هل هناك أزمة هويّة إسلاميّة سبّبتها صدمة الحداثة الغربيّة؟

سأتطرق في هذه المقالة إلى الموضوع من زاوية علاقة المجتمعات المؤلفة للحضارة العربية الإسلامية مع الآخر، مع الغرب.

ما الذي عناه بالضبط ماكرون عندما قال أن الإسلام في العالم يمر بأزمة؛ ماكرون الذي ربما لا يمتلك عمقاً فكرياً قادراً على تحليل التاريخ والدين، لكنه، رغم بساطته، وسطحية نظرته ربما، فهو يرى، وبشكل واضح بأم عينيه، يرى مشاكل تحصل أمامه داخل العالم الإسلامي، ومشاكل في اندماج الجاليات المسلمة داخل المجتمعات الغربية، أي أن الأزمة التي يعاني منها الإسلام واضحة أمامه.

قد يكون ماكرون تلفظ بعبارته (الإسلام في أزمة) لأسباب انتخابية سياسية من أجل استمالة أصوات اليمين الفرنسي، لكن حتى لو نزعنا عبارته هذه من سياقها السياسي التي قيلت فيه، فهي تبقى صحيحة، وكلامي هنا سيتعرض لما قاله ماكرون عن أزمة الإسلام.

الآن ما أريد طرحه هنا هو الآتي، ألا تساهم أزمة الهوية الإسلامية في تغذية العنف في المجتمعات الإسلامية، فيما يخص العلاقة مع الغرب؟؟

أقصد (العنف الموجه ضد الغربيين).

ودعنا من التفسير الساذج الذي يقول أن العمليات التي ينفذها مسلمون في أوروبا هي عمليات تتم بتخطيط مخابراتي أوروبي لتشويه صورة الإسلام. فهم في الغرب يستطيعون تشويه صورة الإسلام بطرق أذكى من هذا الأسلوب الساذج.

عندما استفاقت المجتمعات الإسلامية على أصوات مدافع نابليون على أبواب القاهرة، منذ 220 سنة، وبدأت التواصل الحضاري، أو المواجهة الحضارية مع الغرب، شعرت، تلك المجتمعات الإسلامية، بالفرق المادي الحضاري الهائل الحاصل بين الطرفين، وشعرت أيضاً ب (دونية حضارية)، ولو مؤقتة، تجاهه. أعرف أن كلمة (الشعور بالدونية الحضارية تجاه الغرب) عبارة جداً قاسية، ويرفضها الكثيرون، لكن رغم قسوتها، فهي حقيقية، وواقعية. وسأوضح تالياً أنه يمكننا، وبجدارة، الخروج منها. فنحن نشعر بالدونية تجاه ما أنجزه الغرب من تقدم حضاري.

أضف إلى ذلك أننا نحن، كعرب ومسلمين من جهة، والغرب من جهة أخرى، ننام على تاريخ طويل من الصراعات والمواجهات (نحن طردناهم من بلاد الشام، وشمال إفريقيا مع الفتح الإسلامي، ثم، هم عادوا وطردونا من اسبانيا وهاجمونا في الحروب الصليبية، ثم، هددناهم من خلال العثمانيين المسلمين في عقر دارهم في أوروبا، حتى حاصرنا فيينا مرتين، ثم عادوا هم وطردوا العثمانيين من أوروبا، واحتلونا من خلال الاستعمار الحديث، وساهموا في إنشاء دولة إسرائيل). والصراع ما يزال مستمراً، ونحن وهم في علاقة يعتريها هبوط وصعود، هبوط وصعود. وبإجماع كثير من المؤرخين، فإن النفوذ الغربي في العالم وصل إلى قمته في عشرينات القرن الماضي، وهو منذ ذلك الحين في هبوط مستمر. والمعركة بيننا وبين الغرب قد انتقلت الآن إلى داخل بلادهم، إلى أوروبا، وأصبح المسلمون يواجهون أوروبا في عقر دارها، ونحن نعيش الآن مرحلة استفاقة المارد الإسلامي، الذي بدأ انحطاطه الأخير منذ هزيمة العثمانيين في حصار فيينا، وإخراجنا من الأندلس.

والعامل المهم أيضاً في إذكاء التوتر بيننا وبين الغرب هو (المركزية الأوروبية)، فالأوروبيون ينظرون لشعوب العالم الأخرى بنظرة فوقية استعلائية، وحياتنا وأرواحنا كعرب وكمسلمين ليس لها عندهم نفس قيمة حياة الإنسان الغربي، ويعتبر الغربيون أنفسهم هم (مركز العالم) ومركز الحضارة الحديثة، إلى درجة أدت إلى أنه أصبحت بنظرهم المساهمة التاريخية للمسلمين والصينيين والهنود والفرس في سياق الحضارة العالمية، أصبح شيئاً لا ذكر له. فكل مؤرخي الحضارة الغربيين يبدؤون كتبهم التي تتحدث عن ظهور العلم والفكر الإنساني بدأً من عند اليونان، حتى يخيل إليك أن الحضارة اليونانية هذه نزلت من عند الله، رغم أنها في الحقيقة بنيت على ما سبقها من الحضارات الشرقية (مصر وفارس والهلال الخصيب بالتحديد).

هذه العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه، (الصراع التاريخي بيننا وبين الغرب، وصدمة الفارق الحضاري الهائل بيننا وبينه والذي اكتشفناه منذ 220 عام، وعنصرية الغرب تجاهنا)، ساهمت جميعها في توتير العلاقة بين الطرفين، فالغرب بالنسبة لنا هو العدو أحياناً، أو الند، أو المثل الأعلى أحياناً أخرى.

– هو (الند) لأننا نريد اللحاق به و (تقليده) بما ينطوي عليه هذا التقليد من تبني لقيم الحداثة الغربية التي ساهمت في تقدمنا من جهة، وساهمت في سلخ وتشويه هويتنا القومية والحضارية، من جهة أخرى.

– وهو أحياناً (العدو)

– وهو أحياناً أخرى (المثل الأعلى)، لأننا نرى المكتسبات المادية والإنسانية والروحية التي استطاع هذا الغرب انجازها، مقارنة معنا (قد يعترض البعض على عبارة مكتسبات روحية، لكنني أعتبر أن الغرب متقدم روحياً وإنسانياً، أو في أسوأ الأحوال، هو ليس متأخر إنسانياً وروحياً. ” تذكر معي ما يلي – شرعة حقوق الإنسان العالمية في الغرب – التقدم الهائل للفنون في الغرب- التقدم الهائل للعلوم الإنسانية من علم نفس وعلم اجتماع وفلسفة – هم سابقون لنا بأشواط كبيرة في هذه المجالات).

هذه العلاقة المعقدة للحضارة الإسلامية مع الغرب خلقت توتراً دائماً بين الطرفين، ولا ننكر أن هذا الشكل من التوتر الحضاري موجود أيضاً بين كل الحضارات الأخرى في العالم، لكن أحداث فرنسا الأخيرة تجعلنا نركز على هذا التوتر لأنه هو موضوعنا هنا.

وهنا أسأل سؤال جد مهم: لماذا لم نر رد فعل قاسي وعنيف ومشحون عاطفياً من المسلمين تجاه الصين بسبب اضطهادها للإيغور المسلمين على أراضيها، مقارنة بالرد القاسي تجاه فرنسا في قضية الصور المسيئة للرسول؟ الجواب: ببساطة لأننا لا ننظر إلى الصين كما ننظر إلى فرنسا، أو الغرب عموماً، لأنه لا يوجد توتر تاريخي بيننا وبين الصين، فنظرة (الند) و (العدو) و (المثل الأعلى) غير موجودة في عقولنا تجاه الصين، نحن لا نشعر تجاهها بعقدة نقص، ولا ب (دونية حضارية) كما الغرب. بل إن الصين لها مواقف، بدأً من القرن العشرين، مؤيدة للعرب في مواجهة الغرب.

لننبش قليلاً في التاريخ. لقد أنجز الغرب، بدأً من سنة 1500 ميلادية، ومن خلال ما اصطلح على تسميته ب (النهضة الأوروبية)، وبالاستفادة كثيراً من منجزات المسلمين الحضارية، أنجز نقلة قوية فككت البنى السياسية والدينية والفكرية القديمة لديه، وأنشأت عالماً مختلفاً تماماً، استطاع الغرب بواسطته الإنطلاق إلى الأمام، والوصول إلى ما هو عليه الآن، و لا داعي هنا للتفصيل في كيفية حصول النهضة الأوروبية، رغم أن فهمها ومعرفة أسبابها وأسماء الفلاسفة المشاركين فيها، ومقوماتها، ومراحلها وأبعادها وما أنتجته من نتاج فكري، أقول: هذا الفهم لتلك النهضة هو شيء مهم جداً لنا نحن العرب والمسلمين، أهم من قراءة ألف كتاب عن (تاريخ السلف الصالح)، لأننا قادرون، من حيث المبدأ، وكشعوب مسلمة، على أن ننسجم مع هذا التطور، ونكون جزءاً فعالاً فيه، وليس عالة عليه، كما نحن الآن للأسف. وقادرون أيضاً على إنجاز تطور شبيه بالتطور الغربي، ليس من خلال نسخه بطريقة عمياء، (كما فعل أتاتورك)، ولكن بجعله ذو نكهة إسلامية، نكهة عربية، نكهة شرقية، لكن لم تتوفر بعد حتى اليوم الأسباب التاريخية لحصول مثل هكذا مشاركة حضارية مع الأسف، بسبب العوامل الثلاثة الآتية:

1- عامل داخلي سياسي: وهو البنى السياسية المهترئة التي تحكمنا، والتي أحملها أنا نسبة 60 بالمئة من سبب تخلفنا، رغم أن هذه البنى هي بنى تجد جذوراً لسلوكياتها وذهنياتها وأساليبها في تقاليدنا السياسية وفي تاريخنا وفي (بعض مقولات) تراثنا الديني. هذه البنى السياسية لدينا التي لم تستطع حتى الآن تبني النموذج السياسي الأرقى في العالم، وهو النموذج الديمقراطي الليبيرالي، واعتمدت القمع طريقاً للحكم.

2- عامل خارجي: الوضع الحضاري المتأخر الذي نعيشه اليوم مقارنة  مع الغرب، بوصفنا ضعفاء، ومتأخرين حضارياً على كافة المستويات، والذي يجعل هذا الغرب قادراً على تحجيمنا حضاريا، والإبقاء علينا صغار، مفككين، وضعفاء؛ أو ما اصطلح عامة الناس على تسميته (المؤامرة الغربية على العالم الإسلامي)، هذه (المؤامرة) هي نتيجة طبيعية وسلوك سياسي طبيعي، ولو كنا مكان الغرب لفعلنا ما فعل، ولا يوجد مؤامرة، بالمفهوم الشعبي الساذج للمؤامرة، فالموضوع موضوع سيطرة قوي على ضعيف. لا أحد ينكر إذاً أن السياسات الأمريكية والأوروبية كانت ذات أثر سيئ تجاهنا. وهذا الموضوع أنا أعتبره مسؤول عن 20 بالمئة من سبب تخلفنا.

3- عامل داخلي فكري: نحن لدينا كشعوب، وكمؤسسات فكرية ودينية، لدينا قصور فكري وحضاري هائل في فهم واقعنا، وفهم تاريخنا، وفهم واقع الآخرين وتاريخهم. نحن لا نزال، وبنسبة ساحقة، نتبنى أفكار تعود للعصور الوسطى، وتسيطر علينا العقلية الدوغمائية، وعقلية المؤامرة، وحتى اللادينيون من بيننا هم دوغمائيون، أما الإسلام الشعبي المسيطر على عقول الأغلبية، فيفتقر إلى أبسط مقومات المنطق والعلمية. وأنا أحمل هذا الموضوع 20 بالمئة من المسؤولية عن تخلفنا.

ثورات الربيع العربي كانت بسبب التغيير، أو لنقل (التحسن)، الذي طرأ على العامل الثالث أعلاه (العامل الفكري الداخلي). فالكثيرون من أبناء الجيل السابق، ممن هم في أعمار آبائنا، يتبنون فكرة (العرب ما بينفع معهم إلا سياسة العصا والقمع). أما الجيل الجديد فإنه يتبنى أفكاراً أفضل وأكثر حداثية؛ مثل كرامة الإنسان، وقيم العدل والمساواة، وهي القيم التي تقوم عليها مجتمعات وأنظمة حكم في الكثير من أنحاء العالم، علاوة على أن هذه القيم هي موجودة أصلاً في ثقافتنا الدينية. إذاً، البنى الاجتماعية في بلادنا بدأت بالتغير والتطور، وبدأت تشعر بأن البنى السياسية القائمة لا تعبر عن تطلعاتها، فانتفضت ضدها، ومن هنا جاء انفجار الربيع العربي وثوراته في 2011.

أنظر إلى هذه الحكمة التي أهدانا إياها صامويل هانتينجتون في كتابه (صراع الحضارات) الذي ربما يكون من أهم الكتب التي أُلفت في عالم السياسة منذ 100 عام (إضافة إلى كتاب فوكوياما “نهاية التاريخ” الذي حرض “هانتينجتون” أصلاً على إصدار كتابه هذا، واللذان يدوران، كلاهما، حول موضوع مآلات التطور السياسي العالمي إبان انهيار الإتحاد السوفييتي).

هنتينجتون في كتابه يقول للمسلمين، وبشكل غير مباشر، لا تحلموا بالإنسلاخ عن هويتكم، لأنكم لن تتقدموا بدونها، كيف …………؟؟؟

“هانتينجتون” يصنف المجتمعات في العالم بحسب أسلوب رد فعلها على اجتياح الحداثة الأوروبية إلى ثلاثة أشكال، أو نزعات:

1- نزعة منغلقة تماماً، رفضت الغزو الثقافي الغربي (مثل “ماو تسي تونغ” وثورته الثقافية في الصين 1948 – حكم الإمامية في اليمن الشمالي – نظام كوريا الشمالية).

2- نزعة انبهرت انبهاراً مَرَضِيَّاً بالحضارة الغربية، وسعت إلى سلخ جلدها الحضاري والارتماء في أحضان الغرب (مثل كمال أتاتورك في تركيا – و نظام كوريا الجنوبية). ماذا يسمي “هانتينجتون” هذه النزعة؟ يسميها ” الكمالية” لأن أشهر من قام بها هو كمال أتاتورك.

3- نزعة معتدلة ومتوازنة، حافظت على الهوية الذاتية، لكن انفتحت على الغرب. (مثل اليابان).

“هانتينجتون” يقول أن النزعة الانعزالية لم تستطع الاستمرار في والانغلاق، ولا الصمود عليه، واضطرت للانفتاح على العالم في النهاية، وعلى الغرب بالتحديد (مثل الصين ونظامها الإقتصادي الحالي). أما النزعة “الكمالية” (المنبهرة بالغرب) وبحسب “هانتينجتون” فقد فشلت في سلخ الجلد الثقافي الأصلي للأمة، حيث عادت تركيا (وبتأكيد هانتينجتون نفسه) إلى وجهها الثقافي الحقيقي العميق الذي استمرت عليه أزيد من 1000 سنة. فهي الآن دولة إسلامية، رغم كل ما فعله أتاتورك. وهي الآن أفضل مثال (هي وماليزيا وأندونيسيا) على إسلام منفتح، ومعتدل، وحضاري. وأنا أرى الآن (أتاتورك) وهو يتقلب في قبره وهو يسمع أوردوغان يخاطب المسلمين في العالم كزعيم روحي لهم. (رغم أنني لا أحب أردوغان، لكنني معجب بالكاريزما المبهرة لديه، والتي يستعملها أحيانا لخدمة مصالحه الشخصية).

إذاً خلاصة نصيحة “هانتينجتون” لنا هي: لا تَقَدُّم لنا كمسلمين إذا سلخنا جلدنا الثقافي وتماهينا مع الغرب.

لكن لابد أن نعترف بأننا نواجه اليوم أزمة في هويتنا الحضارية، كعرب وكمسلمين، في تعاملنا مع الغرب. فنحن فقدنا الدور الحضاري المركزي الذي كنا نتمتع به في الماضي. أزمة الهوية هذه التي نمر بها الآن قد ساهم الغرب نفسه، عن قصد أو غير قصد، في تعميقها، بسبب اجتياحه الثقافي والعسكري والثقافي والاقتصادي المفاجئ لنا، والذي فكك ما لدينا من بنى اجتماعية وسياسية قديمة، في وقت قصير، ولم يمهلنا ما يكفي من الوقت لإنشاء بنى جديدة بديلة تسمح بالتأقلم مع هذه الحداثة. لاحظ مثلاً كيف أن حسن البنا (مؤسس الإخوان في مصر) وأبو الأعلى المودودي (المُنَظِّر الإخواني في الهند – باكستان الحالية) قد ظهرا بدعوتهما لإعادة إبراز الهوية الإسلامية وذلك كرد فعل، بعد بضع سنوات فقط، على قضاء أتاتورك على منصب الخلافة الإسلامية في اسطنبول (1922). الهوية الإسلامية هنا تلقت ضربة قوية بالقضاء على منصب الخلافة هذا الذي يصل إلينا من اليوم التالي لوفاة الرسول. و(أتاتورك) خريج الجامعات الفرنسية، هو من فعل ذلك، فعله بتأثير الأفكار الغربية (التي تبناها).

مجتمعاتنا لاتزال تنتقل، رويداً رويداً، باتجاه تبني مفاهيم الحداثة فيها، لكننا لازلنا لم نبلغها، ولا يزال بيننا وبينها بون شاسع، وهذا (البون الشاسع) هو الذي يساهم في إذكاء التوتر بيننا وبين الغرب، ويبقي أيضاً على شعورنا بتفوق الغرب، وبكونه (نداً) أو (عدواً لنا). عندما تنجز شعوبنا التغيير السياسي، التغيير السياسي، أولاً وأخيراً، عندها ستكون قد قطعت شوطاً كبيراً في التخفيف من شدة هذا الفارق الحضاري، عندها، وعندها فقط، سيضمحل كثيراً شعورنا بالعداء تجاه الغرب. وسيخافنا الغرب عندها، لأنه يعرف أن أصواتنا الإنتخابية قادرة على إيصال أعدائه إلى الحكم في بلادنا إذا أردنا. وستستعيد (الهوية العربية والإسلامية) عندها شيئاً كثيراً من كرامتها، وبالتالي توازنها. وتخف كثيراً جداً مظاهر التطرف الديني، هذا التطرف الذي يدين للديكتاتوريات العربية بجزء كبير من وجوده واستمراره. ولن ندير عندها بالاً لا لرسوم مسيئة، ولا لفيلم مسيء، لإن هكذا أمور ستغدو عندها من التوافه. فالذات المقموعة، المقهورة، هي ذات تبالغ في رد الفعل على الإهانة الشخصية، وذلك كنوع من التعويض عن الشعور بالدونية. أما الغضب العارم الذي اجتاح بلادنا بسبب الرسوم المسيئة فلا يصدر أبداً عن شعوب تعيش بكرامة ولا عن شعوب تحظى بحكومات تحترمها وتعاملها كبشر. فالإهانة والإذلال الذي تعيشه شعوبنا يجعلها تجد متنفساً لها في الغضب على هكذا رسوم سخيفة، لاسيما أن هذه الرسوم أصابت موضوع الهوية الدينية ذاته، تلك الهوية الدينية التي التجأنا إليها وسط حالة التخلف الحضاري الشامل الذي نعيش. فالإنسان الواثق بنفسه لا تهزه بعض رسومات في مجلة مغمورة.

أذكر أيضاً خبراً شاع على وسائل التواصل الاجتماعي منذ عام حين انتشرت أخبار عن أن (جامعة هارفارد) وضعت عند مدخل (كلية الحقوق فيها) عبارة مأخوذة من القرآن عن قيمة العدل بين البشر، مستشهدة بأنه أفضل كتاب للعدالة في العالم…… هل تتصورون هذا…؟ نحن المسلمون ننتظر من جامعة في أمريكا أن تشهد لنا بأن القرآن هو أفضل كتاب للعدالة في العالم؛ الكتاب الذي نعتقد أنه نزل من عند خالق الكون على نبينا، نفرح عندما تضع جامعة أمريكية سورة منه على جدارها، مع أن الخبر مشوه، والآية المنقوشة على جدار إحدى المباني، هي واحدة من 350 عبارة أخرى من كل حضارات وأديان العالم، لكن هذا الإهتمام الكبير بهذا الخبر يوضح برأيي تهافتنا على (خبر يرحم هويتنا المهدورة وذواتنا المقموعة، وعقدة النقص الحضارية لدينا)، وفي علم النفس، هناك عقدتان نفسيتان تظهران معاً، وتختفيان معا؛ عقدة النقص والدونية، وعقدة الكمال. من يشعر بالنقص، يبحث دوماً عن شيء يحيي به شعوره بالكمال، كنوع من التعويض وإعادة التوازن النفسي. وهذا هو جوهر الأزمة التي يعاني منها المسلمون في العالم. أما الإسلام بنفسه فنستطيع انتشاله من الأزمة التي يعيش فيها بجعله منسجماً مع العصر، لأنه بشكله (الطقوسي الشعبي الإكليروسي) الحالي غير قادر للأسف على صنع حضارة.

وأنا أؤكد أنه يمكن لنا، كورثة للحضارة العربية الإسلامية، وبما يمتلك ديننا من مفاهيم إنسانية عالمية، يمكننا أن نساهم وبكل قوة في الحضارة العالمية الحالية. فالقيم الأخلاقية، الكونية، الإنسانية في الدين الإسلامي لا تمنعنا إطلاقاً عن هكذا مشاركة. فأهم أساس لأي حضارة هو مرتكزاتها الأخلاقية، والإسلام مشبع وغني بالمُثُل الأخلاقية، وشخصية النبي محمد، كما هي في أذهان المسلمين، هي مرتكز أخلاقي ومرجع إنساني لا تكاد تحظى به شخصية أخرى في التاريخ. ونحن نمتلك تميز وعمق حضاري، كمسلمين، لا يمكن لقوة في العالم أن تلغيه، فلنطمئن، ولا داعي للخوف. لكن كما ردد، ومنذ 200 عام الكثيرون من المفكرين المسلمين، يجب إجراء إصلاح جذري على التشريعات الدينية الإسلامية لجعلها متماشية أكثر مع الواقع الحالي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This