التّحليل النّفسي في زمن فيروس كورونا

محادثة مع أنطونيو دي تشاشا[1]

بولورينو: دعنا نبدأ من التحليل النفسي باعتباره ممارسة عِياديّة ومؤسساتية: الجلسات الملغاة، وعلاجات عن طريق السكايب، ومؤتمرات مؤجلة: كيف يتغير التحليل النفسي في أوقات العدوى؟

دي تشاشا: يدخل واقعيّا فيروس الكورونا وجودَنا بموكب مهيب، مُمَزِّقًا أمننا إلى أشلاء. وعلينا مواجهة هذا الواقع. في ظروف كهذه تصحّ تماما جملة فرويد التي يقول فيها إن الحُكم مستحيل. لكن وكما نرى ذلك يومًا بعد يوم، من بين المهن المستحيلة[2] هنالك أيضا العلاج. وهناك أيضًا نسخته التي يجب العمل معها في التحليل. إنها استحالة بنيوية، ولكننا لا نرى اليوم تجلياتها جراء الوضع الراهن. نحن نعلم أنه في ظل ظروف مماثلة، تظهر بشكل عَرَضِيّ، يُفرض شيء ما من نظام الضرورة بحيث عندما نصل لاحقًا إلى نهايتها، -وندرك ذلك من الآن– لن تسير الأمور كما كانت عليه من قبل.

وماذا عن التحليل النفسي؟ أعتقد أن التأثير يطال بيروقراطية المجتمعات والمدارس المختلفة فقط. في وسط هذه الضرورة الملحّة من الضروري أن نتلقى إشعارات عن عمل وأداء تنظيمهم المؤسساتي، من خلال الشبكات الاجتماعية المتاحة حاليًّا.

إلا أن فحص الأمور يجب أن يتم على المستوى الأخلاقي، وذلك فيما يتعلق بما يدعوه لاكان خطاب المحلّل. وفي حالة كهذه يكون الفاصل ما بين العلاج النفسي والتحليل النفسي واضحًا وجليًّا. إن فن العلاج النفسي يكمن في معرفة الكيفية التي تمكننا من فهم حديثِ من يُعاني (المتعالج -م)، ومعرفة الكيفية التي من خلالها نستجيب للحديث بكلمة تمكننا من تفكيكه، وتسعى إلى ترميز الصدمة. فالأداة هنا هي الحديث: الكلمة التي تَسأل، وتطلب، والكلمة التي بإمكانها أن تُجيب. إن هذا البعد حاضرٌ أيضًا في التحليل النفسي، غير أن التحليل يهدف إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى الكشف عن المنطق لما يُسبِّب التلذّذ (كما دعاه فرويد) الكامن في العَرَضِ الذي يجعلك تُعاني. ولأجلِ هذه العملية، إضافة الى معرفة كيفية الاستجابة، يجد المحلل النفسي نفسَه مُجسِّدًا للحضورِ الواقعيِّ لذلك الموضوعِ (أو الغرض) الذي يُجيز للاوعيِ المتحلِّل أن يرويَ أسبابه- أسبابٌ تُشَكِّلُ الأساسَ والدعامة لعودة العَرَض.

في الظرف الراهن، ملقى على عاتق كل محلّل – فردًا فردًا- لا أن يعرف كيفية الامتثال للمعايير كثيرا، وإنما الامتثال لتلك المبادئ الأخلاقية التي تسمح للتحليل الخالص بأن يستمر (بشكل ملائم). وسيتمكن المحللُ من تقييم هذا الأمر، فقط من خلال قاعدة التعامل مع كل حالة وحالة على انفراد.

بولورينو: دعنا ننتقل إلى التجربة: ما الذي يجلبه المرضى للجلسة؟

دي تشاشا: يجلب المرضى للجلسات ما يقلقهم. وما يقلقهم كما هو الأمر دائما، يحمله إطار الهُوام (fantasy) الأساسي الخاص بهم؛ بما في ذلك، حالة الطوارئ التي نعيشها اليوم. أرى أن المشكلة الجوهرية بالنسبة للمحلّل، والذي يجد نفسه -في لحظة تراجيدية كهذه- ملزمًا على استيعاب ما يُقلق المُتَحلِّل، بعيدًا عن هوامه الخاص (هوام المحلِّل)، وذلك كي لا نأخذ “الصفارات بدل القوارير”[3]، وهو مصطلح يمكن من خلاله أن نلخص نقد لاكان للتحويل المعاكس. ولنقل ذلك ببساطة، هل يستطيع السايكولوجي أولًا وقبل كل شيء، مواجهة كربِه؟ ذلك لأن كرب الإنسان -إذا أعدنا صياغة الجملة الشهيرة من جديد[4]-هو كربُ الآخر الكبير.

بولورينو: يبدو الأمر كفيلم خيال علمي، بينما الواقع هو أننا لسنا مستعدين للعدوى، ما رأيك؟

دي تشاشا: لا يمكننا في أي حال من الأحوال أن نكون مستعدين للصدمة. الصدمة هي ما يقع علينا ونحن غير مستعدين على الإطلاق. بطبيعة الحال، لم يكن الوضع قابلاً للتصور، على الرغم من أن بعض العلماء كان قد توقع حدوثه مرات عدة.

بولورينو: ما الإيجابيات التي قد تخلفها لنا هذه التجربة المجبرين على عبورها؟

دي تشاشا: هذه التجربة تجعلنا نتذكر أن الموت هو لحظة مهمة في الحياة. وأنا أتجرأ أن آمل بأن يتغير أمرٌ ما على الصعيد الوطني والأوروبي والعالمي أيضا، من وجهة نظر سياسية. لكنني بالواقع غير مؤمن أن ذلك سيحدث، ما لم نفهم بأن كوكبنا مصابٌ بنا نحن البشر تحديدًا، وأننا بحاجة إلى تغييرٍ في السِّجل (to change of register).

بولورينو: الوباء الذي حدث عام 1300 ميلادي أعطانا الديكاميرون[5]… ماذا يمكن أن تعطينا هذه الحرب على فايروس كورونا؟

دي تشاشا: ستُولد أعمال فنية وفكرية على الأرجح من هذا الظرف. إنني أيضا أسعى جاهدًا لأداء كل ما في وسعي، حتى لو كان عملا أكون فيه، كمترجمٍ، مجرد أداة. أقوم في هذه الأيام بتصحيح مسوّدات سمينار لاكانْ التاسع عشر وعنوانه “… or Worse.”[6] لدار النشر Einaudi. وهو نص رائع لكنه صعبٌ جدًا ويجب أن يُدرسَ بالتفصيل. يتحدث لاكان فيه حول الـ-لاعلاقة البنيوية بين الرجل والمرأة. يأخذ ذلك بالحسبان حقيقة أنه – إذا قلنا ذلك بكلمات لاكانْ نفسه من السمينار السابق: “يُمكن لرجل وامرأة أن يسمع كل منهما الآخر، لا أقول عكس ذلك، ويستطيعان، فيما هما كذلك، أن يسمعا صراخ بعضها البعض.”[7] إلا أن ذلك لا يمنعهما من ممارسة الحب، ولا حتى من أن يحبّ أحدهما الآخر تحت شرط -واعذرني على الاستشهاد باقتباس آخر- ما يقوله لاكان في نص موجه إلى الكاثوليك: “هل نجحتُ على الأقل في إبلاغكم عن السلاسل الطوبولوجية التي تُموضِعُ في قلب كلٍّ منا المكان الفارغ والذي يُسائلنا منه اللاشيء عن جنسنا وعن وجودنا؟ إنه المكان الذي نحب فيه جارنا كما نحب أنفسنا، لأنه يمتلك داخله مثل هذا المكان.”[8]

بولورينو: كيف تعيش أنت، كشخص وكمحلل، هذا المناخ؟

دي تشاشا: إنني أقوم بترجمة لاكانْ، الذي ما زلت أتذكر صوته. وبما يخص عملي كمحلل، بإمكاني إخبارك أن الذين توجهوا إلي يعلمون أنهم يجدوني حاضرًا، حتى ولو عن بعد. لكن عليّ أن أخبرك، بأنهم غالبًا ما يقلقون عليّ أكثر مما يقلقون على أنفسهم. لا أعتقد أن السبب يكمن فقط في كوني أقع في الفئة العمرية المثلى للإصابة بفايروس كورونا، بل لأن ما يميز التحويل هو أنه في لحظة فشل أو سقوط الآخر الكبير، يزداد تعلّق الذات بهذا الآخر أكثر من ذي قبل حتى. هل يحصل أن تتخلى الذاتُ عنه؟ سوف تفعل ذلك عندما تبلغ العملية التحليلية نهايةً، يُختزل المحلّل معها ليكون مجرّد فضلة خالصة. في النهاية، يترك التحليل ظلًا لمحبة أو لكراهية، لكن (إن كان هناك من تحليل) لا يمكن أن يكون ذلك بتاتًا ظلَّ لامبالاة.

******

[1] Antonio Di Ciaccia (Rome) interviewed by Francesco Bollorino for Psychiatry Online Italia. Published 28th March 2020.

[2] https://www.beds.ac.uk/jpd/volume-4-issue-1/key-pedagogic-thinkers-sigmund-freud/

يتطرق دي تشاتشا في هذه الإشارة الى مقولة فرويد في نصه “التحليل المنتهي وغير المنتهي” والتي يقول فيها أن الحكم والتربية والتحليل النفسي هي من المهن المستحيلة أو غير الممكنة (المترجم للعربية).

[3]  بالإيطالية: fischi per fiaschi وهو مثلٌ إيطاليٌ يعتمد في دلالته على الصوت لا الصورة، ومعناه الحرفي أن تظن الصفارة قارورة، والمقصود به عدم الفهم. (المترجم للعربية)

 المقصود هنا على ما يبدو جملة لاكان بـأن “الرغبة هي رغبة الآخر الكبير”. (المترجم للعربية)   [4]

[5]  بالإيطالية: Il Decameron, cognominato Prencipe Galeotto وتُترجم الأمير غيلهاوت وأحياناً تُلقب بـ “الكوميديا البشرية”. (المترجم للعربية)

[6] Lacan, J., “… Or Worse” The Seminar of Jacques Lacan, Book XIX, Ed. J.-A. Miller, transl. A.R. Price, Polity, 2018.

[7] Lacan, J., Seminar XVIII, “D’un discours qui ne serait pas du semblant”, Lesson of 9th June 1971, Ed. Seuil, 2006, p. 145.

[8] The Triumph of Religion Precedede by Dicourse to Catholics, transl. B. Fink, Polity, 2015, p. 47.

******

By Antonio Di Ciaccia| April 2nd, 2020|COVID-19 / 2020 #33

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This