عندما تُغتال النساء في ليبيا / أبو القاسم علي الربو ا

ستيقظ الليبيون، في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، على وقع فاجعة اغتيال المحامية والناشطة الحقوقية البارزة، حنان البرعصي (46 عاماً)، التي اشتهرت في بنغازي باسم “عجوز برقة”. قتلت بالرصاص في وضح النهار، وسط أحد أكبر شوارع مدينة بنغازي. عُرفت بانتقادها العلني والصريح والمتكرر للانتهاكات في المنطقة الشرقية في ليبيا. استخدمت البث المباشر على “فيسبوك” وسيلة لإيصال صوتها إلى المسؤولين، وكانت تظن أن الأمر يهمهم، على الرغم من إدراكها حجم المخاطرة وصعوبة الطريق الذي اختارته والتهديدات التي كانت تتلقاها باستمرار من مجهولين ومعلومين، حسب تصريحاتها في أكثر من مناسبة. وقد سجلت مقاطع مصورة كثيرة، آخرها التسجيل المباشر الذي بثته قبل اغتيالها بلحظات، حيث ظهرت فيه جالسة في سيارتها، وهي تنتقد مجموعات مسلحة قريبة من اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تسيطر على بنغازي وترهب الأهالي وتصادر ممتلكاتهم، ولم تكن تدري أن هذا التسجيل سيكون الأخير، وأنها لن تتمكن من رؤية ابنتها الوحيدة التي طالما هدّدها المسلحون باختطافها. دفعت البرعصي حياتها لأنها قالت لا، واختلفت مع من ينتهك حقوق الإنسان، واستقبل جسدها 30 رصاصة، لأنها جاءت على قصص نساء تعرّضن للاعتداء والاختطاف والاغتصاب، من شخصيات نافدة تنتمي إلى مليشيات داخل مدينة بنغازي. وطالبت حفتر بمحاسبة المتورّطين في هذه الحوادث، ثم أُسكت، إلى الأبد، صوتها الذي انتقد صدّام، نجل حفتر، بسبب حصوله على رتبة عقيد في الجيش، على الرغم من صغر سنّه، وبعد سنة واحدة من تخرّجه برتبة ملازم ثانٍ.
اخترقت جسد حنان البرعصي 30 رصاصة، لأنها جاءت على قصص نساء تعرّضن للاعتداء والاختطاف والاغتصاب
وقعت جريمة القتل بعد نحو عام ونصف عام من اختفاء النائبة سهام سرقيوة التي اختطفتها مجموعة مسلحة من بيتها في بنغازي، وإصابة زوجها بالرصاص في ساقيه، وذلك بعد انتقادها الهجوم الذي شنّته قوات حفتر على طرابلس. ودعت مجلس النواب، آنذاك، إلى ضرورة استدعاء المسؤولين عن الجيش الليبي في المنطقة الشرقية. ولم تشفع لها حصانتها البرلمانية في الكشف عن مصيرها (على أقل تقدير)، على الرغم من كل المطالبات المحلية والدولية بالكشف عن ملابسات الجريمة والقصاص من الجناة. وفي السياق نفسه، وبالطريقة نفسها، اغتيلَت المحامية والناشطة السياسية، سلوى أبو قعيقيص، أحد مؤسسي المجلس الانتقالي الليبي في عام 2014، بعد نشرها على صفحتها في “فيسبوك” أسماء ثلاثة جنود ليبيين قتلوا في يوم واحد في مدينة بنغازي، حيث اغتالها في منزلها رجال مقنعون مجهولون يرتدون أزياءً عسكرية. وعلى المنوال نفسه، اغتيلَت عضو مجلس النواب، فريحة البرقاوي، التي عُرفت بمواقفها الجريئة، وانتقادها أعضاء البرلمان، حيث أُمطرت سيارتها التي كانت تقودها بالرصاص في مدينة درنة، من دون أن يتمكن أحد من المارّة من إسعافها، أو حتى الاقتراب منها.
مجموعة مسلحة اختطفت النائبة سهام سرقيوة من بيتها في بنغازي، وأصيب زوجها بالرصاص في ساقيه
ولم تكن العاصمة طرابلس في حال أحسن، فقد شهدت عدة عمليات اغتيال، راح ضحيتها نساء بريئات، على الرغم من أن جلّ تلك العمليات لم يكن بدوافع سياسية، بل بدوافع السرقة أو الاغتصاب أو الابتزاز للحصول على الفدية. ولعل أشهر هذه العمليات تلك المرتبطة بالصرخة المدوية “حرام عليكم.. عندكم ولايا (نساء)”، التي ستظل وصمة عار على جبين كل مسؤول تهاون في فرض الأمن، وتخلى عن واجبه في حماية مواطنيه. وسيظل ذلك الفيديو المصوّر لهذه السيدة، وهي تستجدي المجرمين وتتوسلهم بعدم اغتصابها، شاهداً على حقبة استُبيحت فيها كل المحرمات، ومكّنت أمراء الحرب والمجرمين من إعادة تدوير أنفسهم، والإمعان في تكميم الأفواه المطالبة باحترام آدميتهم، وفرض سطوتهم على البلد وعلى إمكاناتها الاقتصادية. ووُجدت جثة المدافعة عن حقوق الإنسان، انتصار الحصائري، داخل صندوق سيارتها، في عام 2015. وكانت المغدورة مؤسسة مشاركة في حركة تنوير، وهي مجموعة غير سياسية تروّج السلام والثقافة في ليبيا، وشاركت في احتجاجات عديدة مطالبة بدولة ديمقراطية تحترم فيها حقوق الإنسان ويسود فيها القانون والمساواة.
شهدت طرابلس عدة عمليات اغتيال، راح ضحيتها نساء بريئات، على الرغم من أن معظم تلك العمليات لم يكن بدوافع سياسية
وطالبت منظمة العفو الدولية بفتح تحقيق سريع وشفاف في حادثة اغتيال المحامية حنان البرعصي الأسبوع الماضي، واعتبرتها “دليلاً على المخاطر التي تواجهها النساء في ليبيا اللواتي يتحدثن عن أمور سياسية”. وأشارت المنظمة، في تغريدات على “تويتر”، إلى أن البرعصي “دأبت على انتقاد أفراد مرتبطين بالمجموعات المسلحة في شرق البلاد، ما أدى الى تلقيها عدة تهديدات، بما فيها القتل، لها ولابنتها”، و”أن اغتيالها جاء بعد إعلان عزمها على نشر فيديو عن فساد صدام نجل حفتر”. ووصفت السفارة الأميركية في ليبيا البرعصي بـ “المفوهة التي سعت إلى مكافحة الفساد”، وأكدت أنه يجب عدم التسامح مع إسكات أصوات الناشطين السلميين، مضيفة أن “عملية القتل الشائنة هذه تؤكد أهمية تشكيل حكومة مسؤولة أمام الشعب الليبي، بدلاً من السماح للفساد والقوة الغاشمة برسم مستقبل ليبيا”. وطالب أعيان قبيلة البراعصة (تنتمي إليها الضحية) وشبابها “القيادة العامة في بنغازي” بكشف ملابسات الجريمة، مؤكّدين، في وقفتهم الاحتجاجية أمام مبنى البرلمان في البيضاء، ضرورة القضاء على المليشيات التي استباحت دماء النساء قبل الرجال، حسب تعبيرهم، وأنهم لن يرضوا إلا بالقصاص من الجناة، من دون مماطلة أو تسويف. ويُذكر أن الجريمة وقعت بالتزامن مع انشغال المسؤولين الليبيين بمعاركهم على شكل الحكومة الجديدة، وتوزيع المناصب فيما بينهم، ومحاولة كسب ودّ مبعوثة الأمم المتحدة بالوكالة، استيفاني وليامز، لإدراكهم أنها قادرة على تحقيق طموحاتهم في الوصول إلى السلطة، تاركين الليبيين لمصيرهم. أما المستقبل، فإنهم يعيشون على قاعدة “فلندع المستقبل للمستقبل”. وعلى الرغم من المعارك السياسية الليبية في المداولات التي جرت في تونس وغيرها، يدرك المواطن الليبي أن حاله لن يتغير بتغير الكراسي، وتبديل الجالسين عليها، وأنْ ليس هناك ما يضمن أنّ عمليات الاغتيال لن تتكرر، وأن السؤال القائم دائماً هو عمّن سيأتي دوره تالياً. وما بين امرأة تُهان وتُغتال في وطنها لمجرّد كلمة، وامرأة تتحكّم في مصير بلد من خلال اختيار من سيحكمه، وكيف سيحكمه، تظل الحيرة سيدة الموقف.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This