رياض نجيب الريس قرأ كتابه الأخير قبيل آخر أيامه / صقر أبو فخر

في عام 1982، في أثناء الغزو الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت، اغتنمتُ هدنة أربع ساعات لأجول فيها في بعض مناطق القتال والأحياء المقصوفة. وفي تلك الجولة التقيت محمود اللبدي، مسؤول الإعلام الخارجي في حركة فتح، الذي كان يجمع مخلفات القذائف الإسرائيلية ويعرضها أمام مكتبه في الهواء الطلق. آنذاك، أخبرني أن صديقي الشاعر علي فودة استشهد في ذلك اليوم. وقبيل انتهاء الهدنة كنت قد تسللت إلى خارج منطقة القتال، وذهبت إلى جريدة “السفير”، حيث أخبرتُ بلال الحسن باستشهاد علي فودة، واقترحت عليه إصدار بيان نعي باسم الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين. وعلى الفور، قال لي بلال: إجلس الآن واكتب خبر الاستشهاد أولًا، ثم نرى. فكتبتُ الخبر الذي نُشر في “السفير” غداة ذلك اليوم. وفي صباح اليوم التالي، كنت أمام مستشفى الجامعة الأميركية لأرى ما سنفعل بجنازة علي فودة، فإذا بسليم بركات جالسًا وهو يضع الكلاشنكوف على فخذيه، ويبادرني بالقول: “بعدو طيب”. فقد عرف سليم، ما إن رآني، أنني أتيت من أجل علي فودة. دُهشتُ لهذا الخبر، ثم صعدنا معًا نحو غرفة علي، ورفض الأطباء والممرضات دخولنا إلى غرفة العناية الفائقة. وبعد لأي، ولولا الصوت العالي، وتلويح سليم بركات بالبندقية، لما سمحوا لنا بالإطلال على صديقنا، واشترطوا علينا البقاء عند تخوم الباب فحسب. وهكذا وقفنا عند الباب، وكان عليّ مغطى برقائق النايلون الطبي، والأجهزة موصولة إلى جسده كآلة يابانية. لم نكلمه، وما كان في إمكانه أن يكلمنا، وخِلتُ أن ابتسامة ارتسمت على شفتيه حين رآنا، وربما كنت واهمًا. ومع الأسف لم يعش علي فودة، وتوفي في اليوم التالي. وضجت الصحف بالكلام عن أن علي فودة قرأ خبر موته بعينيه. والحقيقة أنه لم يقرأ الخبر، وما كان قادرًا على ذلك، فقد كان غارقًا في غيبوبته الأخيرة.
في عام 2013، وصلني هاتف من باريس يخبرني أن الصديق التونسي العفيف الأخضر قد انتحر وتوفي. فبادرتُ، على الفور، إلى كتابة مقالة وافية عنه في جريدة “السفير”، ولا سيما أنني أعرفه جيدًا منذ أن جاء إلى بيروت في أعقاب معارك أيلول/ سبتمبر 1970، وراح يكتب في مجلة “دراسات عربية” التي كانت زاد اليساريين العروبيين ومَعْلَفِهم في آن. وعلمتُ، في اليوم التالي، أن العفيف لم يفارق الحياة، وأنه نُقل إلى المستشفى وأُنقذ من الموت. وفي ما بعد، قرأ مقالتي عنه، ومقالات أخرى عن انتحاره، مع أن إقامته لم تطل فوق هذه الأرض بعد محاولة انتحاره، فرحل متألمًا ساخرًا من الدنيا.
أما الصديق رياض نجيب الريس فإن آخر ما قرأه قبل رحيله كان كتابه الموسوم بعنوان “صحافة للنسيان”، وهو الكتاب الثامن والثلاثون في سلسلة مؤلفاته الجميلة والمفيدة. وفي هذا الكتاب عمد إلى نبش مطموراته وتاريخه الصحافي، واستعاد مجموعة من المقالات الأثيرة لديه، وضمّها إلى بعضها، وذيّل مقدمة الكتاب بالتالي: “بيروت – زمن الوباء، نيسان 2020”. وغاية هذا الكتاب، الأولى والأخيرة، كما تبدو لي، هي مقاومة تلاشي الذاكرة، على غرار كتاب صديقه محمود درويش “ذاكرة للنسيان”. والكتاب جولة ممتعة، وحارقة أحيانًا، في بقاع العالم العربي، ولا سيما اليمن وسواحله، والخليج وفيافيه، وسورية ولبنان، وقضايا الأمة العربية التي تكاد تتلاشى أيضًا، علاوة على شخصيات لمعت ثم غابت، أو أومضت ثم انطفأت بعدما تركت أثرًا كالشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، وجورج أورويل، وإمام الاسماعيلية الآغا خان، ويوسف بيدس والقصة المثيرة لاعتقاله في سويسرا، وهذا ما يرويه رياض الريس في كتابه الأخير.

الصحافي الجوال
يُنعش هذا الكتاب جانبًا من ذاكرتنا، ويعيد إلى أسماعنا عبارات كانت متألقة في الحقبة الناصرية، ثم نسيناها تمامًا جراء تأكل الأزمنة، مثل الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، ورابطة الجنوب العربي، وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، وعبدالله الأصنج،
“يسترسل رياض الريس في كتابه الأخير “صحافة النسيان” في الكلام على “قصور النظام اللبناني، وضحالة بعض أوجه الفكر اللبناني، وشراسة العصبية القبلية اللبنانية، وعمق التعصب الطائفي اللبناني المختبئة كلها وراء مظاهر الليبرالية الخادعة””وعبدالقوي مكاوي، وقحطان الشعبي، وفيصل الشعبي، ومحمد علي الجفري، وطه مقبل، وغيرهم. ويذكّرنا رياض الريس بأن رابطة الجنوب العربي، التي أُسست في عام 1948 برئاسة محمد علي الجفري، قد تولى موقع الأمين العام فيها شيخان، الحبشي الذي كان أول من انتمى إلى حزب البعث في الجنوب اليمني في عام 1942 (ص30). وهذا الكلام يعدّل معرفتنا التاريخية، أي أن أفكار حزب البعث وتشكيلاته الحزبية الأولى وصلت إلى اليمن في عام 1942، أي قبل خمس سنوات على التأسيس الرسمي للحزب في عام 1947. وهذا تأريخ مفاجئ، وهو من فضائل ميشال عفلق المستورة. ورياض الريس لا يكتب عن بُعد كما يفعل كثير من كتاب الصحف العربية، بمن فيهم كُتّاب الصحف اللبنانية، بل يكتب وهو منخرط في خضم الأحداث مباشرة؛ فقد عمل مراسلًا لجريدة “النهار اللبنانية” في عدن بين 1967 و1968، وبهذه الصفة، شهد غروب آخر حقبة من حقب الاستعمار البريطاني، وعايش انبثاق بدايات الكفاح المسلح في سبيل استقلال اليمن. ثم إن رياض الريس لم يكن مجرد صحافي يجري وراء الحوادث لينقل تفصيلاتها، بل كان كاتبًا يبحث عما وراء الحوادث والوقائع، مفتشًا عن الأسباب بأدوات الدارس المنقّب، وهو، إلى ذلك، صاحب رأي كاشف وشجاع، وجميعها صفات قلما توافرت لصحافيي جيله. وفي هذا السياق، لم يتورع رياض الريس في تلفزيون الدوحة عام 1977 عن نقد مجلس التعاون الخليجي بقوله: “كان تأسيس مجلس التعاون [الخليجي في أيار/ مايو 1981 في أبو ظبي] أول عملية إضعاف للبيت العربي الواحد، أي الجامعة العربية” (ص65)، ليعود في عام 2020 ويعاير هذا الكلام بمعيار الواقع فيقول: “الرخاء الخليجي المصطنع والاستقلال الشكلي كان له ثمن. والحرب اليمنية – الخليجية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات كانت ثمنًا باهظًا للهيمنة الخليجية الغنية على الفقر اليمني التاريخي” (ص16).
يسترسل رياض الريس في كتابه الأخير “صحافة النسيان” في الكلام على “قصور النظام اللبناني، وضحالة بعض أوجه الفكر اللبناني، وشراسة العصبية القبلية اللبنانية، وعمق التعصب

“يُنعش هذا الكتاب جانبًا من ذاكرتنا، ويعيد إلى أسماعنا عبارات كانت متألقة في الحقبة الناصرية، ثم نسيناها تمامًا جراء تأكل الأزمنة مثل الجبهة القومية لتحرير “جنوب اليمن المحتل”، ورابطة الجنوب العربي، وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل”، وعبدالله الأصنج، وعبدالقوي مكاوي، وقحطان الشعبي، وفيصل الشعبي، ومحمد علي الجفري، وطه مقبل، وغيرهم”
الطائفي اللبناني المختبئة كلها وراء مظاهر الليبرالية الخادعة” (ص87)، وجراء إطالة النظر في هذه الأمور لاحظ مفارقة مضحكة هي إن النظام اللبناني يحمل في طياته “أسباب الحساسية المفرطة التي يتمتع بها الفرد اللبناني تجاه الغرباء إلى درجة الشوفينية، على عكس نظامه السياسي الذي أتاح دائمًا، وعبر تاريخه كله، للغرباء التدخل في شؤونه” (ص88). ومن طرائف ما سطّره المؤلف الراحل في كتابه هذا هو أنه ذهب إلى مدينة لوسيرن في سويسرا بعد اعتقال المصرفي الفلسطيني المشهور يوسف بيدس، مؤسس بنك إنترا، الذي أفلسته الطغمة المالية اللبنانية الغبية في عام 1967، وهناك لم يحاور يوسف بيدس في قضية الارتدادات المالية الهائلة التي نجمت عن إفلاس بنك إنترا، لأنه لم يلتقِه أصلًا، بل حاور الشرطي جون هرزيك، الذي اعتقل بيدس مصادفة في مدينة لوسيرن، ونقل حكاية ذلك الشرطي الذي كان يتقن الألمانية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية والبرتغالية والإسبانية [مثل شرطة بلادنا تمامًا]، والذي تلقى بلاغًا يتضمن الاشتباه بسيارة أميركية الصنع من طراز لينكولن تقف إلى جانب مبنى البريد، الأمر الذي يثير الشبهة في احتمال عملية سطو. ووصل ذلك الشرطي إلى المكان، وطلب من بيدس الذي كان يقف بالفعل إلى جانب سيارته أن يُبرز له جواز سفره، فأبرز له جواز سفر برازيليًا. عند ذلك تكلم الشرطي معه بالبرتغالية، واكتشف أن بيدس لا يتقن البرتغالية، وتحجج بأنه مولود في البرازيل، لكنه جاء صغيرًا إلى بريطانيا. فتكلم معه بالإنكليزية ليكتشف أن إنكليزية بيدس ليست إنكليزية البريطانيين، فاشتبه به واعتقله (ص175).
أسمع دمشق ولا أراها
بحنين جارف، يعود رياض الريس إلى منزل العائلة في حي بستان الرئيس في مدينة دمشق، ويتذكر كيف كان يتسلل إلى قبو المنزل، وهناك يعلق الجرائد على حبال الغسيل. ويأخذ في تمثيل دور بائع الصحف (ص81). وتلك المهنة لم تكن غريبة على ذلك الصبي؛ فوالده نجيب الريس هو صاحب جريدة “القبس” الدمشقية التي استمرت في الصدور حتى ما بعد قيام الوحدة السورية – المصرية في عام 1958، وهو، إلى ذلك، أحد رجالات الاستقلال البارزين في سورية، وصاحب نشيد “يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلاما” الذي نظمه في سجن أرواد في عام 1922. وبلغةٍ مليئة بالحسرة والشجن، يقول: “عندما بدأت الثورة في سورية تعطلت كليتاي” (ص75)، وكان ذلك في آذار/ مارس 2011: “لم يعد بإمكاني من بعدها أن أكتب أو أن أقوى حتى على حمل قلم، أو أن ألوّح لسورية وهي تبتعد. سورية التي كان لعائلتي دور أساسي في استقلالها، ما يزيد من شعوري بأنها توأمي، كما لو أن مصابًا واحدًا ضرب جسدينا معًا” (ص79).
بهذه الكلمات المملوءة بالمرارة ظل رياض الريس يلوّح من بعيد لمدينة دمشق، التي كانت عاصمة الدنيا في عصور مجدها، كأنه يحذو حذو أحمد الصافي النجفي حين عاد إلى بغداد وقد كفّ بصره، فرثى نفسه بقوله:

يا عودة للدار ما أقساها

أسمع بغداد ولا أراها.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This