التّحديق إلى الدّاخل

إم إم أوين

في روايات هرمان هيسه كما في حياته كان اكتشاف الذات سيراً على حبل مشدود بين الرؤى العميقة والأنانية الشديدة.

في عام 1963 طوّب تيموثي ليري، الكاهن الأعلى ل LSD[1] الكاتب الألماني هيرمان هيسه بوصفه “شاعر الرحلة الداخلية”. كان هيسه قد مات قبل سنة من تاريخه عن عمر 85 لكن الروايات التي تركها وراءه كما أعلن ليري في “Psychedelic Review” كانت “دليلاً نفيساً” للإبحار في رحلة العقار (ال اس دي).

الأدب مليء بغرائب ما بعد الحياة. مات فرانز كافكا في 1924 وهو يعتقد أن مخطوطاته ستحرق. موبي ديك لملفيل (1851) كانت بالأصل فشلاَ ذريعاً. لكن تبني جيل الستينات لهيسه يعتبر أكثرها غرابة. فهو لم يكن قد زار الولايات المتحدة أبداً. ولم يكن يتكلم الإنكليزية. كما كان النبيذ الأحمر مخدره الوحيد. بحلول عام 1968، كما تلاحظ دير شبيغل، كان الهيبيون قد سحبوا هذا الكاتب الآفل “من حالة الركود”. أصبح هيسه الكاتب الألماني الأكثر مبيعاً في القرن العشرين لا يفوقه سوى الأخوين غريم وكارل ماركس بوصفه الكاتب الألماني الأكثر ترجمة في العقود الأخيرة.

تناغم عمل هيسه مع ثقافة شابة مفعمة بالحيوية وتمور برغبة غير متبلورة لاختراق حقل الوعي خصوصاً أن رغبة كهذه استحوذت عليه طوال حياته. يعرف العديد منا بطريقة أو بأخرى هذه الرغبة التي تحرك كل شاب تقريباً. لكن تدبيرها بحكمة يمكن أن يكون تحدياً، وهيسه يمثل، في حياته وعمله، درساً في الإقامة الحدية القلقة في عوالم المرء الداخلية.

كان هرمان كارل هيسه قد ولد في 1877 في كالف، بلدة ساحرة على حافة الغابة السوداء الألمانية. كانت عائلته من الرهبان الورعين المكرسين لدراسة الكتاب المقدس والحياة المسيحية وكان والده قد نشر كتباً بعناوين مثل “الكفار ونحن”.

كانت مراهقة هيسه كئيبة. اعتبرت أمه أشعاره المبكرة “مسمومة” لأنها شعرت أن تلك الأشعار أبرزت اهتماماً بالعالم الآثم للإنسان، بدلاً من الاهتمام بالله. حاكمه معلموه بقسوة لحرارة أفكاره وإفراط مشاعره. واظب على الهروب من المدرسة وهدد بقتل نفسه بالمسدس. في عمر الـ14 أسلموه إلى مصحة نفسية. الاشمئزاز من المؤسسات والاضطراب العاطفي العميق سيلازمان هسيه طوال حياته.

طالما لم تختبر هذا:

أن تموت لكي تنمو

لن تكون إلا ضيفاً مضطرباً

على الأرض المظلمة..

هكذا كتب غوته، شكسبير ألمانيا، والمثال الأدبي الأول لهيسه.  كان هيسه الشاب منجذباً إلى تركيز غوته على الحياة الداخلية وتركيز الرومانسيين على “الينابيع السرية للروح”. كما افتتن ب “نيتشه” وبمفهومه عن الإنسان المتفوق –الكائن الذي يمكنه أن يقبل موت الله وأن يزدهر معتمداً على ذاته فقط. مؤذناً بالهيبيين، تساءل هيسه إن كانت النهضة الروحية قد تبرز من غياهب الشرق. انكب على تشريح بوذا للوعي البشري وعل الحكمة المأثورة للاوتسو. بحلول 1900 ومع بلوغه عامه الـ23 كان هيسه قد وصل بشكل ثابت إلى ما يعتبره طريقاً للانتعاش الروحي: “العمق الأعظم للاستبطان”.

في 1916 وبعد تفاديه خنادق الحرب العالمية الأولى بسبب ضعف نظره التقى مع جوزيف برنارد لانغ، محلل نفسي ونصير لكارل يونغ. كان لانغ الغريب الأطوار وكاتب المقالات النفسية المهمة مولعاً بعلم التنجيم وما وراء الطبيعة. فأصبح الرجلين صديقين، وخلال العقود التالية كتبا عدداً لا يحصى من الرسائل لبعضهما البعض. تحمس هيسه من خلال لانغ لنظريات يونغ و أحب تركيزه على شبكة من الرموز الداخلية التي تم تشكيلها منذ مرحلة الطفولة ومفهومه عن عالم مغمور من الشخصية يُسمى “الظل” وبعد فترة وجيزة من اكتشافه ليونغ، كرر هيسه نظرته للحياة في إحدى الرسائل: “اهتمامي الحصري هو العالم الداخلي”.

كان للإيمان بقوة الذاتية الفردية تأثير على هيسه فأعطاه هذا تركيزاً فريداً ثابتاً ظل دون تغيير على مدى عقود من الروايات: الذات. على وجه أدق، ذات هرمان هيسه. كان المؤلف يحب أن يشير إلى رواياته بوصفها “سيراً ذاتية روحية”. كانت الكتابة، كما أعلن ذات مرة، “طريقاً طويلاً متنوعاً ومتعرجاً يهدف إلى التعبير عن ذات الفنان”، إلى أن تصبح تلك الذات في نهاية المطاف “واضحة، عارية، مسلوبة ومًستهلكة”.

التيمة المركزية لدى هيسه تعني أن رواياته ذات نمط متكرر. يُميز كل منها بطل ذكر تتعارض ذاته المُفعمة مع توقعات العمل المُضجرة الروتينية للمجتمع السائد. وجميعهم “أبطاله” التقى مع واحد أو أكثر من الحكماء. جميعهم أصبحوا معزولين ومضطرين للشروع في رحلات لاكتشاف الذات – الرحلات التي تتطلب منهم مواجهة الصراعات المتأصلة عميقاً في ذواتهم. القوى التي تخوض هذه الصراعات لديها دائماً هذا الهواء الكثيف للنماذج البدائية اليونغية. في روايته “ذئب السهوب” (1927) إحدى رواياته المقروءة على نطاق واسع تتأرجح الحياة الداخلية لبطل الرواية، كما حيوات الجميع، ليس فقط بين قطبين كما في الجسد والروح، القديس والخاطئ، وإنما بين آلاف الأقطاب. في عام 1921 خضع هيسه لنوعين من العلاج مع يونغ نفسه. سجل في مذكراته بعض النصائح التي قدمها له المحلل الشهير. “مشاكل الحياة ليست موجودة ليحلها المرء بطريقة نظيفة” شرح يونغ، “كلٌ منها “أي المشاكل” هو زوج من الأضداد ينتج بينهما توتر يُدعى الحياة”. هذه الحكمة المغرية المستعصية هي ما يكتشفه جميع أبطال هيسه ومن ثم يحاولون الاندماج. من خلال الانغماس في كلية عوالمهم الداخلية بشكل مكثف ولوقت طويل فإنهم يتجهون إلى الأرض الموعودة لما يُسميه هيسه “تحقيق الذات” في روايته المبكرة “دميان”(1919). يمكنهم أخيراً رؤية أنفسهم-جميعاً. ويفهمون، بالنتيجة، كيف يعيشون.

حتى لو لم تقرأ أبداً أي كلمة من رواياته، فإن جاذبية هيسه لقرّاء الستينات يجب أن تكون جلية. كان يحتقر المعلمين والروتين ويحب التعري والأشجار. لكن ثمة أكثر من ذلك، كما كتب الباحث إنغو كورنيلز، أن “الذات الفردية” كانت وديعة الألوهة والمؤسسة الوحيدة التي نتحمل مسؤوليتها. حملت روايات هيسه وعد الستينات ذاته بحيث يمكننا، من خلال نبذ الإملاءات الاجتماعية وتكريس ذواتنا للكشوف الجوانية الحية أن نتقدم إلى ولادة نفسية أخرى. غالباً ما تصل حبكات رواياته إلى ذروتها مع معاناة البطل لتحول قاس ومسبب للهلوسة –تماماً مثل تلك الهلوسة التي أراد ليري توسيعها لتشمل جميع الأمريكيين من خلال العلامة الحمضية “عقار ال اس دي”.

تروي دميان قصة الشاب، إميل سنكلير، الذي انسحب من العيش في المجتمع التقليدي.  يحاول سنكلير بتأثير من التأملات الغامضة لماكس دميان الشبيه بالحكماء التخلص من القيم البرجوازية والكشف عن طريق لتحقيق الذات. يسوقه بحثه عبر أشكال مختلفة من التصوف النفسي.  نسخة حديثة من دميان ظهرت لدى بنغوان مع مقدمة للمثل جيمس فرانكو يتذكر فيها تركه للجامعة في عمر الـ19 لمتابعة حلمه في مزاولة التمثيل. أكدت دميان لفرانكو، وسط شكوكه، أنه قد “اتخذ خطوة أخرى بعيداً عن الحياة الممتثلة” نحو “حياة تنسجم مع مُثلي”.

لعقود كان ل دميان تأثير حيوي مشابه على عدد لا يحصى من القرّاء. دميان ألهم سنكلير لنبذ غريزة القطيع وأن يكون مخلصاً بالمطلق لبذرة الطبيعة النشطة في داخله. يتطلب الاحتفاظ بهذا الإيمان أن يرفض سنكلير كل ما جاء من قبل وأن يُخرج شيئاً جديداً نيتشوياً مًبهراً من النار. كل عقل فني عظيم يلامسه هذا الاندفاع. من السهل معرفة سبب قراءة العديد من أبطال الثقافة المضادة (بما في ذلك عازف الجيتار كارلوس سانتانا) لدميان على أنها بيان.

في سيدهارتا (1922) -إحدى أشهر الروايات التي كُتبت عن البوذية على الإطلاق-يبحث بطل الرواية الذي يحمل الاسم نفسه عن أسلوب حياة مستنير. يتجول في الهند القديمة مختبراً كل من الزهد الاسبارطي والمتعوية المترفة و يجد الحكمة الروحية أخيراً بتأمله لتدفق نهر عظيم. سيدهارتا أكثر لطفاً من دميان، لكنه يحمل الروح ذاتها. ساعياً وراء الاستنارة، لا يمكن لسيدهارتا الامتثال حتى لتعاليم بوذا نفسه. يقول “الحكمة ليست قابلة للنقل وإنما يمكن اكتشافها فقط”. يصرح أن “الباحث الحقيقي لا يمكنه قبول أي تعاليم” وينتهي السعي المضطرب لسيدهارتا عندما يكشف له تدفق النهر أنه –خلف حجاب المايا “الوهم”، خلف الطبيعة الوهمية لجميع الثنائيات- توجد وحدة كل الأشياء.

أرسل سيد هارتا من يعرف عدد الرحالة إلى الهند. لدي ذاكرة حادة عن قراءة الفصول الأخيرة من الرواية أثناء غروب الشمس على شاطىء في ولاية كيرالا. كان البعوض يأكلني حياً لكني كنت بحاجة لمعرفة كيف فعل سيدهارتا ذلك. (أحببتُ فكرة ان المتعوية يمكن ان تكون استنارة وكنت أقل حرصاً فيما يتعلق بالزهد). بالكاد كنتُ خارجاً من مراهقتي، حين كان لدي نفس الاندفاع الذي ميز حركة الستينات المضادة: الكشف عن بعض الحقيقة المتعالية والملونة لدرجة ان كل ما عداها كان قاحلاً جداً ليستحق الاهتمام به وتركه يؤجج روحي.

هيسه ليس أسلوبياً عظيماً. نثره واضح، رواياته ثقيلة، مخططة بدقة، تعليمية غالباً وأحياناً مُبتذلة وخالية من روح الدعابة تماماً. لكن لا شيء من هذا مهم حقاً، لأن ما جذب القرّاء إلى هيسه عبر العقود ليس كتابته وإنما دفاعه عن مشروع تحقيق الذات. لطالما كانت فكرة أن كتب هيسه هي دليل للاكتشاف الداخلي هي الجاذب الجوهري لها –جاذبية تعني أن رواياته لا تزال على القائمة بوصفها نصف أدب ونصف مساعدة ذاتية. نعم، لا يزال بإمكانك العثور على كتب هيسه على رفوف العديد من المكتبات الراقية، صف أو اثنان أسفل بطله غوته، لكنك ستجده مختلطاً أيضاً مع باولو كويللو وخليل جبران في هذه المكتبات الصغيرة المثقلة برائحة البخور حتى أنك تنطح حالماً آخر بينما تبحث عن النقود في جيبك.

تحتوي روايات هيسه، في أفضل تجلياتها، على لمحات من الحكمة الحقيقية. فمثلاً، أدرك هيسه بدقة أن معظمنا يتعثر منذ فترة المراهقة إلى مرحلة البلوغ في تلبس ذوات غير متبلورة وغير مُمتحنة بعد في مواجهة رياح العالم. على الرغم من أن التحليل اليونغي اليوم يحمل أثراً حاداً من الهراء العلمي الزائف فإن حجرات الذات الداخلية تبقى مكاناً يبدأ فيه ضوء البحث العلمي بالإظلام والوميض. في أعماق مياه الوعي الغريبة نحن فقط من يمكنه الخوض في ذواتنا. عبّر هيسه بوضوح عن قيمة شحذ قوانا في الادراك الذاتي. التزامه الثابت بعقل الفرد، ضد كل أشكال الكليّانية الملعونة، حصّنه من كلا الذهانات الوطنية الزائفة للحرب العالمية الأولى ومن الغبي هتلر.

ربما، وقبل كل شيء، يبقى انشغال هيسه بالظل ذا قيمة. في ذئب السهوب ينجذب بطل الرواية هالي هالر إلى وسائل الراحة للحياة البرجوازية، لكنه يشمئز أيضاً من هذا “التفاؤل المحفوظ بعناية” للطبقات الوسطى، سلالة الرداءة السمينة والمزدهرة هذه. يبدأ هاري هالر (منعزلاً عن المجتمع ومكتئباً حد الانتحار) بقبول تلك الأجزاء من نفسه التي لم يكن بإمكانه اختبارها في السابق. بدأ إحساسه بالمرارة يتلاشى. تعكس هذه الرحلة رحلة جميع أبطال هيسه. حيثما تمكنوا من تحقيق اختراق نفسي، يكون ذلك ناجماً عن مواجهة ظلهم بلا وجل-تلك الزوايا المظلمة والقاسية والمخزية من كيانهم.

يعود جزء كبير من تحسين الذات الحديث إلى أشكال مختلفة من الدلال، لكن روايات هيسه تذكرنا أن العمل الحقيقي ينطوي على مواجهة أجزاء من أنفسنا نريد تجاهلها. “عندما نكره شخص ما فإنما نكره شيئاً في دواخلنا على صورته” يصرح أحد السطور في دميان. يتعلم كل بطل من أبطال هيسه أن معرفة أنفسهم يمكن أن تسبب الألم.

رغم هذا، يكشف ميراث هيسه من الاحترام الثابت للذات الشيء ذاته الذي كرست شخصياته حياتها لهدمه: الازدواجية. ثمة جدل طويل ودورّي حول إذا ما كان يمكن فصل أفكار الشخص عن الطريقة التي عاش بها. بالنسبة لمعظم القرّاء الأكاديميين، لا يمكنهم ذلك، أو على الأقل ليس بشكل كامل. ثمة ما هو مهم في محاولة جان جاك روسو تعليم القرّاء التعاطف بتخليه عن أطفاله الخمسة لدار الأيتام. مهم أيضاً أن جورج أورويل كتب عن مخاطر الشمولية ثم ذهب إلى اسبانيا لمحاربة الفاشية بنفسه. وفي حالة مؤلف كرس حياته المهنية لكتابة سلسلة من “السير الذاتية للروح” يبدو من المعقول التساؤل: هل أسفرت آلاف الساعات من الفحص الذاتي المكثف عن نوع من التغيير المهم في الحياة الحقيقية لهذا المؤلف؟

لسوء الحظ، “أنانية المؤلف اللامحدودة” التي وصفها كاتب سيرته الذاتية جونار ديكر، لم تنحسر أبداً. نسبة كبيرة من رسائل هيسه تشغلها اجترارات معنونة ومزاجية محدودة مًسهبة. وفقاً لديكر في كتابه، هيسه: الهائم وظله (2018) كان هيسه غير قادر غالباً على تحمل أي شخص بالقرب منه. في أي وقت كان مطلوباً منه شيئاً عملياً ما كان يُسجل لدى هيسه بوصفه إملاء من عالم متواضع يحاول إلى الأبد إحباط المهمة الملحة المتمثلة في تحقيقه لذاته. ذهب هيسه إلى “علاج الراحة” لمدة أسابيع كل عام، بصرف النظر عما إذا كان الناس في حياته قد استخدموا مساعدته.  انتقد الزخارف المادية لكنه استغل رعاته السويسريين باستمرار للمساعدة في دفع فواتيره.
كانت معاملة هيس للأشخاص الذين اهتموا به قاسية باستمرار. بعد أسابيع قليلة من ولادة ابنه الثالث، كان على متن سفينة ركاب متجهة إلى الشرق، لمتابعة تحقيق الذات بينما كانت زوجته المجهدة والمكتئبة تعتني بالمولود الجديد.

كان هيسه منزعجاً دائماً من زوجته الثالثة لدرجة أنهم تواصلوا عبر “رسائل المنزل” حتى لا يتم تهشيم الصمت الضروري للمؤلف. الإنارة الغازية المستمرة التي كان هيسه يستخدمها ونوبات غضبه وصمته المزاجي ساعدت في دفعها نحو الاكتئاب الانتحاري. في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، قصف هيس ناشره، بيتر سوركامب، بشكاوى من التأخير. كان لسوركامب عذر لائق للتأخير: إذ كان يعاني، بعد 10 أشهر في معسكرات الاعتقال، من شلل متكرر في كلتا ساقيه ومن نوبات متكررة من الالتهاب الرئوي. لكن بالحديث عن الهواجس الفنية التي كانت تنتابه في مقره الريفي في سويسرا الخالية من الحرب، أخبر هيسه سوركامب “لا يمكن أن يكون لديك فكرة عن الجحيم الذي كنت اعيش فيه”.

أعلم أن هذا التنقيب في السلوك الشخصي للرجل قد يكون غير لائق بعض الشيء بعد فترة طويلة من وفاته. هذا لا يعني أن هذه وسيلة استدعاء رخيصة. هيسه ليس أول فنان يُدان بالنرجسية أو عدم النضج. إنه بالتأكيد ليس الرجل الأول الذي يسيء معاملة النساء في حياته. ومن المحتمل أنه كان يمتلك ما يمكن أن نصنفه اليوم على أنه شكل من أشكال الاضطراب ثنائي القطب.

لكن تسجيل سيرة هيسه في العالم يطرح السؤال: ما الغرض من كل هذا؟  أجيال من القراء اشتعلت حماساً بسبب قناعاته أننا بحاجة إلى فحص ذواتنا الداخلية وإلى التطور والتحول الداخلي.  ومع ذلك، يبدو أن هيسه ظل دون تغيير ملحوظ طوال حياته البالغة. رجل بخيل مهووس بنفسه في عام 1900، رجل بخيل مهووس بنفسه في عام 1960. يمكن للمرء أن يكون كما يريد، لكن هنا كاتب كان له تيمة أساسية واحدة: النمو الشخصي. بالنسبة لهيسه، لا يبدو أن هذا النمو قد ساقه إلى تحمل أي مسؤوليات تجاه العالم الأوسع. في الواقع، رغم أن نزعته الفردية كانت تحمي عقله من جاذبية الفكر الجماعي النازي إلا أنها لم تلهمه أيضاً لأي أعمال مقاومة. خلال سنوات المذبحة، طور هيسه “سياسة التجرد”. قام ببعض الإيماءات الدقيقة، مثل مراجعة كتب المؤلفين اليهود. لكن أفعاله كانت خجولة بما فيه الكفاية لدرجة أن رواياته أفلتت من رقابة الرايخ حتى عام 1943.

أدانه زملاؤه المؤلفون الألمان  لرفضه انتقاد النازيين علانية ولرؤيته للحرب من “عزلته الارستقراطية” في الريف السويسري. وصف جورج برنارد، محرر إحدى الصحف البارزة المعارضة للنازية في فرنسا، هيسه بأنه “ورقة توت للرايخ الثالث”.

هل كنت سأكون أكثر شجاعة؟ أود أن أعتقد ذلك، رغم أنه لا يمكنني أن أعرف يقيناً. النقطة المهمة هي أن كل نمو هيسه كان نوعاً من المرآة. لم يهتم البتة بإشراك العالم الأوسع. قبل كل شيء أراد هيسه أن يُترك وشأنه. في عام 1943 كان يعمل على رواية “لعبة الكريات الزجاجية”، رواية خيال علمي هادئة ويوتوبية تمجد فن التطوير الذاتي المكرس. في ذلك العام، مع وجود مسلخ ناري في أوروبا، أخبر ابنه أن الرواية قيد التنفيذ قدمت له “عالماً بكراً تماماً يمكنني أن أعيش فيه حراً تماماً من جميع الهواجس الملحة”.

كوان واحد فقط مهم: “أنت”، كذلك كتب إيكيو، شاعر زن من القرن الخامس عشر. كان هيسه ليوافق، وحياته وعمله يقدمان لنا دراسة عن احترام الذات المكرس. إيكيو محق إلى حد ما. إذا بقيت غامضاً أكثر مما ينبغي بالنسبة لنفسك، فسوف ترتد وتتشظى خلال الحياة دون أي فكرة عن الكيفية التي ينتج بها “هذا الشي الذي تدعوه ذاتك” حياتك. كان هيسه مدافعا متحمسا عن السبر الذاتي القاسي، ولهذا لا يزال عمله ذا قيمة.

يجدر بنا جميعاً أن نقبل ظلنا، أن نحاول إثارة أي كيمياء داخلية نستطيع القيام بها. اعتقد الهيبيون أن هناك شيئاً ما بداخلهم، لامعاً، ينتظر الإفراج عنه. وجدوا شبهاً في الأفكار والميول مع هيسه. جذبني هيسه أيضاً، عندما كان عمري 19 عامًا وكنتُ متأخراً بالنسبة للهيبيز-عندما اعتقدتُ أن المزيج الصحيح من المعزوفات المنفردة على الجيتار والفطر المخدر واليوميات الصريحة ستندمج في أي لحظة في التعويذة الكبيرة، ولن يعود هناك المزيد من الأسرار ولا المزيد من العد التنازلي.

ولكن في نهاية المطاف، حياة هيسه وعمله يعدان بمثابة تحذير أيضاً. إنهما يوضحان كيف أن اجترار إمكانية تحقيق الذات يمكن أن يصبح رمالًا ذهنية متحركة. من الخطر التوقف عن معايرة نفسك بالنسبة للأثر الذي تتركه على العالم الخارجي. من السهل جداً الخلط بين الاجترار والنمو نفسه. العديد من الهيبيين –على الرغم من نواياهم الطيبة في الأماكن الصحيحة إلى حد ما- نسخوا الخطأ نفسه. في مرحلة ما، يجب أن يكون تطوير الذات وسيلة وليس غاية.

النرجسية النفسية تبقى نرجسية. النرجسية الروحية تبقى نرجسية. نرى هذا في هيسه الذي كان في كل من حياته وسرده مفتوناً بانفعالاته الخاصة. أعتقد أن هذا هو سبب بقاءه اليوم واحداً من هؤلاء المؤلفين الذين معظم معجبيهم من الشباب بشكل حصري تقريباً. في “سيره الذاتية للروح”، لا يبدو أن هيسه يفلت أبدًا من هذا الانطباع، الذي تفوح منه رائحة المراهقة، أن مشاعر المرء الخاصة فريدة جداً بشكلها ونطاقها. طوباوي بقسوة فيما يتعلق بقدرة المرء على التعاطف، قانط بقسوة فيما يتعلق بقدرة المرء على اليأس. في عام 1955 أعرب هيسه عن استياءه من “قراءة طلبة المدارس وحماسهم لذئب السهوب”: “الحقيقة أنني كتبتُ هذا الكتاب قبل وقت قصير من عيد ميلادي الخمسين”. لكن مثل جميع رواياته، فإن المضمون العاطفي لذئب السهوب أكثر ملائمة لتلميذ مما لرجل في منتصف العمر. الإحساس بأن المرء مرفوض على نحو غير محدد من قبل العالم، أن تصور المرء للأشياء أكثر حدة من تصور أي شخص آخر –يا للهول- هذه هي الحالة الأكثر ذاتية  لقلق الشباب. ثمة شيء جميل وصحي في هذه المرحلة من الكينونة، لكنها تمتلك نوعاً خاصاً من الانغماس في الذات يتعلم الناضجون تقنينه في النهاية. جميع أبطال هيسه، على صورة مؤلفهم، منغمسون في ذواتهم بشكل مذهل. كانت السنوات التي استمتعت فيها بهيسه كثيراً هي السنوات التي كنت خلالها في أقصى درجات الانغماس في الذات.

أخبرني مارك هارمان، مترجم رسائل هيسه، أنه “على الرغم من أن هيسه تمرد ضد والديه المتدينين، إلا أنه احتفظ ببعض قيمهم الأساسية. لم يخرج هيسه أبداً، قبل كل شيء، من مسلمات التقوى والإيمان بأن الأشياء في الهنا والآن بوصفها نقيضاً للفردوس المتعالي-فاسدة وساقطة منذ البداية. هذه هي الطريقة الرئيسية التي يخطئ بها الهيبيون –الذين لم يكن لديهم أدنى عوائق فيما يتعلق بملذات الحواس-في قراءة هيسه. أعاد هيسه في مقاربته للكتابة والحياة تلخيص تلك الفكرة الدينية القديمة: أن العقل أنبل من المادة. في وصف اكتشافه للكتابة في مرحلة الطفولة، يشير هيسه إلى بهجة شعوره بأنه “منفصل عن العالم وبمنأى عن العالم”. كانت الكتابة بالنسبة إليه بمثابة شرنقة روحية مباركة. مغاور الذات كانت مكاناً يمكنه فيه التسلق والاحتماء من ضوء النهار في الأعلى. حيثما تعامل هيسه مع العالم العلوي، كان ثمة مسافة دائماً. أمضى سنواته الأخيرة في كوخه الهادئ يكتب 150 صفحة من الرسائل إلى الغرباء كل يوم -بينما كانت لافتة معلقة على بوابته الأمامية تقول: “لا زوار من فضلك”.

في النهاية، يجبرنا بحث هيسه عن الحكمة على مواجهة سؤال حاسم: هل تفضل روحك، أو العالم؟ تقول إحدى الشخصيات في “لعبة الكريات الزجاجية”: دعنا نوجه نظرنا إلى الداخل، ثم سنكتشف الكون متجسداً. روايات هيسه مُثقلة بالهرمسية، بالشعور البارد لرجل يقايض جهنم الأخرين مقابل ميلودراما عقله. ربما تعتقد، مثل هيسه، أن معرفة الذات أعلى قيمة عندما تعمل في الخفاء، مرتدياً الحرير اللماع للفكر النقي. أعطني صمتي، كهفي، نصوصي. لكن هناك وجهة نظر معاكسة: تُعاش الحياة في تناغم مع أرواح أخرى، وإلا فإنها تستحيل خراباً. أنت تصبح أفضل بالمحبة وإلا تخسر.

تحتوي روايات مثل دميان، سيدهارتا، ذئب السهوب ولعبة الكريات الزجاجية على رؤى حقيقية. حاول معظم حكماء العالم، مثل هيسه، العمل على الأرض المتصدعة لشخصياتهم بمجرفة حادة. لكن إذا ما نظرنا إليه ككل، فإن عمل هيسه وحياته يثبتان أن السبر الذاتي هو حبل مشدود.

يمكننا أن نتناول كتابات هيسه، ونرى ما يمكن رؤيته، في أعماق استكشاف الذات. ربما يمكننا جمع بعض الارشادات لإجراء عمليات البحث الخاصة بنا. لكن إن كان العالم المضطرب المترهل للأرواح الأخرى مهماً بالنسبة لك، فاخرج اللآلئ واصعد إلى السطح مرة أخرى. فالتحديق إلى الداخل سيأخذك إلى منتصف الطريق فقط في هذه الحياة.

******

إم إم أوين: كاتب بريطاني وكاتب تقني رئيسي في Studio Mistfit. حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا البريطانية.

https://aeon.co/essays/hermann-hesse-and-the-double-edged-sword-of-dwelling-on-ones-self.

******

1-تيموثي ليري: نفساني وكاتب أمريكي، مُحاضر في الطب النفسي السريري في هارفارد وكان أبرز من دعا إلى استخدام العقاقير التي تغير العقل بما فيها ال اس دي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This