المحرّمات بالرّضاعة، نظرة عقلانيّة معاصرة

تقديم

إن تحريم الزواج بالأم والأخت من الرضاعة، أمٌر مقطوٌع به في القرآن بسورة النساء آية 23: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ …”.

وبالسنة النبوية عن عائشة أنه: “يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَب”[1]. إنما الخلاف كان في عدد الرضعات الموجبة للتحريم، وسيبرز للدارس ولابد، حديث عائشة أيضًا في قولها: “كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ”[2].

وسأحاول في هذه المقالة، إعادة قراءة المناخ الذي دفع بالمشرع الديني، إلى اعتبار الرضاعة موجبًا من موجبات التحريم، ومحاوله فهم المسألة اليوم، على أُسسٍ من العقلانية والعلم والعصر الحديث، لعلي بهذا أفتح الطريق لمزيد من الفحص، لموضوع اعتُبر مفروغًا منه لقرون.

خلفیّة التّحریم

كان إرضاع الصغار سيما الصبيان، تقلیدًا معروفًا عند العرب زمن الجاهلیة، كان یتم بمقابلٍ مادي مجزٍ يُدفع للمُرضعة، إذ يُرسل الرضيع إلى قبيلة بعيدة البادية لمدة سنتين، كي يعيش بمناخٍ أفضل. فيتنشق الهواء العليل، وينال قدرًا كبيرًا من شمسها المشرقة، هذا وتأكل المُرضعة المُختارة أجود الطعام، وتشرب حلیب الجمال الطازج بكثرة، وتحرص على نظافة بدنها ومسكنها، كي تمنح الطفل رضاعًة صحيًة كاملة. وقد فكر سادة القبائل أنداك، في استغلال علاقة الرضاعة تلك، لخلق رابط قرابة بين قبيلة الرضيع البيولوجية، مع قبیلتي المُرضعة وزوجها، لتصيران بمنزلة أخوال الرضيع وأعمامه الصُلبيين[3]. وبهذا یُتقى شرهما بالمستقبل، فلا تُشاركان في حربٍ ضد قبیلته، وتصبحان عونًا له في السلم إذا احتاجهما.

كان تدبير سادة القبائل في المعيش الاجتماعي والاقتصادي، يتأسس على التماس الذرائع والأسباب، لوقف التشاحن والاقتتال بينهم، ومن هذه الأسباب: عقد المصاهرات/ إبرام الأحلاف والمعاهدات لضمان حسن الجوار/ الرضاعة/ الأشهر الحرام، وهي أربعة أشهر يحرم فيها العدوان، ويؤخر الأخذ بالثأر، وذلك لتأمین مسالك آمنة لمواسم الحج لمكة الوثنیة، وللإیلاف، وهما تجارتان عظميان، واحدة بالصیف للشام، وواحدة بالشتاء للیمن، تسیران في عيرٍ ورجال، تشارك بها القبائل المیسورة، فتقطع الدروب المقفرة التي تعج بالصعالیك من خُلعاء القبائل، وشذاذ الآفاق، وقطاع الطرق، لتعود بالبضائع اللازمة لعیش الجمیع. ووجود رابط مصاهرة، أو حلف وخلافه، من شأنه أن يرفع من حظوظ السلم، وتدفق الموارد الاقتصادیة، وقد تفتقت العقلية البدوية وقتها، على اعتبار اللبن رابط قرابة مقدس، يتساوى مع رابط الدم في جوانبٍ ما، وذلك ضمانًا لتحیید أكبر عدد ممكن من الأغيار، ولو عرفت القبائل العربية عملیات نقل الدم ومشتقاته، وزراعة الأعضاء والنخاع الشوكي وقتها، لجعلت منها جمیعًا رابطًا آخر تُوطد به أواصرها بقبيلة المتبرع. وقد سایر القرآن المحیط الذي نزل فیه، وأقر هذا الحكم نظرًا للعواقب الوخيمة التي عساها تترتب على إبطاله، إذ كان من قبیل المخاطرة غیر المحسوبة، إقناع قبائل كان النبي أحرص ما یكون على كسب ودها، بهدف إقناعها بدخول الإسلام، أو الإستجارة بها لتحمیه ممن يمكن أن يعتدي علیه، بجعلها تغّیر من نظرتها فجأة للأمهات بالرضاعة وقبائلهن، وترد إلیها عهود الخؤولة والعمومة والولاء القدیمین.

حجّة التّحریم الذّائعة اليوم

هي الحجة التي تجدها في متون الفقهاء، ويدعيها دُعاة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، إنها أن حلیب الأم بمكوناته، يُنبت لحم الرضیع، ويُنشز عظامه، فتتشابه بذلك أنسجتها وخلایاها وتركیبها الجیني والمناعي، مع أنسجته وخلایاه وتركیبه الجیني والمناعي، وتنتقل إلیه سائر مورّثاتها وأمراضها وخصائصها البيولوجية، مما یستوجب النظر إليها كالنظر إلى الأم الصُلبية، فتُحرّم عليه حُرمة الأم الصُلبية، وتحرُم بناتها وأبنائها عليه، لذات العلة[4].

النّظر في مسألة التّحریم

يقتضي فحص جدوى التحريم اليوم، إعادة النظر في الأسانيد التي ادعاها الفقه لنفسه طيلة أربعة عشر قرنًا، ولدُعاة الإعجاز العلمي في القرآن والسُنة منذ ستينيات القرن الماضي، وفق قراءة عصرية عقلانية وعلمية.

  • ­أولًا: إنه وإن صح حديث عائشة، فإننا أمام مفارقة عجيبة، فكيف ولماذا يشترط الله أن تكون عشر رضعات مُشبعات، موجبٌ لتحريم المُرضعة على رضيعها، بالوقت الذي تُعد معه محض خمسٍ كافيات؟!

وكيف تسقط آية من آيات الأحكام القطعية، عند تجميع القرآن، دون أن يرفع أحد عقيرته بالاعتراض وطلب التصحيح؟

  • ثانیًا: إن الخمس رضعات المشار إليها بالحديث، بالكاد تكفي الرضیع، – سيما حدیث الولادة بالیوم الواحد -، فما بالك إذا ما تقدم بالعمر، فهل یُعقل أن تُحدث الرضعات الخمس، تأثيراً هائلًا في أنسجة الرضيع، وخلایاه وعظامه ولحمه وجهازه المناعي، في يوم واحد، يضاهي ذلك الذي ورثه عن أبویه البیولوجیین في تسعة أشهر رحمية؟

هذا ودُعاة الإعجاز العلمي، لم يوضحوا لنا مأل الأمر على صحة الطفل، فيما لو تضاربت جينات الأم البيولوجية، مع الجينات البيولوجية للمُرضعة، وجهازها المناعي، وتاريخها المرضي الوراثي والمكتسب.

  • ثالثًا: إن الرضاعة الفعالة في تغذية الطفل، وبناء جسمه، ومدّه بالأجسام المضادة، والتي تساعده على تجنب أمراض الطفولة المبكرة مثل الإسهال والإلتهابات الرئوية، لا تُقاس مطلقًا بعدد الرضعات، سواء كنّ خمسًا أو خمسين، بل بمدة الإرضاع الحاسمة. والمتفق على أنها الستة أشهر الأولى من عمره، بحسب منظمة الصحة العالمية في توصياتها المُشددة بالخصوص[5]. هذا عدا عن أن حليب الأم البيولوجية نفسه، لا يُعد كافياً لمدّه بالأجسام المضادة، وإلا لما احتاج الوليد للتطعيمات، التي تُعطى له على مدى سنتي الرضاعة المعروفة، وتمتد حتى دخوله المدرسة.
  • رابعًا: إن أهم ما يمكن أن تمنحه المُرضعة للطفل هو اللبأ. إنه الحليب الأولي المتخثر، الذي تفرزه غدد الثدي بالساعة الأولى بعد الولادة مباشرة، واللبأ مسؤول عن منح الطفل جهاز مناعي متماسك حتى حين يبدأ في تناول الأطعمة الصلبة[6]. وهذا ما قد يفوته التفاوض على الرضاعة من قبل الأبوين البيولوجيين مع الأم المُرضعة، والتي على الأغلب ستخصصه لابنها البيولوجي، لا ابنها بالرضاعة.
  • خامسًا: إن الطرح الذي اقترحه الفقهاء، ودُعاة الإعجاز العلمي، يعاند العلم والتعقل، فكما هو معروف، فإن المورثات تنتقل إلى الجنين منذ بداية تكوينه من الأبوين معاً عن طریق الحمل، حیث تلتحم بویضة الأم مع الحوین المنوي للأب، وباجتماعهما یتكون الجنین، الذي یرث نصف جينات الأم وصبغیاتها وصفاتها الوراثیة، ونصف صفات الأب وصبغیاته وصفاته الوراثیة، وعلى ذلك فإن المورثات لا تنتقل مطلقًا للطفل لاحقاً وعبر جهازه الهضمي.
  • سادسًا: إن موقف المذكورين، يتضاءل أمام تأثير الأب بالرضاعة في مسألة التحريم كلها، فمساهمة الأب بالرضاعة، في بناء وتكوين جسد الرضيع هي صفر بالمطلق، وعلاقته بالرضيع لا تعدو أن تكون معاشرة مُرضعته، والتسبب في إدرار لبنها وحسب. وهو موقف سيتحطم على صخرة الواقع، الذي يلاحظه الجميع بعيدًا عن شطط التنظير. إنه أن الطفل الذي ولد لأبوين أبيضين من جنوب المتوسط، سيرث الجينات المتعلقة بإثنية أبويه وحدهما، ولن يغير من الأمر بحال، رضاعته من أبوين أو أفريقيين أو صينيين. فالرضيع سوف لا يولد له مستقبلاً ابنًا أو بنتًا، بجينات وملامح سكان جنوب شرق آسيا، أو أفريقيا السمراء.
  • سابعًا: لماذا لم يُجرب دعاة الإعجاز العلمي حتى اللحظة، اختبار صحة التحولات التي تحدث بجسد الرضيع، في مختبراتهم، فها هي الفرصة قد هبطت علیهم من السماء، لجعل العالم كله یخر عند قدمي المسلمين مؤمنًا بدينهم، بدلًا من السطو على نظریات علمیة غربية ٔأخرى وتلفیقها للقرآن؟

الخلاصة

إن حكم تحريم زواج الإخوة والأخوات بالرضاع، مثله مثل حكم الأشهر الحرام تمامًا، أحكام أملتها ضرورات العیش بسلام في مجتمع بدائي متناحر یشكو الثأر والضغائن، لا یعرف مفهوم الدولة الحدیثة، والعقد الاجتماعي، الذي یحفظ الأمن الداخلي للمواطنین بالقانون، كما لا يعرف المواثیق والمعاهدات الدولیة، التي تنظم الحروب بين الأمم والنزاعات المسلحة بالدول الوطنية، وحتى أحكام الأشهر الحُرم، لم تعد الدول الممثلة للإسلام تأخذ بها، فالصراع السعودي اليمني، جاوز السنوات الآن، تبادل فيه الطرفين القتال شهرًا بشهر، ودولة إيران التي تواصل الاصطفاف إلى جانب نظام الأسد بسوريا، تقاتل معه جماعات أخرى إسلامية منذ سنوات دون توقف.

إن تحريم الزواج من الأم والإخوة والأخوات بالرضاع، لا يعدو كونه وجه نظر تاريخية، لا تخلو من فطنة وذكاء، لإدارة وقائع الاجتماع البشري لمجتمع الإسلام الأول، وكیفیة حفظه من التناحر لتنتشر الرسالة، مع أقل مقاومة ممكنة، وليدلل أكثر وأكثر، على أن القرآن كان بالحقيقة ابن بيئته بالدرجة الأولى.

******

[1] محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق مصطفى دبيب البغا، دار العلوم الإنسانية دمشق، سوريا، الطبعة الثانية 1993، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع ، ج 2، ص 875.

[2] الإمام زكريا محي الدين النووي، المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد جدة، السعودية، ج 20، ص 83.

[3] محاضرة للسيد أحمد القبانجي، منشورة على الإنترنت موقع يوتيوب، صفحة بيت الوجدان، أنظر الرابط:  https://youtu.be/GBaz6q8DRFg

[4] الدكتور قيس عبد الديم الأنصاري، أستاذ الجراحة بالقصر العيني مصرـ تحريم الإسلام للزواج من إخوة الرضاع، ص 1,2 منشور بموقع الإعجاز العلمي بالقرآن والسنة. أنظر الرابط: https://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/60-Second-Issue/882-Islam-s-prohibition-of-marriage-of-brothers-breastfeeding-has-a-scientific-explanation

[5] https://www.who.int/features/factfiles/breastfeeding/en/

[6] https://www.healthline.com/health/breastfeeding/breast-milk-antibodies

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This