العطب الحضاري في قصّة “الأيدي” لريبيكا غولد

في قصة “الأيدي”، للدكتورة ريبيكا غولد، عودة لملف حوار الشرق والغرب، ولكنه حوار سريعا ما يتحول لصراع وسوء تفاهم بين طرفي المعادلة: الغرب المؤنث والشرق المذكر، وبنفس الطريقة التي اعتاد عليها الأدباء العرب من كتاب رواية الرحلات العلمية أمثال توفيق الحيكم وسهيل إدريس وهذه الزمرة المعروفة.

حينم كانت الأخلاق تأتي في رأس قائمة المشاكل المختلف عليها.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا التزمت غولد بخط أو حبكة الرواية العربية، ولم تستأنس بالرواية التي رواها الغرب عن نفسه خلال رحلات استكشاف الشرق، ومنها أعمال هيرمان هيسة مثل (سيدهارتا) و(رحلة إلى الشرق)، أو رواية (بيلا دونا) للبريطاني روبرت هيتشينز. ولا أستثني هنا أعمال التشويق والإثارة التي كتبتها أغاثا كريستي ومنها (جريمة على ضفاف النيل) و(جريمة في بغداد) وغيرها وغيرها؟؟.. كل هذه الأعمال الغربية تركز على مسألتين اثنتين.

1- الشرق المجهول ورواد الآفاق الغربيين. وخلال ارتياد تلك المساحات الغامضة، بكل ما يكتنفها من جماليات تأسر لب المشاهد وتحرك كوامن دهشته وفضوله للمعرفة، تلاحظ أن المعرفة غريزية، وتتحرك بناء على نداء البيولوجيا، أو الجسم الكامل، بمعنى المؤسسة المكتفية بذاتها (إن استعملنا مفردات جوديت بطلر).

2- أن الشرق منبع الأسرار وليس الحكمة، وعقدة النكوص وليس التمسك بالأعراف والتقاليد فقط. بالإضافة لما يخيم عليه من احتمال دائم بسفك الدم والموت. وترافق ذلك مع نظرة قوطية غريبة للمباني (وهو ما اعتاد النقد الأدبي على تسميته إكزوتيك exotic). ولهذه الكلمة أكثر من معنى، فهي كلمة موشورية تدل على عدة اتجهات بالتفكير: قد تعني الرغبات الغامضة والمكبوتة. وقد تدل على المغامرة والجسارة. وربما يختلط ما سبق بالخوارق. وصندوق العجائب لا بد منه في أي رحلة من الغرب إلى الشرق. وبقراءة فرويدية مباشرة تستطيع أن تفهم أن المشكلة بالأساس فطرية ويتحكم بها نداء الجنس أو فكرة الإيلاج. وبتعبير أوضح الفتوحات. وهذا لا يبرئ هذه الروايات من شبهة أنها تخدم سياسة الميتروبول الغربي باستعمار أراضي الشعوب المجاورة. وتوجد عدة صيغ للتعبير عن هذه السياسة المقنعة، منها رحلات الكشوفات العلمية وبعثات التبشير الدينية وأخيرا بعثات الخبراء العلميين. وأشهر من منابر المحور الأخير: مجلة الإثنولوجيا الآسيوية Asian ethnology، متابعات في زراعة قطن الإمبراطورية Empire cotton growing review، والزراعة Agronomie . في هذه المجلات مزيد من التصورات عن عجائب بيئة وأراضي الشرق وعلى وجه الخصوص الإسلامي منها، ولا سيما اليمن ووادي النيل والباكستان وتركيا. لكن بكل تأكيد لا يسعنا تصنيف غولد ضمن هذه الزمرة. فقد خالفت زملاءها الأوروبيين فيما يلي.

أولا من ناحية التفاصيل. كانت مقتصدة جدا، ولم ترسم صورة للأماكن التي زارتها وهي ثلاثة مدن: طهران وتبليسي وأبو ظبي.

ثانيا من ناحية الشخصيات. لم تقدم سوى نموذجين بلا اسم علم ولا ملامح محددة، واكتفت بإطلاق اسم “هي” على المؤنث، و”هو” على المذكر. ولم تنسب أيا منهما لبلد محدد. كانت ضمائر عامة دون هوية جغرافية أو سياسية. بمعنى أنهما مجرد نماذج عائمة. ولا يسعنا هنا الانتباه لأي فرق في سلوك التذكير والتأنيث. لقد كانت المرأة جوابة آفاق، لكنها ثابتة لا تتبدل. بينما الرجل يبدل سلوكه حسب البلد الذي هو في فيه. وقد استغلت ريبكا غولد هذه الفكرة لتقديم تصورات عن أوضاع المشرق مثل التزمت الديني والأخلاقي في طهران. والحرية الجنسية والاجتماعية في تبليسي. مقابل الهوية المحايدة في أبو ظبي. وربما لهذا السبب لم تسمح للشخصيتين بمغادرة المطار إلا في تبليسي.

هل هذا مؤشر أو معيار وجودي أم أخلاقي؟.

يمكنك الإقرار بالاثنين. فمن الواضح أن غولد تضع الأخلاق بسوية واحدة مع مشكلة الحرية والوجود. وتنظر للموضوعين على أنهما على علاقة أنطولوجية بنشوء المجتمع. فالقصة لم تقدم أية علامة على معنى اقتصادي أو اجتماعي، وكانت تنطلق من الأخلاق لتفسر بها كل مسائل المجتمع. ومثل هذه الرؤية تحمل دلالة ترميز سياسي يشير لأحوال وليس لأزمان. بتعبير آخر: هي تقارب مشكلة الإنسان المعاصر على أنها مشكلة أخلاق. مثلا تقول: الأخلاق ثابتة لكن القانون متغير، ومعه تتغير نظرتنا للمسموح والممنوع.

ثم تسأل نفسها: كيف يمكن للقانون أن يتداخل مع الأخلاق؟.

وتضيف لاحقا: أليس شيئا غريبا أن تكون العاطفة والتعبير عن الحب جريمة (بمعنى انتهاك للقانون)..

لقد نظرت للأخلاق على أنها مشكلة وجودية أو كشيء ملازم للحظة النشوء، وليس كمعيار ملازم لتطور المعارف أو العقل أو حتى المجتمع. وكانت إحالاتها بسيطة ومباشرة كما هي كل رموز “كليلة ودمنة” لابن المقفع أو “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل. إنها رموز لا تقل عن مرتبة اسم علم. وتحدد المومأ إليه دون أي مجال للتكهن. وهذا يحول الرمز من مجاز قابل للتحويل إلى أليغوري. وقد استفادت من هذا الأسلوب لتعزو صفة الفيتشية للمرأة في القصة. فقد كانت لا ترى من رجلها غير يديه. علاوة على ذلك إن طريقة استعماله لهما في كل مدينة كانت تدلها على أخلاقيات وقوانين تلك المدينة. وهذه فكرة قد أبني عليها عدة ملاحظات.

أولا. أن النزوع الفيتيشي عند المرأة له أعراض ذهانية. فالشخصية تنفصل عن واقعها النفسي، وتفقد الشعور بعلاقتها الواقعية مع الحقيقة، وتدخل في هذيان ذهاني يكشف الأفكار المزروعة في وعيها الباطن. وبهذه الحيلة أطلقت سهام انتقاداتها السياسية للمضمون الروحي والوجداني لكل من أبو ظبي وطهران.

ثانيا. التركيز على يدي الشخصية المذكرة يوحي بمشكلة العادة السرية أو الاكتفاء بالذات. وسبق لفرويد أن أشار لمثل ذلك في دراسته لشخصية دافنشي الذي يستعمل ضربات فرشاة سريعة في لوحاته. وأخذ ذلك على سبيل قرينة باستعمال اليد لبلوغ النشوة. وفي هذا السياق لا بد من أن نلاحظ أن التماسك باليدين لم يتبعه ولوج إلا في جورجيا بسبب الحريات المتاحة. فـ “جورجيا شيء آخر” كما ورد بالحرف الواحد. وربما كانت هذه إشارة بعيدة (وغير شعورية) لسياسة الفصل بين الجنسين في الدين الإسلامي وجواز المخالطة في الكنائس وأعياد المسيحيين.

ثالثا وأخيرا. لم تذكر القصة شيئا عن قدمي الرجل، كما لو أنه إنسان مقعد مربوط بقيود حديدية بأرض ثابتة ولا تدور، وهو النطاق المجدي لحضارات المشرق مهما كان دينها. ويكفي أنه لم يركب طائرة ولم يحط بمطار غربي واحد. بينما كانت المرأة هي التي تنتقل من نصف الكرة الأرضية الغربي لنصفها الشرقي مثل أي سندباد جوي لا يعرف الركود.

لا أريد أن أحمّل هذه القصة، التي لا تزيد بطولها عن 1000 كلمة، ما لا تحتمل، لكنها بالفعل هي أشبه بتطبيق عملي لمجموعة أفكار نظرية. حتى أنها لم تستعمل الفلاش باك ولا الذكريات، وإنما استعملت موجات من السرد والمتابعة، وذلك بهدف تعرية ذاكرة منهوبة لم يبق فيها شيء لم تتدخل مطارق الغرب بإعادة تشكيله.

ملاحظة أخيرة لا بد منها. العنوان الضمني للقصة هو “اليدان” ولكن باعتبار أنهما يدان لنموذج معرفي وحضاري، يمكن تعميمهما على كل يد، واستبدال المثنى بصيغة الجماعة ليصبح العنوان هو “الأيدي” أو الأطراف المسؤولة عن كل فعل يؤديه البشر. وعليه يمكن أن نقرأ القصة على أنها متابعة لمشكلة وظيفية عند أبناء المشرق عموما، وهي مشكلة التعطيل الحضاري أو ما يسميه علم الاجتماع “العطب”.

تشرين الأول 2020

ترجمة نص قصة “الأيدي” المنشورة في سيرين بوكس (بالاتفاق مع الكاتبة)

 الأيدي لريبيكا روث غولد

لفتت يداه انتباهها أكثر من أي شيء آخر. كانتا طويلتين ورقيقتين مثل جسمه. والمدهش علاوة على الشكل كيف استعملهما. فقد شد على يدها بقوة ودون مراوغة في أول لقاء، كما لو أن هذا شيئ طبيعي وليس انتهاكا للثقانون في جمهورية إيران الإسلامية. وربما فاجأها تصرفه، ولم يكن لديها فرصة للتهرب من ذلك. فقد تركت يدها معلقة في قبضته حتى قرر أن يفلتها. مع أنه في اليوم السابق فقط اعتقلت السلطات شاعرا، ساعة عودته من السفر، لأنه مد يده وصافح امرأة. وكم ودت أن تحذره وتقول له: عليك أن لا تقدم على هذه الحماقة. لربما أودعوك السجن لهذا السبب. ثم اختارت الصمت. فهو بالتأكيد يعلم ما يفعل. هكذا قالت لنفسها، ثم من هي لتملي عليه سلوكه في بلاده؟. بعد ذلك لاحظت أنه ترك يديه طليقتين ولم يضعهما في جيبيه. وكذلك لم يسبلهما. وفضل أن تكونا حرتين في نهاية ذراعيه كأي سباح محترف يعرف كيف يضرب الماء ويشق طريقه، ولكن ليس على اليابسة. وكانت الخطوط على راحتيه طويلة تبدأ من معصمه حتى سبابته. ولو طلبت من قارئ الحظ – الذي تكلمت معه في ضريح حافظ في شيراز – أن يقرأ حظه سيتنبأ له بحياة طويلة، يتخللها الزواج السعيد وإنجاب الأبناء. ثم كانت يداه مثل شيء مستقل ومنفصل. وتخيلت أنهما يمكن أن تقدما لها الدفء في الليالي الباردة، وتخففا من آلام ظهرها. كذلك يمكنها أن تطبع عليهما قبلاتها وهو يحضنها. وفي نهاية تلك الليلة الساحرة في طهران، وقبيل الوداع، غامرت وسألته لماذا صافحها. لم يرد عليها. واتخذ وقفة ممثل على المنصة وقال بلغة شاعرية :”لأنني أحلم بصناعة معجزة بهاتين اليدين. فلأكن صانع عطور،  وأقطر بهما عطرا مسحورا يساعد على تبديل الأحوال الجامدة في إيران”. لم يكن جوابا مباشرا، لكنه فتح لها نافذة مبهمة على مشارف روحه.

ولتعرف عنه المزيد اتفقت معه على اللقاء في تبليسي. وهناك في جمهورية جورجيا حضنت يديه دون تهيب. وتبادلت معه الكلام بحرية مطلقة – عن السياسة وعن الأمور الشخصية التي لا يجب المساس بها طالما أنت في أراضي الجمهورية الإسلامية. كانت جورجيا شيء آخر. تستطيع أن تتماسك فيها مع امرأة بيديك، علنا، دون أي خرق للقانون. وفكرت: شيء غريب. كيف يمكن للقانون أن يتداخل مع الأخلاق. وأضافت: الأخلاق ثابتة لكن القانون متغير، ومعه تتغير نظرتنا للمسموح والممنوع. لكن أليس شيئا غريبا أن تكون العاطفة والتعبير عن الحب جريمة.

ضغطت يداها بقوة على جسمه. وأجزاء منه استسلمت لها بطريقة من الطرق. ولكن ليس كل بقعة منه وليس بكل طريقة ممكنة. ومررت يديها على قوس ظهره وهما مشغولان بالعمل معا. وساعد ذلك على تسهيل تدفق الكلمات التي تستدعي الذاكرة وتربط أجزاءها لتصبح متماسكة.

كان اللقاء التالي في أبو ظبي. وهناك لاحظت أن اختلافا في طريقة استعمال يديه، وزاد إحساسها بهما، وأرادت أن ترى ماذا ستفعلان بجسدها الخامل. في تبليسي هي من أمسك بزمام المبادرة. أما في أبو ظبي انتظرت منه أن يفعل شيئا. أن يمد يده ويلمسها. أن يعتدي بأصابعه على برودها وموقفها السلبي. كما فعل في إيران. حينما اقترب منها بالعلن. ربما كان يريد إيقاظ القانون النائم. ولكن هذا ما حصل. وسألت نفسها: هل أخطأت في قراءة أسباب تهوره. هل كان يمثّل، ولم يكن يضحي في سبيلها، وغايته استفزاز الدولة والتعبير عن امتعاضه وتمرده، أو امتحان قدرات الحكومة على ضبط النفس؟. أو ربما فعل ذلك احتراما لواجب الضيافة الذي يفترض مصافحة الضيوف كما تعلم. لكن لو الغاية هي حسن الاستقبال والضيافة لماذا لم يفعل ذلك الآن. فالواجب مهمة دائمة !. هل كان للقائه السابق معها معنى استثنائي لم تنتبه له؟. ثم أي قانون يمكن أن يدفعه لمد يده في طهران والاحتفاظ بها باردة وجامدة في أبو ظبي؟.

في لقائها الثاني معه في أبو ظبي. وكانا بمفردهما. لاحظت أن يديه مقيدتان لو قارنتهما مع حاله في طهران وتبليسي. كأنهما من عالم آخر، وعلى جسم آخر، أو في مجرة غريبة. وقررت أن تنتظر حتى يحين الوداع لتسأله لماذا هو بهذه الحال النفسية، ولماذا يتردد في الاقتراب منها. ولكن لحظة الوداع ازدحمت الصالة كما هو الحال دائما. وأصبح صف الانتظار طويلا للغاية مع اقتراب ساعة الصعود للطائرة. كان التوقيت حوالي 5:30 أو أنه 5:35 وكان النهار يبزغ ولكنك تعتقد أنه يوم القيامة. وأعلن مكبر الصوت: رجاء على كل المسافرين إلى طهران التوجه إلى البوابة 6D. وهنا حانت فرصة الكلام – وتوجب عليها أنتصافحه. ومدت يديها نحوه. ولكن كانت يداه مدفونتين عميقا في جيبيه. أعمق من المعتاد. فأجلت الكلام. اليدان أساسا هما موضوع الكلام، وهكذا لم تناقشه بالأمر. ولم تسأل: متى يمكن لهما أن يتماسكا بالأيدي مجددا؟. ثم طلب منها أن تراقب أمتعته ليذهب إلى الحمام. ولدى عودته كان وقت الصعود قد أزف. ولم تجد فرصة للوداع، ولا الوقت اللازم للتحية كما فعلا في طهران وتبليسي. ولم يكن أمامها أي فرصة لتضع يديها في يديه، ولتطبع شكل أصابعه في ذاكرتها، ولترفع أطراف أنامله إلى شفتيها من أجل قبلة، ثم لتخبره أنها بحاجة ليديه في حياتها – مثل حاجتها لكل شيء آخر. لكل قطرة من روحه. ثم فكرت: ربما الزحام أفضل مبرر لتأجيل هذا الكلام المحرج. ولعل الصمت هو الخيار الأفضل. ولم تعلم ماذا يجب أن تقول في الوقت الضيق المتبقي لهما. وهكذا أغلقت عينيها وتخيلت أصابعه تربت على شعر رأسها. وعندما فتحت عينيها كان قد رحل.

***

ربيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould: أستاذة الحضارة والفلسفة الإسلامية في جامعة برمنغهام. وقبلها في جامعة بريستول. تترجم من الفارسية والروسية، وتكتب القصة والشعر. من أهم مؤلفاتها كتاب “كتاب وثوار: أدب التمرد في القوقاز”. وهي محررة ومعدة سلسلة “ترجمة آداب آسيا الوسطى”….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This