعيد الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية حسام تمام (1972-2011) التاريخ الذي ظهر فيه الحجاب بصورته المتداولة بين الإسلاميين، إلى منتصف السبعينيات حيث بدأ بجامعة الإسكندرية التي كانت السلفية هي المهيمنة على الجماعة الإسلامية فيها. وربما كان هذا سبب شيوع صفة الحجاب “الإسكندراني” على هذا النوع من الحجاب الذي جرى تعميمه في ما بعد، عبر الجماعة الإسلامية، على بقية الجامعات المصرية، ومنها خرج إلى المجتمع المصري. انظر: تمام، حسام، “الإسلاميون ولباس المرأة: من الحشمة إلى الحجاب ثم النقاب”، جريدة الأخبار اللبنانية، 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2009، على الرابط التالي:

https://al-akhbar.com/Archive_Articles/122638

[63] Ahmed, Leila, A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America, ibid, p p 83-116-157.

[64]– أحمد، ليلى، “حقوق المرأة في الإسلام بعيون الغرب… إمبريالية مقنعة وصور نمطية، ترجمة: عماد غانم، موقع قنطرة، 18 أغسطس (آب) 2011، على الرابط التالي:

https://ar.qantara.de/node/11910

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This